تقولُ فيهِ بلسانٍ ناعتِ *** أبلجُ وجهٍ ظاهرُ الوضاءةِ

الخَلْقُ منهُ لمْ تَعِبْهُ ثَجْلَهْ *** كلا ولمْ تُزْرِ بهِ مِنْ صَعْلَهْ

أدعَجُ والأهدابُ فيها وَطَفُ *** من طولها أو غَطَفٌ أو عَطْفُ

والجيدُ فيهِ سَطَعٌ وسيمٌ *** والصوتُ فيهِ صَحَلٌ قسيمُ

لو لم تكن فيه ءايات مبينةٌ *** كانت بديهته تنبيك بالخبر

كثيفُ لحيةٍ أزَجُّ أقرَنُ *** أحْلاه مِنْ قُربٍ لهُ وأحسنُ

أجملهُ من بعدٍ وأبْها *** يعلوهُ إذْ ما يَتَكلمُ البها

كذاكَ يعلوهُ الوقارُ إنْ صمتْ *** مَنطِقهُ كخرزٍ تَحَدَّرتْ

فصْلُ الكلامِ ليسَ فيه هَذرُ *** حلوُ المقالِ ما عراهُ نَزْرُ

لا بائنٌ طولاً ولا يُقتحمُ *** من قصرٍ فهْوَ عليهم يَعظُمُ

بِنَضرةِ المنظرِ والمِقدار *** تحُفُّهُ الرّفقةُ بائتمارِ

إنْ أُمِروا تَبَادروا امْتِثالا *** أو قالَ أنْصِتوا إجلالا

فهْوَ لدى أصحابِهِ محفودُ *** أيْ يُسرعونَ طاعةً محشودُ

ليسَ بعابسٍ ولا مُفنِّدِ *** بذاكَ عرَّفَتْهُ أمُّ معبدِ

باب ذكر وصف هند بن أبي هالة له

وابنُ أبي هالةَ زادَ لمَّا *** وصفهُ مُفَخَّمًا وفَخْمَا

لوجههِ تلألؤٌ كالبدرِ *** مُعتدلُ الخَلقِ عريضُ الصدرِ

عظيمُ هامٍ واسعُ الجبينِ *** فمٌ ضليعٌ اقنى العِرنين

يعلوهُ نورٌ مَنْ رءاهُ إذْ ما *** لم يتأمَّلْ ظنَّهُ أشَمَّا

مُفلَّجُ الأسنانِ سهلُ الخدْ *** أشنبُ بادنٌ طويلُ الزَّنْدِ

عُنُقُهُ يُرى كجيدِ دُميةِ *** معَ صفاءِ لونِهِ كالفضةِ

أزجُّ في غيرِ قرَنْ إذا غضبْ *** بينهما عِرقٌ يُدرُّهُ الغضبْ

وسائلُ الأطرافِ رَحبُ الراحةِ *** ضخمُ الكراديسِ ذريعُ المِشيةِ

باب ذكر أخلاقه الشريفة جمع خُلُق بضمتين صورته الباطنة وهي نفسه وأوصافه ومعانيها

أكْرِمْ بهِ خُلُقُهُ القرءانُ *** فهوَ لدى غضبِهِ غَضْبانُ

يرضى بما يرضاهُ ليسَ يَغضبُ *** لنفسهِ إلا إذا تُرتكبُ

محارمُ الله إذًا فينتقمُ *** فاحدٌ لذاكَ أصلاً لم يَقمْ

بعثهُ الرحمنُ بالإرفاقِ *** كيما يتمَّ صالحَ الأخلاقِ

أشجعهم في موطنٍ وأنجدا *** وأجودُ الناس بنانًا ويدا

ما سُئلَ قطُّ حاجةً فقالَ لا *** وليسَ يأوي منزلاً إنْ فَضلا

مما أتى درهمٌ أو دينارٌ *** حتى تريحَ منهما الأقدارُ

أصدقُ لهجةً وأوفى ذمهْ *** ألينهم عريكةً في الأمة

أكرمهم في عشرةٍ لا يحسبُ *** جليسه أن سواهُ أقربُ

حياؤهُ يربو على العذراءِ *** في خِدرها لشدةِ الحياءِ

نظرهُ للأرض منهُ أكثرُ *** إلى السماءِ خافضٌ إذْ ينظرُ

أكثرهم تواضعًا يُجيبُ *** داعيهِ بعيدٌ أو قريبُ

من عبدٍ أو حرٍّ فقيرٍ أو غني *** وأرحمُ الناس بكلّ مؤمنِ

وطائفٍ يَعْروهُ حتى الهِرهْ *** يُصغي لها الإناءَ غيرَ مرّهْ

كانَ أعفَّ الناس ليسَ يُمسِكُ *** أديدَ مَنْ ليسَ لهنَّ يملكُ

يُبايعُ النساء لا يُصافحُ *** أيديهنَّ بل كلامٌ صالحُ

كان أعف الناس أيضًا ما مسكْ *** قط يدًا ليس برقها ملكْ

أشدُّهم لصبحهِ إكرامًا *** ليسَ يمدُّ رجلهُ احتراما

بينهم ولم يكن يُقدِّمُ *** رُكبتهُ على الجليسِ يكرمُ

فمن بديهةً رءاهُ هابهُ *** طبعًا ومن خالطهُ أحبَّهُ

يَمْشي معَ المسكينِ والأرْملةِ *** في حاجةٍ مِنْ غيرِ ما أنَفَةِ

يَخْصِفُ نعلَهُ يَخيطُ ثوبهُ *** يحلِبُ شاتَهُ ولنْ يعيبَهُ

يخدِمُ في مهنةِ أهلهِ كما *** يقطعُ بالسكينِ لحمًا قدُما

يُردِفُ خلفهُ على الحِمارِ *** على إكافٍ غير ذي استِكْبارِ

يمشي بلا نعلٍ ولا خُفٍّ إلى *** عِيادةِ المريضِ حولَهُ المَلا

يُجالِسُ الفقيرَ والمسكينا *** ويُكرمُ الكِرامَ إذْ يأتونا

ليسَ مُواجِهًا بشيءٍ يكرههُ *** جليسهُ بل بالرضا يُواجههْ

يَمْزَحُ لا يَقولُ إلا حقًا *** يجلسُ في الأكلِ معَ الأرِقا

يأتي إلى بَساتِنِ الإخوانِ *** يُكرمُهُمْ بذلكَ الإتيانِ

قيلَ لهُ يدعو على الكفارِ *** دَوْسٍ وغيرهمْ منَ الفُجَّارِ

فقالَ إنما بُعثتُ رحمهْ *** وليسَ لعَّانًا نبيُّ الرحمهْ

بلْ سألَ اللهُمَّ فاهْدِ دَوْسا *** وائْتِ بهم فأصبَحوا رُؤوسا

لمْ يكُ فَحَّاشًا ولا لعَّانًا *** ولا بخيلاً لا ولا جبانًا

يختارُ أيْسَرَ الأمورِ إذْ ما *** خُيِّرَ إلا أن يكونَ إثما

لمْ يُرَ ضاحِكًا بملئِ فيهِ *** بل ضَحْكُهُ تَبَسُّمًا يُبْديهِ

يعجبُ ممَّا يعجَبُ الجليسُ *** منهُ فما بوجههِ عُبُوسُ

أصحابهُ إذْ يَتَتاشدُونا *** بينهم الأشعارَ يضحكونا

ويذكرونَ جاهليَّةً فما *** يزيدُ أن يشركهم تبسُّما

قدْ وَسِعَ النَّاسَ بِبَسْطِ الخُلقِ *** فَهُمْ سواءٌ عندَهُ في الحقّ

ما انتهَرَ الخادِمَ قطُّ فيما *** يأتيهِ أو يتركُهُ مَلُوما

في صُنعِهِ للشيءِ لِمْ صَنَعْتَهُ *** وتَرْكِِهِ للشيء لِم تَرَكْتهُ

يقولُ لوْ قُدِّرَ شيءٌ كانا *** سُبحانَ مَنْ كَمَّلهُ سُبحانا

وفي الجُلوسِ يَحتبي تواضُعا *** ومرةً كالقُرفُصاءِ خاضِعا

مجلِسهُ حِلْمٌ وصَبرٌ وحَيَا *** يبدأُ بالسَّلامِ مَنْ قدْ لقِيا

ويُؤْثِرُ الداخلَ بالوِسادهْ *** أو يبسُطُ الثوبَ لهُ زيادهْ

ليسَ يقولُ في الرّضا والغضبِ *** قطعًا سِوى الحَقّ فخُذهُ واكتُبِ

يَعِظُ بالجِدِّ إذ ما ذكَّرا *** كأنهُ مُنذرُ جَيشٍ حّذَّرا

ويَستنيرُ وجهُهُ إنْ سُرّا *** تخالُهُ مِنَ السرورِ بَدْرا

يمنعُ أن يمشيَ خلفهُ أحدْ *** بل خلفهُ ملائكُ الله الأحدْ

وليسَ يَجْزي سيئًا بمثلهِ *** لكن بعفو وبصفحٍ فضلِهِ

كان يحبُّ الفألَ مِمَّنْ ذكرَهْ *** وكانَ يكرهُ اتباعَ الطِّيَرَهْ

باب ذكر خُلُقه بضمتين في الطعام والشراب ومتعلقاتهما

ولمْ يَعِبْ قطُّ طعامًا يَحضُرُهْ *** يأكلهُ إن يشتهي أو يَذَرهْ

ولم يكنْ جلوسُهُ مُتَّكِيًا *** في حالةِ الأكلِ ولكنْ مُقْعِيا

يُعجبُهُ الذِّراعُ والدُّبَّاءُ *** والعسلُ المَحبوبُ والحَلواءُ

ويأكلُ البطيخَ والقِثاءَ *** برُطَبٍ يَبْغي بهِ الدَّواءَ

يقولُ يُطفي بردُ ذَيْنِ حَرَّ ذا *** وكلُّ إرْشادٍ فعَنْهُ أُخِذا

يأكلُ بالأصابِعِ الثلاثةِ *** يلعقها لِقَصدِ ذي البركةِ

يبدأُ باسم الله ثمَّ يَختمُ *** بالحمدِ في شُربٍ وأكلٍ يَطعمُ

يشربُ في ثلاثةٍ أنفاسا *** يَمَصُّ قهْوَ أهْنأُ اختلاسا

لم يتنفَّسْ في الإنا إذْ يشربُ *** يُبِينُهُ عن فيهِ فهْوَ أطيبُ

يشربُ قاعِدًا ومِنْ قِيامِ *** لِعارضٍ كزِمْزَمِ الحرامِ

وشُربُهُ مِنْ قِربةٍ معلَّقهْ *** دلَّ به للرُّخصةِ المُحققهْ

يُناوِلُ الأيمنَ قبلَ الأيْسرِ *** إلا بإذنهِ لحقِّ الأكبرِ

والباردُ الحُلْوُ يُحبُّ شُربهُ *** واللبنَ استزادَ إذْ أحبَّهُ

يقولُ زِدْنا منهُ فهْوَ يُجزي *** عنِ الشّرابِ والطعامِ المُجزي

باب ذكر خلُقه في اللباس

يلبسُ ما مِنَ الثيابِ وجدا *** منَ الإزارِ والقميصِ والرِّدا

وبُردةٍ وشُملةٍ وحِبرهْ *** وجُبَّةٍ أو فقُباءٍ حَضَرَهْ

لبسَ أيضًا حُلَّةً حمراء *** فزادَها بحُسنهِ بهاء

ورُبَّما ارتدى الكِساءَ وحْدهْ *** ليسَ عليهِ غيرهُ لمْ يعدُهْ

وربَّما كانَ الإزارُ وحدهُ *** ليسَ عليهِ غيرهُ يَعقدُهُ

وربما كانَ عليهِ مِرْطُ *** مُرَحَّلٌ يَقْنعُ لا يَشْتَطُّ

وربما صلَّى بثوبٍ واحدِ *** مُلتحِفًا بهِ بغيرِ زائدِ

لا يُسبلُ القميصَ والإزارا *** بل فوقَ كعبَيْهِ هُما اقْتِصارا

بل ربما كانا لنصفِ السَّاقِ *** تواضُعًا لربِّهِ الخَلاقِ

يلبسُ ثوبهُ منَ الميامينِ *** ونزْعُهُ بالعكسِ للتَّيامُنِ

كانتْ لهُ مِلحفَةٌ مَصبوغةُ *** بزعفرانٍ أو بوَرْسٍ يُنبَتُ

يقولُ عندَ اللبسِ باللسانِ *** الحمدُ للهِ الذي كَساني

ما يستُرُ العورةَ مِنْ لباسِ *** معَ التَّجمُّلِ بهِ في النَّاسِ

ويصعدُ المنبرَ إذْ يشاءُ *** برأسِهِ عِصابةٌ دَسْماءُ

ونعلُهُ الكريمةُ المَصونهْ *** طُوبى لمنْ مَسَّ بها جَبينهْ

لها قِبالانِ بسَيْرٍ وَهُما *** سِبْتِيَّتانِ سَبَتوا شعرهُما

وطولُها شبرٌ وإصبعانِ *** وعرضُها مِمَّا يلي الكعبانِ

سبعُ أصابعَ وبطنُ القدَمِ *** خمسٌ وفوقَ ذا فَسِتٌّ فاعلمِ

ورأسُها مُحدَّدٌ وعرضُ ما *** بينَ القِبالَينِ اصبعانِ اضْبِطْهُما

وهذهِ تِمثالُ تلكَ النعلِ *** ودورها أكْرِمْ بها مِنْ نعلِ