(وَهُوَ صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ ثَابِتَةٌ لِذَاتِ اللَّهِ) تَتَعَلَّقُ بِالْمَسْمُوعَاتِ (فَهُوَ) تَعَالَى (يَسْمَعُ الأَصْوَاتَ بِسَمْعٍ أَزَلِىٍّ أَبَدِىٍّ لا كَسَمْعِنَا) الْحَادِثِ (لَيْسَ بِأُذُنٍ وَصِمَاخٍ) وَهُوَ مَا يَصِلُ إِلَيْهِ الإِصْبَعُ مِنَ الأُذُنِ (فَهُوَ تَعَالَى لا يَعْزُبُ أَىْ لا يَغِيبُ عَنْ سَمْعِهِ مَسْمُوعٌ وَإِنْ خَفِىَ أَىْ عَلَيْنَا وَبَعُدَ أَىْ عَنَّا كَمَا يَعْلَمُ بِغَيْرِ قَلْبٍ) فَهُوَ يَسْمَعُ كَلامَهُ الأَزَلِىَّ وَيَسْمَعُ كَلامَ الْمَخْلُوقَاتِ وَأَصْوَاتَهُمْ بِسَمْعٍ أَزَلِىٍّ لَيْسَ بِسَمْعٍ يَحْدُثُ فِى ذَاتِهِ عِنْدَ وُجُودِ الْحَادِثَاتِ فَسَمْعُ اللَّهِ أَزَلِىٌّ وَمَسْمُوعَاتُهُ الَّتِى هِىَ مِنْ قَبِيلِ الأَصْوَاتِ حَادِثَةٌ قَالَ الإِمَامُ الأَشْعَرِىُّ فِى اللُّمَعِ (وَدَلِيلُ وُجُوبِ السَّمْعِ لَهُ عَقْلًا أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَّصِفًا بِالسَّمْعِ لَكَانَ مُتَّصِفًا بِالصَّمَمِ وَهُوَ نَقْصٌ عَلَى اللَّهِ وَالنَّقْصُ عَلَيْهِ مُحَالٌ).
وَقَدْ حَصَلَ مِنْ بَعْضِ الْجَهَلَةِ أَنْ حَرَّفَ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَلَّهُ أَشَدُّ أَذَنًا فَنَسَبَ إِلَى اللَّهِ الأُذُنَ وَهَذَا تَشْبِيهٌ لِلَّهِ بِخَلْقِهِ (فَمَنْ قَالَ إِنَّهُ) تَعَالَى (يَسْمَعُ بِأُذُنٍ فَقَدْ أَلْحَدَ وَكَفَرَ) أَمَّا الأَذَنُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالذَّالِ الْوَارِدِ فِى الْحَدِيثِ فَهُوَ الِاسْتِمَاعُ.
الصِّفَةُ الْخَامِسَةُ (الْبَصَرُ)
اعْلَمْ أَنَّهُ (يَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى عَقْلًا) وَشَرْعًا (الْبَصَرُ أَىِ الرُّؤْيَةُ) وَالْبَصَرُ يَتَعَلَّقُ بِكُلِّ مَوْجُودٍ (فَهُوَ) سُبْحَانَهُ (يَرَى بِرُؤْيَةٍ أَزَلِيَّةٍ) لا بِدَايَةَ لَهَا (أَبَدِيَّةٍ) لا نِهَايَةَ لَهَا (الْمَرْئِيَّاتِ جَمِيعَهَا فَيَرَى ذَاتَهُ) الأَزَلِىَّ وَيَرَى الْحَادِثَاتِ أَىِ الْمَخْلُوقَاتِ (بِغَيْرِ حَدَقَةٍ وَ)لا (جَارِحَةٍ لِأَنَّ الْحَوَاسَّ مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ) تَنَزَّهَ اللَّهُ عَنْ أَنْ يُوصَفَ بِشَىْءٍ مِنْهَا.
(وَالدَّلِيلُ عَلَى ثُبُوتِ الْبَصَرِ لَهُ عَقْلًا أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ بَصِيرًا رَائِيًا لَكَانَ أَعْمَى وَالْعَمَى أَىْ عَدَمُ الرُّؤْيَةِ نَقْصٌ عَلَى اللَّهِ وَالنَّقْصُ عَلَيْهِ مُسْتَحِيلٌ وَ)أَمَّا (دَلِيلُ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ السَّمْعِىُّ) فَهُوَ (الآيَاتُ وَالأَحَادِيثُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ وَقَوْلِهِ ﷺ فِى تَعْدَادِ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى السَّمِيعُ الْبَصِيرُ وَهُوَ فِى حَدِيثٍ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِىُّ) فِى سُنَنِهِ (وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ).
الصِّفَةُ السَّادِسَةُ (الْكَلامُ)
اعْلَمْ أَنَّهُ يَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى (الْكَلامُ) وَ(هُوَ صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ هُوَ مُتَكَلِّمٌ بِهَا ءَامِرٌ نَاهٍ وَاعِدٌ مُتَوَعِّدٌ لَيْسَ) حَادِثًا (كَكَلامِ غَيْرِهِ بَلْ أَزَلِىٌّ بِأَزَلِيَّةِ الذَّاتِ لا يُشْبِهُ كَلامَ الْخَلْقِ) لا يَطْرَأُ عَلَيْهِ سُكُوتٌ أَوْ تَقَطُّعٌ (وَلَيْسَ بِصَوْتٍ يَحْدُثُ مِنِ انْسِلالِ) أَىْ خُرُوجِ (الْهَوَاءِ) مِنَ الْجَوْفِ (أَوِ اصْطِكَاكِ الأَجْرَامِ) أَىْ أَجْرَامِ الْفَمِ وَهِىَ مَخَارِجُ الْحُرُوفِ (وَلا بِحَرْفٍ يَنْقَطِعُ) أَىْ يَظْهَرُ (بِإِطْبَاقِ شَفَةٍ أَوْ) يَحْدُثُ بِسَبَبِ (تَحْرِيكِ لِسَانٍ).
وَالدَّلِيلُ النَّقْلِىُّ عَلَى وُجُوبِ الْكَلامِ لَهُ سُبْحَانَهُ هُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ أَىْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَسْمَعَ مُوسَى كَلامَهُ الأَزَلِىَّ وَأَمَّا دَلِيلُهُ الْعَقْلِىُّ فَهُوَ أَنَّهُ تَعَالَى لَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَكَلِّمًا لَكَانَ أَخْرَسَ وَهَذَا نَقْصٌ لا يَلِيقُ بِاللَّهِ.
(وَ)أَمَّا الْمُعْتَزِلَةُ فَإِنَّهُمْ نَفَوُا الْكَلامَ عَنِ اللَّهِ فَجَعَلُوهُ أَبْكَمَ وَقَالُوا إِنَّ الْحَرْفَ وَالصَّوْتَ حَادِثَانِ فَلَوْ كَانَ اللَّهُ يَتَكَلَّمُ لَكَانَ حَادِثًا أَىْ مَخْلُوقًا وَقَالُوا فِى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ إِنَّهُ مَجَازٌ أَىْ خَلَقَ اللَّهُ الْكَلامَ فِى الشَّجَرَةِ الَّتِى كَانَ مُوسَى عِنْدَهَا فَسَمِعَ مُوسَى كَلامَ اللَّهِ مِنَ الشَّجَرَةِ فَنَقُولُ لَوْ كَانَ الأَمْرُ كَمَا يَزْعُمُونَ مَا أَكَّدَ اللَّهُ الْفِعْلَ بِالْمَصْدَرِ وَفِى ذَلِكَ نَفْىٌ لِلْمَجَازِ فَبَطَلَ زَعْمُهُمْ.
وَ(نَعْتَقِدُ أَنَّ مُوسَى) عَلَيْهِ السَّلامُ (سَمِعَ كَلامَ اللَّهِ الأَزَلِىَّ بِغَيْرِ حَرْفٍ وَلا صَوْتٍ كَمَا يَرَى الْمُؤْمِنُونَ ذَاتَ اللَّهِ فِى الآخِرَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ جَوْهَرًا) أَىْ حَجْمًا (وَلا عَرَضًا) أَىْ صِفَةً لِلْحَجْمِ (لِأَنَّ الْعَقْلَ لا يُحِيلُ سَمَاعَ مَا لَيْسَ بِحَرْفٍ وَلا صَوْتٍ وَ)إِنْ كُنَّا لا نَسْتَطِيعُ تَصَوُّرَهُ.
(وَكَلامُهُ تَعَالَى الذَّاتِىُّ) أَىِ الَّذِى هُوَ صِفَةُ ذَاتِهِ (لَيْسَ حُرُوفًا مُتَعَاقِبَةً) يَسْبِقُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَيَتَأَخَّرُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ (كَكَلامِنَا وَإِذَا قَرَأَ الْقَارِئُ مِنَّا كَلامَ اللَّهِ) أَىِ اللَّفْظَ الْمُنَزَّلَ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ (فَقِرَاءَتُهُ حَرْفٌ وصَوْتٌ لَيْسَتْ أَزَلِيَّةً) فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ كَلامَ اللَّهِ لَهُ إِطْلاقَانِ أَىْ لَهُ مَعْنَيَانِ يُطْلَقُ
وَيُرَادُ بِهِ الْكَلامُ الأَزَلِىُّ الَّذِى هُوَ صِفَةُ ذَاتِهِ وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ اللَّفْظُ الْمُنَزَّلُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ (وَقَدْ نُقِلَ هَذَا التَّفْصِيلُ عَنِ) الإِمَامِ (أَبِى حَنِيفَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ مِنْ) رُؤُوسِ (السَّلَفِ) أَىْ أَهْلِ الْقُرُونِ الثَّلاثَةِ الأُولَى فَإِنَّهُ (أَدْرَكَ شَيْئًا مِنَ الْمِائَةِ الأُولَى) إِذْ وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانِينَ (ثُمَّ تُوُفِّىَ سَنَةَ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ هِجْرِيَّةً) فَإِنَّهُ (قَالَ وَاللَّهُ يَتَكَلَّمُ لا بِآلَةٍ وَحَرْفٍ وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ بِآلَةٍ وَحَرْفٍ) وَنَصُّ كَلامِهِ وَيَتَكَلَّمُ لا كَكَلامِنَا نَحْنُ نَتَكَلَّمُ بِالآلاتِ مِنَ الْمَخَارِجِ وَالْحُرُوفِ وَاللَّهُ مُتَكَلِّمٌ بِلا ءَالَةٍ وَلا حَرْفٍ،
فَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ وَشَفَتَيْنِ وَكَلامُنَا حُرُوفٌ لَهَا مَخَارِجُ فَبَعْضُ الْحُرُوفِ تَخْرُجُ مِنَ الشَّفَتَيْن كَالْبَاءِ وَالْمِيمِ وَبَعْضُ الْحُرُوفِ مِنَ الْحَلْقِ وَبَعْضُهَا مِنْ طَرَفِ اللِّسَانِ (فَلْيُفْهَمْ ذَلِكَ. وَلَيْسَ الأَمْرُ كَمَا تَقُولُ الْمُشَبِّهَةُ بِأَنَّ السَّلَفَ مَا كَانُوا يَقُولُونَ بِأَنَّ اللَّهَ مُتَكَلِّمٌ بِكَلامٍ لَيْسَ بِحَرْفٍ) وَلا صَوْتٍ (وَإِنَّمَا هَذَا بِدْعَةُ الأَشَاعِرَةِ) وَمُرَادُهُمْ بِهَذَا صَرْفُ النَّاسِ عَنِ التَّنْزِيهِ إِلَى اعْتِقَادِهِمُ الْبَاطِلِ وَالْعِيَاذُ باللَّهِ.
(وَهَذَا الْكَلامُ مِنَ) الإِمَامِ (أَبِى حَنِيفَةَ) رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ (ثَابِتٌ) عَنْهُ (ذَكَرَهُ فِى) رِسَالَةِ الْفِقْهِ الأَكْبَرِ وَهِىَ (إِحْدَى رَسَائِلِهِ الْخَمْسِ) الَّتِى صَحَّتْ نِسْبَتُهَا إِلَيْهِ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ الْفَقِيهُ الْحَنَفِىُّ مُحَمَّدُ مُرْتَضَى الزَّبِيدِىُّ فِى شَرْحِهِ عَلَى إِحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ.
(وَالْقُرْءَانُ) لَفْظٌ (لَهُ إِطْلاقَانِ) أَىْ لَهُ مَعْنَيَانِ (يُطْلَقُ عَلَى اللَّفْظِ الْمُنَزَّلِ عَلَى) سَيِّدِنَا (مُحَمَّدٍ) ﷺ (وَ)يُطْلَقُ (عَلَى الْكَلامِ الذَّاتِىِّ الأَزَلِىِّ الَّذِى) لا يُشْبِهُ كَلامَ غَيْرِهِ (لَيْسَ هُوَ بِحَرْفٍ وَلا صَوْتٍ وَلا لُغَةٍ عَرَبِيَّةٍ وَلا غَيْرِهَا. فَإِنْ قُصِدَ بِهِ) أَىِ بِالْقُرْءَانِ وَكَذَا بِغَيْرِهِ مِنَ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ (الْكَلامُ الذَّاتِىُّ)
الَّذِى هُوَ صِفَتُهُ (فَهُوَ أَزَلِىٌّ لَيْسَ بِحَرْفٍ وَلا صَوْتٍ) وَلا لُغَةٍ (وَإِنْ قُصِدَ بِهِ وَبِسَائِرِ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ اللَّفْظُ الْمُنَزَّلُ) فَهُوَ بِلُغَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ (فَمِنْهُ مَا هُوَ بِاللُّغَةِ الْعِبْرِيَّةِ) كَالتَّوْرَاةِ وَالزَّبُورِ (وَمِنْهُ مَا هُوَ بِاللُّغَةِ السُّرْيَانِيَّةِ) كَالإِنْجِيلِ وَأَمَّا الْقُرْءَانُ فَأُنْزِلَ بِاللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ (وَهَذِهِ اللُّغَاتُ) الثَّلاثُ الْعِبْرِيَّةُ وَالسُّرْيَانِيَّةُ وَالْعَرَبِيَّةُ (وَغَيْرُهَا مِنَ اللُّغَاتِ لَمْ تَكُنْ مَوْجُودَةً فَخَلَقَهَا اللَّهُ تَعَالَى فَصَارَتْ مَوْجُودَةً) بِإِيجَادِ اللَّهِ لَهَا (وَاللَّهُ تَعَالَى كَانَ) مَوْجُودًا (قَبْلَ كُلِّ شَىْءٍ وَكَانَ مُتَكَلِّمًا) أَىْ مُتَّصِفًا بِالْكَلامِ (قَبْلَهَا وَلَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا وَكَلامُهُ الَّذِى هُوَ صِفَتُهُ أَزَلِىٌّ أَبَدِىٌّ) أَىْ لا بِدَايَةَ وَلا نِهَايَةَ لَهُ (وَهُوَ كَلامٌ وَاحِدٌ) أَىْ لَيْسَ مُتَجَزِّءًا وَلا مُرَكَّبًا مِنْ الْحُرُوفِ.
(وَهَذِهِ الْكُتُبُ الْمُنَزَّلَةُ كُلُّهَا عِبَارَاتٌ عَنْ ذَلِكَ الْكَلامِ الذَّاتِىِّ الأَزَلِىِّ الأَبَدِىِ) أَىْ تَدُلُّ عَلَيْهِ (وَلا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْعِبَارَةِ حَادِثَةً كَوْنُ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ) وَهُوَ صِفَةُ اللَّهِ (حَادِثًا) أَىْ مَخْلُوقًا (أَلا تَرَى أَنَّنَا إِذَا كَتَبْنَا عَلَى لَوْحٍ أَوْ جِدَارٍ) لَفْظَ الْجَلالَةِ (اللَّه فَقِيلَ هَذَا اللَّهُ فَهَلْ مَعْنَى هَذَا أَنَّ أَشْكَالَ الْحُرُوفِ الْمَرْسُومَةَ هِىَ ذَاتُ اللَّهِ) الَّذِى نَعْبُدُهُ (لا يَتَوَهَّمُ هَذَا عَاقِلٌ إِنَّمَا يُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ عِبَارَةٌ عَنِ الإِلَهِ الَّذِى هُوَ مَوْجُودٌ مَعْبُودٌ خَالِقٌ لِكُلِّ شَىْءٍ) وَكَذَلِكَ اللَّفْظُ الْمُنَزَّلُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ كَلامِ اللَّهِ الذَّاتِىِّ الأَزَلِىِّ.
(وَمَعَ هَذَا لا يُقَالَ الْقُرْءَانُ وَغَيْرُهُ مِنَ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ مَخْلُوقٌ) أَىْ إِطْلاقُ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ مَخْلُوقٌ حَرَامٌ لِأَنَّهُ يُحْمَلُ عِنْدَ الإِطْلاقِ عَلَى صِفَةِ الْكَلامِ الأَزَلِيَّةِ (لَكِنْ يُبَيَّنُ فِى مَقَامِ التَّعْلِيمِ أَنَّ اللَّفْظَ الْمُنَزَّلَ لَيْسَ قَائِمًا بِذَاتِ اللَّهِ) أَىْ لَيْسَ صِفَةً قَائِمَةً بِذَاتِ اللَّهِ أَىْ ثَابِتَةً لَهُ (بَلْ هُوَ مَخْلُوقٌ لِلَّهِ لِأَنَّهُ حُرُوفٌ يَسْبِقُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَمَا كَانَ كَذَلِكَ)
فَهُوَ (حَادِثٌ مَخْلُوقٌ قَطْعًا لَكِنَّهُ لَيْسَ مِنْ تَصْنِيفِ مَلَكٍ وَلا بَشَرٍ) أَىْ لَيْسَ مِنْ تَأْلِيفِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ وَلا مِنْ تَأْلِيفِ نَبِىٍّ مِنَ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ (فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْكَلامِ الذَاتِىِّ الَّذِى لا يُوصَفُ بِأَنَّهُ عَرَبِىٌّ وَلا بِأَنَّهُ عِبْرانِىٌّ وَلا بِأَنَّهُ سُرْيَانِىٌّ وَكُلٌّ يُطْلَقُ عَلَيْهِ كَلامُ اللَّهِ أَىْ أَنَّ صِفَةَ الْكَلامِ الْقَائِمَةَ بِذَاتِ اللَّهِ)
أَىِ الثَّابِتَةَ لَهُ (يُقَالُ لَهَا كَلامُ اللَّهِ وَاللَّفْظُ الْمُنَزَّلُ الَّذِى هُوَ عِبَارَةٌ عَنْهُ يُقَالُ لَهُ كَلامُ اللَّهِ وَالإِطْلاقَانِ مِنْ بَابِ الْحَقِيقَةِ) لا الْمَجَازِ (لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ إِمَّا لُغَوِيَّةٌ) وَهِىَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِى مَعْنَاهُ الْحَقِيقِىِّ كَإِطْلاقِ الأَسَدِ عَلَى الْحَيَوَانِ الْمُفْتَرِسِ (وَإِمَّا شَرْعِيَّةٌ) وَهِىَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِى الْمَعْنَى الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ عِنْدَ حَمَلَةِ الشَّرْعِ كَإِطْلاقِ الصَّلاةِ عَلَى عِبَادَةٍ مَخْصُوصَةٍ كَصَلاةِ الْعَصْرِ وَالصَّلاةُ فِى الأَصْلِ مَعْنَاهَا الدُّعَاءُ (وَإِمَّا عُرْفِيَّةٌ) وَهِىَ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ فِى الْمَعْنَى الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ فِى عُرْفِ النَّاسِ وَعَادَاتِهِمْ كَإِطْلاقِ الدَّابَّةِ عَلَى الْحِمَارِ وَنَحْوِهِ وَالدَّابَّةُ فِى الأَصْلِ مَعْنَاهَا كُلُّ مَا يَدِبُّ أَىْ يَمْشِى عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مِنْ إِنْسَانٍ وَبَهَائِمَ وَحَشَرَاتٍ، وَإِطْلاقُ الْقُرْءَانِ عَلَى الصِّفَةِ الْقَائِمَةِ بِذَاتِ اللَّهِ حَقِيقَةٌ لُغَوِيَّةٌ وَشَرْعِيَّةٌ (وَإِطْلاقُ الْقُرْءَانِ عَلَى اللَّفْظِ الْمُنَزَّلِ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ فَلْيُعْلَمْ ذَلِكَ.
وَتَقْرِيبُ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ لَفْظَ الْجَلالَةِ اللَّه عِبَارَةٌ عَنْ ذَاتٍ أَزَلِىٍّ أَبَدِىٍّ فَإِذَا قُلْنَا نَعْبُدُ اللَّهَ فَذَلِكَ الذَّاتُ هُوَ الْمَقْصُودُ وَإِذَا كُتِبَ هَذَا اللَّفْظُ فَقِيلَ مَا هَذَا يُقَالُ اللَّهُ بِمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ تَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الذَّاتِ الأَزَلِىِّ الأَبَدِىِّ لا بِمَعْنَى أَنَّ هَذِهِ الْحُرُوفَ هِىَ الذَّاتُ الَّذِى نَعْبُدُهُ).
