(اعْلَمْ أَنَّ عِلْمَ اللَّهِ قَدِيمٌ أَزَلِىٌّ) أَىْ لا بِدَايَةَ لَهُ (كَمَا أَنَّ ذَاتَهُ) قَدِيمٌ (أَزَلِىٌّ فَلَمْ يَزَلْ عَالِمًا بِذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَمَا يُحْدِثُهُ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ) لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا لَكَانَ جَاهِلًا وَالْجَهْلُ نَقْصٌ وَاللَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقْصِ فَاللَّهُ تَعَالَى عَالِمٌ بِكُلِّ شَىْءٍ يَعْلَمُ مَا كَانَ وَمَا يَكُونُ وَمَا لا يَكُونُ أَنْ لَوْ كَانَ كَيْفَ يَكُونُ وَلا
يَقْبَلُ عِلْمُهُ الزِّيَادَةَ وَلا النُّقْصَانَ (فَلا يَتَّصِفُ) رَبُّنَا (بِعِلْمٍ حَادِثٍ) كَعِلْمِنَا (لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ اتِّصَافُهُ بِالْحَوَادِثِ) أَىْ بِصِفَاتٍ حَادِثَةٍ أَىْ مَخْلُوقَةٍ (لَانْتَفَى عَنْهُ الْقِدَمُ لِأَنَّ مَا كَانَ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ) أَىِ الَّذِى تَقُومُ بِهِ صِفَاتٌ حَادِثَةٌ فَذَاتُهُ (لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا) مَخْلُوقًا (وَمَا أَوْهَمَ تَجَدُّدَ الْعِلْمِ لِلَّهِ تَعَالَى مِنَ الآيَاتِ الْقُرْءَانِيَّةِ)
أَىْ مَا كَانَ ظَاهِرُهُ يُوهِمُ أَنَّ اللَّهَ يَكْتَسِبُ عِلْمًا جَدِيدًا (كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا﴾ فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ ذَلِكَ) لِأَنَّ اللَّهَ لا يَتَجَدَّدُ لَهُ عِلْمٌ أَىْ لا يَكْتَسِبُ عِلْمًا جَدِيدًا بَلْ هُوَ عَالِمٌ فِى الأَزَلِ بِكُلِّ شَىْءٍ إِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّهُ نُسِخَ مَا كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ مِنْ مُقَاوَمَةِ وَاحِدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لِأَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ
مِنَ الْكُفَّارِ بِإِيجَابِ مُقَاوَمَةِ وَاحِدٍ لِاثْنَيْنِ مِنَ الْكُفَّارِ رَحْمَةً بِهِمْ لِلضَّعْفِ الَّذِى فِيهِمْ (وَ)بِعِبَارَةٍ أُخْرَى نَقُولُ (قَوْلُهُ ﴿وَعَلِمَ﴾ لَيْسَ رَاجِعًا لِقَوْلِهِ ﴿الآنَ﴾ بَلِ الْمَعْنَى أَنَّهُ تَعَالَى خَفَّفَ عَنْكُمُ الآنَ لِأَنَّهُ عَلِمَ بِعِلْمِهِ السَّابِقِ فِى الأَزَلِ أَنَّهُ يَكُونُ فِيكُمْ ضَعْفٌ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ مَعْنَاهُ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ) أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ بِمَا شِئْنَا مِنَ الْبَلايَا (حَتَّى نُمَيِّزَ أَىْ) حَتَّى (نُظْهِرَ لِلْخَلْقِ مَنْ) هُوَ الصَّادِقُ الَّذِى (يُجَاهِدُ) فِى سَبِيلِ اللَّهِ (وَيَصْبِرُ) عَلَى الْمَشَقَّاتِ (مِنْ غَيْرِهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَالِمًا قَبْلُ) أَىْ فِى الأَزَلِ (كَمَا نَقَلَ الْبُخَارِىُّ ذَلِك عَنْ أَبِى عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بنِ الْمُثَنَّى وَهَذَا شَبِيهٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾) أَىْ لِيُظْهِرَ لِعِبَادِهِ مَنْ هُوَ الْخَبِيثُ وَمَنْ هُوَ الطَّيِّبُ.
الصِّفَةُ الْعَاشِرَةُ (الْحَيَاةُ)
اعْلَمْ أَنَّهُ (يَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى الْحَيَاةُ فَهُوَ حَىٌّ لا كَالأَحْيَاءِ إِذْ حَيَاتُهُ) صِفَةٌ (أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ) أَىْ لا بِدَايَةَ وَلا نِهَايَةَ لَهَا (لَيْسَتْ بِرُوحٍ) وَجَسَدٍ (وَدَمٍ. وَالدَّلِيلُ) الْعَقْلِىُّ (عَلَى وُجُوبِ حَيَاتِهِ وُجُودُ هَذَا الْعَالَمِ فَلَوْ لَمْ يَكُنِ) اللَّهُ (حَيًّا لَمْ يُوجَدْ شَىءٌ مِنَ) هَذَا (الْعَالَمِ لَكِنَّ وُجُودَ الْعَالَمِ ثَابِتٌ بِالْحِسِّ وَالضَّرُورَةِ بِلا شَكٍّ) فَوَجَبَ أَنَّ اللَّهَ حَىٌّ لِأَنَّ مَنْ لَيْسَ حَيًّا لا يَتَّصِفُ بِالْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالإِرَادَةِ وَلَوْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ مُتَّصِفًا بِهَذِهِ الصِّفَاتِ لَمْ يَكُنْ خَالِقًا لِلْعَالَمِ. وَأَمَّا الدَّلِيلُ النَّقْلِىُّ عَلَى اتِّصَافِ اللَّهِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَىُّ الْقَيُّومُ﴾.
الصِّفَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ (الْوَحْدَانِيَّةُ)
(مَعْنَى الْوَحْدَانِيَّةِ أَنَّهُ لَيْسَ ذَاتًا مُؤَلَّفًا مِنْ أَجْزَاءٍ) كَالأَجْسَامِ فَالْعَرْشُ وَمَا دُونَهُ مِنَ الأَجْسَامِ مُؤَلَّفٌ مِنْ أَجْزَاءٍ فَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ مُشَابَهَةٌ فَلا مَثِيلَ لَهُ تَعَالَى وَلا شَبِيهَ فِى ذَاتِهِ وَلا فِى صِفَاتِهِ وَلا فِى فِعْلِهِ (فَلا يُوجَدُ ذَاتٌ مِثْلُ ذَاتِهِ) لِأَنَّ ذَاتَهُ لَيْسَ جِسْمًا (وَلَيْسَ لِغَيْرِهِ صِفَةٌ كَصِفَتِهِ أَوْ فِعْلٌ كَفِعْلِهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِوَحْدَانِيَّتِهِ وَحْدَانِيَّةَ الْعَدَدِ إِذِ الْوَاحِدُ فِى الْعَدَدِ لَهُ نِصْفٌ وَأَجْزَاءٌ أَيْضًا بَلِ الْمُرَادُ أَنَّهُ لا شَبِيهَ لَهُ) كَمَا قَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ وَاللَّهُ وَاحِدٌ لا مِنْ طَرِيقِ الْعَدَدِ وَلَكِنْ مِنْ طَرِيقِ أَنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ.
(وَبُرْهَانُ) أَىْ دَلِيلُ (وَحْدَانِيَّتِهِ) الْعَقْلِىُّ (هُوَ أَنَّهُ لا بُدَّ لِلصَّانِعِ) أَىْ لِلْخَالِقِ (مِنْ أَنْ يَكُونَ حَيًّا قَادِرًا عَالِمًا مُرِيدًا مُخْتَارًا) إِذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ حَيًّا لَكَانَ مَيِّتًا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا لَكَانَ عَاجِزًا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا لَكَانَ جَاهِلًا وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مُرِيدًا مُخْتَارًا لَكَانَ مَجْبُورًا وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ لا يَكُونُ إِلَهًا (فَإِذَا ثَبَتَ وَصْفُ الصَّانِعِ)
أَىِ الْخَالِقِ (بِمَا ذَكَرْنَاهُ قُلْنَا لَوْ كَانَ لِلْعَالَمِ صَانِعَانِ) أَىْ خَالِقَانِ (وَجَبَ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَيًّا قَادِرًا عَالِمًا مُرِيدًا مُخْتَارًا وَالْمُخْتَارَانِ يَجُوزُ اخْتِلافُهُمَا فِى الِاخْتِيَارِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرُ مُجْبَرٍ عَلَى مُوَافَقَةِ الآخَرِ فِى اخْتِيَارِهِ وَإِلَّا لَكَانَا مَجْبُورَيْنِ وَالْمَجْبُورُ لا يَكُونُ إِلَهًا، فَإِذَا صَحَّ هَذَا فَلَوْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا خِلافَ مُرَادِ الآخَرِ فِى شَىْءٍ كَأَنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا حَيَاةَ شَخْصٍ وَأَرَادَ الآخَرُ مَوْتَهُ
لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَتِمَّ مُرَادُهُمَا أَوْ لا يَتِمَّ مُرَادُهُمَا أَوْ يَتِمَّ مُرَادُ أَحَدِهِمَا وَلا يَتِمَّ مُرَادُ الآخَرِ وَمُحَالٌ) أَىْ مُسْتَحِيلٌ (تَمَامُ مُرَادَيْهِمَا لِتَضَادِّهِمَا أَىْ إِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا حَيَاةَ شَخْصٍ وَأَرَادَ الآخَرُ مَوْتَهُ) مَثَلًا (يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الشَّخْصُ حَيًّا وَمَيِّتًا فِى ءَانٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ لَمْ يَتِمَّ مُرَادُهُمَا فَهُمَا عَاجِزَانِ وَالْعَاجِزُ لا يَكُونُ إِلَهًا، وَإِنْ تَمَّ مُرَادُ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يَتِمَّ مُرَادُ الآخَرِ فَإِنَّ الَّذِى لَمْ يَتِمَّ مُرَادُهُ عَاجِزٌ وَلا يَكُونُ الْعَاجِزُ إِلَهًا وَلا قَدِيمًا وَهَذِهِ الدِّلالَةُ مَعْرُوفَةٌ عِنْدَ الْمُوَحِّدِينَ تُسَمَّى بِدِلالَةِ التَّمَانُعِ) كَمَا (قَالَ تَعَالَى ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا ءَالِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾) أَىْ لَوْ كَانَ لِلسَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ءَالِهَةٌ غَيْرُ اللَّهِ لَفَسَدَتَا أَىْ مَا كَانَتَا تَسْتَمِرَّانِ عَلَى انْتِظَامٍ.
فَلَوْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ وَاحِدًا وَكَانَ مُتَعَدِّدًا لَمْ يَكُنِ الْعَالَمُ مُنْتَظِمًا لَكِنَّ الْعَالَمَ مُنْتَظِمٌ فَوَجَبَ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ. وَأَمَّا الدَّلِيلُ النَّقْلِىُّ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ مِنَ الْقُرْءَانِ فَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ وَمِنَ الْحَدِيثِ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِى الْمُسْتَدْرَكِ أَنَّهُ ﷺ كَانَ إِذَا تَعَارَّ مِنَ اللَّيْلِ أَىِ اسْتَيْقَظَ قَالَ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ.
