اعْلَمْ أَنَّ النُّورَ يُطْلَقُ عَلَى اللَّهِ بِمَعْنَى الْهَادِى (فَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هَادِى أَهْلِ السَّمَوَاتِ) وَهُمُ الْمَلائِكَةُ (وَ)هَادِى أَهْلِ (الأَرْضِ) وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ الإِنْسِ وَالْجِنِّ (لِنُورِ الإِيمَانِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِىُّ) فِى الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا) وَقَالَ قَتَادَةُ ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ أَىْ مُنِيرُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ ذَكَرَهُ ابْنُ السِّمْعَانِىِّ فِى تَفْسِيرِهِ (فَاللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ نُورًا بِمَعْنَى الضَّوْءِ بَلْ هُوَ الَّذِى خَلَقَ النُّورَ قَالَ تَعَالَى ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ أَىْ خَلَقَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ فَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ نُورًا كَخَلْقِهِ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ عُلُوًّا كَبِيرًا) أَىْ تَنَزَّهَ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ تَنَزُّهًا كَامِلًا. (وَحُكْمُ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نُورٌ أَىْ ضَوْءٌ التَّكْفِيرُ قَطْعًا) أَىْ بِلا شَكٍّ.

(وَهَذِهِ الآيَةُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ أَصْرَحُ دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ اللَّهَ) عَزَّ وَجَلَّ (لَيْسَ حَجْمًا كَثِيفًا) يُجَسُّ بِالْيَدِ (كَالسَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَيْسَ حَجْمًا لَطِيفًا) لا يُجَسُّ بِالْيَدِ (كَالظُّلَمَاتِ وَالنُّورِ) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ فِى الآيَةِ أَنَّهُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَهُمَا جِسْمَانِ كَثِيفَانِ وَخَلَقَ النُّورَ وَالظَّلامَ وَهُمَا جِسْمَانِ لَطِيفَانِ وَخَالِقُ الشَّىْءِ لا يَكُونُ مِثْلَهُ (فَمَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ حَجْمٌ كَثِيفٌ أَوْ لَطِيفٌ فَقَدْ شَبَّهَ اللَّهَ بِخَلْقِهِ وَالآيَةُ شَاهِدَةٌ عَلَى ذَلِكَ).

وَ(أَكْثَرُ الْمُشَبِّهَةِ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَجْمٌ) أَىْ جِسْمٌ (كَثِيفٌ) مُسْتَقِرٌّ فِى السَّمَاءِ أَوْ عَلَى الْعَرْشِ (وَبَعْضُهُمْ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ حَجْمٌ لَطِيفٌ) كَالْهَوَاءِ مُنْتَشِرُ فِى كُلِّ الأَمْكِنَةِ أَوْ أَنَّهُ ضَوْءٌ (حَيْثُ) إِنَّهُمْ (قَالُوا إِنَّهُ نُورٌ يَتَلأْلَأُ فَهَذِهِ الآيَةُ وَحْدَهَا تَكْفِى لِلرَّدِّ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ) أَىِ الْفَرِيقِ الْقَائِلِ بِأَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ كَثِيفٌ وَالْفَرِيقِ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ جِسْمٌ لَطِيفٌ أَعَاذَنَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ.

(وَهُنَاكَ الْعَدِيدُ مِنَ الْعَقَائِدِ الْكُفْرِيَّةِ كَاعْتِقَادِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذُو لَوْنٍ أَوْ ذُو شَكْلٍ فَلْيَحْذَرِ الإِنْسَانُ مِنْ ذَلِكَ جَهْدَهُ عَلَى أَىِّ حَالٍ) أَىْ لِيَعْمَلِ الإِنْسَانُ عَلَى تَجَنُّبِ الْكُفْرِ غَايَةَ مُسْتَطَاعِهِ فَإِنَّ مَنْ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةَ.

(مَعْنَى الْقَدَرِ وَالإِيمَانِ بِهِ)

(قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْقَدَرُ هُوَ تَدْبِيرُ الأَشْيَاءِ عَلَى وَجْهٍ مُطَابِقٍ لِعِلْمِ اللَّهِ الأَزَلِىِّ وَمَشِيئَتِهِ الأَزَلِيَّةِ فَيُوجِدُهَا فِى الْوَقْتِ الَّذِى عَلِمَ أَنَّهَا تَكُونُ فِيهِ) أَىْ إِيجَادُ اللَّهِ الأَشْيَاءَ عَلَى حَسَبِ عِلْمِهِ وَمَشِيئَتِهِ الأَزَلِيَيْنِ وَيُقَالُ بِعِبَارَةٍ أُخْرَى الْقَدَرُ هُوَ جَعْلُ كُلِّ شَىْءٍ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ (فَيَدْخُلُ فِى ذَلِكَ عَمَلُ الْعَبْدِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ بِاخْتِيَارِهِ) أَىْ أَنَّ الإِنْسَانَ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً أَوْ سَيِّئَةً فَكِلاهُمَا بِتَقْدِيرِ اللَّهِ.

وَالْقَدَرُ لَهُ إِطْلاقَانِ أَىْ لَهُ مَعْنَيَانِ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ صِفَةُ اللَّهِ أَىِ التَّقْدِيرُ وَيُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْمَقْدُورُ أَىْ مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ (وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ) ﷺ (لِجِبْرِيلَ) عَلَيْهِ السَّلامُ (حِينَ سَأَلَهُ عَنِ الإِيمَانِ الإِيمَانُ أَنْ تُؤْمِنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَمَعْنَاهُ) أَنْ تَعْتَقِدَ (أَنَّ الْمَخْلُوقَاتِ) كُلَّهَا (الَّتِى قَدَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَفِيهَا الْخَيْرُ وَالشَّرُّ وُجِدَتْ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ الأَزَلِىِّ).

فَالْمَقْدُورُ هُوَ الَّذِى يُوصَفُ بِالْخَيْرِ وَالشَّرِّ (وَأَمَّا تَقْدِيرُ اللَّهِ الَّذِى هُوَ صِفَةُ ذَاتِهِ فَهُوَ) حَسَنٌ (لا يُوصَفُ بِالشَّرِّ بَلْ) يُقَالُ (تَقْدِيرُ اللَّهِ لِلشَّرِّ) أَىِ (الْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ وَتَقْدِيرُهُ لِلإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ حَسَنٌ مِنْهُ لَيْسَ قَبِيحًا) وَكَذَلِكَ خَلْقُهُ لِلشَّرِّ وَإِرَادَتُهُ لِوُجُودِ الشَّرِّ لَيْسَ قَبِيحًا مِنَ اللَّهِ أَمَّا فِعْلُ الْعَبْدِ لِلشَّرِّ

فَهُوَ قَبِيحٌ مِنَ الْعَبْدِ وَالْقَبِيحُ هُوَ مَا قَبَّحَهُ اللَّهُ (فَإِرَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى) أَىْ مَشِيئَتُهُ (نَافِذَةٌ فِى جَمِيعِ مُرَادَاتِهِ عَلَى حَسَبِ عِلْمِهِ بِهَا) لا تَتَخَلَّفُ لَيْسَتْ كَمَشِيئَةِ الْعِبَادِ (فَمَا عَلِمَ) اللَّهُ فِى الأَزَلِ (كَوْنَهُ) فَقَدْ (أَرَادَ كَوْنَهُ) فَلا بُدَّ أَنْ يَكُونَ (فِى الْوَقْتِ الَّذِى) عَلِمَ أَنَّهُ (يَكُونُ فِيهِ وَمَا عَلِمَ أَنَّهُ لا يَكُونُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يَكُونَ فَلا يَحْدُثُ فِى الْعَالَمِ شَىْءٌ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ)

لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يَقَعُ فِى مِلْكِهِ مَا لا يَشَاءُ لَكَانَ عَاجِزًا وَالْعَاجِزُ لا يَكُونُ إِلَهًا (وَلا يُصِيبُ الْعَبْدَ شَىْءٌ مِنَ الْخَيْرِ أَوِ الشَّرِّ أَوِ الصِّحَّةِ أَوِ الْمَرَضِ أَوِ الْفَقْرِ أَوِ الْغِنَى أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَلا يُخْطِئُ الْعَبْدَ شَىْءٌ قَدَّرَ اللَّهُ وَشَاءَ أَنْ يُصِيبَهُ فَقَدْ وَرَدَ) فِى الْحَدِيثِ (أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ عَلَّمَ بَعْضَ بَنَاتِهِ) أَنْ تَقُولَ

صَبَاحًا وَمَسَاءً (مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِى السُّنَنِ ثُمَّ تَوَاتَرَ وَاسْتَفَاضَ) أَىِ انْتَشَرَ (بَيْنَ أَفْرَادِ الأُمَّةِ وَ)عَلَى هَذَا كَانَ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَقَدْ (رَوَى الْبَيْهَقِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى) فِى كِتَابِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ (عَنْ سَيِّدِنَا عَلِىٍّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ أَحَدَكُمْ لَنْ يَخْلُصَ الإِيمَانُ إِلَى قَلْبِهِ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ يَقِينًا غَيْرَ شَكٍّ) أَىْ لا يَتِمُّ الإِيمَانُ فِى قَلْبِ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَعْتَقِدَ اعْتِقَادًا جَازِمًا لا يُخَالِجُهُ شَكٌّ (أَنَّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ) أَىْ مَا قَدَّرَ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُ مِنْ رِزْقٍ أَوْ مُصِيبَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ لا بُدَّ أَنْ يُصِيبَهُ (وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ) أَىْ وَمَا لَمْ يُصِبْهُ فَقَدْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ لا يُصِيبَهُ (وَيُقِرَّ) أَىْ يُؤْمِنَ (بِالْقَدَرِ كُلِّهِ أَىْ) يَجِبُ أَنْ يُؤْمِنَ بِأَنَّ كُلَّ مَا يَجْرِى فِى الْكَوْنِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ ضَلالَةٍ أَوْ هُدًى عُسْرٍ أَوْ يُسْرٍ حُلْوٍ أَوْ مُرٍّ فَهُوَ بِتَقْدِيرِ اللَّهِ وَ(لا يَجُوزُ أَنْ يُؤْمِنَ بِبَعْضِ الْقَدَرِ وَيَكْفُرَ بِبَعْضٍ).

(وَرَوَى) الْبَيْهَقِىُّ (أَيْضًا) فِى كِتَابِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ (بِالإِسْنَادِ الصَّحِيحِ أَنَّ عُمَرَ بنَ الْخَطَّابِ) رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ (كَانَ بِالْجَابِيَةِ وَهِىَ أَرْضٌ مِنَ الشَّامِ فَقَامَ خَطِيبًا فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِىَ لَهُ) وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُّضِلٍّ﴾

أَىْ مَنْ شَاءَ اللَّهُ لَهُ فِى الأَزَلِ أَنْ يَكُونَ مُهْتَدِيًا فَلا يَجْعَلُهُ أَحَدٌ ضَالًّا وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِىَ لَهُ﴾ أَىْ مَنْ شَاءَ اللَّهُ لَهُ أَنْ يَكُونَ ضَالًّا فَلا يَجْعَلُهُ أَحَدٌ مُهْتَدِيًا (وَكَانَ عِنْدَهُ كَافِرٌ مِنْ كُفَّارِ الْعَجَمِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَقَالَ بِلُغَتِهِ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِلُّ أَحَدًا) أَىْ لا يَخْلُقُ الضَّلالَ فِى أَحَدٍ (فَقَالَ عُمَرُ لِلتَّرْجُمَانِ مَاذَا يَقُولُ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِلُّ أَحَدًا فَقَالَ عُمَرُ كَذَبْتَ يَا عَدُوَّ اللَّهِ وَلَوْلا أَنَّكَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَضَرَبْتُ عُنُقَكَ) أَىْ لَعَامَلْتُكَ مُعَامَلَةَ الْمُرْتَدِّ فَقَتَلْتُكَ (هُوَ أَضَلَّكَ وَهُوَ يُدْخِلُكَ النَّارَ إِنْ شَاءَ) أَنْ تَمُوتَ عَلَى كُفْرِكَ وَضَلالِكَ (وَرَوَى الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ) الأَصْبَهَانِىُّ فِى الْحِلْيَةِ (عَنِ ابْنِ أَخِى الزُّهْرِىِّ عَنْ عَمِّهِ) ابْنِ شِهَابٍ (الزُّهْرِىِّ أَنَّ عُمَرَ ابْنَ الْخَطَّابِ) رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ (كَانَ يُحِبُّ قَصِيدَةَ لَبِيدِ بنِ رَبِيعَةَ) وَيُعْجَبُ بِهَا لِمَا فِيهَا مِنَ الْفَوَائِدِ الْجَلِيلَةِ (الَّتِى مِنْهَا هَذِهِ الأَبْيَاتُ وَهِىَ

إِنَّ تَقْوَى رَبِّنَا خَيْرُ نَفَلْ وَبِإِذْنِ اللَّهِ رَيْثِى وَعَجَلْ

أَحْمَدُ اللَّهَ فَلا نِدَّ لَهُ بِيَدَيْهِ الْخَيْرُ مَا شَاءَ فَعَلْ

مَنْ هَدَاهُ سُبُلَ الْخَيْرِ اهْتَدَى نَاعِمَ الْبَالِ وَمَنْ شَاءَ أَضَلْ)

(وَمَعْنَى قَوْلِهِ) أَىْ قَوْلِ لَبِيدٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ (إِنَّ تَقْوَى رَبِّنَا خَيْرُ نَفَلْ) أَىْ خَيْرُ غَنِيمَةٍ (أَىْ خَيْرُ مَا يُعْطَاهُ الإِنْسَانُ) وَالتَّقْوَى هِىَ أَدَاءُ الْوَاجِبَاتِ وَاجْتِنَابُ الْمُحَرَّمَاتِ (وَمَعْنَى قَوْلِهِ وَبِإِذْنِ اللَّهِ رَيْثِى وَعَجَلْ أَىْ أَنَّهُ لا يُبْطِئُ مُبْطِئٌ وَلا يُسْرِعُ مُسْرِعٌ) فِى الْعَمَلِ (إِلَّا بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَبِإِذْنِهِ) أَىْ أَنَّ اللَّهَ

تَعَالَى هُوَ الَّذِى يَخْلُقُ فِى الْعَبْدِ الْقُوَّةَ وَالنَّشَاطَ لِلْخَيْرِ وَهُوَ الَّذِى يَخْلُقُ فِيهِ الْكَسَلَ وَالتَّوَانِىَ عَنِ الْخَيْرِ (وَقَوْلُهُ أَحْمَدُ اللَّهَ فَلا نِدَّ لَهُ أَىْ لا مِثْلَ لَهُ وَ)أَمَّا (قَوْلُهُ بِيَدَيْهِ الْخَيْرُ أَىْ وَالشَّرُّ) أَىْ أَنَّ اللَّهَ مَالِكُ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ لا خَالِقَ لَهُمَا إِلَّا اللَّهُ (وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ) لَبِيدُ بنُ رَبِيعَةَ (عَلَى ذِكْرِ الْخَيْرِ)

دُونَ الشَّرِّ (مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ) لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ وَهَذَا أُسْلُوبٌ مِنْ أَسَالِيبِ الْبَلاغَةِ فِى لُغَةِ الْعَرَبِ يُذْكَرُ أَحَدُ الشَّيْئَيْنِ الدَّاخِلَيْنِ تَحْتَ حُكْمٍ وَاحِدٍ اكْتِفَاءً بِأَحَدِهِمَا عَنْ ذِكْرِ الآخَرِ (كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿سَرَابِيلَ﴾) أَىْ قُمْصَانًا (﴿تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ أَىْ وَالْبَرْدَ لِأَنَّ السَّرَابِيلَ تَقِى مِنَ الأَمْرَيْنِ لَيْسَ مِنَ الْحَرِّ فَقَطْ. وَقَوْلُهُ مَا شَاءَ فَعَلْ أَىْ مَا أَرَادَ اللَّهُ حُصُولَهُ لا بُدَّ أَنْ يَحْصُلَ وَمَا أَرَادَ أَنْ لا يَحْصُلَ فَلا يَحْصُلُ وَ)أَمَّا

(قَوْلُهُ مَنْ هَدَاهُ سُبُلَ الْخَيْرِ اهْتَدَى أَىْ مَنْ شَاءَ اللَّهُ لَهُ) فِى الأَزَلِ (أَنْ يَكُونَ) مُهْتَدِيًا (عَلَى الصِّرَاطِ الصَّحِيحِ الْمُسْتَقِيمِ اهْتَدَى) أَىْ لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ عَلَى دِينِ اللَّهِ وَعَلَى تَقْوَاهُ (وَقَوْلُهُ نَاعِمَ الْبَالِ أَىْ مُطْمَئِنَّ الْبَالِ وَقَوْلُهُ وَمَنْ شَاءَ أَضَلّ أَىْ مَنْ شَاءَ) اللَّهُ (لَهُ) فِى الأَزَلِ (أَنْ يَكُونَ ضَالًّا أَضَلَّهُ) أَىْ خَلَقَ فِيهِ الضَّلالَ وَهَذَا الْكَلامُ مِنْ أُصُولِ الْعَقَائِدِ الَّتِى كَانَ عَلَيْهَا الصَّحَابَةُ وَمَنْ تَبِعَهُمْ فِى الْمُعْتَقَدِ (وَرَوَى الْبَيْهَقِىُّ عَنِ) الإِمَامِ (الشَّافِعِىِّ) رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ (أَنَّهُ قَالَ حِينَ سُئِلَ عَنِ الْقَدَرِ

مَا شِئْتَ كَانَ وَإِنْ لَمْ أَشَأْ وَمَا شِئْتُ إِنْ لَمْ تَشَأْ لَمْ يَكُنْ

خَلَقْتَ الْعِبَادَ عَلَى مَا عَلِمْتَ فَفِى الْعِلْمِ يَجْرِى الْفَتَى وَالْمُسِنّ

عَلَى ذَا مَنَنْتَ وَهَذَا خَذَلْتَ وَهَذَا أَعَنْتَ وَذَا لَمْ تُعِنْ

فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَمِنْهُمْ سَعِيدٌ وَهَذَا قَبِيحٌ وَهَذَا حَسَن)

فَسَرَّ الشَّافِعِىُّ الْقَدَرَ فِى هَذِهِ الأَبْيَاتِ بِالْمَشِيئَةِ. فَقَوْلُهُ مَا شِئْتَ كَانَ وَإِنْ لَمْ أَشَأْ أَىْ مَا شِئْتَ فِى الأَزَلِ وُجُودَهُ لا بُدَّ أَنْ يُوجَدَ وَإِنْ لَمْ أَشَأْ أَنَا وُجُودَهُ. وَقَوْلُهُ وَمَا شِئْتُ إِنْ لَمْ تَشَأْ لَمْ يَكُنْ أَىْ إِنْ شِئْتُ أَنَا حُصُولَ شَىْءٍ إِنْ لَمْ تَشَأْ أَنْتَ حُصُولَهُ لا يَحْصُلُ. وَقَوْلُهُ خَلَقْتَ الْعِبَادَ عَلَى مَا عَلِمْتَ أَىْ أَبْرَزْتَهُمْ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ عَلَى حَسَبِ مَا سَبَقَ فِى عِلْمِكَ الأَزَلِىِّ.

وَقَوْلُهُ فَفِى الْعِلْمِ يَجْرِى الْفَتَى وَالْمُسِنّ أَىْ أَنَّ سَعْىَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَلْقِ إِنْ كَانَ فَتًى أَوْ مُسِنًّا لا يَخْرُجُ عَنْ عِلْمِكَ. وَقَوْلُهُ عَلَى ذَا مَنَنْتَ وَهَذَا خَذَلْتَ أَىْ بَعْضُ الْخَلْقِ وَفَّقْتَهُ لِلإِيمَانِ وَالْهُدَى وَالصَّلاحِ أَىْ جَعَلْتَهُ يَصْرِفُ قُدْرَتَهُ وَاخْتِيَارَهُ لِلْخَيْرِ وَبَعْضُهُمْ لَمْ تُوَفِّقْهُ لِلْخَيْرِ إِنَّمَا جَعَلْتَهُ يَصْرِفُ قُدْرَتَهُ وَاخْتِيَارَهُ لِلشَّرِّ. وَقَوْلُهُ وَهَذَا أَعَنْتَ وَذَا لَمْ تُعِنْ أَىْ بَعْضُهُمْ أَعَنْتَهُ عَلَى الْخَيْرِ وَبَعْضُهُمْ لَمْ تُعِنْهُ عَلَيْهِ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ وَمِنْهُمْ سَعِيدٌ وَهَذَا قَبِيحٌ وَهَذَا حَسَن أَىْ فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ مِنْ أَهْلِ الْعَذَابِ الأَلِيمِ وَمِنْهُمْ سَعِيدٌ مِنْ أَهْلِ النَّعِيمِ الْمُقِيمِ (فَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ الضَّمِيرَ فِى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِى مَنْ يَشَاءُ﴾ يَعُودُ إِلَى اللَّهِ) أَىْ مَنْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهُ الضَّلالَةَ يَجْعَلُهُ ضَالًّا وَمَنْ يَشَاءُ لَهُ الْهُدَى يَجْعَلُهُ

مُهْتَدِيًا وَ(لا) يَصِحُّ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ (إِلَى الْعَبْدِ كَمَا زَعَمَتِ الْقَدَرِيَّةُ) أَىِ الْمُعْتَزِلَةُ (بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ سَيِّدِنَا مُوسَى) عَلَيْهِ السَّلامُ أَنَّهُ قَالَ (﴿إِنْ هِىَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِى مَنْ تَشَاءُ﴾) أَىْ أَنَّ مَا حَدَثَ بِقَوْمِى مِنْ عِبَادَتِهِمُ الْعِجْلَ إِنَّمَا هِىَ فِتْنَتُكَ أَىِ امْتِحَانٌ وَابْتِلاءٌ مِنْكَ أَضْلَلْتَ

بِهَا قِسْمًا وَهَدَيْتَ بِهَا قِسْمًا (وَكَذَلِكَ قَالَتْ) مِثْلَ كَلامِ الْمُعْتَزِلَةِ (طَائِفَةٌ) خَارِجَةٌ عَنِ الإِسْلامِ (يَنْتَسِبُونَ إِلَى أَمِين شَيْخُو الَّذِينَ زَعِيمُهُمُ الْيَوْمَ) تِلْمِيذُهُ (عَبْدُ الْهَادِى الْبَانِى الَّذِى هُوَ بِدِمَشْقَ) وَهَذَا الْكَلامُ كَانَ قَبْلَ وَفَاتِهِ فَإِنَّ عَبْدَ الْهَادِى الْبَانِى تُوُفِّىَ مُنْذُ بِضْعِ سِنِينَ وَصَارَ الْمُنْتَسِبُونَ إِلَى هَذِهِ الطَّائِفَةِ بَعْدَ وَفَاتِهِ فِرَقًا تَجْمَعُهَا ضَلالَةُ التَّكْذِيبِ بِالْقَدَرِ (فَقَدْ) حَرَّفُوا مَعْنَى الآيَةِ ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِى مَنْ يَشَاءُ﴾ فَإِنَّهُمْ (جَعَلُوا مَشِيئَةَ اللَّهِ تَابِعَةً لِمَشِيئَةِ الْعَبْدِ حَيْثُ إِنَّ مَعْنَى الآيَةِ عِنْدَهُمْ إِنْ شَاءَ الْعَبْدُ الِاهْتِدَاءَ شَاءَ اللَّهُ لَهُ الْهُدَى وَإِنْ شَاءَ الْعَبْدُ أَنْ يَضِلَّ أَضَلَّهُ اللَّهُ فَكَذَّبُوا بِالآيَةِ ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾) وَهِىَ صَرِيحَةٌ فِى كَوْنِ مَشِيئَةِ الْعَبْدِ تَابِعَةً لِمَشِيئَةِ اللَّهِ.

وَهَذِهِ الآيَةُ ﴿تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ﴾ هِىَ أَصْرَحُ ءَايَةٍ فِى إِبْطَالِ عَقِيدَةِ هَؤُلاءِ لِأَنَّ قَوْلَهُ ﴿تَشَاءُ﴾ صَرِيحٌ فِى نِسْبَةِ الْمَشِيئَةِ إِلَى اللَّهِ فَلَوْ كَانَ مَعْنَى الآيَةِ كَمَا زَعَمُوا لَكَانَ لَفْظُ الآيَةِ يَضِلُّ بِهَا مَنْ شَاءُوا أَىِ الَّذِينَ عَبَدُوا الْعِجْلَ لَكِنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ يُخَاطِبُ اللَّهَ بِقَوْلِهِ ﴿مَنْ تَشَاءُ﴾ أَىْ أَنْتَ يَا اللَّهُ (فَإِنْ حَاوَلَ بَعْضُهُمْ أَنْ يَسْتَدِلَّ بِآيَةٍ)

أُخْرَى (مِنَ الْقُرْءَانِ لِضِدِّ هَذَا الْمَعْنَى قِيلَ لَهُ الْقُرْءَانُ يَتَصَادَقُ) أَىْ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا (وَلا يَتَنَاقَضُ فَلَيْسَ فِى الْقُرْءَانِ ءَايَةٌ نَقِيضَ ءَايَةٍ وَ)إِذَا قِيلَ هَذِهِ الآيَةُ نُسِخَتْ بِآيَةٍ أُخْرَى قُلْنَا (لَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ لِأَنَّ النَّسْخَ لا يَدْخُلُ الْعَقَائِدَ وَلَيْسَ مُوجِبًا لِلتَّنَاقُضِ) أَىْ لا يُؤَدِّى إِلَى التَّنَاقُضِ (فَالنَّسْخُ لا يَدْخُلُ فِى الأَخْبَارِ إِنَّمَا هُوَ فِى الأَمْرِ وَالنَّهْىِ إِنَّمَا النَّسْخُ)

أَىْ نَسْخُ الْحُكْمِ فِى الْقُرْءَانِ مَعْنَاهُ (بَيَانُ انْتِهَاءِ حُكْمِ ءَايَةٍ سَابِقَةٍ) وَالْعَمَلِ (بِحُكْمِ ءَايَةٍ لاحِقَةٍ) بِوَحْىٍ مِنَ اللَّهِ (عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْفِئَةَ لا تُؤْمِنُ بِالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ) وِبَهَذَا شَذُّوا عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ (وَمِنْ غَبَاوَتِهِمُ الْعَجِيبَةِ أَنَّهُمْ يُفَسِّرُونَ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿وَعَلَّمَ ءَادَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى فَإِنْ قِيلَ لَهُمْ لَوْ كَانَتِ الأَسْمَاءُ هِىَ أَسْمَاءَ اللَّهِ الْحُسْنَى لَمْ يَقُلِ اللَّهُ ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾ بَلْ لَقَالَ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِى) وَإِذَا ذُكِرَ لَهُمْ حَدِيثُ الْبُخَارِىِّ الَّذِى فِيهِ أَنَّ النَّاسَ يَقُولُونَ لِآدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَا ءَادَمُ أَنْتَ أَبُو الْبَشَرِ أَسْجَدَ اللَّهُ لَكَ الْمَلائِكَةَ وَعَلَّمَكَ أَسْمَاءَ كُلِّ شَىْءٍ (انْقَطَعُوا) عَنِ الْجِدَالِ (لَكِنَّهُمْ يُصِرُّونَ عَلَى جَهْلِهِمْ وَتَحْرِيفِهِمْ لِلْقُرْءَانِ).

(وَرَوَى الْحَاكِمُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ عَلِىَّ الرِّضَى بنَ مُوسَى الْكَاظِمِ) بنِ جَعْفَرٍ الصَّادِقِ بنِ مُحَمَّدٍ الْبَاقِرِ بنِ عَلِىٍّ زَيْنِ الْعَابِدِينَ بنِ الْحُسَيْنِ بنِ عَلِىٍّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ (كَانَ يَقْعُدُ فِى الرَّوْضَةِ وَهُوَ شَابٌّ مُلْتَحِفٌ بِمُطْرَفِ خَزٍّ) أَىْ رِدَاءٍ مِنْ خَزٍّ لَهُ أَعْلامٌ فِى طَرَفَيْهِ (فَيَسْأَلُهُ النَّاسُ وَمَشَايِخُ الْعُلَمَاءِ) أَىْ كِبَارُ السِّنِّ مِنْهُمْ

(فِى الْمَسْجِدِ فَسُئِلَ عَنِ الْقَدَرِ فَقَالَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ﴾) أَىِ الْكَافِرِينَ (﴿فِى ضَلالٍ﴾) أَىْ فِى الدُّنْيَا (﴿وَسُعُرٍ﴾) أَىْ فِى الآخِرَةِ (﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِى النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾) أَىْ عَذَابَهَا (﴿إِنَّا كُلَّ شَىْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ ثُمَّ قَالَ) عَلِىٌّ (الرِّضَى كَانَ أَبِى يَذْكُرُ عَنْ ءَابَائِهِ أَنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلِىَّ بنَ أَبِى طَالِبٍ)

رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ (كَانَ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ بِقَدَرٍ) أَىْ أَوْجَدَهُ عَلَى حَسَبِ عِلْمِهِ وَمَشِيئَتِهِ الأَزَلِيَيْنِ (حَتَّى الْعَجْزَ وَالْكَيْسَ) أَىِ الضَّعْفَ فِى الْفَهْمِ وَالذَّكَاءَ (وَإِلَيْهِ الْمَشِيئَةُ) أَىْ لَهُ الْمَشِيئَةُ الشَّامِلَةُ وَالسَّابِقَةُ لِلْمَشِيئَاتِ كُلِّهَا (وَبِهِ الْحَوْلُ وَالْقُوَّةُ) أَىِ الِابْتِعَادُ عَنِ الشَّرِّ وَالْقُوَّةُ عَلَى فِعْلِ الْخَيْرِ

أَىْ أَنَّ الإِنْسَانَ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَجَنَّبَ الْمَعْصِيَةَ إِلَّا أَنْ يَحْفَظَهُ اللَّهُ وَلا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَفْعَلَ الْخَيْرَ وَالطَّاعَةَ إِلَّا أَنْ يُعِينَهُ اللَّهُ (فَالْعِبَادُ مُنْسَاقُونَ إِلَى فِعْلِ مَا يَصْدُرُ عَنْهُمْ) أَىْ يَنْسَاقُونَ إِلَى فِعْلِ مَا شَاءَ اللَّهُ فِى الأَزَلِ وَعَلِمَ أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَهُ وَيَحْصُلُ ذَلِكَ (بِاخْتِيَارِهِمْ لا بِالإِكْرَاهِ وَالْجَبْرِ) فَهُمْ لَيْسُوا (كَالرِّيشَةِ الْمُعَلَّقَةِ) فِى الْهَوَاءِ (تُمِيلُهَا الرِّيَاحُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً) بِلا اخْتِيَارٍ مِنْهَا (كَمَا تَقُولُ الْجَبْرِيَّةُ) فَالتَّسْوِيَةُ بَيْنَ الْعِبَادِ وَبَيْنَ تِلْكَ الرِّيشَةِ إِلْحَادٌ وَكُفْرٌ لِأَنَّهُ تَكْذِيبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ (وَلَوْ لَمْ يَشَإِ اللَّهُ عِصْيَانَ الْعُصَاةِ وَكُفْرَ الْكَافِرِينَ وَإِيمَانَ الْمُؤْمِنِينَ وَطَاعَةَ الطَّائِعِينَ لَمَا خَلَقَ الْجَنَّةَ) لِلْمُؤْمِنِينَ (وَالنَّارَ) لِلْكَافِرِينَ.

(وَمَنْ يَنْسُبُ لِلَّهِ تَعَالَى خَلْقَ الْخَيْرِ دُونَ الشَّرِّ فَقَدْ نَسَبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الْعَجْزَ) وَأَثْبَتَ خَالِقًا غَيْرَ اللَّهِ لِلشَّرِّ كَمَا أَثْبَتَ الْمَجُوسُ خَالِقَيْنِ خَالِقًا لِلْخَيْرِ وَخَالِقًا لِلشَّرِّ (وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ) أَىْ لَوْ كَانَ اللَّهُ يَخْلُقُ الْخَيْرَ وَغَيْرُهُ يَخْلُقُ الشَّرَّ (لَكَانَ لِلْعَالَمِ مُدَبِّرَانِ مُدَبِّرُ خَيْرٍ وَمُدَبِّرُ شَرٍّ وَهَذَا كُفْرٌ وَإِشْرَاكٌ) لِأَنَّهُ يَسْتَحِيلُ عَلَى اللَّهِ أَنْ تَكُونَ قُدْرَتُهُ قَاصِرَةً عَلَى بَعْضِ الْمُمْكِنَاتِ دُونَ بَعْضٍ لِأَنَّ فِى ذَلِكَ نِسْبَةَ النَّقْصِ إِلَى اللَّهِ وَالنَّقْصُ عَلَيْهِ مُحَالٌ (وَهَذَا الرَّأْىُ السَّفِيهُ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى يَجْعَلُ اللَّهَ تَعَالَى فِى مُلْكِهِ مَغْلُوبًا لِأَنَّهُ عَلَى حَسَبِ اعْتِقَادِهِ اللَّهُ تَعَالَى أَرَادَ الْخَيْرَ فَقَطْ فَيَكُونُ قَدْ وَقَعَ الشَّرُّ مِنْ عَدُّوِهِ إِبْلِيسَ وَأَعْوَانِهِ الْكُفَّارِ رَغْمَ إِرَادَتِهِ. وَيَكْفُرُ مَنْ يَعْتَقِدُ هَذَا الرَّأْىَ) الْفَاسِدَ (لِمُخَالَفَتِهِ قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ أَىْ) مُنَفِّذٌ لِمُرَادِهِ وَ(لا أَحَدَ يَمْنَعُ نَفَاذَ مَشِيئَتِهِ).

(وَ)أَمَّا (حُكْمُ مَنْ يَنْسُبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى الْخَيْرَ وَيَنْسُبُ إِلَى الْعَبْدِ الشَّرَّ أَدَبًا) أَىْ تَأَدُّبًا مَعَ اللَّهِ وَلا يَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ خَالِقًا لِلشَّرِّ (أَنَّهُ لا حَرَجَ عَلَيْهِ) كَأَنْ يَقُولَ الْخَيْرُ مِنَ اللَّهِ وَالشَّرُّ لَيْسَ إِلَيْهِ أَىْ لا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيْهِ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَشَأْ وُقُوعَ الشَّرِّ وَلا بَأْسَ بِقَوْلِ الْخَيْرُ مِنْكَ أَمَّا إِفْرَادُ الشَّرِّ بِالذِّكْرِ كَقَوْلِ الشَّرُّ مِنْكَ فَهُوَ إِسَاءَةُ أَدَبٍ مَعَ اللَّهِ وَكَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهُ خَالِقُ الْخَنَازِيرِ وَالْقِرَدَةِ فَإِنَّهُ إِسَاءَةُ أَدَبٍ مَعَ اللَّهِ فَهُوَ إِمَّا حَرَامٌ وَإِمَّا مَكْرُوهٌ أَمَّا قَوْلُ اللَّهُ خَالِقُ الإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْمَلائِكَةِ وَالْبَهَائِمِ وَالْخَنَازِيرِ وَالْقِرَدَةِ وَكُلِّ الْمَخْلُوقَاتِ فَإِنَّ هَذَا لا يُنَافِى الأَدَبَ (أَمَّا إِذَا اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ) الْحَسَنَ دُونَ الْقَبِيحِ وَ(الْخَيْرَ دُونَ الشَّرِّ فَحُكْمُهُ التَّكْفِيرُ) قَطْعًا.

(وَاعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا عَذَّبَ الْعَاصِىَ فَبِعَدْلِهِ) يُعَذِّبُهُ (مِنْ غَيْرِ ظُلْمٍ) لَهُ (وَإِذَا أَثَابَ الْمُطِيعَ فَبِفَضْلِهِ) يُثِيبُهُ (مِنْ غَيْرِ وُجُوبٍ عَلَيْهِ لِأَنَّ الظُّلْمَ) مَعْنَاهُ التَّصَرُّفُ فِى مِلْكِ الْغَيْرِ بِغَيْرِ إِذْنِهِ أَوْ مُخَالَفَةُ أَمْرِ وَنَهْىِ مَنْ لَهُ الأَمْرُ وَالنَّهْىُ وَ(إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ مِمَّنْ لَهُ ءَامِرٌ وَنَاهٍ وَلا ءَامِرَ لِلَّهِ وَلا نَاهِىَ لَهُ فَهُوَ يَتَصَرَّفُ فِى مِلْكِهِ كَمَا يَشَاءُ لِأَنَّهُ خَالِقُ الأَشْيَاءِ)

كُلِّهَا (وَمَالِكُهَا) الْحَقِيقِىُّ فَلا يَحْصُلُ مِنْهُ ظُلْمٌ (وَقَدْ جَاءَ فِى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِى رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ فِى مُسْنَدِهِ وَالإِمَامُ أَبُو دَاوُدَ فِى سُنَنِهِ وَابْنُ حِبَّانَ) فِى صَحِيحِهِ (عَنِ ابْنِ الدَّيْلَمِىِّ) أَنَّهُ (قَالَ أَتَيْتُ أُبَىَّ بنَ كَعْبٍ) أَىْ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَكُنْيَتُهُ أَبُو الْمُنْذِرِ (فَقُلْتُ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ إِنَّهُ حَدَثَ فِى نَفْسِى شَىْءٌ مِنْ هَذَا الْقَدَرِ)

أَىْ خَطَرَ لِى خَاطِرٌ خَبِيثٌ يَتَعَلَّقُ بِالْقَدَرِ (فَحَدِّثْنِى لَعَلَّ اللَّهَ يَنْفَعُنِى) أَىْ بِكَلامِكَ (قَالَ) أُبَىُّ بنُ كَعْبٍ (إِنَّ اللَّهَ لَوْ عَذَّبَ أَهْلَ أَرْضِهِ وَسَمَوَاتِهِ) أَىْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ فِى الأَزَلِ أَنْ يُعَذِّبَ كُلَّ عِبَادِهِ مِن إِنْسٍ وَجِنٍّ وَمَلائِكَةٍ (لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ) أَىْ مَنْ يرَحَمُهُ اللَّهُ وَيُنَعِّمُهُ فِى الآخِرَةِ يَكُونُ تَنَعُّمُهُ بِفَضْلِ اللَّهِ وَكَرَمِهِ وَإِحْسَانِهِ وَلا يَكُونُ شَيْئًا وَاجِبًا عَلَى اللَّهِ بِسَبَبِ عَمَلِهِ،

ثُمَّ قَالَ لَهُ أُبَىٌّ (وَلَوْ أَنْفَقْتَ مِثْلَ) جَبَلِ (أُحُدٍ ذَهَبًا) لِلْجِهَادِ (فِى سَبِيلِ اللَّهِ مَا قَبِلَهُ اللَّهُ مِنْكَ حَتَّى تُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ وَتَعْلَمَ أَنَّ مَا أَصَابَكَ) أَىْ مِنْ رِزْقٍ أَوْ مُصِيبَةٍ (لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ) أَىْ لا يُخْطِئُكَ شَىْءٌ قَدَّرَ اللَّهُ وَشَاءَ أَنْ يُصِيبَكَ (وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ) أَىْ وَمَا لَمْ يُصِبْكَ فَقَدْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ لا يُصِيبَكَ (وَلَوْ مِتَّ عَلَى غَيْرِ هَذَا) الِاعْتِقَادِ لَكُنْتَ مِنَ الْكُفَّارِ وَ(دَخَلْتَ النَّارَ قَالَ) ابْنُ الدَّيْلَمِىِّ (ثُمَّ أَتَيْتُ عَبْدَ اللَّهِ بنَ مَسْعُودٍ فَحَدَّثَنِى مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ أَتَيْتُ حُذَيْفَةَ بنَ الْيَمَانِ فَحَدَّثَنِى مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ أَتَيْتُ زَيْدَ بنَ ثَابِتٍ فَحَدَّثَنِى مِثْلَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ).

(وَرَوَى مُسْلِمٌ فِى صَحِيحِهِ وَالْبَيْهَقِىُّ فِى كِتَابِ) الْقَضَاءِ وَ(الْقَدَرِ عَنْ أَبِى الأَسْوَدِ الدُّؤَلِىِّ) وَهُوَ مِنْ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ أَنَّهُ (قَالَ قَالَ لِى عِمْرَانُ بنُ الْحُصَيْنِ) وَهُوَ أَحَدُ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ الْمُجْتَهِدِينَ (أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ) أَىْ يَسْعَوْنَ إِلَيْهِ (أَشَىْءٌ قُضِىَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ أَوْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ بِهِ)

أَىْ هَلْ هُوَ شَىْءٌ قَدَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِى الأَزَلِ أَنَّهُ سَيَحْصُلُ مِنْهُمْ أَوْ هُوَ شَىْءٌ جَدِيدٌ لَمْ يَسْبِقْ بِهِ قَدَرٌ وَلَمْ يَسْبِقْ فِى عِلْمِ اللَّهِ فِى الأَزَلِ أَنَّهُ يَحْصُلُ مِنْهُمْ أَجِبْ عَنْ ذَلِكَ (مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ) بِهِ (عَلَيْهِمْ) أَىْ أُرِيدُ مِنْكَ نَصًّا شَرْعِيًّا (فَقُلْتُ بَلْ شَىْءٌ قُضِىَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ) أَىْ كُلُّ مَا يَعْمَلُهُ

الْعِبَادُ حَصَلَ مِنْهُمْ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ (قَالَ فَقَالَ) عِمْرَانُ مُمْتَحِنًا (أَفَلا يَكُونُ ظُلْمًا) أَىْ إِنْ كَانَ الإِنْسَانُ يَعْمَلُ عَلَى حَسَبِ مَشِيئَةِ اللَّهِ ثُمَّ حَاسَبَهُ فِى الآخِرَةِ عَلَى هَذَا الْعَمَلِ فَعَاقَبَهُ أَلا يَكُونُ ظُلْمًا (قَالَ) أَبُو الأَسْوَدِ (فَفَزِعْتُ مِنْ ذَلِكَ فَزَعًا شَدِيدًا وَقُلْتُ كُلُّ شَىْءٍ خَلْقُهُ وَمِلْكُ يَدِهِ) فَلا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ ظُلْمٌ (لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ)

لِأَنَّهُ لا ءَامِرَ لَهُ وَلا نَاهٍ (وَهُمْ يُسْأَلُونَ) لِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ وَمَنْهِيُّونَ (قَالَ) أَبُو الأَسْوَدِ (فَقَالَ لِى) عِمْرَانُ (يَرْحَمُكَ اللَّهُ إِنِّى لَمْ أُرِدْ بِمَا سَأَلْتُكَ إِلَّا لِأَحْزِرَ عَقْلَكَ) أَىْ أَرَدْتُ أَنْ أَمْتَحِنَ فَهْمَكَ لِلدِّينِ (إِنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ مُزَيْنَةَ) وَهِىَ قَبِيلَةٌ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ (أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ) ﷺ (فَقَالا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ مَا يَعْمَلُ النَّاسُ الْيَوْمَ وَيَكْدَحُونَ فِيهِ أَشَىْءٌ قُضِىَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ مِنْ قَدَرٍ قَدْ سَبَقَ أَوْ فِيمَا يُسْتَقْبَلُونَ بِهِ مِمَّا أَتَاهُمْ بِهِ نَبِيُّهُمْ وَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ فَقَالَ)

ﷺ (بَلْ شَىْءٌ قُضِىَ عَلَيْهِمْ وَمَضَى عَلَيْهِمْ وَمِصْدَاقُ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾) أَىْ أَقْسَمَ اللَّهُ بِالنَّفْسِ وَمَا سَوَّاهَا أَىْ وَمَنْ خَلَقَهَا عَلَى أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِى يُلْهِمُ النُّفُوسَ فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا أَىْ لا يَكُونُ شَىْءٌ مِنْ أَعْمَالِ الْعِبَادِ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا إِلَّا بِخَلْقِ اللَّهِ وَمَشِيئَتِهِ (وَصَحَّ حَدِيثُ فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ) أَىْ مَنْ عَمِلَ الطَّاعَاتِ وَتَجَنَّبَ الْمَعَاصِىَ فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ الَّذِى وَفَّقَهُ لِذَلِكَ (وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ) أَىْ مَنْ كَانَ عَمَلُهُ خِلافَ ذَلِكَ (فَلا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ) لِأَنَّهُ إِنَّمَا عَمِلَهُ بِإِرَادَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ (رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِى ذَرٍّ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ عَنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.

أَمَّا الأَوَّلُ وَهُوَ مَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مُتَفَضِّلٌ عَلَيْهِ بِالإِيجَادِ وَالتَّوْفِيقِ مِنْ غَيْرِ وُجُوبٍ عَلَيْهِ فَلْيَحْمَدِ الْعَبْدُ رَبَّهُ عَلَى تَفَضُّلِهِ عَلَيْهِ) أَنْ وَفَّقَهُ لِفِعْلِ الْخَيْرَاتِ (أَمَّا الثَّانِى وَهُوَ مَنْ وَجَدَ شَرًّا فَلِأَنَّهُ تَعَالَى أَبْرَزَ) أَىْ أَظْهَرَ (بِقُدْرَتِهِ) الأَزَلِيَّةِ (مَا كَانَ مِنْ مَيْلِ الْعَبْدِ السَّيِّئِّ) أَىْ أَنَّ اللَّهَ

تَعَالَى عَلِمَ بِعِلْمِهِ الأَزَلِىِّ مَا يَمِيلُ إِلَيْهِ الْعَبْدُ مِنْ شَرٍّ فَأَظْهَرَ بِقُدْرَتِهِ مَا كَانَ الْعَبْدُ مُسْتَعِدًّا لَهُ (فَمَنْ أَضَلَّهُ اللَّهُ فَبِعَدْلِهِ) وَلا يَلُومَنَّ إِلَّا نَفْسَهُ (وَمَنْ هَدَاهُ فَبِفَضْلِهِ) فَلْيَحْمَدْ رَبَّهُ (وَلَوْ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ) وَلَمْ يَبْعَثِ الرُّسُلَ إِلَيْهِمْ (وَأَدْخَلَ فَرِيقًا الْجَنَّةَ) لِأَنَّهُ عَلِمَ بِعِلْمِهِ الأَزَلِىِّ أَنَّهُمْ

يُؤْمِنُونَ (وَ)أَدْخَلَ (فَرِيقًا النَّارَ لِسَابِقِ عِلْمِهِ أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ لَكَانَ شَأْنُ الْمُعَذَّبِ مِنْهُمْ مَا وَصَفَ اللَّهُ بِقَوْلِهِ ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِّنْ قَبْلِهِ﴾) أَىْ مِنْ قَبْلِ إِرْسَالِ الرُّسُلِ (﴿لَقَالُوا﴾) أَىْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (﴿رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا﴾) أَىْ لِمَ لَمْ تُرْسِلْ إِلَيْنَا رَسُولًا (﴿فَنَتَّبِعَ ءَايَاتِكَ﴾) الْمُنْزَلَةَ

عَلَيْهِ (﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَّذِلَّ﴾) أَىْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (﴿وَنَخْزَى﴾) أَىْ فِى جَهَنَّمَ (فَأَرْسَلَ اللَّهُ الرُّسُلَ) أَىِ الأَنْبِيَاءَ (مُبَشِّرِينَ) مَنْ أَسْلَمَ بِالثَّوَابِ الْعَظِيمِ (وَمُنْذِرِينَ) مَنْ كَفَرَ بِالْعَذَابِ الأَلِيمِ (لِيُظْهِرَ مَا فِى اسْتِعْدَادِ الْعَبْدِ) أَىْ مَا فِى اسْتِعْدَادِ قِسْمٍ مِنَ الْعَبِيدِ (مِنَ الطَّوْعِ وَ)مَا فِى اسْتِعْدَادِ الْقِسْمِ الآخَرِ

مِنَ (الإِبَاءِ فَيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ) أَىْ عَنْ دَلِيلٍ وَحُجَّةٍ قَامَتْ عَلَيْهِ (وَيَحْيَا مَنْ حَىَّ عَنْ بَيِّنَةٍ فَأَخْبَرَنَا) اللَّهُ تَعَالَى (أَنَّ قِسْمًا مِنْ خَلْقِهِ مَصِيرُهُمُ النَّارُ بِأَعْمَالِهِمُ الَّتِى يَعْمَلُونَ بِاخْتِيَارِهِمْ وَكَانَ تَعَالَى عَالِمًا بِعِلْمِهِ الأَزَلِىِّ أَنَّهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ فِى الأَزَلِ أَنْ يَكُونَ كُلُّ النَّاسِ مُؤْمِنِينَ لَجَعَلَهُمْ

مُؤْمِنِينَ كَمَا (قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّى لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾) أَىْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ فِى الأَزَلِ أَنْ يَهْتَدِىَ الإِنْسُ وَالْجِنُّ كُلُّهُمْ لَجَعَلَهُمْ مُهْتَدِينَ لَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ أَنْ يَهْتَدِىَ الْكُلُّ إِنَّمَا شَاءَ الْهِدَايَةَ لِقِسْمٍ وَشَاءَ الضَّلالَ لِقِسْمٍ ءَاخَرَ (أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِى هَذِهِ الآيَةِ أَنَّهُ قَالَ فِى الأَزَلِ ﴿لأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾)

أَىْ سَأَمْلَأُ جَهَنَّمَ مِنْ كُفَّارِ الإِنْسِ وَالْجِنِّ (وَقَوْلُهُ) تَعَالَى (صِدْقٌ لا يَتَخَلَّفُ لِأَنَّ التَّخَلُّفَ أَىِ التَّغَيُّرَ) فِى خَبَرِهِ (كَذِبٌ وَالْكَذِبُ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ) أَىْ مُسْتَحِيلٌ فِى حَقِّهِ وَ(قَالَ تَعَالَى ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أَىْ) لَوْ شَاءَ اللَّهُ فِى الأَزَلِ أَنْ يَهْتَدِىَ الْجَمِيعُ لَاهْتَدَوْا (وَلَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ هِدَايَةَ جَمِيعِكُمْ إِذْ لَمْ يَسْبِقِ الْعِلْمُ بِذَلِكَ) وَالْمَشِيئَةُ تَابِعَةٌ لِلْعِلْمِ قَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ الْكَلامُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَدَرِيَّةِ فِى حَرْفَيْنِ يُقَالُ لَهُمْ هَلْ عَلِمَ اللَّهُ مَا يَكُونُ مِنَ الْعِبَادِ قَبْلَ أَنْ يَفْعَلُوا فَإِنْ قَالُوا لا كَفَرُوا لِأَنَّهُمْ جَهَّلُوا رَبَّهُمْ وَإِنْ قَالُوا عَلِمَ يُقَالُ لَهُمْ هَلْ شَاءَ خِلافَ مَا عَلِمَ فَإِنْ قَالُوا نَعَمْ كَفَرُوا لِأَنَّهُمْ قَالُوا شَاءَ أَنْ يَكُونَ جَاهِلًا وَإِنْ قَالُوا لا رَجَعُوا إِلَى قَوْلِنَا.

(فَالْعِبَادُ مُنْسَاقُونَ إِلَى فِعْلِ مَا يَصْدُرُ عَنْهُمْ) أَىْ مُنْسَاقُونَ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِى الأَزَلِ وَعَلِمَ أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَهُ سَوَاءٌ كَانَ إِيمَانًا أَمْ كُفْرًا لا بُدَّ أَنْ يَنْسَاقُوا إِلَيْهِ (بِاخْتِيَارِهِمْ لا بِالإِكْرَاهِ وَالْجَبْرِ) فَهُمْ لَيْسُوا كَالرِّيشَةِ الْمُعَلَّقَةِ فِى الْهَوَاءِ تَأْخُذُهَا الرِّيَاحُ يَمْنَةً وَيَسْرَةً بِلا اخْتِيَارٍ مِنْهَا بَلِ الْعِبَادُ لَهُمُ اخْتِيَارٌ فِى أَفْعَالِهِمُ الِاخْتِيَارِيَّةِ لَكِنَّهُمْ لَيْسُوا خَالِقِينَ لَهَا.

(وَاعْلَمْ أَنَّ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَمْرِ الْقَدَرِ لَيْسَ مِنَ الْخَوْضِ الَّذِى نَهَى النَّبِىُّ ﷺ عَنْهُ بِقَوْلِهِ إِذَا ذُكِرَ الْقَدَرُ فَأَمْسِكُوا رَوَاهُ الطَّبَرَانِىُّ لِأَنَّ هَذَا تَفْسِيرٌ لِلْقَدَرِ الَّذِى وَرَدَ بِهِ النَّصُّ) وَتَجِبُ مَعْرِفَتُهُ (وَأَمَّا الْمَنْهِىُّ عَنْهُ فَهُوَ الْخَوْضُ فِيهِ لِلْوُصُولِ إِلَى) مَعْرِفَةِ (سِرِّهِ) فَهُوَ أَمْرٌ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلا نَبِىٌّ مُرْسَلٌ (فَقَدْ رَوَى الشَّافِعِىُّ وَالْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ عَنْ) سَيِّدِنَا (عَلِىٍّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِلسَّائِلِ عَنِ الْقَدَرِ سِرُّ اللَّهِ فَلا تَتَكَلَّفْ) مُحَاوَلَةَ الْوُصُولِ إِلَى مَعْرِفَةِ حَقِيقَتِهِ (فَلَمَّا أَلَحَّ عَلَيْهِ) السَّائِلُ (قَالَ لَهُ أَمَّا إِذْ أَبَيْتَ فَإِنَّهُ أَمْرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ لا جَبْرٌ وَلا تَفْوِيضٌ) أَىْ لَيْسَ الْعَبْدُ مُجْبَرًا عَلَى أَفْعَالِهِ بِلا اخْتِيَارٍ مِنْهُ وَلَيْسَ الأَمْرُ مُفَوَّضًا إِلَيْهِ بِحَيْثُ تَخْرُجُ مَشِيئَتُهُ عَنْ مَشِيئَةِ اللَّهِ وَإِنَّمَا الْعَبْدُ مُخْتَارٌ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ.

(وَاعْلَمْ أَيْضًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدْ ذَمَّ الْقَدَرِيَّةَ وَهُمْ فِرَقٌ) مُتَعَدِّدَةٌ (فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ الْعَبْدُ خَالِقٌ لِجَمِيعِ فِعْلِهِ الِاخْتِيَارِىِّ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ هُوَ خَالِقُ الشَّرِّ) مِنْ أَفْعَالِهِ (دُونَ الْخَيْرِ) مِنْهَا (وَكِلا الْفَرِيقَيْنِ كُفَّارٌ) بِالإِجْمَاعِ وَقَدْ (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْقَدَرِيَّةُ مَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ) رَوَاهُ الْبَيْهَقِىُّ فِى السُّنَنِ

الْكُبْرَى (وَفِى رِوَايَةٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ لِكُلِّ أُمَّةٍ مَجُوسٌ وَمَجُوسُ هَذِهِ الأُمَّةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا قَدَرَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) فِى سُنَنِهِ (عَنْ حُذَيْفَةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ) فَقَدْ شَبَّهَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْمَجُوسِ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شَرِيكًا فِى التَّخْلِيقِ (وَفِى كِتَابِ الْقَدَرِ لِلْبَيْهَقِىِّ وَكِتَابِ تَهْذِيبِ الآثَارِ لِلإِمَامِ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِىِّ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِى لَيْسَ لَهُمَا نَصِيبٌ فِى الإِسْلامِ الْقَدَرِيَّةُ وَالْمُرْجِئَةُ)

وَفِى هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْ الْفَرِيقَيْنِ كُفَّارٌ (فَالْمُعْتَزِلَةُ هُمُ الْقَدَرِيَّةُ لِأَنَّهُمْ جَعَلُوا اللَّهَ وَالْعَبْدَ سَوَاسِيَةً بِنَفْىِ الْقُدْرَةِ عَنْهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مَا يُقْدِرُ عَلَيْهِ عَبْدَهُ فَكَأَنَّهُمْ يُثْبِتُونَ خَالِقَيْنِ فِى الْحَقِيقَةِ كَمَا أَثْبَتَ الْمَجُوسُ خَالِقَيْنِ خَالِقًا لِلْخَيْرِ هُوَ عِنْدَهُمُ النُّورُ وَخَالِقًا لِلشَّرِّ هُوَ عِنْدَهُمُ الظَّلامُ) وَالْمُعْتَزِلَةُ نَحْوُ عِشْرِينَ فِرْقَةً مِنْهُمْ مَنْ وَصَلَ إِلَى حَدِّ الْكُفْرِ كَالَّذِينَ ذَكَرْنَاهُمْ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَصِلْ إِلَى ذَلِكَ الْحَدِّ كَالْقَائِلِينَ إِنَّ اللَّهَ لا يُرَى فِى الآخِرَةِ وَأَمَّا الْمُرْجِئَةُ فَيَقُولُونَ لا يَضُرُّ مَعَ الإِيمَانِ ذَنْبٌ أَىْ أَنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ مَهْمَا عَمِلَ مِنَ الْكَبَائِرِ وَمَاتَ بِلا تَوْبَةٍ لَيْسَ عَلَيْهِ عَذَابٌ وَقَوْلُهُمْ هَذَا كُفْرٌ وَضَلالٌ لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ يَنْضَرُّ بِالْمَعَاصِى الَّتِى يَرْتَكِبُهَا.

(وَ)لْيُعْلَمْ أَنَّ (الْهِدَايَةَ عَلَى وَجْهَيْنِ) أَىْ مَعْنَيَيْنِ (أَحَدُهُمَا إِبَانَةُ الْحَقِّ) أَىْ بَيَانُ الْحَقِّ (وَالدُّعَاءُ إِلَيْهِ) أَىْ أَمْرُ النَّاسِ بِهِ (وَنَصْبُ الأَدِلَّةِ عَلَيْهِ وَعَلَى هَذَا الْوَجْهِ يَصِحُّ إِضَافَةُ الْهِدَايَةِ إِلَى الرُّسُلِ) أَىِ الأَنْبِيَاءِ (وَإِلَى كُلِّ دَاعٍ لِلَّهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِى رَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِى إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾) أَىْ إِنَّكَ يَا مُحَمَّدُ تُبَيِّنُ وَتَدُلُّ النَّاسَ عَلَى طَرِيقَ الْهُدَى وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّكَ تَخْلُقُ الِاهْتِدَاءَ فِى قُلُوبِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ أَىْ لا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَخْلُقَ الِاهْتِدَاءَ فِى قَلْبِ مَنْ أَحْبَبْتَ اهْتِدَاءَهُ ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ﴾ أَىْ يَخْلُقُ الِاهْتِدَاءَ فِى قَلْبِ مَنْ شَاءَ لَهُ الْهُدَى.

وَلْيُعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَصَمَ الأَنْبِيَاءَ مِنْ أَنْ تَمِيلَ قُلُوبُهُمْ إِلَى مَحَبَّةِ ذَاتِ كَافِرٍ فَالأَنْبِيَاءُ لا يُحِبُّونَ ذَوَاتِ الْكُفَّارِ (وَ)كَذَلِكَ (قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾) مَعْنَاهُ أَرْسَلْنَا لَهُمْ صَالِحًا فَبَيَّنَ لَهُمُ طَرِيقَ الْحَقِّ وَالْهُدَى وَهُوَ الإِسْلامُ فَكَذَّبُوهُ وَاخْتَارُوا الضَّلالَ وَالْكُفْرَ فَأُهْلِكُوا بِصَيْحَةٍ

كَالصَّاعِقَةِ صَاحَهَا بِهِمْ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَتَقَطَّعَتْ قُلُوبُهُمْ فَمَاتُوا (وَ)أَمَّا الْمَعْنَى (الثَّانِى) فَهُوَ (مِنْ جِهَةِ هِدَايَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِعِبَادِهِ أَىْ خَلْقِ الِاهْتِدَاءِ فِى قُلُوبِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾) أَىْ مَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَهُ مُهْتَدِيًا يُحَبِّبُ الإِسْلامَ إِلَيْهِ (﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾)

أَىْ وَمَنْ شَاءَ لَهُ أَنْ يَكُونَ كَافِرًا يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الإِيمَانِ فَلا يُحَبِّبُ الإِسْلامَ إِلَيْهِ فَيَضِيقُ صَدْرُهُ عَنْهُ وَيَنْفِرُ قَلْبُهُ مِنْهُ (وَالإِضْلالُ) مَعْنَاهُ (خَلْقُ الضَّلالِ فِى قُلُوبِ أَهْلِ الضَّلالِ) فَهُوَ سُبْحَانَهُ يَخْلُقُ الِاهْتِدَاءَ فِى قُلُوبِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَضْلًا مِنْهُ وَكَرَمًا وَيَخْلُقُ الضَّلالَةَ فِى قُلُوبِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ عَدْلًا مِنْهُ لا ظُلْمًا

(فَالْعِبَادُ مَشِيئَتُهُمْ تَابِعَةٌ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾) أَىْ أَنَّ الْعِبَادَ لا يَحْصُلُ مِنْهُمْ مَشِيئَةٌ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ فِى الأَزَلِ ذَلِكَ (وَهَذِهِ الآيَةُ) صَرِيحَةٌ فِى كَوْنِ مَشِيئَةِ الْعَبْدِ تَابِعَةً لِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَهِىَ (مِنْ أَوْضَحِ الأَدِلَّةِ عَلَى ضَلالِ جَمَاعَةِ أَمِين شَيْخُو لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنْ شَاءَ الْعَبْدُ الْهِدَايَةَ يَهْدِيهِ اللَّهُ وَإِنْ شَاءَ الْعَبْدُ الضَّلالَ يُضِلُّهُ اللَّهُ)

فَهُمْ يَجْعَلُونَ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَابِعَةً لِمَشِيئَةِ الْعَبْدِ (فَمَاذَا يَقُولُونَ فِى هَذِهِ الآيَةِ ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ فَإِنَّهَا صَرِيحَةٌ فِى سَبْقِ مَشِيئَةِ اللَّهِ عَلَى مَشِيئَةِ الْعَبْدِ لِأَنَّ اللَّهَ) تَعَالَى (نَسَبَ الْمَشِيئَةَ إِلَيْهِ وَمَا رَدَّهَا إِلَى الْعِبَادِ فَأُولَئِكَ كَأَنَّهُمْ قَالُوا مَنْ يُرِدِ الْعَبْدُ أَنْ يَشْرَحَ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ يَشْرَحُ اللَّهُ صَدْرَهُ ثُمَّ قَوْلُهُ) تَعَالَى (﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ﴾) يَشْهَدُ لِذَلِكَ (فَلا يُمْكِنُ أَنْ يَرْجِعَ الضَّمِيرُ فِى يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ إِلَى الْعَبْدِ لِأَنَّ هَذَا يَجْعَلُ الْقُرْءَانَ رَكِيكًا ضَعِيفَ الْعِبَارَةِ وَالْقُرْءَانُ) فِى (أَعْلَى) دَرَجَاتِ (الْبَلاغَةِ لا يُوجَدُ فَوْقَهُ بَلاغَةٌ فَبَانَ بِذَلِكَ جَهْلُهُمُ الْعَمِيقُ وَغَبَاوَتُهُمُ الشَّدِيدَةُ.

وَعَلَى مُوجَبِ كَلامِهِمْ يَكُونُ مَعْنَى الآيَةِ ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾ أَنَّ الْعَبْدَ الَّذِى يُرِيدُ أَنْ يَهْدِيَهُ اللَّهُ يَشْرَحُ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْهُدَى وَهَذَا عَكْسُ اللَّفْظِ الَّذِى أَنْزَلَهُ اللَّهُ وَهَكَذَا كَانَ اللَّازِمُ عَلَى مُوجَبِ اعْتِقَادِهِمْ أَنْ يَقُولَ اللَّهُ وَالْعَبْدُ الَّذِى يُرِيدُ أَنْ يُضِلَّهُ اللَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا وَ)حَمْلُ الآيَةِ عَلَى (هَذَا) الْمَعْنَى (تَحْرِيفٌ لِلْقُرْءَانِ لِإِخْرَاجِهِ عَنْ أَسَالِيبِ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ الَّتِى نَزَلَ بِهَا الْقُرْءَانُ وَفَهِمَ الصَّحَابَةُ الْقُرْءَانَ عَلَى مُوجَبِهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُمْ) أَىِ الصَّحَابَةَ (يَفْهَمُونَ الْقُرْءَانَ عَلَى خِلافِ مَا تَفْهَمُهُ هَذِهِ الْفِرْقَةُ) الشَّاذَّةُ (اتِّفَاقُ الْمُسْلِمِينَ سَلَفِهِم وَخَلَفِهِمْ عَلَى قَوْلِهِمْ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ).