(وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ الإِحَاطَةُ بِالْعِلْمِ) لا بِالْجِهَةِ أَىْ عَالِمٌ بِكُمْ أَيْنَمَا كُنْتُمْ (وَتَأْتِى الْمَعِيَّةُ أَيْضًا بِمَعْنَى النُّصْرَةِ وَالْكِلاءَةِ) أَىِ الْحِفْظِ وَهِىَ خَاصَّةٌ بِالْمُؤْمِنِينَ الأَتْقِيَاءِ (كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾) فَاللَّهُ تَعَالَى نَصَرَ الأَوْلِيَاءَ وَحَفِظَهُمْ مِنْ أَنْ يُغْرِقَهُمُ الشَّيْطَانُ فِى الْمَعَاصِى (وَلَيْسَ الْمَعْنِىُّ بِهَا) أَىْ بِالْمَعِيَّةِ (الْحُلُولَ وَالِاتِّصَالَ وَيَكْفُرُ مَنْ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ) فِى حَقِّ اللَّهِ (لِأَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الِاتِّصَالِ وَالِانْفِصَالِ بِالْمَسَافَةِ فَلا يُقَالُ إِنَّهُ مُتَّصِلٌ بِالْعَالَمِ وَلا مُنْفَصِلٌ عَنْهُ بِالْمَسَافَةِ لِأَنَّ هَذِهِ الأُمُورَ مِنْ صِفَاتِ الْحَجْمِ وَالْحَجْمُ هُوَ الَّذِى يَقْبَلُ الأَمْرَيْنِ) لِأَنَّهُ حَادِثٌ أَىْ مَخْلُوقٌ (وَاللَّهُ جَلَّ وَعَلا لَيْسَ بِحَادِثٍ) وَ(نَفَى ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ بِقَوْلِهِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾).

(وَلا يُوصَفُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْكِبَرِ حَجْمًا وَلا بِالصِّغَرِ وَلا بِالطُّولِ وَلا بِالْقِصَرِ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْحَوَادِثِ) أَىْ غَيْرُ مُشَابِهٍ لَهَا وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَهُوَ الْعَلِىُّ الْكَبِيرُ﴾ فَمَعْنَاهُ كَبِيرُ الْقَدْرِ. (وَيَجِبُ طَرْدُ كُلِّ فِكْرَةٍ عَنِ الأَذْهَانِ تُفْضِى إِلَى تَقْدِيرِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَحْدِيدِهِ) أَىْ تُؤَدِّى إِلَى وَصْفِ اللَّهِ بِالْحَدِّ وَالْمِقْدَارِ لِأَنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ قَالَ الْحَافِظُ الْفَقِيهُ مُحَمَّدُ مُرْتَضَى الزَّبِيدِىُّ فِى شَرْحِ إِحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ مَنْ جَعَلَ اللَّهَ تَعَالَى مُقَدَّرًا بِمِقْدَارٍ كَفَرَ وَقَالَ الإِمَامُ عَلِىٌّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ إِلَهَنَا مَحْدُودٌ فَقَدْ جَهِلَ الْخَالِقَ الْمَعْبُودَ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فِى كِتَابِهِ حِلْيَةُ الأَوْلِيَاءِ. وَالْمَحْدُودُ عِنْدَ عُلَمَاءِ التَّوْحِيدِ مَا لَهُ حَجْمٌ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا.

وَ(كَانَ الْيَهُودُ قَدْ نَسَبُوا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى التَّعَبَ فَقَالُوا إِنَّهُ بَعْدَ) أَنْ (خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ) فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ (اسْتَرَاحَ) يَوْمَ السَّبْتِ (فَاسْتَلْقَى عَلَى قَفَاهُ وَقَوْلُهُمْ هَذَا كُفْرٌ) لِأَنَّهُمْ جَعَلُوهُ جِسْمًا لَهُ أَعْضَاءٌ وَوَصَفُوهُ بِأَوْصَافِ الْخَلْقِ (وَ)كَذَلِكَ الْوَهَّابِيَّةُ جَعَلَتْهُ جِسْمًا لَهُ أَعْضَاءٌ فَهُمْ إِخْوَةُ الْيَهُودِ وَإِنْ ظَنُّوا

بِأَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ مُوَحِّدُونَ فَيَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ (اللَّهَ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ) أَىْ عَنِ الْجِسْمِيَّةِ (وَعَنِ الِانْفِعَالِ كَالإِحْسَاسِ بِالتَّعَبِ وَالآلامِ وَاللَّذَّاتِ) لِأَنَّهَا مِنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقَاتِ (فَالَّذِى تَلْحَقُهُ هَذِهِ الأَحْوَالُ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حَادِثًا) أَىْ (مَخْلُوقًا يَلْحَقُهُ التَّغَيُّرُ وَهَذَا يَسْتَحِيلُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى) كَمَا (قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِى سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُّغُوبٍ﴾)

أَىْ وَمَا أَصَابَنَا مِنْ تَعَبٍ (إِنَّمَا يَلْغَبُ) أَىْ يَتْعَبُ (مَنْ يَعْمَلُ بِالْجَوَارِحِ) أَىِ الأَعْضَاءِ (وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنِ الْجَارِحَةِ) فَهُوَ يَفْعَلُ بِلا جَارِحَةٍ وَلا حَرَكَةٍ وَلا ءَالَةٍ وَلا مُمَاسَّةٍ لِشَىْءٍ (قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ فَاللَّهُ تَعَالَى سَمِيعٌ وَبَصِيرٌ بِلا كَيْفِيَّةٍ) أَىْ سَمْعُهُ وَبَصَرُهُ لَيْسَ كَسَمْعِ وَبَصَرِ غَيْرِهِ (فَالسَّمْعُ وَالْبَصَرُ هُمَا صِفَتَانِ) لِلَّهِ (أَزَلِيَّتَانِ بِلا جَارِحَةٍ أَىْ بِلا أُذُنٍ أَوْ حَدَقَةٍ وَبِلا شَرْطِ قُرْبٍ أَوْ بُعْدٍ أَوْ جِهَةٍ وَبِدُونِ انْبِعَاثِ شُعَاعٍ مِنَ الْبَصَرِ أَوْ تَمَوُّجِ هَوَاءٍ. وَمَنْ قَالَ لِلَّهِ أُذُنٌ فَقَدْ كَفَرَ وَلَوْ قَالَ لَهُ أُذُنٌ لَيْسَتْ كَآذَانِنَا بِخِلافِ مَنْ قَالَ لَهُ عَيْنٌ لَيْسَتْ كَعُيُونِنَا وَيَدٌ لَيْسَتْ كَأَيْدِينَا) وَوَجْهٌ لَيْسَ كَوُجُوهِنَا (بَلْ بِمَعْنَى الصِّفَةِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ لِوُرُودِ إِطْلاقِ الْعَيْنِ وَالْيَدِ) وَالْوَجْهِ عَلَى اللَّهِ (فِى الْقُرْءَانِ) لَكِنْ مَعَ تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنِ الْجَوَارِحِ (وَلَمْ يَرِدْ إِطْلاقُ الأُذُنِ عَلَيْهِ) لا فِى الْكِتَابِ وَلا فِى السُّنَّةِ.

(تَفْسِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾)

(قَالَ) اللَّهُ (تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾) وَ(الْمَعْنَى) أَنَّ الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ مِلْكٌ لِلَّهِ (فَأَيْنَمَا تُوَجِّهُوا وُجُوهَكُمْ فِى صَلاةِ النَّفْلِ فِى السَّفَرِ) عَلَى الرَّاحِلَةِ (فَثَمَّ قِبْلَةُ اللَّهِ أَىْ فَتِلْكَ الْوِجْهَةُ الَّتِى تَوَجَّهْتُمْ إِلَيْهَا هِىَ قِبْلَةٌ لَكُمْ) فِى صَلاتِكُمْ وَأَنْتُمْ رَاكِبُونَ الدَّابَّةَ لَكِنْ لا بُدَّ مِنَ اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ (وَلا يُرَادُ بِالْوَجْهِ) هُنَا (الْجَارِحَةُ) أَىِ الْجُزْءُ الْمُرَكَّبُ عَلَى الْبَدَنِ (وَحُكْمُ مَنْ يَعْتَقِدُ الْجَارِحَةَ لِلَّهِ التَّكْفِيرُ) قَطْعًا أَىْ بِلا شَكٍّ.

وَيَكْفِى فِى تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنِ الْجَوَارِحِ أَىِ الأَعْضَاءِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ (لِأَنَّهُ لَوْ كَانَتْ لَهُ جَارِحَةٌ لَكَانَ مِثْلًا لَنَا) وَ(يَجُوزُ عَلَيْهِ مَا يَجُوزُ عَلَيْنَا مِنَ الْفَنَاءِ) وَالتَّغَيُّرِ. (وَقَدْ يُرَادُ بِالْوَجْهِ) فِى هَذِهِ الآيَةِ (الْجِهَةُ الَّتِى يُرَادُ بِهَا التَّقَرُّبُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى كَأَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا لِوَجْهِ اللَّهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا) مِنَ الْخَيْرِ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ وَ(امْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى) كَمَا فِى حَدِيثِ ابْنِ حِبَّانَ أَقْرَبُ مَا تَكُونُ الْمَرْأَةُ إِلَى وَجْهِ اللَّهِ إِذَا كَانَتْ فِى قَعْرِ بَيْتِهَا.

وَمَعْنَى وَجْهِ اللَّهِ هُنَا طَاعَةُ اللَّهِ. (وَيَحْرُمُ أَنْ يُقَالَ كَمَا شَاعَ بَيْنَ الْجُهَّالِ افْتَحِ النَّافِذَةَ لِنَرَى وَجْهَ اللَّهِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِمُوسَى ﴿لَنْ تَرَانِى﴾) أَىْ فِى الدُّنْيَا (وَلَوْ لَمْ يَكُنْ قَصْدُ النَّاطِقِينَ بِهِ رُؤْيَةَ اللَّهِ فَهُوَ حَرَامٌ) لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ لِلَّهِ جِهَةً وَأَنَّهُ يُرَى بِالْعَيْنِ فِى الدُّنْيَا.