(يَجِبُ الإِيمَانُ بِالرُّوحِ وَهِىَ جِسْمٌ لَطِيفٌ) لا يُقْبَضُ بِالْيَدِ (لا يَعْلَمُ حَقِيقَتَهُ إِلَّا اللَّهُ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَا أُوتِيتُمْ مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (وَقَدْ أَجْرَى اللَّهُ الْعَادَةَ أَنْ تَسْتَمِرَّ الْحَيَاةُ فِى أَجْسَامِ الْمَلائِكَةِ وَالإِنْسِ وَالْجِنِّ وَالْبَهَائِمِ مَا دَامَتْ تِلْكَ الأَجْسَامُ اللَّطِيفَةُ) أَىِ
الأَرْوَاحُ (مُجْتَمِعَةً مَعَهَا وَتُفَارِقَهَا إِذَا فَارَقَتْهَا تِلْكَ الأَجْسَامُ وَهِىَ حَادِثَةٌ) أَىْ مَخْلُوقَةٌ وَ(لَيْسَتْ قَدِيمَةً) أَىْ لَيْسَتْ أَزَلِيَّةً وَلَكِنَّهَا بَاقِيَةٌ لا تَفْنَى (فَمَنْ قَالَ إِنَّهَا قَدِيمَةٌ لَيْسَتْ مَخْلُوقَةً فَقَدْ كَفَرَ وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ) إِنَّ (الْبَهَائِمَ لا أَرْوَاحَ لَهَا كَمَا قَالَ ذَلِكَ مُحَمَّدُ مُتْوَلِّى الشَّعْرَاوِىّ فِى كِتَابَيْهِ التَّفْسِيرِ وَالْفَتَاوَى وَذَلِكَ تَكْذِيبٌ لِلْقُرْءَانِ)
وَالْحَدِيثِ وَإِجْمَاعِ الأُمَّةِ (وَإِنْكَارٌ لِلْعِيَانِ) أَىْ لِمَا هُوَ مُعَايَنٌ وَمُشَاهَدٌ (قَالَ تَعَالَى فِى سُورَةِ التَّكْوِيرِ ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾) أَىْ رَجَعَتِ الأَرْوَاحُ إِلَيْهَا فَبُعِثَتْ ثُمَّ حُشِرَتْ (وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَتُؤَدَّنَّ الْحُقُوقُ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ) أَىْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْخُذُ الْحُقُوقَ لِأَهْلِهَا حَتَّى يُؤْخَذَ حَقُّ الشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ الَّتِى ضَرَبَتْهَا فِى الدُّنْيَا وَالشَّاةُ الْجَلْحَاءُ هِىَ الشَّاةُ الَّتِى لَيْسَ لَهَا قَرْنٌ أَمَّا الْقَرْنَاءُ فَلَهَا قَرْنٌ وَلَكِنْ لَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ تُؤْخَذَ الْقَرْنَاءُ الَّتِى ضَرَبَتِ الأُخْرَى إِلَى النَّارِ إِنَّمَا هَذِهِ تَضْرِبُ هَذِهِ كَمَا ضَرَبَتْهَا فِى الدُّنْيَا ثُمَّ تَمُوتُ وَلا تَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَلا النَّارَ إِنَّمَا تَعُودُ تُرَابًا.
وَالْمُؤْمِنُ التَّقِىُّ إِذَا مَاتَ وَبَلِىَ جَسَدُهُ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا عَجْبُ الذَّنَبِ يَكُونُ رُوحُهُ فِى الْجَنَّةِ أَمَّا شَهِيدُ الْمَعْرَكَةِ فَيَصْعَدُ رُوحُهُ فَوْرًا إِلَى الْجَنَّةِ. وَتَكُونُ أَرْوَاحُ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ أَىْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ الَّذِينَ مَاتُوا بِلا تَوْبَةٍ بَعْدَ بِلَى الْجَسَدِ فِيمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَبَعْضُهُمْ فِى السَّمَاءِ الأُولَى أَمَّا الشَّهِيدُ الْعَاصِى فَيَصْعَدُ رُوحُهُ فَوْرًا إِلَى الْجَنَّةِ. وَتَكُونُ أَرْوَاحُ الْكُفَّارِ بَعْدَ أَنْ تَبْلَى أَجْسَادُهُمْ فِى سِجِّين وَتَبْقَى هُنَاكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسِجِّينٌ مَكَانٌ مُظْلِمٌ وَمُوحِشٌ فِى الأَرْضِ السَّابِعَةِ تُسَجَّلُ فِيهِ أَسْمَاءُ الْكُفَّارِ.
(بَيَانُ أَنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ شَامِلَةٌ فِى الدُّنْيَا لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ خَاصَّةٌ بِالْمُؤْمِنِينَ فِى الآخِرَةِ)
(وَ)اعْلَمْ أَنَّ (اللَّهَ تَعَالَى يَرْحَمُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْكَافِرِينَ فِى الدُّنْيَا وَسِعَتْ رَحْمَتُهُ كُلًّا) مِنْهُمْ (أَمَّا فِى الآخِرَةِ فَرَحْمَتُهُ خَاصَّةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أَىْ وَسِعَتْ فِى الدُّنْيَا كُلَّ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ ﴿فَسَأَكْتُبُهَا﴾ أَىْ فِى الآخِرَةِ ﴿لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ أَىْ أَخُصُّهَا لِمَنِ اتَّقَى)
أَىِ اجْتَنَبَ (الشِّرْكَ وَسَائِرَ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ﴾) أَىْ أَهْلُ النَّارِ يُنَادُونَ أَهْلَ الْجَنَّةِ إِمَّا يَرَوْنَهُمْ عِيَانًا مَعَ بُعْدِ الْمَسَافَةِ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فِى وَقْتٍ مِنَ الأَوْقَاتِ وَإِمَّا يَسْمَعُونَ صَوْتَهُمْ فَيَطْلُبُونَ مِنَ الضِّيقِ الَّذِى هُمْ فِيهِ (﴿أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ أَىْ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْكَافِرِينَ الرِّزْقَ النَّافِعَ وَالْمَاءَ الْمُرْوِىَ فِى الآخِرَةِ) فَلا يَجِدُونَ مَاءً بَارِدًا مُرْوِيًا إِنَّمَا يَشْرَبُونَ الْمَاءَ الْمُتَنَاهِىَ فِى الْحَرَارَةِ وَمَا يَسِيلُ مِنْ جُلُودِ أَهْلِ النَّارِ (وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ أَضَاعُوا أَعْظَمَ حُقُوقِ اللَّهِ الَّذِى لا بَدِيلَ لَهُ وَهُوَ الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ) فَكَفَرُوا وَقَصَدُوا الْبَقَاءَ عَلَى الْكُفْرِ فَكَانَ جَزَاؤُهُمْ عَذَابًا لا يَنْقَطِعُ.
(ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ) تَعَالَى (جَعَلَ الدُّخُولَ فِى الإِسْلامِ الَّذِى هُوَ أَفْضَلُ نِعَمِ اللَّهِ سَهْلًا وَذَلِكَ بِالنُّطْقِ بِالشَّهَادَتَيْنِ بَعْدَ مَعْرِفَةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجَعَلَ الْكُفْرَ سَهْلًا فَكَلِمَةٌ وَاحِدَةٌ تَدُلُّ عَلَى الِاسْتِخْفَافِ بِاللَّهِ) أَوْ كُتُبِهِ أَوْ رُسُلِهِ أَوْ مَلائِكَتِهِ أَوْ مَعَالِمِ دِينِهِ (أَوْ شَرِيعَتِهِ تُخْرِجُ قَائِلَهَا مِنَ الإِيمَانِ وَتُوقِعُهُ فِى الْكُفْرِ الَّذِى هُوَ أَسْوَأُ الأَحْوَالِ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ اللَّهِ أَحْقَرَ مِنَ الْحَشَرَاتِ وَالْوُحُوشِ) أَىِ الْبَهَائِمِ (سَوَاءٌ تَكَلَّمَ بِهَا جَادًّا أَوْ مَازِحًا أَوْ غَضْبَانَ وَقَدْ شُرِحَ ذَلِكَ فِى كُتُبِ الْفِقْهِ فِى الْمَذَاهِبِ) الأَرْبَعَةِ (الْمُعْتَبَرَةِ وَحَكَمُوا أَنَّ الْمُتَلَفِّظَ بِهَا يَكْفُرُ).
فَالْكُفَّارُ هُمْ أَحْقَرُ وَأَخَسُّ خَلْقِ اللَّهِ وَإِنْ كَانَتْ صُورَتُهُمْ صُورَةَ الْبَشَرِ لِأَنَّهُمْ أَعْرَضُوا عَنْ الإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَكَفَرُوا بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾) وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمُ الَّذِينَ مَاتُوا فِى الْجَاهِلِيَّةِ فَوَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ (أَىْ تَحْتَ مَشِيئَتِهِ وَتَصَرُّفِهِ) إِنَّ الَّذِى يُدَهْدِهُهُ (أَىْ يُدَحْرِجُهُ) الْجُعَلُ بِأَنْفِهِ خَيْرٌ مِنْ هَؤُلاءِ الْمُشْرِكِينَ. وَالْجُعَلُ يُدَحْرِجُ الْقَذَرَ الَّذِى يَخْرُجُ مِنْ بَنِى ءَادَمَ وَيَجْعَلُهُ حُبَيْبَاتٍ لِيَتَقَوَّتَ بِهِ.
(الْبِدْعَةُ)
(الْبِدْعَةُ لُغَةً مَا أُحْدِثَ) أَىْ مَا عُمِلَ (عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ سَابِقٍ) أَىْ لَمْ يَسْبِقْ إِلَى ذَلِكَ أَحَدٌ (وَشَرْعًا) الشَّىْءُ (الْمُحْدَثُ) أَىِ الْمُسْتَحْدَثُ (الَّذِى لَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ وَلا الْحَدِيثُ). (وَ)الْبِدْعَةُ (تَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ) بِدْعَةٍ حَسَنَةٍ وَبِدْعَةٍ سَيِّئَةٍ (كَمَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ) الْبُخَارِىِّ عَنْ (عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا) أَنَّهَا (قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ أَحْدَثَ فِى أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ أَىْ) مَنْ أَحْدَثَ شَيْئًا يُخَالِفُ دِينَنَا فَهُوَ (مَرْدُودٌ) أَىْ غَيْرُ مَقْبُولٍ أَمَّا مَنْ أَحْدَثَ مَا هُوَ مِنْهُ أَىْ مَا هُوَ مُوَافِقٌ لَهُ فَلَيْسَ مَرْدُودًا.
وَ(الْقِسْمُ الأَوَّلُ) هُوَ (الْبِدْعَةُ الْحَسَنَةُ وَتُسَمَّى السُّنَّةَ الْحَسَنَةَ وَهِىَ الْمُحْدَثُ الَّذِى يُوَافِقُ الْقُرْءَانَ وَالسُّنَّةَ) أَىِ الْحَدِيثَ كَإِحْدَاثِ الْمَآذِنِ وَالْمَحَارِيبِ الْمُجَوَّفَةِ فِى الْمَسَاجِدِ وَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَهَا هُوَ الْخَلِيفَةُ الرَّاشِدُ عُمَرُ بنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَقَرَّهُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ. وَ(الْقِسْمُ الثَّانِى) هُوَ (الْبِدْعَةُ السَّيِّئَةُ وَتُسَمَّى السُّنَّةَ السَّيِّئَةَ وَهِىَ الْمُحْدَثُ الَّذِى يُخَالِفُ الْقُرْءَانَ وَالْحَدِيثَ) كَتَحْرِيمِ الصَّلاةِ عَلَى النَّبِىِّ جَهْرًا بَعْدَ الأَذَانِ وَالِاحْتِفَالِ بِمَوْلِدِ النَّبِىِّ ﷺ (وَهَذَا التَّقْسِيمُ مَفْهُومٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَرِيرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِىِّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ) أَنَّهُ (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ سَنَّ فِى الإِسْلامِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَىْءٌ وَمَنْ سَنَّ فِى الإِسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةً كَانَ عَلَيْهِ وِزْرُهَا وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَىْءٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ).
أَمَّا حَدِيثُ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلالَةٌ فَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ النَّوَوِىُّ فِى شَرْحِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ إِنَّهُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ وَالْمُرَادُ بِهِ غَالِبُ الْبِدَعِ، أَىْ أَنَّ لَفْظَهُ عَامٌّ لَكِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالْبِدْعَةِ الْمُخَالِفَةِ لِلشَّرِيعَةِ فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى عَنِ الرِّيحِ ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ وَلَمْ تُدَمِّرْ هَذِهِ الرِّيحُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ إِنَّمَا دَمَّرَتْ كُلَّ شَىْءٍ مَرَّتْ عَلَيْهِ مِنْ رِجَالِ عَادٍ الْكَافِرِينَ وَأَمْوَالِهمْ، وَنَظِيرُ ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ وَكُلُّ عَيْنٍ زَانِيَةٌ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ بِلا اسْتِثْنَاءٍ حَتَّى الأَنْبِيَاء وَالأَعْمَى يَقَعُونَ فِى مَعْصِيَةِ زِنَى الْعَيْنِ وَهُوَ النَّظَرُ الْمُحَرَّمُ بَلِ الْمُرَادُ أَنَّ أَغْلَبَ النَّاسِ يَقَعُونَ فِى هَذِهِ الْمَعْصِيَةِ.
(فَمِنَ الْقِسْمِ الأَوَّلِ) أَىِ الْبِدْعَةِ الْحَسَنَةِ (الِاحْتِفَالُ بِمَوْلِدِ النَّبِىِّ ﷺ فِى شَهْرِ رَبِيعٍ الأَوَّلِ وَأَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَهُ الْمَلِكُ الْمُظَفَّرُ مَلِكُ إِرْبِل) أَبُو سَعِيدٍ كُوكَبْرِى (فِى الْقَرْنِ السَّابِعِ الْهِجْرِىِّ) وَكَانَ عَالِمًا تَقِيًّا فَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ الْعُلَمَاءُ فِى مَشَارِقِ الأَرْضِ وَمَغَارِبِهَا مِنْهُمُ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلانِىُّ وَتِلْمِيذُهُ الْحَافِظُ السَّخَاوِىُّ وَكَذَلِكَ الْحَافِظُ السُّيُوطِىُّ وَلَهُ رِسَالَةٌ سَمَّاهَا حُسْنَ الْمَقْصِدِ فِى عَمَلِ الْمَوْلِدِ.
(وَ)مِنَ الْبِدَعِ الْحَسَنَةِ (تَنْقِيطُ التَّابِعِىِّ الْجَلِيلِ يَحْيَى بنِ يَعْمَرَ الْمُصْحَفَ وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالتَّقْوَى) تُوُفِّىَ سَنَةَ مِائَةٍ وَتِسْعٍ وَعِشْرِينَ (وَأَقَرَّ ذَلِكَ الْعُلَمَاءُ مِنْ مُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ وَاسْتَحْسَنُوهُ وَلَمْ يَكُنِ) الْمُصْحَفُ (مُنَقَّطًا عِنْدَمَا أَمْلَى الرَّسُولُ عَلَى كَتَبَةِ الْوَحْىِ) بَلْ كَانُوا يَكْتُبُونَ الْبَاءَ وَالتَّاءَ وَنَحْوَهُمَا بِلا
نَقْطٍ (وَكَذَلِكَ عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ لَمَّا كَتَبَ الْمَصَاحِفَ الْخَمْسَةَ أَوِ السِّتَّةَ) وَأَرْسَلَهَا إِلَى الأَمْصَارِ (لَمْ تَكُنْ مُنَقَّطَةً. وَمُنْذُ ذَلِكَ التَّنْقِيطِ لَمْ يَزَلِ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ إِلَى الْيَوْمِ فَهَلْ يُقَالُ فِى هَذَا إِنَّهُ بِدْعَةُ ضَلالَةٍ) وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ جَمِيعَهُمْ ضَلُّوا فِى هَذَا الأَمْرِ (لِأَنَّ الرَّسُولَ لَمْ يَفْعَلْهُ فَإِنْ كَانَ الأَمْرُ كَذَلِكَ) عِنْدَ الْمُشَبِّهَةِ الْوَهَّابِيَّةِ (فَلْيَتْرُكُوا هَذِهِ الْمَصَاحِفَ الْمُنَقَّطَةَ أَوْ لِيَكْشِطُوا هَذَا التَّنْقِيطَ مِنَ الْمَصَاحِفِ حَتَّى تَعُودَ مُجَرَّدَةً كَمَا) كَانَتْ (فِى أَيَّامِ) سَيِّدِنَا (عُثْمَانَ) بنِ عَفَّانَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ.
(قَالَ أَبُو بَكْرِ بنُ أَبِى دَاوُدَ صَاحِبِ السُّنَنِ فِى كِتَابِهِ) الْمُسَمَّى (الْمَصَاحِفِ أَوَّلُ مَنْ نَقَطَ الْمَصَاحِفَ يَحْيَى بنُ يَعْمَرَ وَهُوَ مِنْ عُلَمَاءِ التَّابِعِينَ رَوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ) فَيُعْلَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ مَنْ خَالَفَ فِى ذَلِكَ فَهُوَ شَاذٌّ مُكَابِرٌ لِأَنَّ مُؤَدَّى كَلامِهِ أَنَّ الصَّحَابَةَ الَّذِينَ بَشَرَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ بِالْجَنَّةِ كَعُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ كَانُوا عَلَى ضَلالٍ فَعُمَرُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ جَمَعَ النَّاسَ فِى قِيَامِ رَمَضَانَ عَلَى إِمَامٍ وَاحِدٍ وَقَالَ نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ.
(وَمِنْ) أَمْثِلَةِ (الْقِسْمِ الثَّانِى) أَىِ الْبِدْعَةِ السَّيِّئَةِ (الْمُحْدَثَاتُ فِى الِاعْتِقَادِ كَبِدْعَةِ الْمُعْتَزِلَةِ) الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ أَفْعَالَهُ (وَالْخَوَارِجِ) الْقَائِلِينَ بِكُفْرِ مَنْ سِوَاهُمْ وَالْوَهَّابِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ اللَّهَ جَالِسٌ عَلَى الْعَرْشِ (وَغَيْرِهِمْ مِنْ) نَحْوِ هَذِهِ الْفِرَقِ الضَّالَّةِ (الَّذِينَ خَرَجُوا عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِى الْمُعْتَقَدِ وَ)أَمَّا
الْبِدَعُ الْعَمَلِيَّةُ فَمِنْهَا (كِتَابَةُ ص أَوْ صَلْعَمْ بَعْدَ اسْمِ النَّبِىِّ بَدَلَ ﷺ وَقَدْ نَصَّ الْمُحَدِّثُونَ) كَالْحَافِظِ الْعِرَاقِىِّ وَالْحَافِظِ السُّيُوطِىِّ (فِى كُتُبِ مُصْطَلَحِ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ كِتَابَةَ الصَّادِ مُجَرَّدَةً) بَعْدَ اسْمِ النَّبِىِّ (مَكْرُوهٌ وَمَعَ هَذَا لَمْ يُحَرِّمُوهَا فَمِنْ أَيْنَ لِهَؤُلاءِ) الْوَهَّابِيَّةِ (الْمُتَنَطِّعِينَ) أَىِ الْغُلاةِ (الْمُشَوِّشِينَ)
عَلَى النَّاسِ (أَنْ يَقُولُوا عَنْ عَمَلِ الْمَوْلِدِ) أَىِ الِاحْتِفَالِ بِمَوْلِدِ النَّبِىِّ ﷺ إِنَّهُ (بِدْعَةٌ مُحَرَّمَةٌ) مُدَّعِينَ أَنَّ هَذَا فِيهِ تَشَبُّهٌ بِالْيَهُودِ كَمَا فِى كِتَابِهِمُ الْمُسَمَّى التَّحْذِيرَ مِنَ الْبِدَعِ لِابْنِ بَازٍ مَعَ أَنَّ الْوَهَّابِيَّةَ يَحْتَفِلُونَ بِمَوْلِدِ شَيْخِهِمْ مُحَمَّدِ بنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ أُسْبُوعًا كَامِلًا (وَ)يَقُولُونَ (عَنِ الصَّلاةِ عَلَى النَّبِىِّ جَهْرًا عَقِبَ الأَذَانِ إِنَّهُ بِدْعَةٌ مُحَرَّمَةٌ بِدَعْوَى أَنَّ الرَّسُولَ مَا فَعَلَهُ وَ)أَنَّ (الصَّحَابَةَ لَمْ يَفْعَلُوهُ).
وَتَحْرِيمُ الْوَهَّابِيَّةِ لِلصَّلاةِ عَلَى النَّبِىِّ جَهْرًا عَقِبَ الأَذَانِ مِنْ جُمْلَةِ بِدَعِهِمُ الَّتِى سَنَّهَا لَهُمْ مُحَمَّدُ بنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ مَع أَنَّهُ ثَبَتَ حَدِيثَانِ فِى مَشْرُوعِيَّةِ الصَّلاةِ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ عَقِبَ الأَذَانِ حَدِيثُ مُسْلِمٍ إِذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤَذِّنَ فَقُولُوا مِثْلَمَا يَقُولُ ثُمَّ صَلُّوا عَلَىَّ وَحَدِيثُ مَنْ ذَكَرَنِى فَلْيُصَلِّ عَلَىَّ رَوَاهُ الْحَافِظُ أَبُو يَعْلَى فِى مُسْنَدِهِ وَالْحَافِظُ السَّخَاوِىُّ فِى كِتَابِهِ الْقَوْلُ الْبَدِيعُ فِى الصَّلاةِ عَلَى النَّبِىِّ الشَّفِيعِ وَقَالَ لا بَأْسَ بِإِسْنَادِهِ فَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ وَالْمُسْتَمِعَ كِلَيْهِمَا مَطْلُوبٌ مِنْهُ الصَّلاةُ عَلَى النَّبِىِّ ﷺ وَهَذَا يَحْصُلُ بِالسِّرِّ وَالْجَهْرِ فَمَاذَا تَقُولُ الْوَهَّابِيَّةُ بَعْدَ هَذَا.
(وَمِنْهُ) أَىْ وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْقِسْمِ الثَّانِى (تَحْرِيفُ اسْمِ اللَّهِ إِلَى ءَاه وَنَحْوِهِ كَمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الطُّرُقِ) كَالشَّاذِلِيَّةِ الْيَشْرُطِيَّةِ (فَإِنَّ هَذَا مِنَ الْبِدَعِ الْمُحَرَّمَةِ) وَءَاه لَفْظٌ مِنْ أَلْفَاظِ الأَنِينِ وَلَيْسَ اسْمًا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ (قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِىُّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ) فِى تَقْسِيمِهِ لِلْبِدْعَةِ (الْمُحْدَثَاتُ مِنَ الأُمُورِ ضَرْبَانِ أَحَدُهُمَا مَا أُحْدِثَ مِمَّا يُخَالِفُ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً أَوْ إِجْمَاعًا أَوْ أَثَرًا) وَالْكِتَابُ هُوَ الْقُرْءَانُ وَالسُّنَّةُ هُوَ الْحَدِيثُ وَالإِجْمَاعُ هُوَ اتِّفَاقُ الْعُلَمَاءِ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ فِى عَصْرٍ مِنَ الْعُصُورِ عَلَى أَمْرٍ دِينِىٍّ أَمَّا الأَثَرُ فَهُوَ مَا ثَبَتَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُنْكَرْ عِنْدَهُمْ (فَهَذِهِ الْبِدْعَةُ الضَّلالَةُ وَالثَّانِيَةُ مَا أُحْدِثَ مِنَ الْخَيْرِ وَلا يُخَالِفُ كِتَابًا أَوْ سُنَّةً أَوْ إِجْمَاعًا وَهَذِهِ مُحْدَثَةٌ) أَىْ بِدْعَةٌ (غَيْرُ مَذْمُومَةٍ رَوَاهُ الْبَيْهَقِىُّ بِالإِسْنَادِ الصَّحِيحِ فِى كِتَابِهِ مَنَاقِبُ الشَّافِعِىِّ).
