(وَالنَّارُ حَقٌّ) أَىْ وُجُودُهَا ثَابِتٌ (فَيَجِبُ الإِيمَانُ بِهَا وَبِأَنَّهَا مَخْلُوقَةٌ) أَىْ مَوْجُودَةٌ (الآنَ كَمَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنَ الآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ وَقَوْلِهِ ﷺ أُوقِدَ عَلَى النَّارِ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى احْمَرَّتْ وَأَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى ابْيَضَّتْ وَأَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى اسْوَدَّتْ فَهِىَ سَوْدَاءُ مُظْلِمَةٌ رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ (وَهِىَ مَكَانٌ أَعَدَّهُ اللَّهُ لِعَذَابِ الْكُفَّارِ الَّذِى لا يَنْتَهِى أَبَدًا وَبَعْضِ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ وَمَكَانُهَا تَحْتَ الأَرْضِ السَّابِعَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةً بِهَا)

وَلَهَا أَرْضُهَا وَسَقْفُهَا الْمُسْتَقِلَّانِ وَهِىَ بَاقِيَةٌ لا تَفْنَى كَمَا نَقَلَ الإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ الْحَافِظُ الْمُجْتَهِدُ تَقِىُّ الدِّينِ السُّبْكِىُّ فِى رِسَالَتِهِ الِاعْتِبَارُ بِبَقَاءِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَنَقَلَ ابْنُ حَزْمٍ الإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ وَأَنَّ مَنْ خَالَفَهُ كَافِرٌ بِالإِجْمَاعِ وَقَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ فِى الْفِقْهِ الأَكْبَرِ وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ مَخْلُوقَتَانِ الآنَ وَلا تَفْنَيَانِ أَبَدًا،

وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْحَقُّ وَخَالَفَ فِى ذَلِكَ ابْنُ تَيْمِيَةَ فَقَالَ إِنَّ النَّارَ تَفْنَى لا يَبْقَى فِيهَا أَحَدٌ وَتَبِعَهُ فِى هَذِهِ الْمَقَالَةِ الْفَاسِدَةِ الْوَهَّابِيَّةُ كَمَا فِى كِتَابِهِمُ الْمُسَمَّى الْقَوْلَ الْمُخْتَارَ لِفَنَاءِ النَّارِ لِعَبْدِ الْكَرِيمِ الْحَمِيد وَهُوَ تَكْذِيبٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ فَلَوْ كَانَتِ النَّارُ تَفْنَى وَالْكُفَّارُ يَخْرُجُونَ مِنْهَا فَأَيْنَ يَذْهَبُونَ بِزَعْمِهِمْ وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ إِذْ لا يُوجَدُ فِى الآخِرَةِ إِلَّا مَنْزِلَتَانِ إِمَّا جَنَّةٌ وَإِمَّا نَارٌ.

وَلا يُخَفَّفُ الْعَذَابُ عَنِ الْكُفَّارِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾ وَلا يَنْتَفِعُ الْكَافِرُ فِى الآخِرَةِ بِمَا عَمِلَهُ مِنَ الأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ فِى الدُّنْيَا لِقَوْلِهِ ﷺ وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِهِ فِى الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْهَا نَصِيب رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَنَقَلَ ابْنُ حَجَرٍ الْعَسْقَلانِىُّ فِى فَتْحِ الْبَارِى عَنِ الْقَاضِى عِيَاضٍ الإِجْمَاعَ بِأَنَّ الْكَافِرَ لا يَنْتَفِعُ فِى الآخِرَةِ بِمَا عَمِلَهُ مِنَ الأَعْمَالِ الْحَسَنَةِ لا بِتَخْفِيفِ عَذَابٍ وَلا بِنَعِيمٍ.

(وَيَزِيدُ اللَّهُ فِى حَجْمِ الْكَافِرِ فِى النَّارِ لِيَزْدَادَ عَذَابًا حَتَّى يَكُونَ ضِرْسُهُ كَجَبَلِ أُحُدٍ) وَمَا بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ مَسِيرَةَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ وَغِلْظُ جِلْدِهِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا تَأْكُلُهُ النَّارُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعِينَ أَلْفَ مَرَّةٍ (وَهُوَ خَالِدٌ فِى النَّارِ) لا يَخْرُجُ مِنْهَا (أَبَدًا) كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾.

وَ(لا يَمُوتُ) الْكَافِرُ (فِيهَا) فَيَرْتَاحُ مِنَ العَذَابِ (وَلا يَحْيَا) حَيَاةً هَنِيئَةً طَيِّبَةً (أَىْ حَيَاةً فِيهَا رَاحَةٌ) بَلْ هُوَ دَائِمًا فِى نَكَدٍ وَعَذَابٍ. وَأَهْلُ النَّارِ (لَيْسَ لَهُمْ فِيهَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ) وَهُوَ شَجَرٌ كَرِيهُ الْمَنْظَرِ وَالطَّعْمِ وَالرَّائِحَةِ قَالَ تَعَالَى ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ لَّا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِى مِنْ جُوعٍ﴾ (وَشَرَابُهُمْ مِنَ الْمَاءِ الْحَارِّ الْمُتَنَاهِى) فِى (الْحَرَارَةِ) وَهُوَ الْحَمِيمُ قَالَ تَعَالَى ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا﴾ وَالْغَسَّاقُ هُوَ مَا يَسِيلُ مِنْ جُلُودِ أَهْلِ النَّارِ،

مَلائِكَةُ الْعَذَابِ يَسْقُونَهُمْ مِنْهُ فَتَتَقَطَّعُ أَمْعَاؤُهُمْ. قَالَ كَعْبُ الأَحْبَار لَوْ كُنْتَ بِالْمَشْرِقِ وَالنَّارُ بِالْمَغْرِبِ ثُمَّ كُشِفَ عَنْهَا لَخَرَجَ دِمَاغُكَ مِنْ مِنْخَرَيْكَ مِنْ شِدَّةِ حَرِّهَا وَرَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِىُّ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا فَقَالَتْ يَا رَبِّ أَكَلَ بَعْضِى بَعْضًا فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ فِى كُلِّ عَامٍ نَفَسٍ فِى الشِّتَاءِ وَنَفَسٍ فِى الصَّيْفِ فَهُوَ أَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الْحَرِّ وَأَشَدُّ مَا تَجِدُونَ مِنَ الزَّمْهَرِيرِ وَالزَّمْهِرِيرُ هُوَ شِدَّةُ الْبَرْدِ.

وَقَالَ أَحَدُ الصَّالِحِينَ مَثَّلْتُ نَفْسِىَ فِى نَارِ جَهَنَّمَ ءَاكُلُ مِنْ زَقُّومِهَا وَأَشْرَبُ مِنْ حَمِيمِهَا وَأَتَعَثَّرُ بِأَغْلالِهَا فَقُلْتُ أَىْ نَفْسُ مَا تُرِيدِينَ فَقَالَتِ الْعَوْدُ إِلَى الدُّنْيَا وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا فَقُلْتُ أَىْ نَفْسُ أَنْتِ الآنَ فِى الأُمْنِيَّةِ فَاعْمَلِى، فَنَحْنُ الآنَ فِى الْمَكَانِ الَّذِى يَتَمَنَّاهُ الإِنْسَانُ لَوْ كَانَ فِى هَذَا الْعَذَابِ الشَّدِيدِ.

(وَأَمَّا كَوْنُ الْجَنَّةِ فَوْقَ السَّمَاءِ السَّابِعَةِ فَذَلِكَ ثَابِتٌ فِيمَا صَحَّ مِنَ الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ ﷺ وَفَوْقَهُ يَعْنِى الْفِرْدَوْسَ عَرْشُ الرَّحْمٰنِ، وَأَمَّا كَوْنُ جَهَنَّمَ تَحْتَ الأَرْضِ السَّابِعَةِ فَقَدْ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ فِى) كِتَابِهِ (الْمُسْتَدْرَكِ) عَلَى الصَّحِيحَيْنِ (إِنَّ ذَلِكَ جَاءَتْ فِيهِ رِوَايَاتٌ صَحِيحَةٌ).

(الشَّفَاعَةُ) فِى الآخِرَةِ

(وَالشَّفَاعَةُ حَقٌّ) يَجِبُ الإِيمَانُ بِهَا (وَهِىَ سُؤَالُ) أَىْ طَلَبُ (الْخَيْرِ مِنَ الْغَيْرِ لِلْغَيْرِ فَيَشْفَعُ النَّبِيُّونَ وَالْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ وَالشُّهَدَاءُ وَالْمَلائِكَةُ) أَىْ يَطْلُبُونَ مِنَ اللَّهِ إِسْقَاطَ الْعِقَابِ عَنْ بَعْضِ الْعُصَاةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (وَيَشْفَعُ نَبِيُّنَا) ﷺ (لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِهِ فَقَدْ جَاءَ فِى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ شَفَاعَتِى لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِى رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ أَىْ)

هِىَ خَاصَّةٌ لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَمَّا (غَيْرُ أَهْلِ الْكَبَائِرِ) كَالأَتْقِيَاءِ فَهَؤُلاءِ (لَيْسُوا بِحَاجَةٍ لِلشَّفَاعَةِ وَتَكُونُ لِبَعْضِهِمْ) أَىْ لِبَعْضِ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ (قَبْلَ دُخُولِهِمُ النَّارَ) لِإِنْقَاذِهِمْ مِنْهَا (وَلِبَعْضٍ بَعْدَ دُخُولِهِمْ) لِإِخْرَاجِهِمْ مِنْهَا (قَبْلَ أَنْ تَمْضِىَ الْمُدَّةُ الَّتِى يَسْتَحِقُّونَ بِمَعَاصِيهِمْ) لِقَوْلِهِ ﷺ يَخْرُجُ نَاسٌ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ، وَهَذِهِ الشَّفَاعَةُ يَشْتَرِكُ فِيهَا الرَّسُولُ وَغَيْرُهُ أَمَّا الشَّفَاعَةُ الْعُظْمَى وَهِىَ لِتَخْلِيصِ الْعُصَاةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَهَذِهِ لِسَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ وَيَنْتَفِعُ بِهَا غَيْرُ أُمَّتِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.

فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لا بُدَّ أَنْ يَدْخُلَ بَعْضُ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ النَّارَ فَلا يَجُوزُ الدُّعَاءُ بِنَجَاةِ جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ دُخُولِ النَّارِ. (وَ)الشَّفَاعَةُ (لا تَكُونُ لِلْكُفَّارِ) إِنَّمَا هُمْ يَنْتَقِلُونَ مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ إِلَى عَذَابٍ أَشَدَّ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾) أَىْ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى الإِسْلامَ دِينًا فَالشَّفَاعَةُ لا تَكُونُ إِلَّا لِمَنْ ءَامَنَ بِمُحَمَّدٍ وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ لِابْنَتِهِ فَاطِمَةَ أَوَّلَ مَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ يَا فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَلِينِى مَا شِئْتِ مِنْ مَالِى لا أُغْنِى عَنْكِ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ مَعْنَاهُ لا أَسْتَطِيعُ أَنْ أُنْقِذَكِ مِنَ النَّارِ إِنْ لَمْ تُؤْمِنِى أَمَّا فِى الدُّنْيَا فَأَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْفَعَكِ بِمَالِى (وَأَوَّلُ شَافِعٍ يَشْفَعُ هُوَ النَّبِىُّ ﷺ) وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ تُقْبَلُ شَفَاعَتُهُ.