اعْلَمْ أَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ ثَابِتٌ بِالْقُرْءَانِ وَالْحَدِيثِ (وَ)إِجْمَاعِ الأُمَّةِ لِذَلِكَ (يَكْفُرُ مُنْكِرُ عَذَابِ الْقَبْرِ) فَهُوَ مُكَذِّبٌ (لِقَوْلِ اللَّهِ) تَعَالَى (﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾) وَقَوْلِهِ ﷺ إِذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُدِ الآخِرِ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ (بِخِلافِ مُنْكِرِ سُؤَالِهِ فَلا يَكْفُرُ) لَكِنْ عَلَيْهِ ذَنْبٌ كَبِيرٌ (إِلَّا أَنْ يَكُونَ) إِنْكَارُهُ (عَلَى وَجْهِ الْعِنَادِ) فَإِنَّهُ يَكْفُرُ.
(الْبَعْثُ)
(الْبَعْثُ حَقٌّ) يَجِبُ الإِيمَانُ بِهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾ (وَ)الْبَعْثُ (هُوَ خُرُوجُ الْمَوْتَى مِنَ الْقُبُورِ) بَعْدَ إِحْيَائِهِمْ أَىْ (بَعْدَ إِعَادَةِ الْجَسَدِ الَّذِى أَكَلَهُ التُّرَابُ إِنْ كَانَ مِنَ الأَجْسَادِ الَّتِى يَأْكُلُهَا التُّرَابُ) فَيُعَادُ تَرْكِيبُ الْجَسَدِ عَلَى عَظْمٍ صَغِيرٍ قَدْرَ حَبَّةِ خَرْدَلَةٍ يُسَمَّى عَجْبَ الذَّنَبِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنْزِلُ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الْبَقْلُ أَىْ يَخْتَلِطُ هَذَا الْمَاءُ بِالتُّرَابِ وَبِعَجْبِ الذَّنَبِ فَيُعِيدُ اللَّهُ الأَجْسَادَ الَّتِى أَكَلَهَا التُّرَابُ (وَهِىَ أَجْسَادُ غَيْرِ الأَنْبِيَاءِ وَشُهَدَاءِ الْمَعْرَكَةِ وَبَعْضِ الأَوْلِيَاءِ لِمَا تَوَاتَرَ مِنْ مُشَاهَدَةِ بَعْضِ الأَوْلِيَاءِ) وَمِنْهُمُ الْحَافِظُ أَبُو عَمْرِو بنُ الصَّلاحِ الَّذِى شُوهِدَتْ جُثَّتُهُ صَحِيحَةً لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْهَا شَىْءٌ وَقَدْ مَضَى عَلَى وَفَاتِهِ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَانِمِائَةِ سَنَةٍ.
أَمَّا الأَنْبِيَاءُ فَلا يَأْكُلُ التُّرَابُ أَجْسَادَهُمْ لِقَوْلِهِ ﷺ إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الأَنْبِيَاءِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ. فَالأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِى قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ لَكِنْ حَيَاتُهُمْ فِى الْقَبْرِ لَيْسَتْ كَحَيَاتِهِمْ فِى الدُّنْيَا فَلا تَتَطَلَّبُ أَكْلًا وَلا شُرْبًا إِنَّمَا هِىَ كَحَيَاةِ الْمَلائِكَةِ لا يَشْتَهُونَ أَكْلًا وَلا شُرْبًا إِنَّمَا يُصَلُّونَ تَلَذُّذًا بِعِبَادَةِ اللَّهِ.
(وَأَوَّلُ مَنْ يَنْشَقُّ عَنْهُ الْقَبْرُ) هُوَ (سَيِّدُنَا مُحَمَّدٌ ﷺ) ثُمَّ بَعْدَهُ الأَنْبِيَاءُ. (وَأَهْلُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالطَّائِفِ مِنْ أَوَّلِ مَنْ يُبْعَثُ) وَيَحْصُلُ الْبَعْثُ بَعْدَ أَنْ يَنْفُخَ الْمَلَكُ إِسْرَافِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ النَّفْخَةَ الثَّانِيَةَ فَيَقُومُ الأَمْوَاتُ مِنْ قُبُورِهِمْ بَعْدَ عَوْدِ الأَرْوَاحِ إِلَى أَجْسَادِهِمْ.
(الْحَشْرُ)
(وَالْحَشْرُ حَقٌّ) يَجِبُ الإِيمَانُ بِهِ (وَهُوَ أَنْ يُجْمَعُوا بَعْدَ الْبَعْثِ إِلَى مَكَانٍ) وَقَدْ وَرَدَ أَنَّهُ الشَّامُ لَكِنَّهُ يُوَسَّعُ ذَلِكَ الْيَوْمَ لِيَسَعَ الْجَمِيعَ ثُمَّ يُنْقَلُونَ عِنْدَ دَكِّ الأَرْضِ إِلَى ظُلْمَةٍ عِنْدَ الصِّرَاطِ فَإِنَّ هَذِهِ الأَرْضَ تُدَكُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَىْ تُزَلْزَلُ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ فَيَنْهَدِمُ كُلُّ بِنَاءٍ عَلَيْهَا وَيَنْعَدِمُ ثُمَّ بَعْدَ أَنْ تُبَدَّلَ الأَرْضُ غَيْرَهَا يُعِيدُ اللَّهُ الْبَشَرَ إِلَيْهَا وَيَقْضِى بَيْنَهُمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ﴾ أَىْ تُبَدَّلُ صِفَاتُهَا.
(وَيَكُونُ) الْحَشْرُ (عَلَى الأَرْضِ الْمُبَدَّلَةِ وَهِىَ أَرْضٌ مُسْتَوِيَةٌ كَالْجِلْدِ الْمَشْدُودِ لا جِبَالَ فِيهَا وَلا وِدْيَانَ أَكْبَرُ وَأَوْسَعُ مِنْ أَرْضِنَا هَذِهِ بَيْضَاءُ كَالْفِضَّةِ وَيَكُونُ) النَّاسُ فِى (الْحَشْرِ عَلَى ثَلاثَةِ أَحْوَالٍ قِسْمٌ طَاعِمُونَ كَاسُونَ رَاكِبُونَ عَلَى نُوقٍ رَحَائِلُهَا) أَىْ سُرُوجُهَا (مِنْ ذَهَبٍ وَهُمُ الأَتْقِيَاءُ وَقِسْمٌ) يُحْشَرُونَ (حُفَاةً) أَىْ مِنْ غَيْرِ خُفٍّ وَلا نَعْلٍ وَيُحْشَرُونَ (عُرَاةً وَهُمُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ وَقِسْمٌ يُحْشَرُونَ) حُفَاةً عُرَاةً (وَيُجَرُّونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ) أَىْ تَسْحَبُهُمُ الْمَلائِكَةُ عَلَى وُجُوهِهِمْ (وَهُمُ الْكُفَّارُ).
الْكَافِرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِى بَعْضِ الأَوْقَاتِ يَمْشِى عَلَى وَجْهِهِ، كَمَا أَمْشَاهُ اللَّهُ فِى الدُّنْيَا عَلَى رِجْلَيْهِ يُمْشِيهِ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى يُظْهِرَ أَنَّهُ حَقِيرٌ وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ يُبْعَثُ النَّاسُ (أَىْ أَغْلَبُ النَّاسِ) يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلا (أَىْ غَيْرَ مَخْتُونِينَ) فَقَالَتْ عَائِشَةُ فَكَيْفَ بِالْعَوْرَاتِ قَالَ ﴿لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ أَىْ أَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ حَالًا يَشْغَلُهُ عَنِ النَّظَرِ فِى حَالِ غَيْرِهِ.
وَتُسَلَّطُ الشَّمْسُ عَلَى الْكُفَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَغْرُبَ فَيَعْرَقُونَ حَتَّى يَصِلَ عَرَقُ أَحَدِهِمْ إِلَى فَمِهِ وَلا يَتَجَاوَزُ إِلَى شَخْصٍ ءَاخَرَ بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ حَتَّى يَقُولَ الْكَافِرُ مِنْ شِدَّةِ مَا يُقَاسِى مِنْ حَرِّ الشَّمْسِ رَبِّ أَرِحْنِى وَلَوْ إِلَى النَّارِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حِبَّانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ مَسْعُودٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ الْكَافِرَ لَيُلْجِمُهُ الْعَرَقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَقُولُ أَرِحْنِى وَلَوْ إِلَى النَّارِ أَىْ رَبِّ أَنْقِذْنِى مِنْ هَذَا الْعَذَابِ وَلَوْ إِلَى النَّارِ.
لَكِنْ بَعْدَ دُخُولِهِ جَهَنَّمَ يَجِدُ الْعَذَابَ الأَكْبَرَ قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. أَمَّا التَّقِىُّ فَلا يُصِيبُهُ أَدْنَى انْزِعَاجٍ. فَالإِنْسُ يُحْشَرُونَ وَكَذَلِكَ الْجِنُّ وَالْبَهَائِمُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ﴾ أَىْ بُعِثَتْ لِلْقِصَاصِ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَتُؤَدَّنَّ الْحُقُوقُ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُقَادَ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ، أَىْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَأْخُذُ الْحُقُوقَ لِأَهْلِهَا حَتَّى يُؤْخَذَ حَقُّ الشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الشَّاةِ الْقَرْنَاءِ الَّتِى ضَرَبَتْهَا فِى الدُّنْيَا.
وَالشَّاةُ الْجَلْحَاءُ هِىَ الشَّاةُ الَّتِى لَيْسَ لَهَا قَرْنٌ أَمَّا الْقَرْنَاءُ فَلَهَا قَرْنٌ وَلَكِنْ لَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ تُؤْخَذَ الْقَرْنَاءُ الَّتِى ضَرَبَتِ الأُخْرَى إِلَى النَّارِ إِنَّمَا هَذِهِ تَضْرِبُ هَذِهِ كَمَا ضَرَبَتْهَا فِى الدُّنْيَا ثُمَّ تَمُوتُ وَلا تَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَلا النَّارَ إِنَّمَا تَعُودُ تُرَابًا.
