(يُسْتَثْنَى مِنَ الْكُفْرِ اللَّفْظِىِّ) خَمْسُ حَالاتٍ لا يَكْفُرُ فِيهَا قَائِلُهُ (حَالَةُ سَبْقِ اللِّسَانِ أَىْ أَنْ يَتَكَلَّمَ) الإِنْسَانُ (بِشَىْءٍ مِنْ ذَلِكَ) أَىْ بِكَلامٍ كُفْرِىٍّ (مِنْ غَيْرِ إِرَادَةٍ بَلْ جَرَى) الْكَلامُ (عَلَى لِسَانِهِ وَلَمْ يَقْصِدْ أَنْ يَقُولَهُ بِالْمَرَّةِ) كَأَنْ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسَبَقَ لِسَانُهُ فَقَالَ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّهُ لا مُؤَاخَذَةَ عَلَيْهِ وَقَدْ مَثَّلَ الرَّسُولُ ﷺ لِسَبْقِ اللِّسَانِ بِرَجُلٍ فَقَدَ دَابَّتَهُ فِى الصَّحْرَاءِ وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَأَيِسَ مِنْهَا فَأَتَى شَجَرَةً فَاضْطَجَعَ فِى ظِلِّهَا فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّى وَأَنَا عَبْدُكَ فَقَالَ مِنْ شِدَّةِ فَرَحِهِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِى وَأَنَا رَبُّكَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

(وَحَالَةُ غَيْبُوبَةِ الْعَقْلِ أَىْ عَدَمِ صَحْوِ الْعَقْلِ) فَمَنْ غَابَ عَقْلُهُ فَنَطَقَ بِكَلامٍ كُفْرِىٍّ لا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ لِارْتِفَاعِ التَّكْلِيفِ عَنْهُ وَيَشْمَلُ هَذَا الْحُكْمُ النَّائِمَ وَالْمَجْنُونَ وَنَحْوَهُمَا كَالْوَلِىِّ الْمُسْتَغْرِقِ فِى حُبِّ اللَّهِ إِذَا غَابَ عَقْلُهُ لِقَوْلِهِ ﷺ رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلاثٍ عَنِ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ وَعَنِ الصَّبِىِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ.

(وَحَالَةُ الإِكْرَاهِ فَمَنْ نَطَقَ بِالْكُفْرِ بِلِسَانِهِ مُكْرَهًا بِالْقَتْلِ وَنَحْوِهِ) أَىْ مِمَّا يُؤَدِّى إِلَى الْمَوْتِ (وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ فَلا يَكْفُرُ) أَمَّا إِذَا انْشَرَحَ صَدْرُهُ بِالْكُفْرِ أَىْ رَضِىَ بِهِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ. وَالْمُكْرَهُ هُوَ الَّذِى هَدَّدَهُ غَيْرُهُ بِالْقَتْلِ إِنْ لَمْ يَأْتِ بِالْكُفْرِ وَكَانَ قَادِرًا عَلَى تَنْفِيذِ تَهْدِيدِهِ وَهُوَ يُصَدِّقُهُ أَنَّهُ يَفْعَلُ وَلا يَجِدُ طَرِيقَةً لِلْخَلاصِ إِلَّا بِالإِتْيَانِ بِمَا طَلَبَ مِنْهُ.

وَأَمَّا غَيْرُ الْمُكْرَهِ فَلا يُشْتَرَطُ لِلْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ انْشِرَاحُ الصَّدْرِ فَمَنْ قَالَ كَلامًا كُفْرِيًّا كَفَرَ وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مُنْشَرِحِ الصَّدْرِ أَىْ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ رَاضٍ بِالْكُفْرِ وَلا قَصَدَ أَنْ يَكْفُرَ وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ سَيِّد سَابِق الْمِصْرِىُّ فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى فِقْهَ السُّنَّةِ أَنَّ الْمُسْلِمَ لا يُعْتَبَرُ خَارِجًا عَنِ الإِسْلامِ وَلا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالرِّدَّةِ إِلَّا إِذَا انْشَرَحَ صَدْرُهُ بِالْكُفْرِ وَاطْمَأَنَّ قَلْبُهُ بِهِ وَدَخَلَ فِى دِينٍ غَيْرِ الإِسْلامِ بِالْفِعْلِ، فَهُوَ بَاطِلٌ لِأَنَّهُ جَعَلَ بِقَوْلِهِ هَذَا كُلَّ الْعِبَادِ فِى حُكْمِ الْمُكْرَهِ وَاللَّهُ تَعَالَى اسْتَثْنَى الْمُكْرَهَ فِى كِتَابِهِ بِحُكْمٍ خَاصٍّ (قَالَ) اللَّهُ (تَعَالَى ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ﴾) أَىْ أَنَّ الْمُكْرَهَ إِذَا نَطَقَ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ تَحْتَ الإِكْرَاهِ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكْفُرْ وَلَمْ يَعْصِ (﴿وَلَكِنْ مَّنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللَّهِ﴾).

وَ(حَالَةُ الْحِكَايَةِ لِكُفْرِ الْغَيْرِ فَلا يَكْفُرُ الْحَاكِى كُفْرَ غَيْرِهِ) أَىِ الَّذِى يَنْقُلُ عَنْ غَيْرِهِ كُفْرِيَّةً حَصَلَتْ مِنْهُ (عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الرِّضَى وَالِاسْتِحْسَانِ) أَىْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ النَّاقِلُ رَاضِيًا بِالْكُفْرِ وَلا مُسْتَحْسِنًا لَهُ مَعَ اسْتِعْمَالِ أَدَاةِ الْحِكَايَةِ كَأَنْ يَقُولَ قَالَ فُلانٌ وَيَذْكُرُ كُفْرَهُ (وَمُسْتَنَدُنَا فِى اسْتِثْنَاءِ مَسْئَلَةِ الْحِكَايَةِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾) وَقَوْلُهُ تَعَالَى (﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾. ثُمَّ الْحِكَايَةُ الْمَانِعَةُ لِكُفْرِ حَاكِى الْكُفْرِ) أَىْ أَدَاةُ الْحِكَايَةِ الَّتِى تَمْنَعُ عَنْهُ الْكُفْرَ (إِمَّا أَنْ تَكُونَ فِى أَوَّلِ الْكَلِمَةِ الَّتِى يَحْكِيهَا عَمَّنْ تَكَلَّمَ بِكُفْرٍ أَوْ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْكَلِمَةَ عَقِبَهَا وَقَدْ كَانَ نَاوِيًا أَنْ يَأْتِىَ بِأَدَاةِ الْحِكَايَةِ) مُؤَخَّرَةً (قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَةَ الْكُفْرِ فَلَوْ قَالَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ قَوْلُ النَّصَارَى أَوْ قَالَتْهُ النَّصَارَى فَهِىَ حِكَايَةٌ مَانِعَةٌ لِلْكُفْرِ عَنِ الْحَاكِى) أَىْ تَمْنَعُ عَنْهُ الْكُفْرَ.

(وَحَالَةُ كَوْنِ الشَّخْصِ مُتَأَوِّلًا بِاجْتِهَادِهِ فِى فَهْمِ الشَّرْعِ) أَىْ فَهِمَ ءَايَةً أَوْ حَدِيثًا عَلَى خِلافِ مَا جَاءَ بِهِ الشَّرْعُ (فَإِنَّهُ لا يَكْفُرُ الْمُتَأَوِّلُ) فِى هَذِهِ الْحَالِ (إِلَّا إِذَا كَانَ تَأَوُّلُهُ فِى الْقَطْعِيَّاتِ فَأَخْطَأَ) أَىْ إِذَا كَانَ تَفْسِيرُهُ لِلآيَةِ أَوِ الْحَدِيثِ يُكَذِّبُ أَصْلَ مَعْنَى الشَّهَادَتَيْنِ (فَإِنَّهُ لا يُعْذَرُ) لِأَنَّهُ لا يَكُونُ عَارِفًا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ وَذَلِكَ (كَتَأَوُّلِ الَّذِينَ قَالُوا بِقِدَمِ الْعَالَمِ وَأَزَلِيَّتِهِ كَابْنِ تَيْمِيَةَ) وَحُدُوثُ الْعَالَمِ مِنَ الْقَطْعِيَّاتِ وَهُوَ مَا يَسْتَقِلُّ الْعَقْلُ بِالْعِلْمِ بِهِ فَمَنْ رَدَّ ذَلِكَ وَزَعَمَ أَزَلِيَّتَهُ كَفَرَ.

(وَأَمَّا مِثَالُ مَنْ لا يَكْفُرُ مِمَّنْ تَأَوَّلَ) ءَايَةً أَوْ حَدِيثًا عَلَى خِلافِ الْمَعْنَى الْمُرَادِ وَكَانَ تَأَوُّلُهُ فِى غَيْرِ الْقَطْعِيَّاتِ (فَهُوَ كَتَأَوُّلِ الَّذِينَ مَنَعُوا الزَّكَاةَ) أَىِ امْتَنَعُوا عَنْ دَفْعِ الزَّكَاةِ (فِى عَهْدِ أَبِى بَكْرٍ) الصِّدِّيقِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ (بِأَنَّ الزَّكَاةَ وَجَبَتْ) عَلَيْهِمْ (فِى عَهْدِ الرَّسُولِ لِأَنَّ صَلاتَهُ كَانَتْ عَلَيْهِمْ سَكَنًا لَهُمْ أَىْ رَحْمَةً وَطُمَأْنِينَةً وَطُهْرَةً وَأَنَّ ذَلِكَ انْقَطَعَ بِمَوْتِهِ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ يُكَفِّرُوهُمْ لِذَلِكَ لِأَنَّ هَؤُلاءِ فَهِمُوا مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ قَوْلِهِ ﴿خُذْ﴾ أَىْ يَا مُحَمَّدُ الزَّكَاةَ لِتَكُونَ إِذَا

دَفَعُوهَا إِلَيْكَ سَكَنًا لَهُمْ وَأَنَّ هَذَا لا يَحْصُلُ بَعْدَ وَفَاتِهِ فَلا يَجِبُ عَلَيْهِمْ دَفْعُهَا لِأَنَّهُ قَدْ مَاتَ وَهُوَ الْمَأْمُورُ بِأَخْذِهَا مِنْهُمْ وَلَمْ يَفْهَمُوا) مِنْ نُصُوصِ الشَّرْعِ وَلَمْ يَعْلَمُوا (أَنَّ الْحُكْمَ عَامٌّ فِى حَالِ حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ وَإِنَّمَا قَاتَلَهُمْ أَبُو بَكْرٍ كَمَا قَاتَلَ الْمُرْتَدِّينَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا مُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابَ فِى دَعْوَاهُ النُّبُوُّةَ لِأَنَّهُ مَا كَانَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمُ) الزَّكَاةَ (قَهْرًا بِدُونِ قِتَالٍ لِأَنَّهُمْ كَانُوا ذَوِى قُوَّةٍ فَاضْطُرَّ) رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ (إِلَى الْقِتَالِ).

(وَكَذَلِكَ) لَمْ يُكَفِّرِ الصَّحَابَةُ (الَّذِينَ فَسَّرُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنْتَهُونَ﴾ بِأَنَّهُ تَخْيِيرٌ) بَيْنَ شُرْبِ الْخَمْرِ وَبَيْنَ تَرْكِ شُرْبِهَا (وَلَيْسَ تَحْرِيمًا لِلْخَمْرِ فَشَرِبُوهَا لِأَنَّ) هَؤُلاءِ ظَنُّوا أَنَّ الآيَةَ لا تَعْنِى تَحْرِيمَ الْخَمْرِ وَلَمْ يَبْلُغْهُمْ تَحْرِيمُ الْمُسْلِمِينَ لَهَا لِهَذَا سَيِّدُنَا (عُمَرُ) رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ (مَا كَفَّرَهُمْ وَإِنَّمَا قَالَ اجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ ثَمَانِينَ ثُمَّ إِنْ عَادُوا) أَىْ إِلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ شُرْبَهَا جَائِزٌ (فَاقْتُلُوهُمْ) أَىْ لِكُفْرِهِمْ (رَوَاهُ ابْنُ أَبِى شَيْبَةَ).

وَ(إِنَّمَا كَفَّرُوا) أَىِ الصَّحَابَةُ (الآخَرِينَ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَنِ الإِسْلامِ لِتَصْدِيقِهِمْ لِمُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ الَّذِى ادَّعَى) النُّبُوَّةَ وَ(الرِّسَالَةَ) فَكَذَّبُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ وَقَوْلَهُ ﷺ وَخُتِمَ بِىَ النَّبِيُّونَ، (فَمُقَاتَلَتُهُمْ) أَىْ مُقَاتَلَةُ الصَّحَابَةِ (لِهَؤُلاءِ الَّذِينَ تَأَوَّلُوا مَنْعَ الزَّكَاةِ) أَىِ امْتَنَعُوا عَنْ دَفْعِهَا

(عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَانَ لِأَخْذِ الْحَقِّ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ فِى أَمْوَالِهِمْ وَذَلِكَ كَقِتَالِ الْبُغَاةِ) الظَّالِمِينَ الَّذِينَ تَمَرَّدُوا عَلَى سَيِّدِنَا عَلِىٍّ وَهُوَ الْخَلِيفَةُ الرَّاشِدُ (فَإِنَّهُمْ لا يُقَاتَلُونَ لِكُفْرِهِمْ بَلْ يُقَاتَلُونَ لِرَدِّهِمْ إِلَى طَاعَةِ الْخَلِيفَةِ كَالَّذِينَ قَاتَلَهُمْ سَيِّدُنَا عَلِىٌّ فِى الْوَقَائِعِ الثَّلاثِ وَقَعْةِ الْجَمَلِ) مَعَ مَنْ نَكَثَ بَيْعَتَهُ مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ (وَوَقَعْةِ صِفِّينَ مَعَ مُعَاوِيَةَ) وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ (وَوَقْعَةِ النَّهْرَوَانِ مَعَ الْخَوَارِجِ) الَّذِينَ لَمْ يَصِلُوا إِلَى حَدِّ الْكُفْرِ فَإِنَّ سَيِّدَنَا عَلِيًّا قَاتَلَهُمْ لِرَدِّهِمْ إِلَى الْحَقِّ (عَلَى أَنَّ مِنَ الْخَوَارِجِ صِنْفًا هُمْ كُفَّارٌ حَقِيقَةً فَأُولَئِكَ لَهُمْ حُكْمُهُمُ الْخَاصُّ).