اعْلَمْ أَنَّ (الأَمْرَ الْخَارِقَ) الْمُسَمَّى مُعْجِزَةً (الَّذِى يَظْهَرُ عَلَى يَدِ مَنِ ادَّعَوُا النُّبُوَّةَ) أَىِ الأَنْبِيَاءِ (مَعَ التَّحَدِّى) أَىْ مَعَ كَوْنِهِ صَالِحًا لِلتَّحَدِّى (مَعَ عَدَمِ مُعَارَضَتِهِ بِالْمِثْلِ) أَىْ مَعَ عَجْزِ الْمُكَذِّبِينَ لَهُمْ عَنِ الإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ (نَازِلٌ مَنْزِلَةَ قَوْلِ اللَّهِ) تَعَالَى (صَدَقَ عَبْدِى فِى كُلِّ مَا يُبَلِّغُ عَنِّى أَىْ) كَأَنَّ
اللَّهَ تَعَالَى قَالَ صَدَقَ عَبْدِى هَذَا الَّذِى ادَّعَى النُّبُوَّةَ فِى كُلِّ مَا يُبَلِّغُ عَنِّى إِذْ (لَوْلا أَنَّهُ صَادِقٌ فِى دَعْوَاهُ لَمَا أَظْهَرَ اللَّهُ لَهُ هَذِهِ الْمُعْجِزَةَ فَكَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ صَدَقَ عَبْدِى) مُحَمَّدٌ أَوْ عِيسَى أَوْ مُوسَى (هَذَا الَّذِى ادَّعَى النُّبُوَّةَ فِى دَعْوَاهُ لِأَنِّى أَظْهَرْتُ لَهُ هَذِهِ الْمُعْجِزَةَ لِأَنَّ الَّذِى يُصَدِّقُ الْكَاذِبَ) أَىْ يَقُولُ بِصِدْقِ الْكَاذِبِ فَهُوَ (كَاذِبٌ) مِثْلُهُ (وَاللَّهُ) تَعَالَى (يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ الْكَذِبُ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ إِنَّمَا خَلَقَهُ لِتَصْدِيقِهِ) أَىْ خَلَقَ هَذَا الأَمْرَ الْخَارِقَ لِلْعَادَةِ لِتَصْدِيقِ النَّبِىِّ الَّذِى أَرْسَلَهُ (إِذْ كُلُّ عَاقِلٍ يَعْلَمُ أَنَّ إِحْيَاءَ الْمَوْتَى وَقَلْبَ الْعَصَا ثُعْبَانًا) حَقِيقِيًّا (وَإِخْرَاجَ نَاقَةٍ مِنْ صَخْرَةٍ صَمَّاءَ) لا جَوْفَ لَهَا (لَيْسَ بِمُعْتَادٍ).
(السَّبِيلُ إِلَى الْعِلْمِ بِالْمُعْجِزَةِ بِالْقَطْعِ وَالْيَقِينِ) أَىِ الطَّرِيقِ الْمُوصِلِ إِلَى مَعْرِفَةِ حُصُولِ الْمُعْجِزَةِ قَطْعًا وَيَقِينًا
اعْلَمْ أَنَّ الْمُعْجِزَةَ تَدُلُّ عَلَى صِدْقِ النَّبِىِّ فِى كُلِّ مَا جَاءَ بِهِ وَ(الْعِلْمُ بِالْمُعْجِزَاتِ) أَىِ الْعِلْمُ الْيَقِينِىُّ (يَحْصُلُ) إِمَّا (بِالْمُشَاهَدَةِ لِمَنْ شَاهَدُوهَا وَ)إِمَّا (بِبُلُوغِ خَبَرِهَا بِطَرِيقِ التَّوَاتُرِ فِى حَقِّ مَنْ لَمْ يَشْهَدْهَا) وَخَبَرُ التَّوَاتُرِ لا يَكُونُ إِلَّا صِدْقًا وَالتَّوَاتُرُ مَعْنَاهُ انْتِقَالُ الْخَبَرِ بِوَاسِطَةِ عَدَدٍ كَبِيرٍ يَنْقُلُ عَنْ عَدَدٍ كَبِيرٍ شَهِدَ الْمُعْجِزَةَ وَهَكَذَا إِلَى أَنْ يَصِلَ الْخَبَرُ إِلَيْنَا بِحَيْثُ يَسْتَحِيلُ عَادَةً إِتِّفَاقُهُمْ جَمِيعًا عَلَى الْكَذِبِ فِى هَذَا الْخَبَرِ (وَذَلِكَ كَعِلْمِنَا بِالْبُلْدَانِ النَّائِيَةِ) أَىْ عِلْمِنَا بِوُجُودِ الْبُلْدَانِ الْبَعِيدَةِ الَّتِى لَمْ نُشَاهِدْهَا (وَ)بِحُصُولِ (الْحَوَادِثِ التَّارِيخِيَّةِ الثَّابِتَةِ) يَقِينًا (الْوَاقِعَةِ لِمَنْ) كَانَ (قَبْلَنَا مِنَ الْمُلُوكِ وَالأُمَمِ. وَالْخَبَرُ الْمُتَوَاتِرُ يَقُومُ مَقَامَ الْمُشَاهَدَةِ) أَىْ مِثْلُ الْمُشَاهَدَةِ (فَوَجَبَ الإِذْعَانُ) أَىِ التَّسْلِيمُ وَالرِّضَى (لِمَنْ أَتَى بِهَا) أَىِ بِالْمُعْجِزَةِ (عَقْلًا كَمَا أَنَّهُ وَاجِبٌ شَرْعًا).
(الإِيمَانُ بِعَذَابِ الْقَبْرِ وَنَعِيمِهِ وَسُؤَالِهِ)
اعْلَمْ أَنَّ مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ النَّبِىُّ ﷺ وَيَجِبُ الإِيمَانُ بِهِ عَذَابُ الْقَبْرِ كَعَرْضِ النَّارِ عَلَى الْكَافِرِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ يَتَعَذَّبُ بِنَظَرِهِ وَرُؤْيَتِهِ لِمَقْعَدِهِ الَّذِى يَقْعُدُهُ فِى الآخِرَةِ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾) أَىْ أَنَّ ءَالَ فِرْعَوْنَ وَهُمْ أَتْبَاعُهُ الَّذِينَ عَبَدُوهُ وَاتَّبَعُوهُ عَلَى الْكُفْرِ يُعْرَضُونَ عَلَى النَّارِ فِى الْبَرْزَخِ
أَىْ فِى مُدَّةِ الْقَبْرِ كُلَّ يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً أَوَّلَ النَّهَارِ وَمَرَّةً ءَاخِرَ النَّهَارِ (﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾) أَىْ يُقَالُ لِلْمَلائِكَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (﴿أَدْخِلُوا ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾) أَىْ أَنَّ الْكَافِرَ الَّذِى أَعْرَضَ عَنِ الإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ يَتَعَذَّبُ فِى قَبْرِهِ وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ
بِالآيَةِ ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ فَإِنَّ النَّبِىَّ ﷺ فَسَّرَهَا بِعَذَابِ الْقَبْرِ كَمَا رَوَى ذَلِكَ ابْنُ حِبَّانَ فِى صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ فِى الْمُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ (فَهَاتَانِ الآيَاتَانِ وَارِدَتَانِ فِى عَذَابِ الْقَبْرِ لِلْكُفَّارِ وَأَمَّا عُصَاةُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ الَّذِينَ مَاتُوا قَبْلَ التَّوْبَةِ فَهُمْ صِنْفَانِ صِنْفٌ يُعْفِيهِمُ اللَّهُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) فَلا يُعَذِّبُهُمْ (وَصِنْفٌ يُعَذِّبُهُمْ ثُمَّ يَنْقَطِعُ عَنْهُمُ وَيُؤَخَّرُ لَهُمْ بَقِيَّةُ عَذَابِهِمْ إِلَى الآخِرَةِ فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِىُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِىُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ)
رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ (مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ) ﷺ (عَلَى قَبْرَيْنِ فَقَالَ إِنَّهُمَا لَيُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَانِ فِى كَبِيرِ إِثْمٍ) أَىْ بِحَسَبِ مَا يَتَوَهَّمُ النَّاسُ لَيْسَ ذَنْبُهُمَا كَبِيرًا لَكِنَّهُ فِى الْحَقِيقَةِ ذَنْبٌ كَبِيرٌ لِذَلِكَ (قَالَ بَلَى أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِى بِالنَّمِيمَةِ) أَىْ يَنْقُلُ الْكَلامَ بَيْنَ اثْنَيْنِ مُسْلِمَيْنِ لِلإِفْسَادِ بَيْنَهُمَا (وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانَ لا يَسْتَتِرُ مِنَ الْبَوْلِ) أَىْ لا يَتَنَّزَهُ مِنْهُ بَلْ يُلَوِّثُ جَسَدَهُ بِهِ (ثُمَّ دَعَا) رَسُولُ اللَّهِ (بِعَسِيبٍ رَطْبٍ) أَىْ غُصْنِ نَخْلٍ أَخْضَرَ (فَشَقَّهُ اثْنَيْنِ فَغَرَسَ عَلَى هَذَا) الْقَبْرِ (وَاحِدًا) مِنْ جِهَةِ رَأْسِهِ (وَعَلَى هَذَا) الْقَبْرِ (وَاحِدًا) مِنْ جِهَةِ رَأْسِهِ (ثُمَّ قَالَ لَعَلَّهُ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا) أَىْ لَعَلَّ عَذَابَ الْقَبْرِ يُخَفَّفُ عَنْهُمَا مَا دَامَ هَذَانِ الشِّقَانِ رَطْبَيْنِ فَقَدْ وَرَدَ فِى الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبَاتَ الأَخْضَرَ يُسَبِّحُ اللَّهَ فَإِذَا وُضِعَ عَلَى الْقَبْرِ يُخَفَّفُ عَنْ صَاحِبِ الْقَبْرِ بِتَسْبِيحِهِ إِنْ كَانَ فِى نَكَدٍ فَيَنْبَغِى وَضْعُ الشَّجَرِ الأَخْضَرِ عَلَى الْقَبْرِ لِأَنَّهُ يُسَبِّحُ اللَّهَ لَكِنْ نَحْنُ لا نَسْمَعُهُ.
(وَرَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا وُضِعَ فِى قَبْرِهِ وَتَوَلَّى عَنْهُ أَصْحَابُهُ) أَىِ انْصَرَفُوا عَنْهُ (وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ) أَىْ يَسْمَعُ صَوْتَ طَرْقِ نِعَالِهِمْ (إِذَا انْصَرَفُوا أَتَاهُ مَلَكَانِ فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولانِ) لَهُ (مَا كُنْتَ تَقُولُ فِى هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ) ﷺ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ فِى تِلْكَ السَّاعَةِ
يَكُونُ ظَاهِرًا مَرْئِيًّا مُشَاهَدًا (فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ) أَىِ الْكَامِلُ (فَيَقُولُ) أَىْ فِى الْجَوَابِ لَهُمَا (أَشْهَدُ أَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ فَيُقَالُ لَهُ انْظُرْ إِلَى مَقْعَدِكَ مِنَ النَّارِ) أَىْ لَوْ مِتَّ عَلَى الْكُفْرِ (أَبْدَلَكَ اللَّهُ بِهِ مَقْعَدًا مِنَ الْجَنَّةِ فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا) فَيَعْرِفُ حِينَئِذٍ فَضْلَ الإِسْلامِ مَعْرِفَةً عِيَانِيَّةً كَمَا كَانَ يَعْرِفُ فِى الدُّنْيَا
مَعْرِفَةً قَلْبِيَّةً (وَأَمَّا الْكَافِرُ) الْمُعْلِنُ وَهُوَ الَّذِى يُظْهِرُ كُفْرَهُ (أَوِ) الْكَافِرُ (الْمُنَافِقُ) وَهُوَ الَّذِى يُخْفِى كُفْرَهُ فِى قَلْبِهِ وَيُظْهِرُ الإِسْلامَ (فَيَقُولُ لا أَدْرِى كُنْتُ أَقُولُ مَا يَقُولُ النَّاسُ فِيهِ فَيُقَالُ) لَهُ أَىْ تَقُولُ لَهُ الْمَلائِكَةُ إِهَانَةً لَهُ (لا دَرَيْتَ وَلا تَلَيْتَ) وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ أَىْ لا عَرَفْتَ (ثُمَّ يُضْرَبُ بِمِطْرَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ بَيْنَ أُذُنَيْهِ) لَوْ ضُرِبَ بِهَا الْجَبَلُ لَانْدَكَّ أَىْ تَحَطَّمَ (فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَنْ يَلِيهِ) أَىْ مَنْ كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ مِنْ بَهَائِمَ وَطُيُورٍ (إِلَّا الثَّقَلَيْنِ) وَهُمُ الإِنْسُ وَالْجِنُّ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَجَبَ تِلْكَ الصَّيْحَةَ عَنْ أَسْمَاعِهِمْ، وَتَسِيخُ بِهِ الأَرْضُ حَتَّى يَصِلَ إِلَى الأَرْضِ السَّابِعَةِ ثُمَّ تَلْفِظُهُ الأَرْضُ فَيَرْجِعُ إِلَى الْقَبْرِ.
(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرِو) بنِ الْعَاصِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ذَكَرَ فَتَّانَىِ الْقَبْرِ) أَىِ الْمَلَكَيْنِ اللَّذَيْنِ يَمْتَحِنَانِ النَّاسَ فِى الْقَبْرِ (فَقَالَ عُمَرُ بنُ الْخَطَّابِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَتُرَدُّ عَلَيْنَا عُقُولُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ) أَىْ عِنْدَ السُّؤَالِ (قَالَ نَعَمْ كَهَيْئَتِكُمُ الْيَوْمَ) أَىْ يَكُونُ الْجَوَابُ مِنَ الْجِسْمِ مَعَ الرُّوحِ (قَالَ) عَبْدُ اللَّهِ
بنُ عَمْرٍو (فَبِفِيهِ الْحَجَرُ) أَىْ سَكَتَ سَيِّدُنَا عُمَرُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ وَانْقَطَعَ عَنِ الْكَلامِ لِأَنَّهُ سَمِعَ خِلافَ مَا كَانَ يَظُنُّهُ (وَاعْلَمْ أَنَّهُ ثَبَتَ فِى الأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ عَوْدُ الرُّوحِ إِلَى الْجَسَدِ فِى الْقَبْرِ كَحَدِيثِ الْبَرَاءِ بنِ عَازِبٍ الَّذِى رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِىُّ وَأَبُو عَوَانَةَ وَصَحَّحَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ) وَفِيهِ وَيُعَادُ الرُّوحُ إِلَى جَسَدِهِ (وَحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا)
أَىِ الْحَدِيثِ الَّذِى رَوَاهُ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ (مَا مِنْ أَحَدٍ يَمُرُّ بِقَبْرِ أَخِيهِ الْمُؤْمِنِ كَانَ يَعْرِفُهُ فِى الدُّنْيَا فَيُسَلِّمُ عَلَيْهِ إِلَّا عَرَفَهُ وَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ) فِى التَّمْهِيدِ وَالِاسْتِذْكَارِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ (وَ)رَوَاهُ الْحَافِظُ (عَبْدُ الْحَقِّ الإِشْبِيلِىُّ وَصَحَّحَهُ) فِى كِتَابِ الْعَاقِبَةِ (فَيَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ) أَىْ سَمَاعُ الْمَيِّتِ إِلْقَاءَ السَّلامَ عَلَيْهِ وَرَدُّ السَّلامِ عَلَى مَنْ سَلَّمَ (رُجُوعَ الرُّوحِ إِلَى الْبَدَنِ كُلِّهِ وَذَلِكَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَوْ إِلَى بَعْضِهِ) أَىْ بَعْضِ بَدَنِهِ (وَيَتَأَكَّدُ عَوْدُ الْحَيَاةِ فِى الْقَبْرِ إِلَى الْجَسَدِ مَزِيدَ تَأَكُّدٍ فِى حَقِّ الأَنْبِيَاءِ) عَلَيْهِمُ السَّلامُ (فَإِنَّهُ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ) أَنَّهُ قَالَ (الأَنْبِيَاءُ أَحْيَاءٌ فِى قُبُورِهِمْ يُصَلُّونَ، صَحَّحَهُ الْبَيْهَقِىُّ وَأَقَرَّهُ الْحَافِظُ) ابْنُ حَجَر عَلَى ذَلِكَ.
(وَعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ) أَنَّهُ (قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قُبِرَ الْمَيِّتُ أَوِ الإِنْسَانُ أَتَاهُ مَلَكَانِ أَسْوَدَانِ أَزْرَقَانِ) أَىْ لَوْنُهُمَا أَسْوَدُ مَمْزُوجٌ بِزُرْقَةٍ وَهَوَ أَخْوَفُ مَا يَكُونُ مِنَ الأَلْوَانِ وَلَهُمَا أَعْيُنٌ حُمْرٌ كَقُدُورِ النُّحَاسِ وَصَوْتُهُمَا كَالرَّعْدِ الْقَاصِفِ (يُقَالُ لِأَحَدِهِمَا مُنْكَرٌ وَلِلآخَرِ نَكِيرٌ فَيَقُولانِ لَهُ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِى هَذَا الرَّجُلِ مُحَمَّدٍ)
ﷺ (فَهُوَ قَائِلٌ) أَىْ فِى الْجَوَابِ لَهُمَا (مَا كَانَ يَقُولُ) قَبْلَ الْمَوْتِ (فَإِنْ كَانَ مُؤْمِنًا) أَىْ كَامِلًا (قَالَ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَيَقُولانِ لَهُ إِنْ كُنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّكَ لَتَقُولُ ذَلِكَ) أَىْ كُنَّا نَعْلَمُ قَبْلَ أَنْ تُجِيبَ أَنَّكَ كُنْتَ عَلَى هَذَا الِاعْتِقَادِ (ثُمَّ يُفْسَحُ لَهُ فِى قَبْرِهِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا فِى سَبْعِينَ ذِرَاعًا)
أَىْ يُوَسَّعُ قَبْرُهُ سَبْعِينَ ذِرَاعًا طُولًا فِى سَبْعِينَ ذِرَاعًا عَرْضًا (وَيُنَوَّرُ لَهُ فِيهِ) بِنُورٍ يُشْبِهُ نُورَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ (فَيُقَالُ لَهُ نَمْ فَيَنَامُ كَنَوْمِ الْعَرُوسِ) أَىْ كَنَوْمِ الرَّجُلِ الْعَرُوسِ (الَّذِى لا يُوقِظُهُ إِلَّا أَحَبُّ أَهْلِهِ) إِلَيْهِ أَىْ يَنَامُ نَوْمًا هَنِيئًا لا يُحِسُّ بِقَلَقٍ وَلا وَحْشَةٍ (حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ)
الْمَقْبُورُ كَافِرًا مُعْلِنًا أَوْ كَانَ كَافِرًا (مُنَافِقًا قَالَ لا أَدْرِى كُنْتُ أَسْمَعُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فَكُنْتُ أَقُولُهُ فَيَقُولانِ لَهُ إِنْ كُنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُولُ ذَلِكَ ثُمَّ يُقَالُ لِلأَرْضِ الْتَئِمِى فَتَلْتَئِمُ) عَلَيْهِ فَيَضِيقُ (عَلَيْهِ) الْقَبْرُ (حَتَّى تَخْتَلِفَ أَضْلاعُهُ) أَىْ أَضْلاعُهُ الَّتِى فِى إِحْدَى الْجِهَتَيْنِ تَدْخُلُ فِى الأَضْلاعِ الَّتِى فِى الْجِهَةِ الأُخْرَى (فَلا يَزَالُ مُعَذَّبًا حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ مَضْجَعِهِ ذَلِكَ) ثُمَّ يُعَذَّبُ بَعْدَ ذَلِكَ بِعَذَابٍ ءَاخَرَ وَيَدْخُلُ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا أَبَدًا (وَالْحَدِيثَانِ رَوَاهُمَا ابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُمَا فَفِى الأَوَّلِ مِنْهُمَا إِثْبَاتُ عَوْدِ الرُّوحِ إِلَى الْجَسَدِ فِى الْقَبْرِ وَالإِحْسَاسِ وَفِى الثَّانِى إِثْبَاتُ اسْتِمْرَارِ الرُّوحِ فِى الْقَبْرِ وَإِثْبَاتُ النَّوْمِ) فِيهِ (وَذَلِكَ مَا لَمْ يَبْلَ الْجَسَدُ) فَإِذَا بَلِىَ الْجَسَدُ فَإِنَّ الرُّوحَ تُفَارِقُهُ.
(وَهَذَا النَّعِيمُ) فِى الْقَبْرِ (لِلْمُؤْمِنِ الْقَوِىِّ وَهُوَ الَّذِى يُؤَدِّى الْفَرَائِضَ وَيَجْتَنِبُ الْمَعَاصِىَ وَهُوَ الَّذِى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِيهِ الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَسَنَتُهُ) أَىِ الدُّنْيَا دَارُ جُوعٍ وَبَلاءٍ فَهِىَ بِالنِّسْبَةِ لِمَا يَلْقَاهُ مِنَ النَّعِيمِ فِى الآخِرَةِ كَالسِّجْنِ (فَإِذَا فَارَقَ الدُّنْيَا فَارَقَ السِّجْنَ وَالسَّنَةَ) أَىْ يَكُونُ حَالُهُ كَحَالِ مَنْ كَانَ فِى قَحْطٍ وَمَجَاعَةٍ مَسْجُونًا ثُمَّ خَرَجَ مِنَ السِّجْنِ إِلَى الرَّخَاءِ وَالسَّعَةِ.
وَهَذَا (حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ) وَ(يَعْنِى الْمُؤْمِنَ الْكَامِلَ. ثُمَّ إِذَا بَلِىَ الْجَسَدُ كُلُّهُ وَلَمْ يَبْقَ) مِنْهُ (إِلَّا عَجْبُ الذَّنَبِ) وَهُوَ عَظْمٌ صَغِيرٌ قَدْرُ حَبَّةِ خَرْدَلَةٍ (يَكُونُ رُوحُ الْمُؤْمِنِ التَّقِىِّ فِى الْجَنَّةِ وَتَكُونُ أَرْوَاحُ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ) أَىْ (أَهْلِ الْكَبَائِرِ الَّذِينَ مَاتُوا بِلا تَوْبَةٍ بَعْدَ بِلَى الْجَسَدِ فِيمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَبَعْضُهُمْ فِى السَّمَاءِ الأُولَى وَتَكُونُ أَرْوَاحُ الْكُفَّارِ بَعْدَ بِلَى الْجَسَدِ فِى سِجِّين) وَتَبْقَى فِيهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ (وَهُوَ مَكَانٌ) مُظْلِمٌ وَمُوحِشٌ (فِى الأَرْضِ السُّفْلَى) أَىِ الأَرْضِ السَّابِعَةِ.
وَبَعْضُ النَّاسِ لا تَبْلَى أَجْسَادُهُمْ كَالأَنْبِيَاءِ وَشُهَدَاءِ الْمَعْرَكَةِ وَبَعْضِ الأَوْلِيَاءِ (وَأَمَّا الشُّهَدَاءُ) أَىْ شُهَدَاءُ الْمَعْرَكَةِ (فَتَصْعَدُ أَرْوَاحُهُمْ) بَعْدَ مَوْتِهِمْ (فَوْرًا إِلَى الْجَنَّةِ) وَتَتَنَعَّمُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
(تَنْبِيهٌ) مُهِمٌّ (يُسْتَثْنَى مِنَ السُّؤَالِ) فِى الْقَبْرِ (النَّبِىُّ) ﷺ لِشَرَفِهِ أَىْ لِعَظِيمِ قَدْرِهِ عِنْدَ اللَّهِ (وَالشَّهِيدُ أَىْ شَهِيدُ الْمَعْرَكَةِ) لِأَنَّ رُوحَهُ تَصْعَدُ مُبَاشَرَةً إِلَى الْجَنَّةِ (وَكَذَلِكَ الطِّفْلُ أَىِ الَّذِى مَاتَ دُونَ الْبُلُوغِ) لِأَنَّهُ لَيْسَ مُكَلَّفًا (فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يُمْكِنُ سُؤَالُ عَدَدٍ كَثِيرٍ مِنَ الأَمْوَاتِ) فِى ءَانٍ وَاحِدٍ (فَالْجَوَابُ مَا قَالَ الْحَلِيمِىُّ إِنَّ الأَشْبَهَ أَنْ يَكُونَ مَلائِكَةُ السُّؤَالِ جَمَاعَةً كَثِيرَةً يُسَمَّى بَعْضُهُمْ مُنْكَرًا وَبَعْضُهُمْ نَكِيرًا فَيُبْعَثُ إِلَى كُلِّ مَيِّتٍ اثْنَانِ مِنْهُمْ).
