(اعْلَمْ أَنَّ السَّبِيلَ إِلَى مَعْرِفَةِ النَّبِىِّ الْمُعْجِزَةُ وَهِىَ أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ) أَىْ مُخَالِفٌ لَهَا (يَأْتِى عَلَى وَفْقِ دَعْوَى مَنِ ادَّعَوُا النُّبُوَّةَ) أَىْ مُصَدِّقًا لَهُمْ فِى دَعْوَاهُمُ النُّبُوَّةَ أَمَّا مَا لَمْ يَكُنْ مُوَافِقًا لِلدَّعْوَى فَلا يُسَمَّى مُعْجِزَةً كَالَّذِى حَصَلَ لِمُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابِ الَّذِى ادَّعَى النُّبُوَّةَ أَنَّهُ مَسَحَ عَلَى وَجْهِ رَجُلٍ أَعْوَرَ فَعَمِيَتِ الْعَيْنُ
الأُخْرَى (سَالِمٌ مِنَ الْمُعَارَضَةِ بِالْمِثْلِ) أَىْ لا يَسْتَطِيعُ الْمُكَذِّبُونَ لِلأَنْبِيَاءِ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ مَا جَاءُوا بِهِ مِنَ الْخَوَارِقِ (فَمَا كَانَ مِنَ الأُمُورِ عَجِيبًا وَلَمْ يَكُنْ خَارِقًا لِلْعَادَةِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزَةٍ) كَالْغَوْصِ تَحْتَ الْمَاءِ لِمُدَّةِ خَمْسِ دَقَائِقَ بِنَفَسٍ وَاحِدٍ (وَكَذَلِكَ مَا كَانَ خَارِقًا لَكِنَّهُ لَمْ يَقْتَرِنْ بِدَعْوَى النُّبُوَّةِ كَالْخَوَارِقِ الَّتِى تَظْهَرُ عَلَى أَيْدِى الأَوْلِيَاءِ أَتْبَاعِ الأَنْبِيَاءِ) كَمَشْيِهِمْ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ وَدُخُولِهِمُ النَّارَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَحْتَرِقُوا (فَإِنَّهُ لَيْسَ بِمُعْجِزَةٍ) لِهَؤُلاءِ الأَوْلِيَاءِ (بَلْ يُسَمَّى كَرَامَةً) لِأَنَّ الْوَلِىَّ لا يَدَّعِى أَنَّهُ نَبِىٌّ وَإِلَّا لَمَا حَصَلَتْ لَهُ هَذِهِ الْخَوَارِقُ (وَكَذَلِكَ لَيْسَ مِنَ الْمُعْجِزَةِ مَا يُسْتَطَاعُ مُعَارَضَتُهُ بِالْمِثْلِ كَالسِّحْرِ فَإِنَّهُ يُعَارَضُ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ) أَىْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعْمَلَ سَاحِرٌ ءَاخَرُ مِثْلَهُ أَمَّا الْمُعْجِزَةُ فَلا يَسْتَطِيعُ الْمُعَارِضُونَ أَنْ يَفْعَلُوا مِثْلَهَا.
(وَالْمُعْجِزَةُ قِسْمَانِ قِسْمٌ يَقَعُ بَعْدَ اقْتِرَاحٍ مِنَ النَّاسِ عَلَى الَّذِى ادَّعَى النُّبُوَّةَ) أَىْ يَحْصُلُ بِطَلَبٍ مِنَ النَّاسِ أَنْ يُرِيَهُمْ ءَايَةً تَشْهَدُ لِصِدْقِهِ (وَقِسْمٌ يَقَعُ مِنْ غَيْرِ اقْتِرَاحٍ) أَىْ مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ مِنْهُمْ (فَالأَوَّلُ نَحْوُ نَاقَةِ صَالِحٍ الَّتِى خَرَجَتْ مِنْ) جَوْفِ (الصَّخْرَةِ) الصَّمَّاءِ وَقَدْ جَاءَ فِى قِصَّةِ قَوْمِ صَالِحٍ أَنَّهُمْ طَلَبُوا مِنْ نَبِيِّهِمْ
صَالِحٍ أَنْ يُظْهِرَ لَهُمْ مُعْجِزَةً (اقْتَرَحَ قَوْمُهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ إِنْ كُنْتَ نَبِيًّا مَبْعُوثًا إِلَيْنَا لِنُؤْمِنَ بِكَ فَأَخْرِجْ لَنَا مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ نَاقَةً وَفَصِيلَهَا فَأَخْرَجَ لَهُمْ نَاقَةً) وَ(مَعَهَا فَصِيلُهَا أَىْ وَلَدُهَا) وَكَانَ يَكْفِيهِمْ جَمِيعًا لَبَنُهَا (فَانْدَهَشُوا) مِنْ هَذَا الأَمْرِ الْعَجِيبِ (فَآمَنُوا بِهِ) وَصَدَّقُوهُ (لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ كَاذِبًا فِى قَوْلِهِ إِنَّ اللَّهَ أَرْسَلَهُ لَمْ يَأْتِ بِهَذَا الأَمْرِ الْعَجِيبِ الْخَارِقِ لِلْعَادَةِ الَّذِى لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ أَنْ يُعَارِضَهُ بِمِثْلِ مَا أَتَى بِهِ) أَىْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَهُ (فَثَبَتَتِ الْحُجَّةُ عَلَيْهِمْ وَلا يَسَعُهُمْ إِلَّا الإِذْعَانُ) لِمَا جَاءَ بِهِ هَذَا النَّبِىُّ (وَالتَّصْدِيقُ) بِهِ (لِأَنَّ الْعَقْلَ يُوجِبُ تَصْدِيقَ) أَىْ يَحْكُمُ بِتَصْدِيقِ (مَنْ أَتَى بِمْثِلِ هَذَا الأَمْرِ) الْعَجِيبِ (الَّذِى لا يُسْتَطَاعُ مُعَارَضَتُهُ بِالْمِثْلِ مِنْ قِبَلِ الْمُعَارِضِينَ فَمَنْ لَمْ يُذْعِنْ وَعَانَدَ يُعَدُّ مُهْدِرًا لِقِيمَةِ الْبُرْهَانِ الْعَقْلِىِّ) أَىْ لا يَكُونُ لِلدَّلِيلِ الْعَقْلِىِّ عِنْدَهُ قِيمَةٌ وَاعْتِبَارٌ.
(مِنَ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِى حَصَلَتْ لِمَنْ قَبْلَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ) مِنَ الأَنْبِيَاءِ
(وَمِنْ أَمْثِلَةِ الْمُعْجِزَاتِ الَّتِى حَصَلَتْ لِمَنْ قَبْلَ) سَيِّدِنَا (مُحَمَّدٍ) ﷺ (عَدَمُ تَأْثِيرِ النَّارِ الْعَظِيمَةِ عَلَى) سَيِّدِنَا (إِبْرَاهِيمَ) عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْدَ أَنْ رَمَاهُ قَوْمُهُ فِيهَا (حَيْثُ لَمْ تُحْرِقْهُ وَلا ثِيَابَهُ) وَإِنَّمَا أَحْرَقَتِ الْقَيْدَ الَّذِى قَيَّدُوهُ بِهِ (وَمِنْهَا انْقِلابُ عَصَا مُوسَى ثُعْبَانًا حَقِيقِيًّا ثُمَّ عَوْدُهَا إِلَى حَالَتِهَا بَعْدَ أَنِ اعْتَرَفَ السَّحَرَةُ الَّذِينَ أَحْضَرَهُمْ فِرْعَوْنُ لِمُعَارَضَتِهِ)
أَنَّ هَذَا أَمْرٌ خَارِقٌ لِلْعَادَةِ لا يَسْتَطِيعُونَ مُعَارَضَتَهُ بِالْمِثْلِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ السِّحْرِ (وَأَذْعَنُوا) لِمَا جَاءَ بِهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ (فَآمَنُوا بِاللَّهِ) رَبًّا (وَكَفَرُوا بِفِرْعَوْنَ وَاعْتَرَفُوا لِمُوسَى بِأَنَّهُ صَادِقٌ فِيمَا جَاءَ بِهِ. وَمِنْهَا مَا ظَهَرَ لِلْمَسِيحِ) عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ (مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى) كَمَا حَصَلَ مَعَ رَجُلٍ مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ كَانَ مَحْمُولًا عَلَى النَّعْشِ فَدَعَا الْمَسِيحُ رَبَّهُ أَنْ يُحْيِيَهُ فَأَحْيَاهُ اللَّهُ تَعَالَى (وَذَلِكَ لا يُسْتَطَاعُ مُعَارَضَتُهُ بِالْمِثْلِ فَلَمْ تَسْتَطِعِ الْيَهُودُ الَّذِينَ كَانُوا مُولَعِينَ بِتَكْذِيبِهِ وَحَرِيصِينَ عَلَى الِافْتِرَاءِ عَلَيْهِ أَنْ يُعَارِضُوهُ بِالْمِثْلِ) بَلْ قَالُوا لَهُ أَنْتَ سَاحِرٌ (وَقَدْ أَتَى أَيْضًا بِعَجِيبَةٍ أُخْرَى عَظِيمَةٍ وَهِىَ إِبْرَاءُ الأَكْمَهِ) أَىِ الَّذِى وُلِدَ أَعْمَى (فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ مُعَارَضَتَهُ بِالْمِثْلِ مَعَ تَوَفُّرِ الطِّبِّ فِى ذَلِكَ الْعَصْرِ) وَاشْتِهَارِ أَهْلِهِ بِهِ (فَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِ فِى كُلِّ مَا يُخْبِرُ بِهِ مِنْ وُجُوبِ عِبَادَةِ الْخَالِقِ وَحْدَهُ مِنْ غَيْرِ إِشْرَاكٍ بِهِ وَوُجُوبِ مُتَابَعَتِهِ فِى الأَعْمَالِ الَّتِى يَأْمُرُهُمْ بِهَا).
(مِنْ مُعْجِزَاتِهِ ﷺ)
(وَأَمَّا) سَيِّدُنَا (مُحَمَّدٌ ﷺ فَمِنْ مُعْجِزَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى جَمِيعِ إِخْوَانِهِ الأَنْبِيَاءِ وَسَلَّمَ حَنِينُ الْجِذْعِ) وَحَدِيثُهُ مُتَوَاتِرٌ (وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ كَانَ يَسْتَنِدُ حِينَ يَخْطُبُ إِلَى جِذْعِ نَخْلٍ فِى مَسْجِدِهِ قَبْلَ أَنْ يُعْمَلَ لَهُ الْمِنْبَرُ) ثُمَّ قِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ عَمِلْنَا لَكَ مِنْبَرًا فَقَالَ افْعَلُوا إِنْ شِئْتُمْ (فَلَمَّا عُمِلَ لَهُ الْمِنْبَرُ صَعِدَ) الرَّسُولُ (ﷺ عَلَيْهِ فَبَدَأَ بِالْخُطْبَةِ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَنَّ الْجِذْعُ) أَىْ بَكَى كَبُكَاءِ الطِّفْلِ الصَّغِيرِ شَوْقًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَىْ خَلَقَ اللَّهُ فِى هَذَا الْجِذْعِ حَيَاةً بِلا رُوحٍ وَخَلَقَ فِيهِ شُعُورًا وَإِحْسَاسًا وَمَحَبَّةً وَشَوْقًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ (حَتَّى سَمِعَ حَنِينَهُ مَنْ فِى الْمَسْجِدِ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ) عَنِ الْمِنْبَرِ (فَالْتَزَمَهُ أَىْ ضَمَّهُ وَاعْتَنَقَهُ فَسَكَتَ) رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ.
(وَمِنْ مُعْجِزَاتِهِ ﷺ إِنْطَاقُ الْعَجْمَاءِ أَىِ الْبَهِيمَةِ) فَقَدْ (رَوَى الإِمَامُ أَحْمَدُ) فِى مُسْنَدِهِ (وَالْبَيْهَقِىُّ) فِى دَلائِلِ النُّبُوَّةِ (بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ يَعْلَى بنِ مُرَّةَ الثَّقَفِىِّ) أَنَّهُ (قَالَ بَيْنَمَا) كُنَّا (نَسِيرُ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ إِذْ مَرَّ بِنَا بَعِيرٌ يُسْنَى عَلَيْهِ) أَىْ يُحْمَلُ عَلَيْهِ الْمَاءُ (فَلَمَّا رَءَاهُ الْبَعِيرُ جَرْجَرَ)
أَىْ أَصْدَرَ صَوْتًا مِنْ حَلْقِهِ (فَوَضَعَ جِرَانَهُ) أَىْ خَفَضَ مُقَدَّمَ عُنُقِهِ (فَوَقَفَ عَلَيْهِ) أَىْ وَقَفَ بِقُرْبِهِ (النَّبِىُّ ﷺ فَقَالَ أَيْنَ صَاحِبُ هَذَا الْبَعِيرِ فَجَاءَهُ فَقَالَ) النَّبِىُّ ﷺ (بِعْنِيهِ فَقَالَ بَلْ نَهَبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّهُ لِأَهْلِ بَيْتٍ مَا لَهُمْ مَعِيشَةٌ غَيْرُهُ) أَىْ يُحَصِّلُونَ مَعِيشَتَهُمْ مِنَ الأُجْرَةِ الَّتِى يَأْخُذُونَهَا لِلنَّقْلِ عَلَيْهِ
(فَقَالَ النَّبِىُّ) ﷺ (أَمَّا مَا ذَكَرْتَ مِنْ أَمْرِهِ) فَاعْلَمْ أَنِّى مَا طَلَبْتُ شِرَاءَهُ إِلَّا لِتَخْلِيصِهِ مِمَّا هُوَ فِيهِ (فَإِنَّهُ شَكَا) إِلَىَّ (كَثْرَةَ الْعَمَلِ وَقِلَّةَ الْعَلَفِ فَأَحْسِنُوا إِلَيْهِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ شَاهِينَ فِى دَلائِلِ النُّبُوَّةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ جَعْفَرٍ) أَنَّهُ (قَالَ أَرْدَفَنِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ خَلْفَهُ) أَىْ أَرْكَبَنِى خَلْفَهُ عَلَى الْبَعِيرِ (فَدَخَلَ حَائِطَ) أَىْ بُسْتَانَ (رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَإِذَا جَمَلٌ) هُنَاكَ (فَلَمَّا رَأَى النَّبِىَّ ﷺ حَنَّ) أَىْ بَكَى (فَذَرَفَتْ عَيْنَاهُ) أَىْ سَالَتْ دُمُوعُهُ (فَأَتَاهُ النَّبِىُّ ﷺ فَمَسَحَ ذِفْرَاهُ) أَىْ مَسَحَ الْمَوْضِعَ خَلْفَ أُذُنِهِ (فَسَكَنَ ثُمَّ قَالَ) رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ رَبُّ هَذَا الْجَمَلِ فَجَاءَ فَتًى مِنَ الأَنْصَارِ فَقَالَ هَذَا لِى فَقَالَ) لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (أَلا تَتَّقِى اللَّهَ فِى هَذِهِ الْبَهِيمَةِ الَّتِى مَلَّكَكَ اللَّهُ إِيَّاهَا فَإِنَّهُ شَكَا إِلَىَّ أَنَّكَ تُجِيعُهُ وَتُدْئِبُهُ) أَىْ تُتْعِبُهُ (وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ كَمَا قَالَ) الْحَافِظُ (الْمُحَدِّثُ) مُحَمَّدُ (مُرْتَضَى الزَّبِيدِىُّ فِى شَرْحِ إِحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ).
(وَمِنْهَا) أَىْ وَمِنْ مُعْجِزَاتِهِ ﷺ (تَفَجُّرُ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ بِالْمُشَاهَدَةِ فِى عِدَّةِ مَوَاطِنَ) أَىْ مَوَاضِعَ (فِى مَشَاهِدَ عَظِيمَةٍ وَرَدَتْ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ يُفِيدُ مَجْمُوعُهَا الْعِلْمَ الْقَطْعِىَّ الْمُسْتَفَادَ مِنَ التَّوَاتُرِ الْمَعْنَوِىِّ) أَىْ أَنَّ حَوَادِثَ نُبُوعِ الْمَاءِ مِنْ يَدِهِ الشَّرِيفَةِ ﷺ رُوِيَتْ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ يَقْتَضِى مَجْمُوعُهَا الْقَطْعَ بِحُصُولِهِ وَلا يَسَعُ الْعَاقِلَ أَنْ يَنْفِيَهُ (وَ)تَفَجُّرُ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ الأَصَابِعِ (لَمْ يَحْصُلْ لِغَيْرِ نَبِيِّنَا) ﷺ (حَيْثُ) إِنَّ الْمَاءَ (نَبَعَ مِنْ عَظْمِهِ وَعَصَبِهِ وَلَحْمِهِ وَدَمِهِ وَهُوَ أَبْلَغُ) أَىْ أَعْجَبُ (مِنْ تَفَجُّرِ الْمِيَاهِ مِنَ الْحَجَرِ الَّذِى ضَرَبَهُ مُوسَى) بِعَصَاهُ (لِأَنَّ خُرُوجَ الْمَاءِ مِنَ الْحِجَارَةِ مَعْهُودٌ بِخِلافِهِ مِنْ بَيْنِ اللَّحْمِ وَالدَّمِ).
وَخَبَرُ تَفَجُّرِ الْمَاءِ مِنْ يَدِهِ الشَّرِيفَةِ ﷺ (رَوَاهُ جَابِرٌ وَأَنَسٌ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو لَيْلَى الأَنْصَارِىُّ وَأَبُو رَافِعٍ. وَقَدْ أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ) الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ (مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ) رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ (رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ حَانَتْ صَلاةُ الْعَصْرِ وَالْتَمَسَ الْوَضُوءَ) أَىْ طَلَبَ مَاءً لِلْوُضُوءِ (فَلَمْ يَجِدُوهُ فَأُتِىَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِوَضُوءٍ فَوَضَعَ يَدَهُ فِى ذَلِكَ الإِنَاءِ فَأَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَتَوَضَّئُوا فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَنْبُعُ مِنْ تَحْتِ أَصَابِعِهِ فَتَوَضَّأَ النَّاسُ حَتَّى يَتَوَضَّئُوا مِنْ عِنْدِ ءَاخِرِهِمْ)
أَىْ إِلَى ءَاخِرِهِمْ (وَفِى رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِىِّ قَالَ الرَّاوِى لِأَنَسٍ كَمْ كُنْتُمْ قَالَ ثَلاثَمِائَةٍ. وَرَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَيْضًا) أَنَّهُ قَالَ (عَطِشَ النَّاسُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ) أَىْ إِنَاءٌ (يَتَوَضَّأُ مِنْهَا فَجَهَشَ النَّاسُ) أَىْ أَقْبَلُوا إِلَيْهِ (فَقَالَ مَا لَكُمْ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ لَيْسَ عِنْدَنَا مَا نَتَوَضَّأُ بِهِ وَلا مَا نَشْرَبُهُ إِلَّا مَا بَيْنَ يَدَيْكَ فَوَضَعَ يَدَهُ فِى الرَّكْوَةِ فَجَعَلَ الْمَاءُ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ كَأَمْثَالِ الْعُيُونِ فَشَرِبْنَا وَتَوَضَّأْنَا فَقِيلَ كَمْ كُنْتُمْ قَالَ لَوْ كُنَّا مِائَةَ أَلْفٍ لَكَفَانَا كُنَّا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةً) أَىْ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ (وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ الْمَاءَ كَانَ يَنْبُعُ مِنْ نَفْسِ اللَّحْمِ الْكَائِنِ فِى الأَصَابِعِ وَبِهِ صَرَّحَ النَّوَوِىُّ فِى شَرْحِ مُسْلِمٍ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ جَابِرٍ فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَخْرُجُ وَفِى رِوَايَةٍ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ).
(وَمِنْ مُعْجِزَاتِهِ) ﷺ (رَدُّ عَيْنِ قَتَادَةَ) بِرَاحَتِهِ (بَعْدَ انْقِلاعِهَا فَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِىُّ فِى الدَّلائِلِ) أَىْ دَلائِلِ النُّبُوَّةِ (عَنْ قَتَادَةَ بنِ النُّعْمَانِ) رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ (أَنَّهُ أُصِيبَتْ عَيْنُهُ يَوْمَ بَدْرٍ) أَىْ فِى مَعْرَكَةِ بَدْرٍ (فَسَالَتْ حَدَقَتُهُ عَلَى وَجْنَتِهِ) أَىْ سَالَتْ عَيْنُهُ عَلَى خَدِّهِ (فَأَرَادُوا أَنْ يَقْطَعُوهَا فَسَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ) ﷺ (فَقَالَ لا فَدَعَا بِهِ فَغَمَزَ حَدَقَتَهُ بِرَاحَتِهِ) أَىْ رَدَّهَا بِرَاحَةِ يَدِهِ فَتَعَافَى (فَكَانَ) بَعْدَ ذَلِكَ (لا يَدْرِى أَىَّ عَيْنَيْهِ أُصِيبَتْ. وَفِى هَاتَيْنِ الْمُعْجِزَتَيْنِ) أَىْ نُبُوعِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ وَرَدِّ عَيْنِ قَتَادَةَ بَعْدَ انْقِلاعِهَا (قَالَ بَعْضُ الْمَادِحِينَ شِعْرًا مِنَ الْبَسِيطِ
إِنْ كَانَ مُوسَى سَقَى الأَسْبَاطَ مِنْ حَجَرٍ فَإِنَّ فِى الْكَفِّ مَعْنًى لَيْسَ فِى الْحَجَرِ
إِنْ كَانَ عِيسَى بَرَا الأَعْمَى بِدَعْوَتِهِ فَكَمْ بِرَاحَتِـهِ قَدْ رَدَّ مِنْ بَصَـرِ)
أَىْ إِنْ كَانَ مُوسَى ضَرَبَ بِعَصَاهُ الْحَجَرَ فَتَفَجَّرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا فَوَزَّعَهَا عَلَى الأَسْبَاطِ وَهُمُ الْقَبَائِلُ الْمُسْلِمَةُ مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ فَإِنَّ نُبُوعَ الْمَاءِ مِنْ أَصَابِعِ النَّبِىِّ مُحَمَّدٍ ﷺ أَعْجَبُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعْهُودًا. وَأَمَّا قَوْلُهُ إِنْ كَانَ عِيسَى بَرَا الأَعْمَى بِدَعْوَتِهِ فَكَمْ بِرَاحَتِهِ قَدْ رَدَّ مِنْ بَصَـرِ فَمَعْنَاهُ إِنْ كَانَ الأَعْمَى تَعَافَى بِدَعْوَةِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلامُ فَقَدْ رَدَّ نَبِيُّنَا ﷺ عَيْنَ قَتَادَةَ بِرَاحَتِهِ.
(وَمِنْ مُعْجِزَاتِهِ ﷺ تَسْبِيحُ الطَّعَامِ فِى يَدِهِ) فَقَدْ (أَخْرَجَ الْبُخَارِىُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ) أَنَّهُ (قَالَ كُنَّا نَأْكُلُ مَعَ النَّبِىِّ ﷺ الطَّعَامَ وَنَحْنُ نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعَامِ) فِى يَدِهِ. (وَهَذِهِ الْمُعْجِزَاتُ الثَّلاثُ) أَىْ تَسْبِيحُ الطَّعَامِ وَنُبُوعُ الْمَاءِ وَحَنِينُ الْجِذْعِ (أَعْجَبُ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى الَّذِى هُوَ إِحْدَى مُعْجِزَاتِ الْمَسِيحِ) عَلَيْهِ السَّلامُ.
(وَمِنْ مُعْجِزَاتِهِ ﷺ) انْشِقَاقُ الْقَمَرِ فَإِنَّ الْكُفَّارَ طَلَبُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُرِيَهُمْ ءَايَةً فَأَشَارَ إِلَى الْقَمَرِ فَانْشَقَّ فِلْقَتَيْنِ وَشَاهَدَ ذَلِكَ مَنْ كَانَ بِمَكَّةَ وَخَارِجَهَا فَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ فِى الدَّلائِلِ وَالْحِلْيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ اجْتَمَعَ الْمُشْرِكُونَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْهُمُ الْوَلِيدُ بنُ الْمُغِيرَةِ وَأَبُو
جَهْلِ بنُ هِشَامٍ وَالْعَاصُ بنُ وَائِلٍ وَالْعَاصُ بنُ هِشَامٍ وَالأَسْوَدُ بنُ عَبْدِ يَغُوث وَالأَسْوَدُ بنُ الْمُطَّلِبِ بنِ أَسَدِ بنِ عَبْدِ الْعُزَّى وَزَمْعَةُ بنُ الأَسْوَدِ وَالنَّضْرُ بنُ الْحَارِثِ وَنُظَرَاؤهُمْ كَثِيرٌ فَقَالُوا لِلنَّبِىِّ ﷺ إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَشُقَّ الْقَمَرَ لَنَا فِلْقَتَيْنِ نِصْفًا عَلَى أَبِى قُبَيْس وَنِصْفًا عَلَى قُعَيْقِعَان فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِنْ فَعَلْتُ تُؤْمِنُوا قَالُوا نَعَمْ وَكَانَتْ
لَيْلَةَ بَدْرٍ فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يُعْطِيَهُ مَا سَأَلُوا فَأَمْسَى الْقَمَرُ قَدْ مُثِلَ نِصْفًا عَلَى أَبِى قُبَيْس وَنِصْفًا عَلَى قُعَيْقِعَان وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُنَادِى يَا أَبَا سَلَمَةَ ابْنَ عَبْدِ الأَسَد وَالأَرْقَمَ بنَ أَبِى الأَرْقَم اشْهَدُوا فَنَظَرَ الْكُفَّارُ ثُمَّ مَالُوا بِأَبْصَارِهِمْ فَمَسَحُوهَا ثُمَّ أَعَادُوا النَّظَرَ فَنَظَرُوا ثُمَّ مَسَحُوا أَعْيُنَهُمْ ثُمَّ نَظَرُوا فَقَالُوا سَحَرَ مُحَمَّدٌ أَعْيُنَنَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ لَئِنْ كَانَ سَحَرَنَا فَإِنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْحَرَ النَّاسَ كُلَّهُمْ فَانْظُرُوا إِلَى السُّفَّارِ فَإِنْ أَخْبَرُوكُمْ أَنَّهُمْ رَأَوْا مِثْلَ مَا رَأَيْتُمْ فَقَدْ صَدَقَ فَكَانُوا يَتَلَقَّوْنَ الرَّكْبَ أَىِ الْمُسَافِرِينَ الْقَادِمِينَ مِنْ خَارِجِ مَكَّةَ فَيُخْبِرُونَهُمْ أَنَّهُمْ رَأَوْا مِثْلَ مَا رَأَوْا فَيُكَذِّبُونَهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾.
وَقُعَيْقِعَان وَأَبُو قُبَيْس جَبَلانِ مُتَقَابِلانِ بِمَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ. وَمِنْ مُعْجِزَاتِهِ ﷺ (الإِسْرَاءُ) مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ (وَالْمِعْرَاجُ) مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَإِلَى مَا فَوْقَهَا. وَ(الإِسْرَاءُ ثَبَتَ بِنَصِّ الْقُرْءَانِ وَالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فَيَجِبُ الإِيمَانُ بِأَنَّهُ ﷺ أَسْرَى اللَّهُ بِهِ لَيْلًا مِنَ) الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِى (مَكَّةَ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى)
فِى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِرُوحِهِ وَجَسَدِهِ يَقَظَةً (وَأَمَّا الْمِعْرَاجُ فَقَدْ ثَبَتَ بِنَصِّ الأَحَادِيثِ وَأَمَّا الْقُرْءَانُ فَلَمْ يَنُصَّ عَلَيْهِ نَصًّا صَرِيحًا لا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا لَكِنَّهُ وَرَدَ فِيهِ مَا يَكَادُ يَكُونُ نَصًّا صَرِيحًا) فَلا يَكْفُرُ مُنْكِرُ الْمِعْرَاجِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ إِنْكَارُهُ عَلَى وَجْهِ الْعِنَادِ بِخِلافِ مُنْكِرِ الإِسْرَاءِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ لِأَنَّهُ مُكَذِّبٌ لِصَرِيحِ الْقُرْءَانِ (فَالإِسْرَاءُ قَدْ جَاءَ فِيهِ)
نَصٌّ صَرِيحٌ وَهُوَ (قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾) أَىْ تَنَزَّهَ اللَّهُ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ مُحَمَّدٍ لَيْلًا (﴿مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِى بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾) أَىْ جَعَلْنَا الْبَرَكَةَ فِيمَا حَوْلَهُ مِنْ بِلادِ الشَّامِ (﴿لِنُرِيَهُ مِنْ ءَايَاتِنَا﴾) أَىْ لِنُطْلِعَهُ عَلَى عَجَائِبِ الْمَخْلُوقَاتِ وَ(أَمَّا الْمِعْرَاجُ فَقَدْ وَرَدَ فِيهِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى﴾)
أَىْ رَأَى مُحَمَّدٌ جِبْرِيلَ مَرَّةً ثَانِيَةً عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَهِىَ شَجَرَةٌ عَظِيمَةٌ أَصْلُهَا فِى السَّمَاءِ السَّادِسَةِ وَتَمْتَدُّ إِلَى السَّابِعَةِ (فَإِنْ قِيلَ قَوْلُهُ) تَعَالَى (﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ رُؤْيَةً مَنَامِيَّةً قُلْنَا هَذَا تَأْوِيلٌ) بِلا دَلِيلٍ (وَلا يَسُوغُ تَأْوِيلُ النَّصِّ أَىْ) لا يَجُوزُ (إِخْرَاجُهُ عَنْ ظَاهِرِهِ لِغَيْرِ دَلِيلٍ عَقْلِىٍّ قَاطِعٍ أَوْ سَمْعِىٍّ ثَابِتٍ)
وَهُوَ مَا كَانَ قُرْءَانًا أَوْ حَدِيثًا ثَابِتًا (كَمَا قَالَهُ الرَّازِىُّ فِى) كِتَابِهِ (الْمَحْصُولِ وَغَيْرُهُ مِنَ الأُصُولِيِّينَ) أَىْ عُلَمَاءِ الأُصُولِ (وَلَيْسَ هُنَا دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ) أَىْ عَلَى جَوَازِ تَأْوِيلِ هَذِهِ الآيَةِ (وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ أُتِيتُ بِالْبُرَاقِ) أَىْ أَتَانِى جِبْرِيلُ بِالْبُرَاقِ (وَهُوَ دَابَّةٌ)
مِنْ دَوَابِّ الْجَنَّةِ (أَبْيَضُ طَوِيلٌ فَوْقَ الْحِمَارِ وَدُونَ الْبَغْلِ يَضَعُ حَافِرَهُ عِنْدَ مُنْتَهَى طَرْفِهِ) أَىْ يَضَعُ رِجْلَهُ حَيْثُ يَصِلُ نَظَرُهُ ثُمَّ (قَالَ فَرَكِبْتُهُ حَتَّى أَتَيْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَرَبَطْتُهُ بِالْحَلْقَةِ الَّتِى يَرْبِطُ بِهَا الأَنْبِيَاءُ) دَوَابَّهُمْ (قَالَ ثُمَّ دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ) الأَقْصَى (فَصَلَّيْتُ فِيهِ رَكْعَتَيْنِ) إِمَامًا بِالأَنْبِيَاءِ جَمِيعًا (ثُمَّ خَرَجْتُ فَجَاءَنِى جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ بِإِنَاءٍ مِنْ خَمْرٍ) أَىْ مِنْ خَمْرِ الْجَنَّةِ وَهُوَ شَرَابٌ لَذِيذٌ طَاهِرٌ لا يُسْكِرُ وَلا يُغَيِّبُ الْعَقْلَ وَلا يُصْدِعُ الرَّأْسَ (وَإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ) أَىْ حَلِيبٍ (فَاخْتَرْتُ اللَّبَنَ فَقَالَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ اخْتَرْتَ الْفِطْرَةَ) أَىِ تَمَسَّكْتَ بِالدِّينِ (قَالَ) ﷺ (ثُمَّ عَرَجَ بِنَا إِلَى السَّمَاءِ) وَكَانَ عُرُوجُهُ ﷺ بِالْمِرْقَاةِ وَهُوَ شِبْهُ السُّلَّمِ (إِلَى ءَاخِرِ الْحَدِيثِ.
وَفِى) هَذَا (الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الإِسْرَاءَ وَالْمِعْرَاجَ كَانَا فِى لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ بِرُوحِهِ وَجَسَدِهِ يَقَظَةً إِذْ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إِنَّهُ وَصَلَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمَّ نَامَ. أَمَّا رُؤْيَةُ النَّبِىِّ لِرَبِّهِ) فِى (لَيْلَةِ الْمِعْرَاجِ فَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِىُّ فِى الْمُعْجَمِ الأَوْسَطِ بِإِسْنَادٍ قَوِىٍّ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ) فِى فَتْحِ الْبَارِى (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا) أَنَّهُ قَالَ (رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ مَرَّتَيْنِ. وَرَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ بِإِسْنَادٍ قَوِىٍّ) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ (رَأَى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ. وَالْمُرَادُ أَنَّهُ رَءَاهُ بِقَلْبِهِ) أَىْ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ قُوَّةَ الرُّؤْيَةِ بِقَلْبِهِ لا بِعَيْنِهِ فَرَءَاهُ بِقَلْبِهِ (بِدَلِيلِ حَدِيثِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِى الْعَالِيَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ قَالَ رَأَى رَبَّهُ بِفُؤَادِهِ مَرَّتَيْنِ).
(تَنْبِيهٌ. قَالَ الْغَزَالِىُّ فِى إِحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ الصَّحِيحُ أَنَّ النَّبِىَّ) ﷺ (لَمْ يَرَ رَبَّهُ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ، وَمُرَادُهُ أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ بِعَيْنِهِ إِذْ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ رَأَيْتُهُ بِعَيْنِى وَلا أَنَّ أَحَدًا مِنَ الصَّحَابَةِ أَوِ التَّابِعِينَ أَوْ أَتْبَاعِهِمْ قَالَ رَءَاهُ بِعَيْنَىْ رَأْسِهِ) وَقَالَ الإِمَامُ مَالِكٌ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ لا يُرَى الْبَاقِى بِالْعَيْنِ الْفَانِيَةِ وَإِنَّمَا يُرَى بِالْعَيْنِ الْبَاقِيَةِ فِى الآخِرَةِ وَهَذَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لَنْ تَرَانِى﴾ وَقَوْلِهِ ﷺ إِنَّكُمْ لَنْ تَرَوْا رَبَّكُمْ حَتَّى تَمُوتُوا رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
