رَوَى الْبَيْهَقِىُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ (الْيَهُودَ قَالَتْ لِلرَّسُولِ ﷺ) يَا مُحَمَّدُ (صِفْ لَنَا رَبَّكَ) الَّذِى تَعْبُدُهُ وَ(قَدْ كَانَ سُؤَالُهُمْ تَعَنُّتًا أَىْ عِنَادًا لا حُبًّا لِلْعِلْمِ وَاسْتِرْشَادًا بِهِ) أَىْ لِلِاهْتِدَاءِ بِهِ (فَأَنْزَلَ اللَّهُ) تَعَالَى (سُورَةَ الإِخْلاصِ) فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ هَذِهِ صِفَةُ رَبِّى عَزَّ وَجَلَّ. (﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ أَىِ الَّذِى لا يَقْبَلُ)
الِانْقِسَامَ وَ(التَّعَدُّدَ وَالْكَثْرَةَ وَلَيْسَ لَهُ شَرِيكٌ فِى الذَّاتِ أَوِ الصِّفَاتِ أَوِ الأَفْعَالِ) فَلا يُوجَدُ ذَاتٌ مِثْلُ ذَاتِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ جِسْمًا (وَلَيْسَ لِأَحَدٍ صِفَةٌ كَصِفَاتِهِ) أَوْ فِعْلٌ كَفِعْلِهِ لِأَنَّ فِعْلَهُ وَصِفَاتِهِ أَزَلِيَّةٌ (بَلْ قُدْرَتُهُ تَعَالَى قُدْرَةٌ وَاحِدَةٌ يَقْدِرُ بِهَا عَلَى كُلِّ شَىْءٍ) أَىْ أَنَّ قُدْرَتَهُ تَتَعَلَّقُ بِكُلِّ مُمْكِنٍ عَقْلِىٍّ إِيجَادًا وَإِعْدَامًا
(وَعِلْمُهُ وَاحِدٌ يَعْلَمُ بِهِ كُلَّ شَىْءٍ) أَىْ يَعْلَمُ بِهِ الأَزَلِىَّ كَذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَيَعْلَمُ بِهِ الْحَادِثَاتِ أَىِ الْمَخْلُوقَاتِ وَ(قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ أَىِ الَّذِى تَفْتَقِرُ) أَىْ تَحْتَاجُ (إِلَيْهِ جَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ مَعَ اسْتِغْنَائِهِ عَنْ كُلِّ مَوْجُودٍ وَ)هُوَ (الَّذِى يُقْصَدُ) أَىْ يُلْجَأُ إِلَيْهِ (عِنْدَ الشِّدَّةِ بِجَمِيعِ أَنْوَاعِهَا وَلا يَجْتَلِبُ بِخَلْقِهِ نَفْعًا لِنَفْسِهِ)
أَىْ لا يَنْتَفِعُ بِهِمْ (وَلا يَدْفَعُ بِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ضُرًّا) أَىْ ضَرَرًا فَهُمْ لا يَنْفَعُونَهُ وَلا يَضُرُّونَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِّنْ رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ وَ(قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ نَفْىٌ لِلْمَادِّيَّةِ وَالِانْحِلالِ) أَىْ أَنَّهُ لَيْسَ أَصْلًا
لِغَيْرِهِ أَوْ أَبًا وَلا فَرْعًا لِغَيْرِهِ أَوْ وَلَدًا (وَهُوَ) مُنَزَّهٌ عَنْ (أَنْ يَنْحَلَّ مِنْهُ شَىْءٌ) كَمَا يَنْفَصِلُ الْوَلَدُ عَنْ وَالِدِهِ (أَوْ أَنْ يَحُلَّ هُوَ فِى شَىْءٍ) كَمَا يَحُلُّ الْوَلَدُ فِى رَحِمِ أُمِّهِ (وَ)أَمَّا (مَا وَرَدَ فِى كِتَابِ مَوْلِدِ الْعَرُوسِ مِنْ أَنَّ اللَّهَ) تَعَالَى لَمَّا أَرَادَ خَلْقَ مُحَمَّدٍ (قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ نُورِ وَجْهِهِ فَقَالَ لَهَا كُونِى مُحَمَّدًا فَكَانَتْ مُحَمَّدًا فَهَذِهِ مِنَ الأَبَاطِيلِ الْمَدْسُوسَةِ)
الَّتِى أَدْخَلَهَا بَعْضُ النَّاسِ عَلَى الإِسْلامِ وَهِىَ تُوهِمُ أَنَّ اللَّهَ جِسْمٌ لَهُ أَجْزَاءٌ (وَحُكْمُ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ) سَيِّدَنَا (مُحَمَّدًا ﷺ جُزْءٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى التَّكْفِيرُ قَطْعًا وَكَذَلِكَ الَّذِى يَعْتَقِدُ) فِى سَيِّدِنَا عِيسَى (الْمَسِيحِ أَنَّهُ جُزْءٌ مِنَ اللَّهِ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِى ذَمِّ الْكُفَّارِ ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ (وَلَيْسَ هَذَا الْكِتَابُ لِابْنِ الْجَوْزِىِّ رَحِمَهُ اللَّهُ) كَمَا يَزْعُمُ مَنْ طَبَعَهُ (وَلَمْ يَنْسُبْهُ إِلَيْهِ إِلَّا الْمُسْتَشْرِقُ) الأَلْمَانِىُّ (بُروكلْمَان) وَأَمَّا (قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ أَىْ لا نَظِيرَ لَهُ) وَلا شَبِيهَ (بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ).
(الآيَاتُ الْمُحْكَمَاتُ وَالْمُتَشَابِهَاتُ)
(لِفَهْمِ هَذَا الْمَوْضُوعِ كَمَا يَنْبَغِى يَجِبُ مَعْرِفَةُ أَنَّ الْقُرْءَانَ تُوجَدُ فِيهِ ءَايَاتٌ مُحْكَمَاتٌ وَءَايَاتٌ مُتَشَابِهَاتٌ قَالَ تَعَالَى ﴿هُوَ الَّذِىَ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ ءَايَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾) أَىْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ الْقُرْءَانَ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ مِنْهُ ءَايَاتٌ مُحْكَمَاتٌ يَتَّضِحُ مَعْنَاهَا بِمُجَرَّدِ قِرَاءَتِهَا هُنَّ أُمُّ
الْكِتَابِ أَىِ الأَصْلُ وَالْمَرْجِعُ فِى الْقُرْءَانِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ يُرْجَعُ لِفَهْمِهَا عَلَى وَجْهِهَا إِلَى الآيَاتِ الْمُحْكَمَاتِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ (﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾) وَضَلالٌ وَهُمُ الْمُبْتَدِعَةُ فِى الِاعْتِقَادِ كَالْمُشَبِّهَةِ وَغَيْرِهِمْ (﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾) أَىْ يَتَّبِعُونَ الْمُتَشَابِهَ مِنَ الْقُرْءَانِ (﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾)
أَىِ ابْتِغَاءَ إِيقَاعِ الْمُؤْمِنِ فِى اعْتِقَادِهِمُ الْبَاطِلِ (﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾) أَىْ تَأْوِيلًا بَاطِلًا (﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾) أَىْ وَقْتَ حُصُولِهِ (﴿إِلَّا اللَّهُ﴾) أَىْ أَنَّ الْقُرْءَانَ فِيهِ ءَايَاتٌ مُتَشَابِهَاتٌ تَتَعَلَّقُ بِأُمُورٍ لَمْ يُطْلِعِ اللَّهُ أَحَدًا مِنَ الْخَلْقِ عَلَى وَقْتِ حُصُولِهَا كَوَقْتِ قِيَامِ السَّاعَةِ وَخُرُوجِ الدَّجَّالِ عَلَى التَّحْدِيدِ (﴿وَالرَّاسِخُونَ فِى الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ﴾) أَىْ بِالْقُرْءَانِ كُلِّهِ الْمُحْكَمِ مِنْهُ وَالْمُتَشَابِهِ (﴿كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾) أَىْ كُلٌّ مِنَ الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ وَحْىٌ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا (﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الأَلْبَابِ﴾).
وَيُقَالُ (الآيَاتُ الْمُحْكَمَةُ هِىَ مَا لا يَحْتَمِلُ مِنَ التَّأْوِيلِ بِحَسَبِ وَضْعِ اللُّغَةِ إِلَّا وَجْهًا) أَىْ مَعْنًى (وَاحِدًا أَوْ مَا عُرِفَ الْمُرَادُ بِهِ بِوُضُوحٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ وَقَوْلِهِ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ وَقَوْلِهِ ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾) أَىْ مِثْلًا أَىْ لَيْسَ لِلَّهِ مَثِيلٌ وَلا شَبِيهٌ (وَالْمُتَشَابِهُ هُوَ مَا لَمْ تَتَّضِحْ دِلالَتُهُ) أَىْ لَمْ يُعْرَفِ الْمَعْنَى الْمُرَادُ مِنْهُ بِوُضُوحٍ (أَوْ) كَانَ (يَحْتَمِلُ) بِحَسَبِ وَضْعِ اللُّغَةِ (أَوْجُهًا) أَىْ مَعَانِىَ (عَدِيدَةً وَاحْتَاجَ إِلَى النَّظَرِ) أَىْ نَظَرِ أَهْلِ الْفَهْمِ الَّذِينَ لَهُمْ دِرَايَةٌ بِالنُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ وَمَعَانِيهَا لِمَعْرِفَةِ الْمَعْنَى الْمُرَادِ مِنْهُ (لِحَمْلِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُطَابِقِ) لِلْمُحْكَمِ (كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾) أَىْ مَعَ تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنِ اسْتِوَاءِ الْمَخْلُوقِينَ كَالْجُلُوسِ وَالِاسْتِقْرَارِ وَالْمُحَاذَاةِ أَىْ كَوْنِ الشَّىْءٍ فِى مُقَابِلِ شَىْءٍ.
(وَ)كَذَلِكَ (قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ أَىْ أَنَّ الْكَلِمَ الطَّيِّبَ كَلا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَصْعَدُ إِلَى مَحَلِّ كَرَامَتِهِ) أَىِ الْمَكَانِ الْمُشَرَّفِ عِنْدَ اللَّهِ (وَهُوَ السَّمَاءُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ أَىِ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ يَرْفَعُ الْعَمَلَ الصَّالِحَ) أَىْ أَنَّ كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ هِىَ الأَصْلُ وَالأَسَاسُ لِرَفْعِ الأَعْمَالِ
الصَّالِحَةِ أَىْ لِقَبُولِهَا (وَهَذَا) التَّفْسِيرُ (مُنْطَبِقٌ وَمُنْسَجِمٌ مَعَ الآيَةِ الْمُحْكَمَةِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ فَتَفْسِيرُ الآيَاتِ الْمُتَشَابِهَةِ يَجِبُ أَنَّ يُرَدَّ إِلَى الآيَاتِ الْمُحْكَمَةِ) أَىْ أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لَهَا وَ(هَذَا فِى الْمُتَشَابِهِ الَّذِى يَجُوزُ لِلْعُلَمَاءِ أَنْ يَعْلَمُوهُ) كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ (وَأَمَّا الْمُتَشَابِهُ الَّذِى أُرِيدَ بِقَوْلِهِ)
تَعَالَى (﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ عَلَى قِرَاءَةِ الْوَقْفِ عَلَى لَفْظِ الْجَلالَةِ فَهُوَ مَا كَانَ مِثْلَ وَجْبَةِ الْقِيَامَةِ) أَىِ وَقْتِ وُقُوعِهَا (وَخُرُوحِ الدَّجَّالِ عَلَى التَّحْدِيدِ فَلَيْسَ) هَذَا (مِنْ قَبِيلِ) تَأْوِيلِ (ءَايَةِ الاِسْتِوَاءِ) ﴿الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ فَإِنَّ هَذَا يَعْلَمُهُ بَعْضُ عِبَادِ اللَّهِ وَقَدْ فَسَّرَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِالْقَهْرِ لَكِنْ لا يُقْطَعُ بِأَنَّ مُرَادَ اللَّهِ بِالِاسْتِوَاءِ عَلَى الْعَرْشِ الْقَهْرُ إِنَّمَا يُظَنُّ ظَنًّا رَاجِحًا (وَقَدْ وَرَدَ عَنْهُ ﷺ اعْمَلُوا بِمُحْكَمِهِ وَءَامِنُوا بِمُتَشَابِهِهِ) أَىْ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَتَوَهَّمُوا أَنَّ مَعَانِيَهُ مِنْ صِفَاتِ الأَجْسَامِ وَهَذَا الْحَدِيثُ (ضَعِيفٌ ضَعْفًا خَفِيفًا) رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِى صَحِيحِهِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْعُلَمَاءِ عَنِ الآيَاتِ الْمُتَشَابِهَةِ أَمِرُّوهَا كَمَا جَاءَتْ بِلا كَيْفٍ أَىْ ءَامِنُوا بِهَا وَلا تُفَسِّرُوهَا تَفْسِيرًا فَاسِدًا بِنِسْبَةِ الْكَيْفِيَّةِ أَىْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى.
(وَقَدْ بَيَّنَ) الإِمَامُ (أَبُو نَصْرٍ الْقُشَيْرِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ الشَّنَاعَةَ الَّتِى تَلْزَمُ نُفَاةَ التَّأْوِيلِ) الَّذِينَ يَأْخُذُونَ بِظَوَاهِرِ الآيَاتِ الْمُتَشَابِهَةِ فَيَجْعَلُونَ الْقُرْءَانَ مُتَنَاقِضًا (وَأَبُو نَصْرٍ الْقُشَيْرِىُّ هُوَ الَّذِى وَصَفَهُ الْحَافِظُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ الطَّبْسِىُّ) شَيْخُ الْحَافِظِ ابنِ عَسَاكِرَ (بِإِمَامِ الأَئِمَّةِ كَمَا نَقَلَ ذَلِكَ الْحَافِظُ ابْنُ عَسَاكِرَ فِى كِتَابِهِ تَبْيِينُ كَذِبِ الْمُفْتَرِى)
فِيمَا نُسِبَ إِلَى الإِمَامِ أَبِى الْحَسَنِ الأَشْعَرِى وَ(قَالَ الْمُحَدِّثُ اللُّغَوِىُّ الْفَقِيهُ الْحَنَفِىُّ مُرْتَضَى الزَّبِيدِىُّ فِى شَرْحِهِ الْمُسَمَّى إِتْحَافَ السَّادَةِ الْمُتَّقِينَ نَقْلًا عَنْ كِتَابِ التَّذْكِرَةِ الشَّرْقِيَّةِ لِأَبِى نَصْرٍ الْقُشَيْرِىِّ مَا نَصُّهُ وَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ إِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ وَقْتَ قِيَامِ السَّاعَةِ) أَىِ الْقِيَامَةِ (فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ سَأَلُوا النَّبِىَّ ﷺ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا وَمَتَى وُقُوعُهَا) وَهَذَا لا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ أَىْ يَسْأَلُكَ يَا مُحَمَّدُ كُفَّارُ مَكَّةَ مَتَى وُقُوعُ السَّاعَةِ وَزَمَانُهَا اسْتِهْزَاءً ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِندَ رَبِّى﴾ (فَالْمُتَشَابِهُ) هُنَا (إِشَارَةٌ إِلَى عِلْمِ الْغَيْبِ) وَهُوَ مَا غَابَ عَنَّا (فَلَيْسَ يَعْلَمُ عَوَاقِبَ الأُمُورِ) أَىْ مُنْتَهَاهَا (إِلَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلِهَذَا قَالَ) تَعَالَى (﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ﴾ أَىْ هَلْ يَنْظُرُونَ) أَىْ يَنْتَظِرُونَ (إِلَّا قِيَامَ السَّاعَةِ) وَمَا وُعِدُوا بِهِ مِنَ الْحِسَابِ وَالْعِقَابِ.
(وَكَيْفَ يَسُوغُ لِقَائِلٍ) أَىْ لا يَلِيقُ وَلا يَجُوزُ لِقَائِلٍ (أَنْ يَقُولَ) إِنَّهُ يُوجَدُ (فِى كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى) أَىِ الْقُرْءَانِ (مَا لا سَبِيلَ لِمَخْلُوقٍ إِلَى مَعْرِفَتِهِ وَلا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، أَلَيْسَ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْقَدْحِ) أَىِ الطَّعْنِ (فِى النُّبُوَّاتِ وَ)يَتَضَمَّنُ هَذَا الْقَوْلُ (أَنَّ النَّبِىَّ) ﷺ (مَا عَرَفَ تَأْوِيلَ) أَىْ مَعْنَى (مَا وَرَدَ فِى صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَدَعَا الْخَلْقَ إِلَى عِلْمِ مَا لا يُعْلَمُ. أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مُّبِينٍ﴾)
أَىْ ظَاهِرِ الْفَصَاحَةِ وَوَاضِحِ الْمَعْنَى (فَإِذًا عَلَى زَعْمِهِم يَجِبُ أَنْ يَقُولُوا كَذَبَ حَيْثُ قَالَ ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ مُّبِينٍ﴾ إِذْ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ وَإِلَّا فَأَيْنَ هَذَا الْبَيَانُ) أَىْ لَوْ كَانَ فِى الْقُرْءَانِ مَا لا سَبِيلَ لِأَحَدٍ إِلَى مَعْرِفَتِهِ لَقَالَ الْعَرَبُ الْمُشْرِكُونَ الَّذِينَ جَاءَهُمُ النَّبِىُّ ﷺ لِيَدْعُوَهُمْ إِلَى الإِيمَانِ بِالْقُرْءَانِ قَوْلُهُ ﴿مُّبِينٌ﴾ كَذِبٌ إِذْ كَيْفَ يَكُونُ بِلِسَانٍ عَرَبِىٍّ ظَاهِرٍ ثُمَّ لا نَعْرِفُ مَعْنَاهُ (وَ)لَقَالُوا (إِذَا كَانَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ فَكَيْفَ يَدَّعِى) مُحَمَّدٌ (أَنَّهُ مِمَّا لا تَعْلَمُهُ الْعَرَبُ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ الشَّىْءُ عَرَبِيًّا فَمَا قَوْلٌ فِى مَقَالٍ مَآلُهُ إِلَى تَكْذِيبِ الرَّبِّ سُبْحَانَهُ) مَعْنَاهُ هَذَا يُؤَدِّى إِلَى تَكْذِيبِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.
قَالَ الْقُشَيْرِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ (ثُمَّ كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَدْعُو النَّاسَ إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَوْ كَانَ فِى كَلامِهِ وَفِيمَا يُلْقِيهِ إِلَى أُمَّتِهِ شَىْءٌ لا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ) أَىْ مَعْنَاهُ (إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى لَكَانَ لِلْقَوْمِ أَنْ يَقُولُوا بَيِّنْ لَنَا أَوَّلًا مَنْ تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَمَا الَّذِى تَقُولُ فَإِنَّ الإِيمَانَ بِمَا لا يُعْلَمُ أَصْلُهُ غَيْرُ مُتَأَتٍّ) أَىْ غَيْرُ مُمْكِنٍ (وَنِسْبَةُ النَّبِىِّ ﷺ إِلَى أَنَّهُ دَعَا إِلَى رَبٍّ مَوْصُوفٍ بِصِفَاتٍ لا تُعْقَلُ أَمْرٌ عَظِيمٌ لا يَتَخَيَّلُهُ مُسْلِمٌ)
أَىْ لا يُعْقَلُ أَنْ يَدْعُوَ الرَّسُولُ إِلَى الإِيمَانِ بِرَبٍّ لا تُعْلَمُ صِفَاتُهُ (فَإِنَّ الْجَهْلَ بِالصِّفَاتِ يُؤَدِّى إِلَى الْجَهْلِ بِالْمَوْصُوفِ، وَالْغَرَضُ أَنْ يَسْتَبِينَ مَنْ مَعَهُ مُسْكَةٌ مِنَ الْعَقْلِ) أَىْ شَىْءٌ مِنْهُ (أَنَّ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ اسْتِوَاؤُهُ صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ لا يُعْقَلُ) أَىْ لا يُعْلَمُ (مَعْنَاهَا وَالْيَدُ صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ لا يُعْقَلُ مَعْنَاهَا وَالْقَدَمُ صِفَةٌ ذَاتِيَّةٌ لا يُعْقَلُ مَعْنَاهَا تَمْوِيهٌ)
وَخِدَاعٌ (ضِمْنَهُ تَكْيِيفٌ وَتَشْبِيهٌ) لِلَّهِ بِخَلْقِهِ (وَدُعَاءٌ إِلَى الْجَهْلِ) بِمَعَانِى هَذِهِ الأَلْفَاظِ فَالْمُشَبِّهَةُ يَخْدَعُونَ النَّاسَ بِإِيرَادِ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ حَتَّى يَتْرُكُوا التَّأْوِيلَ وَيَقَعُوا فِى التَّشْبِيهِ (وَقَدْ وَضَحَ الْحَقُّ لِذِى عَيْنَيْنِ) أَىْ لِذِى بَصِيرَةٍ (وَلَيْتَ شِعْرِى) أَىْ لا أَدْرِى (هَذَا الَّذِى يُنْكِرُ التَّأْوِيلَ يَطْرُدُ هَذَا الإِنْكَارَ) أَىْ
يُعَمِّمُهُ (فِى كُلِّ شَىْءٍ وَفِى كُلِّ ءَايَةٍ أَمْ يَقْنَعُ بِتَرْكِ التَّأْوِيلِ فِى صِفَاتِ اللَّه تَعَالَى) أَىْ يَمْنَعُ التَّأْوِيلَ فِى صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَطْ (فَإِنِ امْتَنَعَ مِنَ التَّأْوِيلِ أَصْلًا) أَىْ فِى الصِّفَاتِ وَغَيْرِهَا (فَقَدْ أَبْطَلَ الشَّرِيعَةَ وَالْعُلُومَ إِذْ مَا مِنْ ءَايَةٍ وَخَبَرٍ إِلَّا وَيَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلٍ وَتَصَرُّفٍ فِى الْكَلامِ) إِلَّا الْمُحْكَمَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ (لِأَنَّ ثَمَّ أَشْيَاءَ لا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِهَا) وَلا يَجُوزُ حَمْلُهَا عَلَى الظَّاهِرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى عَنِ الرِّيحِ ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَىْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ (لا خِلافَ بَيْنَ الْعُقَلاءِ فِيهِ إِلَّا الْمُلْحِدَةَ الَّذِينَ قَصْدُهُمُ التَّعْطِيلُ لِلشَّرَائِعِ، وَالِاعْتِقَادُ لِهَذَا يُؤَدِّى إِلَى إِبْطَالِ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنَ التَّمَسُّكِ بِالشَّرْعِ) أَىِ اعْتِقَادُ عَدَمِ جَوَازِ التَّأْوِيلِ مُطْلَقًا يُبْطِلُ ادِّعَاءهُ بِالتَّمَسُّكِ بِالشَّرْعِ (وَإِنْ قَالَ يَجُوزُ التَّأْوِيلُ) أَىْ تَأْوِيلُ الْمُتَشَابِهِ (عَلَى الْجُمْلَةِ إِلَّا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِاللَّهِ وَبِصِفَاتِهِ فَلا تَأْوِيلَ فِيهِ فَهَذَا مَصِيرٌ مِنْهُ) أَىْ كَلامُهُ يُؤَدِّى (إِلَى أَنَّ مَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى يَجِبُ أَنْ يُعْلَمَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّانِعِ) أَىِ الْخَالِقِ (وَصِفَاتِهِ يَجِبُ التَّقَاصِى) أَىِ الِابْتِعَادُ (عَنْهُ وَهَذَا لا يَرْضَى بِهِ مُسْلِمٌ) فَإِنَّ الْعِلْمَ بِاللَّهِ تَعَالَى وَصِفَاتِهِ هُوَ أَجَلُّ الْعُلُومِ وَقَدْ خَصَّ النَّبِىُّ ﷺ نَفْسَهُ بِالتَّرَقِّى فِى هَذَا الْعِلْمِ فَقَالَ أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ وَأَخْشَاكُمْ لَهُ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ.
(وَسِرُّ الأَمْرِ) أَىْ حَقِيقَتُهُ (أَنَّ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَمْتَنِعُونَ عَنِ التَّأْوِيلِ) أَىْ تَأْوِيلِ الآيَاتِ الْمُتَشَابِهَةِ (مُعْتَقِدُونَ حَقِيقَةَ التَّشْبِيهِ غَيْرَ أَنَّهُمْ يُدَلِّسُونَ) أَىْ يُمَوِّهُونَ عَلَى النَّاسِ (وَيَقُولُونَ) بِأَلْسِنَتِهِمْ (لَهُ يَدٌ لا كَالأَيْدِى وَقَدَمٌ لا كَالأَقْدَامِ وَ)يَقُولُونَ بِاللَّفْظِ اسْتِوَاءُ اللَّهِ (اسْتِوَاءٌ بِالذَّاتِ لا كَمَا نَعْقِلُ فِيمَا بَيْنَنَا)
وَفِى الِاعْتِقَادِ يَعْتَقِدُونَ الْجِسْمَ الَّذِى تَعْرِفُهُ النُّفُوسُ (فَلْيَقُلِ الْمُحَقِّقُ) مِنْ أَهْلِ الْفَهْمِ إِذَا سَمِعَ كَلامَهُمْ (هَذَا كَلامٌ) فِيهِ إِشْكَالٌ وَ(لا بُدَّ مِنِ اسْتِبْيَانٍ قَوْلُكُمْ نُجْرِى الأَمْرَ عَلَى الظَّاهِرِ وَلا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ تَنَاقُضٌ) فَإِنَّكَ (إِنْ أَجْرَيْتَ) الأَمْرَ (عَلَى الظَّاهِرِ) أَىْ أَخَذْتَ بِظَاهِرِ الآيَاتِ الْمُتَشَابِهَةِ (فَظَاهِرُ السَّاقِ فِى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ هُوَ الْعُضْوُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْجِلْدِ وَاللَّحْمِ وَالْعَظْمِ وَالْعَصَبِ وَالْمُخِّ)
الَّذِى يَحْوِيهِ الْعَظْمُ فَتَكُونُ بِذَلِكَ أَثْبَتَّ لِلَّهِ هَذَا الْعُضْوَ الَّذِى نَعْرِفُهُ مِنْ أَنْفُسِنَا (فَإِنْ أَخَذْتَ بِهَذَا الظَّاهِرِ وَالْتَزَمْتَ بِالإِقْرَارِ بِهَذِهِ الأَعْضَاءِ) أَىْ إِنْ قُلْتَ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ الَّذِى أَعْنِيهِ وَأَنَا أَعْتَقِدُ فِى اللَّهِ الْجَوَارِحَ وَالأَعْضَاءَ (فَهُوَ الْكُفْرُ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْكَ الأَخْذُ بِهَا) أَىْ إِنْ كُنْتَ لا تَعْتَقِدُ فِى اللَّهِ الْجَوَارِحَ وَالأَعْضَاءَ (فَأَيْنَ الأَخْذُ بِالظَّاهِرِ أَلَسْتَ قَدْ تَرَكْتَ الظَّاهِرَ وَعَلِمْتَ تَقَدُّسَ) أَىْ تَنَزُّهَ (الرَّبِّ تَعَالَى عَمَّا يُوهِمُ الظَّاهِرُ فَكَيْفَ يَكُونُ) تَرْكُ الظَّاهِرِ (أَخْذًا بِالظَّاهِرِ) هَذَا تَنَاقُضٌ.
(وَإِنْ قَالَ الْخَصْمُ) لِلتَّهَرُّبِ مِنْ إِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِ (هَذِهِ الظَّوَاهِرُ لا مَعْنَى لَهَا أَصْلًا) أَىْ إِنْ قَالَ أَرَدْتُ بِقَوْلِى نَأْخُذُ بِالظَّاهِرِ أَنَّ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ لَيْسَ لَهَا مَعْنًى فِى اللُّغَةِ (فَهُوَ حُكْمٌ) مُنْهُ (بِأَنَّهَا مُلْغَاةٌ وَ)بِأَنَّهُ (مَا كَانَ فِى إِبْلاغِهَا إِلَيْنَا فَائِدَةٌ وَهِىَ هَدَرٌ) أَىْ لا قِيمَةَ وَلا اعْتِبَارَ لَهَا (وَهَذَا مُحَالٌ)
لِأَنَّ الْقُرْءَانَ مُنَزَّهٌ عَنِ اللَّغْوِ (وَفِى لُغَةِ الْعَرَبِ مَا شِئْتَ مِنَ التَّجَوُّزِ) أَىِ اسْتِعْمَالِ الْمَجَازِ (وَالتَّوَسُّعِ فِى الْخِطَابِ وَكَانُوا) أَىِ الْعَرَبُ الْقُدَمَاءُ الَّذِينَ يُحْتَجُّ بِكَلامِهِمْ فِى اللُّغَةِ (يَعْرِفُونَ مَوَارِدَ الْكَلامِ وَيَفْهَمُونَ الْمَقَاصِدَ) أَىْ يَعْرِفُونَ فِى أَىِّ مَعْنًى وَرَدَ وَأَىَّ مَعْنًى قُصِدَ (فَمَنْ تَجَافَى) أَىِ ابْتَعَدَ (عَنِ التَّأْوِيلِ) حَيْثُ يَنْبَغِى (فَذَلِكَ لِقِلَّةِ فَهْمِهِ بِالْعَرَبِيَّةِ) فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ تَأْوِيلَ الآيَاتِ الْمُتَشَابِهَةِ وَأَخَذَ بِظَاهِرِهَا هَلَكَ وَخَرَجَ عَنْ عَقِيدَةِ الْمُسْلِمِينَ (وَمَنْ أَحَاطَ بِطُرُقٍ مِنَ الْعَرَبِيَّةِ) أَىْ مَنْ وَسِعَتْ مَعْرِفَتُهُ بِلُغَةِ الْعَرَبِ الأَصْلِيَّةِ (هَانَ عَلَيْهِ مَدْرَكُ الْحَقَائِقِ) أَىْ إِدْرَاكُهَا.
(وَقَدْ قِيلَ) أَىْ قُرِئَ قَوْلُهُ تَعَالَى (﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِى الْعِلْم﴾) بِالْوَقْفِ عَلَى لَفْظِ الْعِلْمِ كَمَا رَوَاهُ الطَّبَرِىُّ فِى تَفْسِيرِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ (فَكَأَنَّهُ قَالَ وَالرَّاسِخُونَ فِى الْعِلْمِ) أَىِ الْمُتَمَكِّنُونَ فِيهِ (أَيْضًا يَعْلَمُونَهُ) أَىْ يَعْلَمُونَ مَعْنَى الْمُتَشَابِهِ الَّذِى يَجُوزُ لِلْعُلَمَاءِ أَنْ يَعْلَمُوهُ (وَيَقُولُونَ ﴿ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾) أَىْ كُلٌّ مِنَ الْمُحْكَمِ وَالْمُتَشَابِهِ بِوَحْىٍ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا (فَإِنَّ الإِيمَانَ بِالشَّىْءِ إِنَّمَا يُتَصَوَّرُ بَعْدَ الْعِلْمِ) بِهِ (أَمَّا مَا لا يُعْلَمُ) بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ (فَالإِيمَانُ بِهِ غَيْرُ مُتَأَتٍّ) أَىْ غَيْرُ مُمْكِنٍ (وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ) رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا (أَنَا مِنَ الرَّاسِخِينَ فِى الْعِلْمِ) رَوَاهُ الطَّبَرِىُّ (انْتَهَى كَلامُ الْحَافِظِ الزَّبِيدِىِّ مِمَّا نَقَلَهُ عَنِ) الإِمَامِ (أَبِى نَصْرٍ الْقُشَيْرِىِّ رَحِمَهُ اللَّهُ).
(فَهُنَا مَسْلَكَانِ) فِى تَأْوِيلِ الآيَاتِ الْمُتَشَابِهَةِ (كُلٌّ مِنْهُمَا صَحِيحٌ الأَوَّلُ مَسْلَكُ السَّلَفِ وَهُمْ أَهْلُ الْقُرُونِ الثَّلاثَةِ الأُولَى) قَرْنِ الصَّحَابَةِ وَقَرْنِ التَّابِعِينَ وَقَرْنِ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ (أَىْ أَكْثَرُهُمْ فَإِنَّهُمْ يُؤَوِّلُونَهَا تَأْوِيلًا إِجْمَالِيًّا) أَىْ (بِالإِيمَانِ بِهَا وَاعْتِقَادِ أَنَّهَا لَيْسَتْ) شَيْئًا (مِنْ صِفَاتِ الْجِسْمِ بَلْ أَنَّ لَهَا مَعْنًى يَلِيقُ بِجَلالِ اللَّهِ وَعَظَمَتِهِ بِلا تَعْيِينٍ)
لِلْمَعْنَى الْمُرَادِ (بَلْ رَدُّوا تِلْكَ الآيَاتِ) مِنْ حَيْثُ الِاعْتِقَادُ (إِلَى الآيَاتِ الْمُحْكَمَةِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾) وَهَذَا هُوَ مَسْلَكُ أَكْثَرِ السَّلَفِ (وَهُوَ كَمَا قَالَ الإِمَامُ الشَّافِعِىُّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ ءَامَنْتُ بِمَا جَاءَ عَنِ اللَّهِ عَلَى مُرَادِ اللَّهِ وَبِمَا جَاءَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى مُرَادِ رَسُولِ اللَّهِ، يَعْنِى رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ لا عَلَى مَا قَدْ تَذْهَبُ إِلَيْهِ الأَوْهَامُ وَالظُّنُونُ مِنَ الْمَعَانِى الْحِسِّيَّةِ الْجِسْمِيَّةِ الَّتِى لا تَجُوزُ فِى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى)
أَىْ مَعَ تَنْزِيهِ اللَّهِ عَنْ كُلِّ صِفَاتِ الأَجْسَامِ كَالْقِيَامِ وَالْقُعُودِ وَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ (ثُمَّ نَفْىُ التَّأْوِيلِ التَّفْصِيلِىِّ عَنِ السَّلَفِ كَمَا زَعَمَ بَعْضُ) النَّاسِ (مَرْدُودٌ بِمَا فِى صَحِيحِ الْبُخَارِىِّ فِى كِتَابِ تَفْسِيرِ الْقُرْءَانِ وَعِبَارَتُهُ هُنَاكَ سُورَةُ الْقَصَصِ ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ إِلَّا مُلْكَهُ) وَمُلْكُ اللَّهِ أَىْ سُلْطَانُهُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى هَذَا الْعَالَمِ وَسُلْطَانُهُ لا يَفْنَى (وَيُقَالُ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَيْهِ) أَىِ الأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ فَإِنَّهَا تَبْقَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ (فَمُلْكُ اللَّهِ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِهِ الأَزَلِيَّةِ لَيْسَ كَالْمُلْكِ) الْحَادِثِ (الَّذِى يُعْطِيهِ لِلْمَخْلُوقِينَ) فَمُلْكُ أَحْبَابِ اللَّهِ كَسُلَيْمَانَ وَذِى الْقَرْنَيْنِ وَمُلْكُ أَعْدَاءِ اللَّهِ كَنُمْرُودَ وَفِرْعَوْنَ يَفْنَى أَمَّا مُلْكُ اللَّهِ فَإِنَّهُ لا يَفْنَى.
(وَفِيهِ) أَىْ فِى صَحِيحِ الْبُخَارِىِّ (غَيْرُ هَذَا الْمَوْضِعِ) مِنَ التَّأْوِيلِ التَّفْصِيلِىِّ (كَتَأْوِيلِ) الْبُخَارِىِّ (الضَّحِكَ الْوَارِدَ فِى الْحَدِيثِ) الَّذِى فِيهِ ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ (بِالرَّحْمَةِ) نَقَلَ ذَلِكَ عَنْهُ الْخَطَّابِىُّ وَقَالَ وَقَدْ تَأَوَّلَ الْبُخَارِىُّ الضَّحِكَ فِى مَوْضِعٍ ءَاخَرَ عَلَى مَعْنَى الرَّحْمَةِ وَهُوَ قَرِيبٌ وَتَأْوِيلُهُ عَلَى مَعْنَى الرِّضَا أَقْرَبُ (وَصَحَّ أَيْضًا التَّأْوِيلُ التَّفْصِيلِىُّ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ) بنِ حَنْبَلٍ (وَهُوَ مِنَ السَّلَفِ فَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ إِنَّمَا جَاءَتْ قُدْرَتُهُ) أَىْ ءَاثَارُ قُدْرَتِهِ مِنَ الأُمُورِ الْعِظَامِ الَّتِى تَظْهَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَجَرِّ الْمَلائِكَةِ لِجُزْءٍ كَبِيرٍ مِنْ جَهَنَّمَ إِلَى الْمَوْقِفِ حَتَّى يَرَاهُ الْكُفَّارُ فَيَفْزَعُوا وَشَهَادَةِ الأَيْدِى وَالأَرْجُلِ بِمَا كَسَبَهُ الْكُفَّارُ مَعَ الْخَتْمِ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ.
وَهَذَا الأَثَرُ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ (صَحَّحَ سَنَدَهُ الْحَافِظُ الْبَيْهَقِىُّ الَّذِى قَالَ فِيهِ الْحَافِظُ صَلاحُ الدِّينِ) أَبُو سَعِيدٍ (الْعَلائِىُّ لَمْ يَأْتِ بَعْدَ الْبَيْهَقِىِّ وَالدَّارَقُطْنِىِّ مِثْلُهُمَا وَلا مَنْ يُقَارِبُهُمَا) أَىْ فِى عِلْمِ الْحَدِيثِ.
(أَمَّا قَوْلُ الْبَيْهَقِىِّ ذَلِكَ فَفِى كِتَابِ مَنَاقِبِ أَحْمَدَ وَأَمَّا قَوْلُ الْحَافِظِ أَبِى سَعِيدٍ الْعَلائِىِّ فِى الْبَيْهَقِىِّ وَالدَّارَقُطْنِىِّ فَذَلِكَ فِى كِتَابِهِ الْوَشْىُ الْمُعْلَمُ وَأَمَّا الْحَافِظُ أَبُو سَعِيدٍ فَهُوَ الَّذِى يَقُولُ فِيهِ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ شَيْخُ مَشَايِخِنَا وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْقَرْنِ الثَّامِنِ الْهِجْرِىِّ).
(وَهُنَاكَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ ذَكَرُوا فِى تَآلِيفِهِمْ أَنَّ) الإِمَامَ (أَحْمَدَ أَوَّلَ) تَأْوِيلًا تَفْصِيلِيًّا (مِنْهُمُ الْحَافِظُ عَبْدُ الرَّحْمٰنِ ابْنُ الْجَوْزِىِّ الَّذِى) تُوُفِّىَ فِى أَوَاخِرِ الْقَرْنِ السَّادِسِ وَ(هُوَ أَحَدُ أَسَاطِينِ) أَىْ أَعْمِدَةِ (الْمَذْهَبِ الْحَنْبَلِىِّ لِكَثْرَةِ اطِّلاعِهِ عَلَى نُصُوصِ الْمَذْهَبِ وَأَحْوَالِ أَحْمَدَ).
وَبَعْدَ أَنْ أَنْهَى الْمُصَنِّفُ الْكَلامَ عَلَى مَسْلَكِ السَّلَفِ قَالَ وَ(الثَّانِى مَسْلَكُ الْخَلَفِ) وَهُمْ مَنْ جَاءُوا بَعْدَ الْقُرُونِ الثَّلاثَةِ الأُولَى (وَهُمْ يُؤَوِّلُونَهَا) أَىِ الآيَاتِ الْمُتَشَابِهَةَ (تَفْصِيلًا بِتَعْيِينِ مَعَانٍ لَهَا مِمَّا تَقْتَضِيهِ لُغَةُ الْعَرَبِ وَلا يَحْمِلُونَهَا عَلَى ظَوَاهِرِهَا أَيْضًا كَالسَّلَفِ وَلا بَأْسَ بِسُلُوكِهِ وَلا سِيَّمَا عِنْدَ الْخَوْفِ مِنْ تَزَلْزُلِ الْعَقِيدَةِ) عِنْدَ إِلْقَاءِ الشُّبَهِ عَلَى الْعَوَامِّ (حِفْظًا) لَهُمْ (مِنَ التَّشْبِيهِ) وَهَذَا التَّأْوِيلُ التَّفْصِيلِىُّ هُوَ (مِثْلُ) تَأْوِيلِ (قَوْلِهِ تَعَالَى فِى تَوْبِيخِ إِبْلِيسَ ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ﴾ فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ بِالْيَدَيْنِ الْعِنَايَةُ وَالْحِفْظُ) أَىْ مَا مَنَعَكَ يَا إِبْلِيسُ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِعِنَايَتِى وَحِفْظِى أَىْ لِمَنْ أَكْرَمْتُهُ وَأَرَدْتُ لَهُ الْمَقَامَ الْعَالِىَ وَالْخَيْرَ الْعَظِيمَ وَهُوَ ءَادَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ.
