قَسَّمَ الْعُلَمَاءُ (اللَّفْظَ) إِلَى ظَاهِرٍ وَصَرِيحٍ وَالظَّاهِرُ (الَّذِى لَهُ مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ وَالآخَرُ لَيْسَ كُفْرًا وَكَانَ الْمَعْنَى الَّذِى هُوَ كُفْرٌ ظَاهِرًا) أَىْ أَنَّ الْمَعْنَى الْمُتَبَادِرَ لِلَّفْظِ الأَكْثَرَ اسْتِعْمَالًا فِيهِ كُفْرٌ وَلَكِنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُ مَعْنًى ءَاخَرَ لَيْسَ كُفْرًا فَعِنْدَئِذٍ (لا يُكَفَّرُ قَائِلُهُ) أَىْ لا يَجُوزُ تَكْفِيرُهُ (حَتَّى يُعْرَفَ مِنْهُ أَىُّ الْمَعْنَيَيْنِ أَرَادَ فَإِنْ قَالَ أَرَدْتُ الْمَعْنَى الْكُفْرِىَّ حُكِمَ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ وَأُجْرِىَ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الرِّدَّةِ وَإِلَّا فَلا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ)

أَىْ إِنْ لَمْ يُرِدِ الْمَعْنَى الْكُفْرِىَّ فَلَوْ قَالَ شَخْصٌ الصَّلاةُ عَلَى النَّبِىِّ مَكْرُوهَةٌ وَأَرَادَ أَنَّ الصَّلاةَ عَلَى النَّبِىِّ مُحَمَّدٍ مَكْرُوهَةٌ فَهُوَ كُفْرٌ لِأَنَّهُ تَكْذِيبٌ لِلشَّرِيعَةِ قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وَأَمَّا إِنْ أَرَادَ أَنَّ الصَّلاةَ عَلَى الأَرْضِ الْمُحْدَوْدِبَةِ مَكْرُوهَةٌ لِأَنَّ

الشَّخْصَ لا يَخْشَعُ فِى صَلاتِهِ عَلَيْهَا فَلا يَكْفُرُ لِأَنَّ كَلِمَةَ النَّبِىِّ تَأْتِى فِى اللُّغَةِ بِمَعْنَى الأَرْضِ الْمُحْدَوْدِبَةِ وَتَأْتِى بِمَعْنَى مَنْ أُوحِىَ إِلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ (وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ اللَّفْظُ لَهُ مَعَانٍ كَثِيرَةٌ وَكَانَ كُلُّ مَعَانِيهِ كُفْرًا وَكَانَ مَعْنًى وَاحِدٌ مِنْهَا غَيْرَ كُفْرٍ لا يُكَفَّرُ) قَائِلُهُ (إِلَّا أَنْ يُعْرَفَ مِنْهُ إِرَادَةُ الْمَعْنَى الْكُفْرِىِّ وَهَذَا هُوَ الَّذِى ذَكَرَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْحَنَفِيِّينَ فِى كُتُبِهِمْ)

فَعَنْ مُحَمَّدِ بنِ الْحَسَنِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ الرَّجُلَ لَوْ قِيلَ لَهُ صَلِّ فَقَالَ لا أُصَلِّى فَإِنْ أَرَادَ لا أُصَلِّى لِأَنِّى صَلَّيْتُ لا يَكْفُرُ وَإِنْ أَرَادَ لا أُصَلِّى لِقَوْلِكَ لا يَكْفُرُ وَكَذَا إِنْ أَرَادَ لا أُصَلِّى أَنَا مُتَكَاسِلٌ وَأَمَّا إِنْ أَرَادَ أَنَّهُ لا يُصَلِّى لِأَنَّهُ مُسْتَخِفٌّ بِالصَّلاةِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ (وَأَمَّا مَا يَقُولُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَنَّهُ إِذَا كَانَ فِى الْكَلِمَةِ)

الصَّرِيحَةِ فِى الْكُفْرِ (تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ قَوْلًا بِالتَّكْفِيرِ وَقَوْلٌ وَاحِدٌ بِتَرْكِ التَّكْفِيرِ أُخِذَ بِتَرْكِ التَّكْفِيرِ فَلا مَعْنَى لَهُ) أَىْ إِذَا اخْتَلَفَ النَّاسُ عَلَى تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ قَوْلًا بِالتَّكْفِيرِ وَقَوْلٍ وَاحِدٍ بِتَرْكِ التَّكْفِيرِ يُؤْخَذُ بِهَذَا الْقَوْلِ الْوَاحِدِ فَهُوَ بَاطِلٌ (وَلا يَصِحُّ نِسْبَةُ ذَلِكَ إِلَى مِالِكٍ وَلا إِلَى أَبِى حَنِيفَةَ كَمَا نَسَبَ سَيِّد سَابِق) فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى فِقْهَ السُّنَّةِ (شِبْهَ ذَلِكَ إِلَى) الإِمَامِ (مَالِكٍ وَهُوَ شَائِعٌ عَلَى أَلْسِنَةِ بَعْضِ الْعَصْرِيِّينَ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ) فَيُفْهَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَا كَانَ مِنَ الْكَلامِ فِيهِ اسْتِخْفَافٌ بِالدِّينِ أَوْ إِنْكَارُ مَا عُلِمَ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ أَىْ مَا كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَ الْعَالِمِ وَالْجَاهِلِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يُكَفَّرُ قَائِلُهُ وَلَوْ خَالَفَ فِى ذَلِكَ أَلْفُ إِنْسَانٍ وَلا يُنْظَرُ إِلَى كَثْرَةِ الْمُخَالِفِينَ إِنَّمَا يُنْظَرُ إِلَى مُوَافَقَةِ الْحَقِّ.

(قَالَ الْعُلَمَاءُ أَمَّا) اللَّفْظُ (الصَّرِيحُ أَىِ الَّذِى لَيْسَ لَهُ إِلَّا مَعْنًى وَاحِدٌ يَقْتَضِى التَّكْفِيرَ فَيُحْكَمُ عَلَى قَائِلِهِ بِالْكُفْرِ كَقَوْلِ) إِنْسَانٍ (أَنَا اللَّهُ). أَمَّا مَنْ قَالَ كَلِمَةً كُفْرِيَّةً لا تَحْتَمِلُ إِلَّا مَعْنًى وَاحِدًا بِحَسَبِ وَضْعِ اللُّغَةِ لَكِنَّهُ ظَنَّ أَنَّ لَهَا مَعْنًى ءَاخَرَ غَيْرَ كُفْرِىٍّ فَقَالَهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ الَّذِى ظَنَّهُ مَعْنًى لَهَا فَلا يَكْفُرُ.

وَاللَّفْظُ الصَّرِيحُ بِالْكُفْرِ (حَتَّى لَوْ صَدَرَ هَذَا اللَّفْظُ مِنْ وَلِىٍّ فِى حَالَةِ غَيْبَةِ عَقْلِهِ) فَإِنَّهُ (يُعَزَّرُ) أَىْ يُزْجَرُ (وَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُوَ مُكَلَّفًا تِلْكَ السَّاعَةَ قَالَ ذَلِكَ عِزُّ الدِّينِ بنُ عَبْدِ السَّلامِ وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّعْزِيرَ) أَىِ الزَّجْرَ (يُؤَثِّرُ فِى مَنْ غَابَ عَقْلُهُ كَمَا يُؤَثِّرُ فِى الصَّاحِى الْعَاقِلِ وَكَمَا يُؤَثِّرُ فِى الْبَهَائِمِ فَإِنَّهَا إِذَا جَمَحَتْ فَضُرِبَتْ تَكُفُّ عَنْ جُمُوحِهَا مَعَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِعَاقِلَةٍ)

أَىْ أَنَّ الْبَهَائِمَ وَهِىَ لَيْسَ لَهَا عَقْلٌ إِذَا أَسَاءَتِ التَّصَرُّفَ فَصَرَخْنَا عَلَيْهَا أَوْ ضَرَبْنَاهَا تَكُفُّ وَتُغَيِّرُ هَيْأَتَهَا (كَذَلِكَ الْوَلِىُّ الَّذِى نَطَقَ بِالْكُفْرِ فِى حَالِ الْغَيْبَةِ) أَىْ غَيْبَةِ عَقْلِهِ (عِنْدَمَا يُضْرَبُ أَوْ يُصْرَخُ عَلَيْهِ يَكُفُّ لِلزَّاجِرِ الطَّبِيعِىِّ) أَىْ أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ عَنِ الْكَلامِ لِأَنَّهُ مَجْبُولٌ عَلَى الْكَفِّ وَالِانْزِجَارِ خَوْفًا مِنَ التَّوْبِيخِ أَوِ الْعِقَابِ (عَلَى أَنَّ الْوَلِىَّ لا يَصْدُرُ مِنْهُ كُفْرٌ فِى حَالِ حُضُورِ عَقْلِهِ إِلَّا أَنْ يَسْبِقَ لِسَانُهُ) فَيَتَلَفَّظَ بِهِ (لِأَنَّ الْوَلِىَّ مَحْفُوظٌ مِنَ الْكُفْرِ بِخِلافِ الْمَعْصِيَةِ الْكَبِيرَةِ أَوِ الصَّغِيرَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَجُوزُ عَلَى الْوَلِىِّ) وَقَدْ سُئِلَ الْجُنَيْدُ الْبَغْدَادِىُّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ هَلْ يَقَعُ الْوَلِىُّ فِى الْمَعْصِيَةِ الْكَبِيرَةِ فَقَالَ ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَّقْدُورًا﴾ أَىْ إِذَا شَاءَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ حَصَلَ مِنْهُ (لَكِنْ لا يَسْتَمِرُّ عَلَيْهِ بَلْ يَتُوبُ عَنْ قُرْبٍ.

وَقَدْ يَحْصُلُ مِنَ الْوَلِىِّ مَعْصِيَةٌ كَبِيرَةٌ قَبْلَ مَوْتِهِ بِقَلِيلٍ لَكِنْ لا يَمُوتُ إِلَّا وَقَدْ تَابَ) مِنْهَا (كَطَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَالزُّبَيْرِ بنِ الْعَوَّامِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَإِنَّهُمَا خَرَجَا عَلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِىِّ) بنِ أَبِى طَالِبٍ (رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ) أَىْ تَرَكَا طَاعَتَهُ وَخَالَفَاهُ (بِوُقُوفِهِمَا مَعَ الَّذِينَ قَاتَلُوهُ فِى الْبَصْرَةِ فَذَكَّرَ عَلِىٌّ كُلًّا مِنْهُمَا)

قَبْلَ نُشُوبِ الْحَرْبِ (حَدِيثًا) سَمِعَهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (أَمَّا الزُّبَيْرُ فَقَالَ لَهُ أَلَمْ يَقُلْ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ إِنَّكَ لَتُقَاتِلَنَّ عَلِيًّا وَأَنْتَ ظَالِمٌ لَهُ فَقَالَ نَسِيتُ فَذَهَبَ مُنْصَرِفًا عَنْ قِتَالِهِ) تَائِبًا (ثُمَّ لَحِقَهُ فِى طَرِيقِهِ رَجُلٌ مِنْ جَيْشِ عَلِىٍّ) فَطَعَنَهُ بِرُمْحٍ فِى ظَهْرِهِ (فَقَتَلَهُ فَتَابَ) رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ (بِتَذْكِيرِ عَلِىٍّ لَهُ فَلَمْ يَمُتْ إِلَّا تَائِبًا. وَأَمَّا طَلْحَةُ فَقَالَ لَهُ عَلِىٌّ أَلَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ كُنْتُ مَوْلاهُ فَعَلِىٌّ مَوْلاهُ)

أَىْ مَنْ كُنْتُ أَنْصُرُهُ فَعَلِىٌّ يَنْصُرُهُ (فَذَهَبَ) طَلْحَةُ (مُنْصَرِفًا) عَنْ قِتَالِهِ تَائِبًا (فَضَرَبَهُ مَرْوَانُ بنُ الْحَكَمِ) أَىْ رَمَاهُ بِسَهْمٍ (فَقَتَلَهُ وَهُوَ) رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ (أَيْضًا تَابَ وَنَدِمَ عِنْدَ ذِكْرِ عَلِىٍّ لَهُ هَذَا الْحَدِيثَ فَكُلٌّ مِنْهُمَا) أَىْ كُلٌّ مِنَ الزُّبَيْرِ وَطَلْحَةَ (مَا مَاتَ إِلَّا تَائِبًا. وَكِلا الْحَدِيثَيْنِ صَحِيحٌ) الأَوَّلُ رَوَاهُ

الْحَاكِمُ فِى الْمُسْتَدْرَكِ وَالثَّانِى رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ فِى سُنَنِهِ (بَلِ الْحَدِيثُ الثَّانِى مُتَوَاتِرٌ) كَمَا قَالَ الْحَافِظُ السُّيُوطِىُّ فِى الأَزْهَارِ الْمُتَنَاثِرَةِ (وَقَدْ ذَكَرَ الإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الأَشْعَرِىُّ) رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ (أَنَّ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ مَغْفُورٌ لَهُمَا لِأَجْلِ الْبِشَارَةِ الَّتِى بَشَّرَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ بِهَا مَعَ ثَمَانِيَةٍ ءَاخَرِينَ فِى مَجْلِسٍ وَاحِدٍ) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَبُو بَكْرٍ فِى الْجَنَّةِ عُمَرُ فِى الْجَنَّةِ عُثْمَانُ بنُ عَفَّانَ فِى الْجَنَّةِ عَلِىُّ بنُ أَبِى طَالِبٍ فِى الْجَنَّةِ طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فِى الْجَنَّةِ الزُّبَيْرُ بنُ الْعَوَّامِ فِى الْجَنَّةِ سَعْدُ بنُ أَبِى وَقَّاصٍ فِى الْجَنَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ بنُ الْجَرَّاحِ فِى الْجَنَّةِ عَبْدُ الرَّحْمٰنِ بنُ عَوْفٍ فِى الْجَنَّةِ وَسَعِيدُ بنُ زَيْدٍ فِى الْجَنَّةِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِىُّ (فَهَذَا مِنَ الإِمَامِ أَبِى الْحَسَنِ الأَشْعَرِىِّ إِثْبَاتٌ) مِنْهُ (أَنَّهُمَا أَثِمَا) أَىْ وَقَعَا فِى الْمَعْصِيَةِ.

(وَكَذَلِكَ قَالَ فِى حَقِّ عَائِشَةَ) إِنَّهَا مَغْفُورٌ لَهَا (لِأَجْلِ أَنَّهَا مُبَشَّرَةٌ أَيْضًا وَكَانَتْ نَدِمَتْ نَدَمًا شَدِيدًا مِنْ وُقُوفِهَا فِى) مُعَسْكَرِ (الْمُقَاتِلِينَ لِعَلِىٍّ حَتَّى كَانَتْ حِينَ تَذْكُرُ سَيْرَهَا إِلَى الْبَصْرَةِ وَوُقُوفَهَا مَعَ الْمُقَاتِلِينَ لِعَلِىٍّ تَبْكِى بُكَاءً شَدِيدًا يَبْتَلُّ مِنْ دُمُوعِهَا خِمَارُهَا) رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ (وَهَذَا مُتَوَاتِرٌ أَيْضًا وَقَالَ)

الإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ الأَشْعَرِىُّ (فِى غَيْرِهِمَا مِنْ مُقَاتِلِى عَلِىٍّ مِنْ أَهْلِ وَقْعَةِ الْجَمَلِ) الَّذِينَ نَكَثُوا بِبَيْعَتِهِ أَىْ بَايَعُوهُ ثُمَّ خَرَجُوا عَنْ طَاعَتِهِ (وَمِنْ أَهْلِ صِفِّينَ الَّذِينَ قَاتَلُوا مَعَ مُعَاوِيَةَ عَلِيًّا) وَلَمْ يُبَايِعُوهُ إِنَّ ذَنْبَهُمْ (مُجَوَّزٌ غُفْرَانُهُ وَالْعَفْوُ عَنْهُ كَمَا نَقَلَ ذَلِكَ الإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بنُ فُورَك عَنْ أَبِى الْحَسَنِ الأَشْعَرِىِّ فِى كِتَابِهِ مُجَرَّدُ مَقَالاتِ الأَشْعَرِىِّ) وَفِى هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ وَقَعُوا فِى الإِثْمِ.

(وَابْنُ فُورَك تِلْمِيذُ تِلْمِيذِ أَبِى الْحَسَنِ الأَشْعَرِىِّ وَهُوَ أَبُو الْحَسَنِ الْبَاهِلِىُّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ. وَمَا يَظُنُّ بَعْضُ الْجَهَلَةِ مِنْ أَنَّ الْوَلِىَّ لا يَقَعُ فِى مَعْصِيَةٍ فَهُوَ جَهْلٌ فَظِيعٌ فَهُؤَلاءِ الثَّلاثَةُ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَعَائِشَةُ مِنْ أَكَابِرِ الأَوْلِيَاءِ) وَمَعَ ذَلِكَ صَدَرَتْ مِنْهُمْ مَعْصِيَةٌ.

(قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ) عَبْدُ الْمَلِكِ (الْجُوَيْنِىُّ) فِى كِتَابِهِ الإِرْشَادِ (اتَّفَقَ الأُصُولِيُّونَ) أَىْ عُلَمَاءُ أُصُولِ الدِّينِ وَعُلَمَاءُ أُصُولِ الْفِقْهِ (عَلَى أَنَّ مَنْ نَطَقَ بِكَلِمَةِ الرِّدَّةِ أَىِ الْكُفْرِ وَزَعَمَ أَنَّهُ أَضْمَرَ تَوْرِيَةً) أَىْ زَعَمَ أَنَّهُ أَرَادَ بِهَا مَعْنًى بَعِيدًا لا تَحْتَمِلُهُ اللُّغَةُ (كُفِّرَ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا) أَىْ هُوَ كَافِرٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ

اللَّهِ (وَأَقَرَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَىْ) وَافَقَهُمْ عَلَيْهِ (فَلا يَنْفَعُهُ التَّأْوِيلُ الْبَعِيدُ كَالَّذِى يَقُولُ يِلْعَنْ رَسُولَ اللَّهِ وَيَقُولُ قَصْدِى بِرَسُولِ اللَّهِ) الَّذِى أَلْعَنُهُ (الصَّوَاعِقُ) أَلَيْسَ اللَّهُ يُرْسِلُهَا لِأَنَّ اللُّغَةَ لا تَحْتَمِلُ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِى ادَّعَاهُ (وَقَدْ عَدَّ) أَىْ ذَكَرَ (كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ) مِنَ الْمَذَاهِبِ الأَرْبَعَةِ (كَالْفَقِيهِ الْحَنَفِىِّ بَدْرِ)

الدِّينِ (الرَّشِيدِ) فِى رِسَالَتِهِ فِى بَيَانِ أَلْفَاظِ الْكُفْرِ (وَهُوَ قَرِيبٌ مِنَ الْقَرْنِ الثَّامِنِ الْهِجْرِىِّ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً) مِمَّا هُوَ كُفْرٌ وَرِدَّةٌ تَحْذِيرًا لِلنَّاسِ مِنْهَا (فَيَنْبَغِى الِاطِّلاعُ عَلَيْهَا) لِلْحَذَرِ مِنْهَا (فَإِنَّ مَنْ لَمْ يَعْرِفِ الشَّرَّ يَقَعُ فِيهِ) وَأَعْظَمُ الشُّرُورِ هُوَ الْكُفْرُ (فَلْيُحْذَرْ فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أَحَدِ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ أَخَذَ لِسَانَهُ وَخَاطَبَهُ)

قَائِلًا (يَا لِسَانُ قُلْ خَيْرًا تَغْنَمْ وَاسْكُتْ عَنْ شَرٍّ تَسْلَمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَنْدَمَ إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ أَكْثَرُ خَطَايَا ابْنِ ءَادَمَ مِنْ لِسَانِهِ) رَوَاهُ الطَّبَرَانِىُّ فى الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ (وَمِنْ هَذِهِ الْخَطَايَا الْكُفْرُ وَالْكَبَائِرُ) فَمَنْ تَكَلَّمَ بِالْخَيْرِ كَذِكْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَسَبَ ثَوَابًا وَمَنْ أَمْسَكَ لِسَانَهُ عَمَّا فِيهِ مَعْصِيَةٌ فَقَدْ حَفِظَ نَفْسَهُ وَسَلِمَ

أَمَّا مَنْ لَمْ يَحْفَظْ لِسَانَهُ فَقَدْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلْهَلاكِ فَإِنَّ أَكْثَرَ الْمَهَالِكِ سَبَبُهَا اللِّسَانُ فَإِنْ مَاتَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ فَإِنَّهُ يَنْدَمُ يَوْمَ لا يَنْفَعُ النَّدَمُ (وَفِى حَدِيثٍ ءَاخَرَ لِلرَّسُولِ ﷺ إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا يَهْوِى بِهَا فِى النَّارِ أَبْعَدَ مِمَّا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِى هُرَيْرَةَ) أَىْ أَنَّ الإِنْسَانَ قَدْ يَتَكَلَّمُ بِكَلِمَةٍ لا يَرَى فِيهَا ضَرَرًا يَسْتَوْجِبُ بِهَا النُّزُولَ إِلَى قَعْرِ جَهَنَّمَ كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ التِّرْمِذِىِّ إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لا يَرَى بِهَا بَأْسًا يَهْوِى بِهَا فِى النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا، أَىْ يَنْزِلُ بِسَبَبِهَا فِى النَّارِ سَبْعِينَ عَامًا حَتَّى يَصِلَ إِلَى قَعْرِهَا وَلا يَصِلُ إِلَى قَعْرِ النَّارِ إِلَّا الْكَافِرُ.