التَّوْحِيدُ هُوَ اعْتِقَادُ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ فِى ذَاتِهِ أَىْ لَيْسَ مُرَكَّبًا فَلا يَقْبَلُ الِانْقِسَامَ لِأَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْحَدِّ وَالْحَجْمِ وَوَاحِدٌ فِى صِفَاتِهِ أَىْ صِفَاتُهُ لا تُشْبِهُ صِفَاتِ غَيْرِهِ لِأَنَّهَا أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ وَوَاحِدٌ فِى فِعْلِهِ. وَمَعْنَى تَوْحِيدِ اللَّهِ فِى الْفِعْلِ أَنَّهُ يَفْعَلُ بِمَعْنَى الإِخْرَاجِ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ وَلا فَاعِلَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ إِلَّا اللَّهُ وَ(رُوِىَ عَنِ الْجُنَيْدِ) الْبَغْدَادِىِّ (إِمَامِ الصُّوفِيَّةِ الْعَارِفِينَ عِنْدَمَا سُئِلَ عَنِ التَّوْحِيدِ أَنَّهُ قَالَ الْيَقِينُ ثُمَّ اسْتُفْسِرَ عَنْ مَعْنَاهُ فَقَالَ إِنَّهُ لا مُكَوِّنَ لِشَىْءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ مِنَ الأَعْيَانِ) أَىِ الأَحْجَامِ (وَالأَعْمَالِ خَالِقٌ لَهَا إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى) وَقَالَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ التَّوْحِيدُ إِفْرَادُ الْقَدِيمِ مِنَ الْمُحْدَثِ أَىْ لا تَشَابُهَ بَيْنَ الْقَدِيمِ وَهُوَ اللَّهُ وَالْمُحْدَثِ وَهُوَ الْعَالَمُ بِأَسْرِهِ.
(قَالَ) اللَّهُ (تَعَالَى ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾) أَىْ خَلَقَ أَجْسَامَكُمْ وَأَعْمَالَكُمْ (وَقَالَ الرَّسُولُ ﷺ إِنَّ اللَّهَ صَانِعُ كُلِّ صَانِعٍ وَصَنْعَتِهِ) أَىْ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ كُلِّ عَامِلٍ وَعَمَلِهِ (رَوَاهُ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِىُّ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ) وَفِى هَذَا إِبْطَالٌ لِقَوْلِ الْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ أَفْعَالَهُ بِقُدْرَةٍ خَلَقَهَا اللَّهُ
فِيهِ (إِذِ الْعِبَادُ لا يَخْلُقُونَ شَيْئًا مِنْ أَعْمَالِهِمْ وَإِنَّمَا يَكْتَسِبُونَهَا فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ تَمَدَّحَ) اللَّهُ (تَعَالَى) أَىْ مَدَحَ نَفْسَهُ (بِذَلِكَ لِأَنَّهُ) أَىِ التَّخْلِيقَ (شَىْءٌ يَخْتَصُّ بِهِ وَذَلِكَ يَقْتَضِى الْعُمُومَ وَالشُّمُولَ لِلأَعْيَانِ وَالأَعْمَالِ وَالْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ) وَلَوْ لَمْ يَكُنِ اللَّهُ خَالِقَ ذَلِكَ كُلِّهِ لَمْ
يَكُنْ فِى ذَلِكَ تَمَدُّحٌ لَهُ (وَقَالَ تَعَالَى ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِى وَنُسُكِى وَمَحْيَاىَ وَمَمَاتِى لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ﴾) أَىْ أَنَّ الصَّلاةَ الَّتِى أُصَلِّيهَا وَمَا أَذْبَحُهُ تَقَرُّبًا إِلَى اللَّهِ وَحَيَاتِى وَمَوْتِى مِلْكٌ لِلَّهِ وَخَلْقٌ لَهُ لا شَرِيكَ لَهُ فِى ذَلِكَ (﴿وَبِذَلِكَ﴾) أَىْ بِتَوْحِيدِ اللَّهِ (﴿أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ سَاقَ اللَّهُ الصَّلاةَ وَالنُّسُكَ وَالْمَحْيَا وَالْمَمَاتَ فِى مَسَاقٍ وَاحِدٍ وَجَعَلَهَا مِلْكًا لَهُ فَكَمَا أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ)
وَهُمَا مِنَ الأَفْعَالِ غَيْرِ الِاخْتِيَارِيَّةِ (كَذَلِكَ اللَّهُ خَالِقٌ لِلأَعْمَالِ الِاخْتِيَارِيَّةِ كَالصَّلاةِ وَالنُّسُكِ وَ)خَالِقُ (الْحَرَكَاتِ الِاضْطِرَارِيَّةِ) أَىْ غَيْرِ الِاخْتِيَارِيَّةِ (مِنْ بَابِ الأَوْلَى وَإِنَّمَا تَمْتَازُ الأَعْمَالُ الِاخْتِيَارِيَّةُ أَىِ الَّتِى لَنَا فِيهَا مَيْلٌ) وَاخْتِيَارٌ (بِكَوْنِهَا مُكْتَسَبَةً لَنَا فَهِىَ مَحَلُّ التَّكْلِيفِ) أَىْ يُحَاسَبُ الْعَبْدُ عَلَى فِعْلِهَا
فَمَا كَانَ مِنْهَا خَيْرًا يُثَابُ عَلَيْهِ وَمَا كَانَ مِنْهَا شَرًّا يُؤَاخَذُ عَلَيْهِ (وَالْكَسْبُ الَّذِى هُوَ فِعْلُ الْعَبْدِ وَعَلَيْهِ يُثَابُ أَوْ يُؤَاخَذُ فِى الآخِرَةِ هُوَ تَوْجِيهُ الْعَبْدِ قَصْدَهُ وَإِرَادَتَهُ نَحْوَ الْعَمَلِ أَىْ يَصْرِفُ إِلَيْهِ قُدْرَتَهُ فَيَخْلُقُهُ اللَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ فَالْعَبْدُ كَاسِبٌ لِعَمَلِهِ وَاللَّهُ تَعَالَى خَالِقٌ لِعَمَلِ هَذَا الْعَبْدِ الَّذِى هُوَ كَسْبٌ لَهُ وَهُوَ) أَىِ الْكَسْبُ
(مِنْ أَغْمَضِ الْمَسَائِلِ فِى هَذَا الْعِلْمِ) أَىْ عِلْمِ الْكَلامِ (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾) أَىْ لِلنَّفْسِ جَزَاءُ مَا كَسَبَتْهُ مِنَ الْخَيْرِ أَىْ تَنْتَفِعُ بِذَلِكَ (﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾) أَىْ وعَلَيْهَا وَبَالُ مَا اكْتَسَبَتْهُ مِنْ عَمَلِ الشَّرِّ أَىْ تَنْضَرُّ بِذَلِكَ وَفِى هَذِهِ الآيَةِ إِثْبَاتُ الْكَسْبِ لِلْعَبْدِ (فَلَيْسَ الإِنْسَانُ مَجْبُورًا لِأَنَّ الْجَبْرَ يُنَافِى التَّكْلِيفَ) فَلَوْ كَانَ مَجْبُورًا لَمْ يَكُنْ مُكَلَّفًا بَلِ الإِنْسَانُ مُخْتَارٌ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ أَىْ لَهُ اخْتِيَارٌ تَابِعٌ لِمَشِيئَةِ اللَّهِ لا هُوَ مُخْتَارٌ اسْتِقْلالًا عَنْ مَشِيئَةِ اللَّهِ وَلا هُوَ مُجَرَّدٌ مِنَ الِاخْتِيَارِ (وَهَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْحَقُّ وَهُوَ خَارِجٌ عَنِ الْجَبْرِ وَالْقَدَرِ أَىْ) خَارِجٌ عَنِ (مَذْهَبِ الْجَبْرِيَّةِ) الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْعَبْدَ لا فِعْلَ لَهُ بِالْمَرَّةِ فَنَفَوْا عَنْهُ التَّكْلِيفَ (وَالْقَدَرِيَّةِ) الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ أَفْعَالَهُ.
(وَيَكْفُرُ مَنْ يَقُولُ إِنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ أَعْمَالَهُ كَالْمُعْتَزِلَةِ) لِأَنَّهُ كَذَّبَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَىْءٍ﴾ (كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ كَلامُ الْقَدَرِيَّةِ كُفْرٌ. وَالْقَدَرِيَّةُ هُمُ الْمُعْتَزِلَةُ قَالَ) الإِمَامُ (أَبُو يُوسُفَ) الْقَاضِى صَاحِبُ أَبِى حَنِيفَةَ (الْمُعْتَزِلَةُ زَنَادِقَةٌ) أَىْ مِثْلُ الزَّنَادِقَةِ وَهُمُ الْمُلْحِدُونَ
الَّذِينَ لا دِينَ لَهُمْ (وَوَصَفَهُمُ) الإِمَامُ (أَبُو مَنْصُورٍ التَّمِيمِىُّ) الْبَغْدَادِىُّ (فِى كِتَابِهِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْفِرَقِ بِأَنَّهُمْ مُشْرِكُونَ. وَأَبُو مَنْصُورٍ هُوَ الَّذِى قَالَ فِيهِ ابْنُ حَجَرٍ الْهَيْتَمِىُّ هَذِهِ الْعِبَارَةَ وَقَالَ الإِمَامُ الْكَبِيرُ إِمَامُ أَصْحَابِنَا) يَعْنِى الشَّافِعِيَّةَ وَالأَشْعَرِيَّةَ (أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِىُّ. وَهُوَ مِمَّنْ كَتَبَ عَنْهُ الْبَيْهَقِىُّ فِى الْحَدِيثِ. وَلا تَغْتَرَّ بِعَدَمِ تَكْفِيرِ بَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ لَهُمْ)
كَصَاحِبِ كِتَابِ الإِقْنَاعِ بِشَرْحِ أَبِى شُجَاعٍ (فَقَدْ نَقَلَ الأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ التَّمِيمِىُّ الْبَغْدَادِىُّ فِى كِتَابِهِ أُصُولُ الدِّينِ وَكَذَلِكَ فِى كِتَابِهِ تَفْسِيرُ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ تَكْفِيرَهُمْ عَنِ الأَئِمَّةِ) فَإِنَّهُ (قَالَ فِى كِتَابِهِ تَفْسِيرُ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ أَصْحَابُنَا أَجْمَعُوا عَلَى تَكْفِيرِ الْمُعْتَزِلَةِ أَىِ الَّذِينَ يَقُولُونَ) بِأَنَّ (الْعَبْدُ يَخْلُقُ أَفْعَالَهُ الِاخْتِيَارِيَةَ وَكَذَلِكَ الَّذِينَ يَقُولُونَ فَرْضٌ عَلَى اللَّهِ أَنَّ يَفْعَلَ مَا هُوَ الأَصْلَحُ لِلْعِبَادِ وَقَوْلُهُ) أَىْ أَبِى مَنْصُورٍ (أَصْحَابُنَا يَعْنِى بِهِ الأَشْعَرِيَّةَ وَالشَّافِعِيَّةَ لِأَنَّهُ أَشْعَرِىٌّ شَافِعِىٌّ بَلْ هُوَ رَأْسٌ كَبِيرٌ فِى الشَّافِعِيَّةِ كَمَا قَالَ ابْنُ حَجَرٍ) الْهَيْتَمِىُّ (وَهُوَ إِمَامٌ مُقَدَّمٌ فِى النَّقْلِ مَعْرُوفٌ بِذَلِكَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ وَالأُصُولِيِّينَ وَالْمُؤَرِّخِينَ الَّذِينَ أَلَّفُوا فِى الْفِرَقِ فَمَنْ أَرَادَ مَزِيدَ التَّأَكُّدِ فَلْيُطَالِعْ كُتُبَهُ هَذِهِ فَلا يُدَافَعُ نَقْلُهُ بِكَلامِ الْبَاجُورِىِّ وَأَمْثَالِهِ) مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ (مِمَّنْ هُوَ مِنْ قَبْلِ عَصْرِهِ أَوْ بَعْدَهُ).
(وَأَمَّا كَلامُ بَعْضِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ تَرْكِ تَكْفِيرِهِمْ) أَىِ الْمُعْتَزِلَةِ (فَمَحْمُولٌ عَلَى مِثْلِ بِشْرِ) بنِ غِيَاثٍ (الْمِرِّيسِىِّ وَالْمَأْمُونِ) بنِ الرَّشِيدِ (الْعَبَّاسِىِّ فَإِنَّ بِشْرًا كَانَ مُوَافِقَهُمْ فِى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْءَانِ) أَىْ فِى إِطْلاقِ لَفْظِ الْقُرْءَانُ مَخْلُوقٌ وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ أَنَّ كَلامَ اللَّهِ الَّذِى هُوَ صِفَتُهُ مَخْلُوقٌ (وَكَفَّرَهُمْ فِى الْقَوْلِ بِخَلْقِ الأَفْعَالِ) أَىْ فِى قَوْلِهِمْ بِأَنَّ الْعَبْدَ يَخْلُقُ أَفْعَالَهُ (فَلا يُحْكَمُ عَلَى جَمِيعِ مَنِ انْتَسَبَ إِلَى الِاعْتِزَالِ بِحُكْمٍ وَاحِدٍ) لِأَنَّ مِنْهُمْ مَنْ وَصَلَ إِلَى حَدِّ الْكُفْرِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَصِلْ (وَيُحْكَمُ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْهُمْ بِكَوْنِهِ ضَالًّا) لِأَنَّهُ خَارِجٌ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فِى الْمُعْتَقَدِ.
