(لِيُعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى) هُوَ (خَالِقُ الرُّوحِ وَالْجَسَدِ فَلَيْسَ رُوحًا وَلا جَسَدًا وَمَعَ ذَلِكَ أَضَافَ اللَّهُ تَعَالَى رُوحَ عِيسَى ﷺ إِلَى نَفْسِهِ عَلَى مَعْنَى الْمِلْكِ وَالتَّشْرِيفِ) أَىِ التَّعْظِيمِ (لا لِلْجُزْئِيَّةِ) أَىْ لا بِمَعْنَى أَنَّهُ جُزْءٌ مِنَ اللَّهِ إِنَّمَا لِلدِّلالَةِ عَلَى شَرَفِ رُوحِ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ وَهَذَا (فِى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿مِنْ رُّوحِنَا﴾ وَكَذَلِكَ فِى حَقِّ ءَادَمَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿مِنْ رُّوحِى﴾ فَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُّوحِنَا﴾ أَمَرْنَا جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ أَنْ يَنْفُخَ فِى مَرْيَمَ الرُّوحَ الَّتِى هِىَ مِلْكٌ لَنَا وَمُشَرَّفَةٌ عِنْدَنَا لِأَنَّ الأَرْوَاحَ قِسْمَانِ أَرْوَاحٌ مُشَرَّفَةٌ)
لَهَا مَنْزِلَةٌ عَظِيمَةٌ عِنْدَ اللَّهِ كَأَرْوَاحِ الأَنْبِيَاءِ وَالأَوْلِيَاءِ وَالْمَلائِكَةِ (وَأَرْوَاحٌ خَبِيثَةٌ) لا يُحِبُّهَا اللَّهُ وَهِىَ أَرْوَاحُ الْكُفَّارِ (وَ)أَمَّا (أَرْوَاحُ الأَنْبِيَاءِ) فَهِىَ (مِنَ الْقِسْمِ الأَوَّلِ فَإِضَافَةُ رُوحِ عِيسَى وَرُوحِ ءَادَمَ إِلَى نَفْسِهِ إِضَافَةُ مِلْكٍ وَتَشْرِيفٍ وَيَكْفُرُ مَنْ يَعْتَقِدُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رُوحٌ فَالرُّوحُ مَخْلُوقَةٌ) وَهِىَ جِسْمٌ
لَطِيفٌ لا يُجَسُّ بِالْيَدِ (تَنَزَّهَ اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِى الْكَعْبَةِ ﴿بَيْتِىَ﴾ فَهِىَ إِضَافَةُ مِلْكٍ لِلتَّشْرِيفِ) أَىْ لِلدِّلالَةِ عَلَى أَنَّهَا بَيْتٌ مُشَرَّفٌ أَىْ مُعَظَّمٌ عِنْدَ اللَّهِ (لا إِضَافَةُ صِفَةٍ أَوْ) إِضَافَةُ (مُلابَسَةٍ) كَالْحُلُولِ فِيهِ أَىْ لَيْسَ مَعْنَاهَا أَنَّ اللَّهَ يَسْكُنُهَا (لِاسْتِحَالَةِ الْمُلامَسَةِ أَوِ الْمُمَاسَّةِ بَيْنَ اللَّهِ وَالْكَعْبَةِ)
فَإِضَافَةُ الْبَيْتِ إِلَى اللَّهِ لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ (وَكَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿رَبُّ الْعَرْشِ﴾ لَيْسَ إِلَّا لِلدِّلالَةِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ الْعَرْشِ الَّذِى هُوَ أَعْظَمُ الْمَخْلُوقَاتِ) وَ(لَيْسَ لِأَنَّ الْعَرْشَ لَهُ مُلابَسَةٌ لِلَّهِ بِالْجُلُوسِ عَلَيْهِ أَوْ بِمُحَاذَاتِهِ مِنْ غَيْرِ جُلُوسٍ) أَىْ (لَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ جَالِسٌ عَلَى عَرْشِهِ بِاتِّصَالٍ وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّ اللَّهَ مُحَاذٍ لِلْعَرْشِ بِوُجُودِ فَرَاغٍ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ الْعَرْشِ إِنْ قُدِّرَ ذَلِكَ الْفَرَاغُ وَاسِعًا أَوْ قَصِيرًا)
بَلْ (كُلُّ ذَلِكَ مُسْتَحِيلٌ عَلَى اللَّهِ) لِأَنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنِ الْجِسْمِيَّةِ أَىْ لَيْسَ جِسْمًا (وَإِنَّمَا مَزِيَّةُ الْعَرْشِ أَنَّهُ كَعْبَةُ الْمَلائِكَةِ الْحَافِّينَ مِنْ حَوْلِهِ) شُرِّفَ بِطَوَافِ الْمَلائِكَةِ بِهِ (كَمَا أَنَّ الْكَعْبَةَ شُرِّفَتْ بِطَوَافِ الْمُؤْمِنِينَ بِهَا. وَمِنْ خَوَاصِّ الْعَرْشِ أَنَّهُ لَمْ يُعْصَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ لِأَنَّ مَنْ حَوْلَهُ كُلَّهُمْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ) أَىْ مُعَظَّمُونَ عِنْدَ اللَّهِ (لا يَعْصُونَ اللَّهَ طَرْفَةَ عَيْنٍ وَ)أَمَّا (مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْعَرْشَ لِيَجْلِسَ عَلَيْهِ فَقَدْ شَبَّهَ اللَّهَ) تَعَالَى (بِالْمُلُوكِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الأَسِرَّةَ الْكِبَارَ لِيَجْلِسُوا عَلَيْهَا وَمَنِ اعْتَقَدَ هَذَا لَمْ يَعْرِفِ اللَّهَ) وَمَنْ لَمْ يَعْرِفِ اللَّهَ لا يَكُونُ مُسْلِمًا (وَيَكْفُرُ مَنْ يَعْتَقِدُ الْمُمَاسَّةَ) بَيْنَ اللَّهِ وَالْعَرْشِ (لِاسْتِحَالَتِهَا فِى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى) لِأَنَّ الْمُمَاسَّةَ لا تَكُونُ إِلَّا بَيْنَ جِسْمَيْنِ.
(تَفْسِيرُ الآيَةِ ﴿الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾)
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ أَىْ قَهَرَ وَحَفِظَ وَأَبْقَى وَلا يَجُوزُ تَفْسِيرُهَا بِالْجُلُوسِ بَلْ (يَجِبُ أَنْ يَكُونَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الآيَةِ بِغَيْرِ الِاسْتِقْرَارِ وَالْجُلُوسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ) مِنْ صِفَاتِ الْخَلْقِ (وَيَكْفُرُ مَنْ يَعْتَقِدُ ذَلِكَ فَيَجِبُ تَرْكُ الْحَمْلِ عَلَى الظَّاهِرِ بَلْ يُحْمَلُ عَلَى مَحْمِلٍ مُسْتَقِيمٍ فِى الْعُقُولِ فَتُحْمَلُ لَفْظَةُ الِاسْتِوَاءِ عَلَى الْقَهْرِ) وَمَعْنَى قَهْرِ اللَّهِ لِلْعَرْشِ الَّذِى هُوَ أَعْظَمُ الْمَخْلُوقَاتِ أَنَّ الْعَرْشَ تَحْتَ تَصَرُّفِ اللَّهِ هُوَ أَوْجَدَهُ وَحَفِظَهُ وَأَبْقَاهُ حَفِظَهُ مِنَ الْهُوِىِّ وَالسُّقُوطِ وَلَوْلا حِفْظُ اللَّهِ لَهُ لَهَوَى وَتَحَطَّمَ.
وَلْيُعْلَمْ أَنَّ الِاسْتِوَاءَ فِى لُغَةِ الْعَرَبِ لَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ مَعْنًى مِنْهَا مَا لا يَلِيقُ بِاللَّهِ كَالْجُلُوسِ وَالِاسْتِقْرَارِ وَمِنْهَا مَا يَلِيقُ بِاللَّهِ كَالْقَهْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ (فَفِى لُغَةِ الْعَرَبِ يُقَالُ اسْتَوَى فُلانٌ عَلَى الْمَمَالِكِ إِذَا احْتَوَى عَلَى مَقَالِيدِ الْمُلْكِ وَاسْتَعْلَى عَلَى الرِّقَابِ) أَىِ اسْتَوْلَى عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ (كَقَوْلِ الشَّاعِرِ)
الأُمَوِىِّ فِى بِشْرِ بنِ مَرْوَانَ (قَدِ اسْتَوَى بِشْرٌ عَلَى الْعِرَاقِ مِنْ غَيْرِ سَيْفٍ وَدَمٍ مُهْرَاقِ) أَىْ سَيْطَرَ عَلَى الْعِرَاقِ وَمَلَكَهَا مِنْ غَيْرِ حَرْبٍ وَإِرَاقَةِ دِمَاءٍ فَإِنْ قِيلَ إِذَا كَانَ كُلُّ شَىْءٍ مَقْهُورًا لِلَّهِ فَمَا (فَائِدَةُ تَخْصِيصِ الْعَرْشِ بِالذِّكْرِ) فَيُقَالُ فَائِدَتُهُ (أَنَّهُ أَعْظَمُ مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ تَعَالَى حَجْمًا فَيُعْلَمُ) مِنْ ذَلِكَ (شُمُولُ مَا دُونَهُ) بِالْقَهْرِ (مِنْ بَابِ الأَوْلَى قَالَ الإِمَامُ عَلِىٌّ) رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ (إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الْعَرْشَ إِظْهَارًا لِقُدْرَتِهِ) أَىْ خَلَقَهُ حَتَّى يُظْهِرَ لِخَلْقِهِ أَنَّهُ تَامُّ الْقُدْرَةِ (وَلَمْ يَتَّخِذْهُ مَكَانًا لِذَاتِهِ رَوَاهُ الإِمَامُ الْمُحَدِّثُ الْفَقِيهُ اللُّغُوِىُّ أَبُو مَنْصُورٍ التَّمِيمِىُّ فِى كِتَابِهِ الْفَرْقُ بَيْنَ الْفِرَقِ) فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ اسْتَوَى بِمَعْنَى قَهَرَ (أَوْ يُقَالَ اسْتَوَى اسْتِوَاءً يَعْلَمُهُ هُوَ) مِنْ غَيْرِ أَنْ يُفَسَّرَ بِالْقَهْرِ أَوْ نَحْوِهِ (مَعَ تَنْزِيهِهِ عَنِ اسْتِوَاءِ الْمَخْلُوقِينَ كَالْجُلُوسِ وَالِاسْتِقْرَارِ) وَالْمُحَاذَاةِ أَىْ كَوْنِ الشَّىْءٍ فِى مُقَابِلِ شَىْءٍ.
(وَاعْلَمْ أَنَّهُ يَجِبُ الْحَذَرُ مِنْ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يُجِيزُونَ عَلَى اللَّهِ الْقُعُودَ عَلَى الْعَرْشِ وَالِاسْتِقْرَارَ عَلَيْهِ) وَهُمُ الْوَهَّابِيَّةُ (مُفَسِّرِينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ بِالْجُلُوسِ أَوِ الْمُحَاذَاةِ مِنْ فَوْقٍ وَمُدَّعِينَ أَنَّهُ لا يُعْقَلُ مَوْجُودٌ إِلَّا فِى مَكَانٍ وَحُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ) أَىْ بَاطِلَةٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْوُجُودِ التَّحَيُّزُ فِى الْمَكَانِ وَالْجِهَةِ أَلَيْسَ اللَّهُ كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ الْمَكَانِ وَالْجِهَاتِ وَكُلِّ مَا سِوَاهُ بِشَهَادَةِ حَدِيثِ الْبُخَارِىِّ كَانَ اللَّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَىْءٌ غَيْرُهُ.
فَالْمَكَانُ وَالْجِهَاتُ وَالْحَجْمُ غَيْرُ اللَّهِ فَإِذَا صَحَّ وُجُودُهُ تَعَالَى شَرْعًا وَعَقْلًا قَبْلَ الْمَكَانِ وَالْجِهَاتِ بِلا مَكَانٍ وَلا جِهَةٍ فَكَيْفَ يَسْتَحِيلُ عَلَى زَعْمِ هَؤُلاءِ وُجُودُهُ تَعَالَى بِلا مَكَانٍ ولا جِهَةٍ بَعْدَ خَلْقِ الْمَكَانِ وَالْجِهَاتِ وَمُصِيبَةُ هَؤُلاءِ الْمُشَبِّهَةِ أَنَّهُمْ قَاسُوا الْخَالِقَ عَلَى الْمَخْلُوقِ فَضَلُّوا فَإِنَّهُمْ أَخَذُوا بِظَاهِرِ الآيَةِ ﴿الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ مُفَسِّرِينَ لَهَا بِالْجُلُوسِ أَوِ الْمُحَاذَاةِ (وَمُدَّعِينَ أَيْضًا أَنَّ قَوْلَ السَّلَفِ اسْتَوَى بِلا كَيْفٍ مُوَافِقٌ لِذَلِكَ وَلَمْ يَدْرُوا أَنَّ الْكَيْفَ الَّذِى نَفَاهُ السَّلَفُ هُوَ الْجُلُوسُ وَالِاسْتِقْرَارُ وَالتَّحَيُّزُ فِى الْمَكَانِ وَالْمُحَاذَاةُ وَكُلُّ الْهَيْئَاتِ مِنْ حَرَكَةٍ وَسُكُونٍ وَانْتِقَالٍ) فَقَدْ نَقَلَ الْبَيْهَقِىُّ فِى كِتَابِ الْمُعْتَقَدِ بِإِسْنَادِهِ عَنِ الأَوْزَاعِىِّ وَمَالِكٍ وَسُفْيَانَ وَاللَّيْثِ بنِ سَعْدٍ أَنَّهُمْ سُئِلُوا عَنِ الآيَاتِ الْمُتَشَابِهَةِ فَقَالُوا أَمِّرُوهَا كَمَا جَاءَتْ بِلا كَيْفِيَّةٍ، أَىْ ءَامِنُوا بِهَا وَلا تُفَسِّرُوهَا تَفْسِيرًا فَاسِدًا بِنِسْبَةِ الْكَيْفِيَّةِ أَىْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ إِلَى اللَّهِ.
قَالَ الْحَافِظُ الزَّبِيدِىُّ (وَالَّذِى يَدْحَضُ شُبَهَهُمْ) أَىْ يُبْطِلُهَا (أَنْ يُقَالَ لَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ) اللَّهُ (الْعَالَمَ أَوِ الْمَكَانَ هَلْ كَانَ مَوْجُودًا أَمْ لا فَمِنْ ضَرُورَةِ الْعَقْلِ أَنْ يَقُولُوا بَلَى فَيَلْزَمُهُ) أَىْ يَلْزَمُ الْمُشَبِّهَ (لَوْ صَحَّ قَوْلُهُ لا يُعْلَمُ مَوْجُودٌ إِلَّا فِى مَكَانٍ أَحَدُ أَمْرَيْنِ إِمَّا أَنْ يَقُولَ الْمَكَانُ وَالْعَرْشُ وَالْعَالَمُ قَدِيمٌ)
أَىْ أَزَلِىٌّ كَمَا أَنَّ اللَّهَ أَزَلِىٌّ لا بِدَايَةَ لِوُجُودِهِ وَهَذَا قَوْلٌ بِوُجُودِ شَرِيكٍ لِلَّهِ فِى الأَزَلِيَّةِ وَهُوَ كُفْرٌ (وَإِمَّا أَنْ يَقُولَ) كُلُّ مَوْجُودٍ لابُدَّ أَنْ يَكُونَ فِى مَكَانٍ وَالْمَكَانُ حَادِثٌ فَإِذًا (الرَّبُّ تَعَالَى مُحْدَثٌ) أَىْ مَخْلُوقٌ وَهُوَ كُفْرٌ أَيْضًا (وَهَذَا) هُوَ (مَآلُ) كَلامِ (الْجَهَلَةِ الْحَشْوِيَّةِ) الَّذِينَ يُثْبِتُونَ لِلَّهِ الْمَكَانَ فَيُقَالُ
لَهُمْ (لَيْسَ الْقَدِيمُ بِالْمُحْدَثِ وَالْمُحْدَثُ بِالْقَدِيمِ) أَىْ لا يَكُونُ الأَزَلِىُّ مُحْدَثًا وَلا يَكُونُ الْمُحْدَثُ أَزَلِيًّا (وَقَالَ الْقُشَيْرِىُّ أَيْضًا فِى التَّذْكِرَةِ الشَّرْقِيَّةِ فَإِنْ قِيلَ) أَىْ إِذَا قَالَ الْمُشَبِّهَةُ لَنَا (أَلَيْسَ اللَّهُ يَقُولُ ﴿الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ فَيَجِبُ الأَخْذُ بِظَاهِرِهِ قُلْنَا) لَهُمُ (اللَّهُ) تَعَالَى (يَقُولُ أَيْضًا ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ وَيَقُولُ تَعَالَى ﴿أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَىْءٍ مُّحِيطٌ﴾ فَيَنْبَغِى أَيْضًا) عَلَى مُقْتَضَى كَلامِكُمْ (أَنْ نَأْخُذَ بِظَاهِرِ هَذِهِ الآيَاتِ حَتَّى يَكُونَ) مُسْتَقِرًّا (عَلَى الْعَرْشِ وَعِنْدَنَا وَمَعَنَا) بِذَاتِهِ فِى الأَرْضِ (وَمُحِيطًا بِالْعَالَمِ مُحْدِقًا بِهِ بِالذَّاتِ) كَالدَّائِرَةِ الْمُحِيطَةِ بِمَا فِيهَا (فِى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَ)مَعْلُومٌ أَنَّ الشَّىْءَ (الْوَاحِدَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ بِذَاتِهِ فِى حَالَةٍ وَاحِدَةٍ بِكُلِّ مَكَانٍ) وَفِى وَقْتٍ وَاحِدٍ وَهَذَا الَّذِى قَالَهُ الْقُشَيْرِىُّ حُجَّةٌ مُفْحِمَةٌ قَاطِعَةٌ.
(قَالَ الْقُشَيْرِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ) فَإِنْ (قَالُوا قَوْلُهُ) تَعَالَى (﴿وَهُوَ مَعَكُمْ﴾ يَعْنِى بِالْعِلْمِ وَ)قَوْلُهُ (﴿بِكُلِّ شَىْءٍ مُّحِيطٌ﴾) أَىْ (إِحَاطَةُ الْعِلْمِ قُلْنَا وَقَوْلُهُ) تَعَالَى (﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾) أَىْ (قَهَرَ وَحَفِظَ وَأَبْقَى) وَهَذَا (يَعْنِى أَنَّهُمْ قَدْ أَوَّلُوا هَذِهِ الآيَاتِ وَلَمْ يَحْمِلُوهَا عَلَى ظَوَاهِرِهَا فَكَيْفَ يَعِيبُونَ عَلَى غَيْرِهِمْ تَأْوِيلَ) أَىْ تَفْسِيرَ (ءَايَةِ الِاسْتِوَاءِ بِالْقَهْرِ فَمَا هَذَا التَّحَكُّمُ) أَىْ مَا هَذِهِ الدَّعْوَى الَّتِى بِلا دَلِيلٍ.
(ثُمَّ قَالَ الْقُشَيْرِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَلَوْ أَشْعَرَ مَا قُلْنَا تَوَهُّمَ غَلَبَتِهِ) أَىْ لَوْ كَانَ تَفْسِيرُ الِاسْتِوَاءِ بِالْقَهْرِ يُشْعِرُ أَنَّ اللَّهَ كَانَ مُغَالَبًا أَىْ كَانَ يَتَشَاجَرُ وَيَتَغَالَبُ مَعَ غَيْرِهِ (لَأَشْعَرَ قَوْلُهُ) تَعَالَى (﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ بِذَلِكَ أَيْضًا حَتَّى يُقَالَ) عَلَى مُقْتَضَى كَلامِكُمْ (كَانَ مَقْهُورًا قَبْلَ خَلْقِ الْعِبَادِ، هَيْهَاتَ) أَنْ
يَكُونَ ذَلِكَ (إِذْ لَمْ يَكُنْ لِلْعِبَادِ وُجُودٌ قَبْلَ خَلْقِهِ إِيَّاهُمْ بَلْ لَوْ كَانَ الأَمْرُ عَلَى مَا تَوَهَّمَهُ) هَؤُلاءِ (الْجَهَلَةُ مِنْ أَنَّهُ اسْتِوَاءٌ بِالذَّاتِ لَأَشْعَرَ ذَلِكَ بِالتَّغَيُّرِ وَاعْوِجَاجٍ سَابِقٍ عَلَى وَقْتِ الِاسْتِوَاءِ فَإِنَّ الْبَارِئَ تَعَالَى كَانَ مَوْجُودًا قَبْلَ) وُجُودِ (الْعَرْشِ. وَمَنْ أَنْصَفَ عَلِمَ أَنَّ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ الْعَرْشُ بِالرَّبِّ اسْتَوَى) أَىْ تَمَّ وُجُودُهُ وَبَقِىَ بِإِيجَادِ اللَّهِ لَهُ وَإِبْقَائِهِ (أَمْثَلُ) أَىْ أَحْسَنُ (مِنْ قَوْلِ مَنْ يَقُولُ الرَّبُّ بِالْعَرْشِ اسْتَوَى) لِأَنَّ مَنْ يَقُولُ الرَّبُّ بِالْعَرْشِ اسْتَوَى جَعَلَ إِحْدَاثَ اللَّهِ لِلْعَرْشِ مُغَيِّرًا لِصِفَتِهِ تَعَالَى وَهُوَ بَاطِلٌ (فَالرَّبُّ إِذًا مَوْصُوفٌ بِالْعُلُوِّ) أَىْ عُلُوِّ الْقَدْرِ (وَفَوْقِيَّةِ الرُّتْبَةِ وَالْعَظَمَةِ وَمُنَزَّهٌ عَنِ الْكَوْنِ فِى الْمَكَانِ) وَالْجِهَةِ (وَعَنِ الْمُحَاذَاةِ) أَىِ الْمُقَابَلَةِ.
(قَالَ الْقُشَيْرِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَقَدْ نَبَغَتْ نَابِغَةٌ) أَىْ ظَهَرَتْ طَائِفَةٌ (مِنَ الرَّعَاعِ) أَىِ السُّفَهَاءِ (لَوْلا اسْتِنْزَالُهُمْ لِلْعَوَامِّ) أَىِ اسْتِدَرَاجُهُمْ لَهُمْ لِإِيقَاعِهِمْ (بِمَا يَقْرُبُ مِنْ أَفْهَامِهِمْ وَيُتَصَوَّرُ فِى أَوْهَامِهِمْ) مِنَ التَّشْبِيهِ (لَأَجْلَلْتُ هَذَا الْكِتَابَ عَنْ تَلْطِيخِهِ بِذِكْرِهِمْ) أَىْ لَوْلا حَاجَةُ التَّحْذِيرِ مِنْهُمْ مَا كُنْتُ ذَكَرْتُهُمْ
(يَقُولُونَ نَحْنُ نَأْخُذُ بِالظَّاهِرِ وَنُجْرِى الآيَاتِ الْمُوهِمَةَ تَشْبِيهًا) لِلَّهِ بِخَلْقِهِ (وَالأَخْبَارَ) الْمَرْوِيَّةَ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ (الْمُوهِمَةَ حَدًّا) لِلَّهِ تَعَالَى (وَعُضْوًا عَلَى) هَذَا (الظَّاهِرِ وَلا يَجُوزُ أَنْ نُطَرِّقَ التَّأْوِيلَ إِلَى شَىْءٍ مِنْ ذَلِكَ) أَىْ لا يَجُوزُ أَنْ نُأَوِّلَ شَيْئًا مِنْهَا (وَيَتَمَسَّكُونَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾. وَهَؤُلاءِ وَالَّذِى أَرْوَاحُنَا بِيَدِهِ)
أَىْ تَحْتَ مَشِيئَتِهِ وَتَصَرُّفِهِ (أَضَرُّ عَلَى الإِسْلامِ) وَأَهْلِهِ (مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ وَعَبَدَةِ الأَوْثَانِ لِأَنَّ ضَلالاتِ الْكُفَّارِ) الْمُعْلِنِينَ (ظَاهِرَةٌ يَتَجَنَّبُهَا الْمُسْلِمُونَ وَ)أَمَّا (هَؤُلاءِ) الْمُبْتَدِعَةُ فِى الِاعْتِقَادِ فَإِنَّهُمْ (أَتَوُا الدِّينَ وَالْعَوَامَّ) مِنَ الْمُسْلِمِينَ (مِنْ طَرِيقٍ يَغْتَرُّ بِهِ الْمُسْتَضْعَفُونَ) أَىِ الضُّعَفَاءُ
فِى الْعَقِيدَةِ (فَأَوْحَوْا إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ) أَىْ أَتْبَاعِهِمْ (بِهَذِهِ الْبِدَعِ وَأَحَلُّوا فِى قُلُوبِهِمْ وَصْفَ الْمَعْبُودِ سُبْحَانَهُ بِالأَعْضَاءِ وَالْجَوَارِحِ وَالرُّكُوبِ وَالنُّزُولِ) أَىِ الْحِسِّىِّ (وَالِاتِّكَاءِ) أَىِ الِاسْتِنَادِ عَلَى شَىْءٍ (وَالِاسْتِلْقَاءِ) عَلَى الْقَفَى أَوْ جَنْبٍ (وَالِاسْتِوَاءِ بِالذَّاتِ) أَىْ كَاسْتِوَاءِ الْمَخْلُوقِينَ (وَالتَّرَدُّدِ) أَىِ التَّنَقُّلِ (فِى الْجِهَاتِ فَمَنْ أَصْغَى إِلَى) قَوْلِهِمْ وَاتَّبَعَ (ظَاهِرَهُمْ يُبَادِرُ بِوَهْمِهِ إِلَى تَخَيُّلِ الْمَحْسُوسَاتِ) أَىِ الأَشْيَاءِ الَّتِى نَرَاهَا بِأَعْيُنِنَا مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ فِى حَقِّ اللَّهِ (فَاعْتَقَدَ الْفَضَائِحَ فَسَالَ بِهِ السَّيْلُ) أَىْ هَلَكَ (وَهُوَ لا يَدْرِى). فَهَؤُلاءِ الْمُشَبِّهَةُ يُوهِمُونَ النَّاسَ أَنَّ اللَّهَ مِثْلُ هَذِهِ الأَشْيَاءِ الْبَشَرِ وَالضَّوْءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
(فَتَبَيَّنَ) بِذَلِكَ (أَنَّ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ إِنَّ التَّأْوِيلَ) لِلآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ الْمُتَشَابِهَةِ أَىْ إِخْرَاجَهَا عَنْ ظَاهِرِهَا (غَيْرُ جَائِزٍ) هُوَ (خَبْطٌ وَجَهْلٌ) أَىْ قَوْلٌ بِلا دَلِيلٍ (وَ)لا عِلْمٍ بَلْ (هُوَ مَحْجُوجٌ بِقَوْلِهِ ﷺ لِابْنِ عَبَّاسٍ اللَّهُمَّ عَلِّمْهُ الْحِكْمَةَ وَتَأْوِيلَ الْكِتَابِ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ بِأَلْفَاظٍ مُتَعَدِّدَةٍ وَأَوَّلُهُ عِنْدَ الْبُخَارِىِّ) وَرَوَى هَذَا اللَّفْظَ أَحْمَدُ فِى مُسْنَدِهِ وَالطَّبَرَانِىُّ فِى الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ فَلَوْ كَانَ التَّأْوِيلُ غَيْرَ جَائِزٍ لَمَا دَعَا النَّبِىُّ ﷺ لِابْنِ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبَّاسٍ أَنْ يُعَلِّمَهُ اللَّهُ تَأْوِيلَ الْقُرْءَانِ وَالْحَدِيثِ.
(قَالَ الْحَافِظُ) عَبْدُ الرَّحْمٰنِ (بنُ الْجَوْزِىِّ) الْحَنْبَلِىُّ (فِى كِتَابِهِ الْمَجَالِسُ وَلا شَكَّ أَنَّ اللَّهَ اسْتَجَابَ دُعَاءَ الرَّسُولِ ﷺ هَذَا، وَشَدَّدَ النَّكِيرَ وَالتَّشْنِيعَ) أَىْ أَنْكَرَ إِنْكَارًا شَدِيدًا (عَلَى مَنْ يَمْنَعُ التَّأْوِيلَ وَوَسَّعَ الْقَوْلَ فِى ذَلِكَ فَلْيُطَالِعْهُ مَنْ أَرَادَ زِيَادَةَ التَّأَكُّدِ).
(وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّنْ فَوْقِهِمْ﴾ فَوْقِيَّةُ الْقَهْرِ دُونَ) فَوْقِيَّةِ (الْمَكَانِ وَالْجِهَةِ أَىْ لَيْسَ فَوْقِيَّةَ الْمَكَانِ وَالْجِهَةِ) لِأَنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنِ الْمَكَانِ وَالْجِهَةِ. وَفِى الآيَةِ مَجَازُ حَذْفٍ يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّنْ فَوْقِهِمْ أَىْ يَخَافُونَ عِقَابَ رَبِّهِمْ وَعَذَابَهُ لِأَنَّ الْعَذَابَ الْمُهْلِكَ أَكْثَرُهُ يَأْتِى مِنَ السَّمَاءِ.
(وَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾) جَاءَتْ قُدْرَتُهُ أَىْ ءَاثَارُ قُدْرَتِهِ أَىِ الأُمُورُ الْعِظَامُ الَّتِى تَظْهَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَجَرِّ الْمَلائِكَةِ لِجُزْءٍ كَبِيرٍ مِنْ جَهَنَّمَ إِلَى الْمَوْقِفِ حَتَّى يَرَاهُ الْكُفَّارُ فَيَفْزَعُوا وَشَهَادَةِ الأَيْدِى وَالأَرْجُلِ بِمَا كَسَبَهُ الْكُفَّارُ مَعَ الْخَتْمِ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَ(لَيْسَ) مَعْنَاهُ (مَجِىءَ الْحَرَكَةِ وَالِانْتِقَالِ وَالزَّوَالِ وَإِفْرَاغَ مَكَانٍ وَمَلْءِ ءَاخَرَ بِالنِّسْبَةِ إِلَى اللَّهِ وَمَنِ اعْتَقَدَ ذَلِكَ) فَإِنَّهُ (يَكْفُرُ فَاللَّهُ تَعَالَى خَلَقَ الْحَرَكَةَ) وَهِىَ انْتِقَالُ الْحَجْمِ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ (وَالسُّكُونَ) وَهُوَ ثُبُوتُ الْحَجْمِ فِى مَكَانٍ (وَكُلَّ مَا كَانَ مِنْ صِفَاتِ الْحَوَادِثِ) أَىِ الْمَخْلُوقَاتِ (فَلا يُوصَفُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْحَرَكَةِ وَلا بِالسُّكُونِ).
(وَالْمَعْنِىُّ بِقَوْلِهِ) تَعَالَى (﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ أَىْ أَثَرٌ مِنْ ءَاثَارِ قُدْرَتِهِ) لِأَنَّ صِفَةَ اللَّهِ لا تُفَارِقُ ذَاتَهُ (وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ فِى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ إِنَّمَا جَاءَتْ قُدْرَتُهُ رَوَاهُ الْبَيْهَقِىُّ فِى مَنَاقِبِ أَحْمَدَ) بِالإِسْنَادِ الصَّحِيحِ (وَقَدْ مَرَّ ذِكْرُهُ). وأَمَّا مَجِىءُ الْمَلائِكَةِ فَهُوَ الْمَجِىءُ الْمَحْسُوسُ الَّذِى هُوَ حَرَكَةٌ وَانْتِقَالٌ، فَهَذِهِ الآيَةُ فِيهَا اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ لِمَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ.
