(اعْلَمْ أَنَّ الإِرَادَةَ وَهِىَ الْمَشِيئَةُ وَاجِبَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى) أَىْ يَسْتَحِيلُ عَلَى اللَّهِ أَنْ لا يَكُونَ مُتَّصِفًا بِهَا (وَهِىَ صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ يُخَصِّصُ اللَّهُ بِهَا الْجَائِزَ) أَىِ الْمُمْكِنَ (الْعَقْلِىَّ بِالْوُجُودِ بَدَلَ الْعَدَمِ وَبِصِفَةٍ دُونَ أُخْرَى وَبِوَقْتٍ دُونَ ءَاخَرَ) فَيَجِبُ اعْتِقَادُ أَنَّ كُلَّ مَا دَخَلَ فِى الْوُجُودِ إِنَّمَا وُجِدَ بِتَخْصِيصِ اللَّهِ لَهُ بِالْوُجُودِ بَدَلَ الْعَدَمِ أَىْ بَدَلَ أَنْ يَكُونَ مَعْدُومًا وَبِبَعْضِ الصِّفَاتِ دُونَ غَيْرِهَا وَبِالْوُجُودِ فِى وَقْتٍ دُونَ غَيْرِهِ.
وَالدَّلِيلُ النَّقْلِىُّ عَلَى وُجُوبِ الإِرَادَةِ لِلَّهِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (وَبُرْهَانُ) أَىْ دَلِيلُ (وُجُوبِ الإِرَادَةِ لِلَّهِ) عَقْلًا (أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُرِيدًا) أَىْ لَوْ لَمْ يَكُنْ مُتَّصِفًا بِالإِرَادَةِ (لَمْ يُوجَدْ شَىْءٌ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ لِأَنَّ الْعَالَمَ مُمْكِنُ الْوُجُودِ فَوُجُودُهُ لَيْسَ وَاجِبًا لِذَاتِهِ عَقْلًا) أَىْ أَنَّ وُجُودَ الْعَالَمِ لَيْسَ ذَاتِيًّا بَلْ بِإِيجَادِ اللَّهِ لَهُ (وَالْعَالَمُ مَوْجُودٌ) بَعْدَ عَدَمٍ (فَعَلِمْنَا أَنَّهُ مَا وُجِدَ إِلَّا بِتَخْصِيصِ مُخَصِّصٍ لِوُجُودِهِ وَتَرْجِيحِهِ لَهُ عَلَى عَدَمِهِ فَثَبَتَ أَنَّ اللَّهَ مُرِيدٌ شَاءٍ) أَىْ مُتَّصِفٌ بِالإِرَادَةِ أَىِ الْمَشِيئَةِ.
(ثُمَّ الإِرَادَةُ بِمَعْنَى الْمَشِيئَةِ) لا بِمَعْنَى الْمَحَبَّةِ وَالرِّضَى (عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ شَامِلَةٌ لِأَعْمَالِ الْعِبَادِ جَمِيعِهَا الْخَيْرِ مِنْهَا وَالشَّرِّ) فَلَوْلا تَخْصِيصُ اللَّهِ تَعَالَى لِلطَّاعَاتِ بِالْوُجُودِ مَا وُجِدَتْ وَكَذَلِكَ الْكُفْرِيَّاتُ وَالْمَعَاصِى لَوْلا تَخْصِيصُ اللَّهِ تَعَالَى لَهَا بِالْوُجُودِ مَا وُجِدَتْ (فَكُلُّ مَا دَخَلَ فِى الْوُجُودِ مِنْ أَعْمَالِ الشَّرِّ وَالْخَيْرِ وَمِنْ كُفْرٍ أَوْ مَعَاصٍ أَوْ طَاعَةٍ فَبِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَقَعَ وَحَصَلَ) كَمَا قَالَ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ ﴿إِنْ هِىَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِى مَنْ تَشَاءُ﴾ (وَهَذَا كَمَالٌ فِى حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ شُمُولَ الْقُدْرَةِ وَالْمَشِيئَةِ لائِقٌ بِجَلالِ اللَّهِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ يَقَعُ فِى مِلْكِهِ مَا لا يَشَاءُ لَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلَ الْعَجْزِ وَالْعَجْزُ مُسْتَحِيلٌ عَلَى اللَّهِ) فَكُلُّ شَىْءٍ يَحْصُلُ إِنَّمَا يَحْصُلُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ لَكِنَّ الْخَيْرَ يَحْصُلُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ وَمَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ وَأَمَّا الشَّرُّ فَيَحْصُلُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ لا بِمَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ.
(وَالْمَشِيئَةُ) أَىْ مَشِيئَةُ اللَّهِ (تَابِعَةٌ لِلْعِلْمِ أَىْ أَنَّهُ مَا عَلِمَ حُدُوثَهُ فَقَدْ شَاءَ حُدُوثَهُ وَمَا عَلِمَ أَنَّهُ لا يَكُونُ لَمْ يَشَأْ أَنْ يَكُونَ) وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّ الْمَشِيئَةَ تَابِعَةٌ لِلْعِلْمِ فِى الْوُجُودِ لِأَنَّ صِفَاتِ اللَّهِ الْوَاجِبَةَ لَهُ كُلُّهَا أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ لَيْسَ فِيهَا سَابِقٌ وَمَسْبُوقٌ (وَلَيْسَتِ الْمَشِيئَةُ تَابِعَةً لِلأَمْرِ) كَمَا زَعَمَتِ الْمُعْتَزِلَةُ (بِدَلِيلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ إِبْرَاهِيمَ) عَلَيْهِ السَّلامُ بِالْوَحْىِ الْمَنَامِىِّ (بِذَبْحِ وَلَدِهِ إِسْمَاعِيلَ وَلَمْ يَشَأْ لَهُ ذَلِكَ) أَىْ لَمْ يَشَأْ لَهُ أَنْ يُذْبَحَ فَلَمَّا أَرَادَ إِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ تَنْفِيذَ مَا أُمِرَ بِهِ فَدَى اللَّهُ تَعَالَى إِسْمَاعِيلَ بِكَبْشٍ مِنَ الْجَنَّةِ جَاءَ بِهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ (فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَأْمُرُ بِمَا لَمْ يَشَأْ وُقُوعَهُ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ قَدْ يَأْمُرُ بِمَا لَمْ يَشَأْ) ابْتِلاءً لِلْعِبَادِ (كَمَا أَنَّهُ عَلِمَ بِوُقُوعِ شَىْءٍ مِنَ الْعَبْدِ) كَالْكُفْرِ وَالْمَعَاصِى (وَنَهَاهُ عَنْ فِعْلِهِ).
الصِّفَةُ الثَّامِنَةُ (الْقُدْرَةُ)
اعْلَمْ أَنَّهُ (يَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى الْقُدْرَةُ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ) وَهِىَ صِفَةٌ أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ ثَابِتَةٌ لِذَاتِ اللَّهِ بِهَا يُوجِدُ الْمَعْدُومَ وَيُعْدِمُ الْمَوْجُودَ. وَالدَّلِيلُ الْعَقْلِىُّ عَلَى وُجُوبِ الْقُدْرَةِ لِلَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا لَكَانَ عَاجِزًا وَالْعَجْزُ نَقْصٌ وَالنَّقْصُ مُسْتَحِيلٌ عَلَى اللَّهِ وَأَمَّا دَلِيلُهُ النَّقْلِىُّ فَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾
(وَالْمُرَادُ بِالشَّىْءِ هُنَا الْجَائِزُ الْعَقْلِىُّ) وَهُوَ مَا يُتَصَوَّرُ فِى الْعَقْلِ وُجُودُهُ تَارَةً وَعَدَمُهُ تَارَةً (فَخَرَجَ بِذَلِكَ الْمُسْتَحِيلُ الْعَقْلِىُّ لِأَنَّهُ غَيْرُ قَابِلٍ لِلْوُجُودِ فَلَمْ يَصْلُحْ أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِتَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ وَخَالَفَ فِى ذَلِكَ ابْنُ حَزْمٍ فَقَالَ) فِى كِتَابِهِ الْمُحَلَّى بِالآثَارِ (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَادِرٌ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إِذْ لَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ لَكَانَ عَاجِزًا)
وَكَلامُهُ هَذَا كُفْرٌ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ لِأَنَّ مَعْنَى كَلامِهِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الأَزَلِىُّ حَادِثًا أَىْ مَخْلُوقًا لِأَنَّ الَّذِى يَنْحَلُّ مِنْهُ شَىْءٌ يَكُونُ حَادِثًا وَاللَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ (وَهَذَا الَّذِى قَالَهُ) ابْنُ حَزْمٍ (غَيْرُ لازِمٍ) أَىْ لا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ عَاجِزًا إِنْ لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا (لِأَنَّ اتِّخَاذَ الْوَلَدِ مُحَالٌ) أَىْ مُسْتَحِيلٌ (عَلَى اللَّهِ وَالْمُحَالُ الْعَقْلِىُّ لا يَدْخُلُ تَحْتَ الْقُدْرَةِ)
أَىْ لا تَتَعَلَّقُ الْقُدْرَةُ بِهِ فَلا يُقَالُ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا وَلا يُقَالُ إِنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ ذَلِكَ بَلْ يُقَالُ هَذَا مُسْتَحِيلٌ عَقْلِىٌّ وَالْقُدْرَةُ لا تَتَعَلَّقُ بِهِ (وَعَدَمُ تَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ بِالشَّىْءِ تَارَةً يَكُونُ لِقُصُورِهَا عَنْهُ وَذَلِكَ) يَحْصُلُ (فِى الْمَخْلُوقِ) كَمَا إِذَا قُلْنَا الإِنْسَانُ عَاجِزٌ عَنْ أَنْ يَخْلُقَ شَيْئًا أَىْ أَنْ يُحْدِثَهُ مِنَ الْعَدَمِ
إِلَى الْوُجُودِ وَذَلِكَ لِأَنَّ قُدْرَتَهُ قَاصِرَةٌ عَنْ ذَلِكَ (وَتَارَةً يَكُونُ لِعَدَمِ قَبُولِ ذَلِكَ الشَّىْءِ الدُّخُولَ فِى الْوُجُودِ أَىْ حُدُوثَ الْوُجُودِ لِكَوْنِهِ مُسْتَحِيلًا عَقْلِيًّا أَوْ لِعَدَمِ قَبُولِ ذَلِكَ الشَّىْءِ الْعَدَمَ) أَىِ الْفَنَاءَ (لِكَوْنِهِ وَاجِبًا عَقْلِيًّا) وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى (وَالْعَجْزُ هُوَ الأَوَّلُ) أَىْ عَدَمُ تَعَلُّقِ الْقُدْرَةِ بِالشَّىْءِ لِقُصُورِهَا عَنْهُ وَهُوَ
(الْمَنْفِىُّ عَنْ قُدْرَتِهِ تَعَالَى لا الثَّانِى) أَىْ عَدَمُ تَعَلُّقِ قُدْرَةِ اللَّهِ بِالْمُسْتَحِيلِ الْعَقْلِىِّ وَالْوَاجِبِ الْعَقْلِىِّ لَيْسَ عَجْزًا فِى حَقِّ اللَّهِ (فَلا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ وَلا عَاجِزٌ قَالَ بَعْضُهُمْ كَمَا لا يُقَالُ عَنِ الْحَجَرِ عَالِمٌ وَلا جَاهِلٌ وَكَذَلِكَ يُجَابُ) بِمِثْلِ ذَلِكَ (عَلَى قَوْلِ بَعْضِ الْمُلْحِدِينَ هَلِ اللَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُ وَهَذَا)
السُّؤَالُ (فِيهِ تَجْوِيزُ الْمُحَالِ الْعَقْلِىِّ) وَالْمُحَالُ الْعَقْلِىُّ لا يَكُونُ جَائِزًا (وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ أَزَلِىٌّ وَلَوْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ لَكَانَ أَزَلِيًّا وَالأَزَلِىُّ لا) يُقَالُ فِيهِ (يُخْلَقُ لِأَنَّهُ مَوْجُودٌ) لَمْ يَسْبِقْهُ عَدَمٌ (فَكَيْفَ يُخْلَقُ الْمَوْجُودُ، أَمَّا الْمُسْتَحِيلُ الْعَقْلِىُّ فَعَدَمُ قَبُولِهِ الدُّخُولَ فِى الْوُجُودِ ظَاهِرٌ) كَمَا تَقَدَّمَ (وَأَمَّا الْوَاجِبُ الْعَقْلِىُّ فَلا يَقْبَلُ حُدُوثَ الْوُجُودِ لِأَنَّ وُجُودَهُ أَزَلِىٌّ) لَمْ يَسْبِقْهُ عَدَمٌ وَ(فَرْقٌ بَيْنَ الْوُجُودِ وَبَيْنَ الدُّخُولِ فِى الْوُجُودِ فَالْوُجُودُ يَشْمَلُ الْوُجُودَ الأَزَلِىَّ وَالْوُجُودَ الْحَادِثَ أَمَّا الدُّخُولُ فِى الْوُجُودِ فَهُوَ الْوُجُودُ الْحَادِثُ فَالْوَاجِبُ الْعَقْلِىُّ) هُوَ (اللَّهُ وَصِفَاتُهُ فَاللَّهُ وَاجِبٌ عَقْلِىٌّ) أَىْ لا يَقْبَلُ الْعَقْلُ عَدَمَهُ وَ(وُجُودُهُ أَزَلِىٌّ وَصِفَاتُهُ أَزَلِيَّةٌ وَ)لِذَلِكَ (لا يُقَالُ لِلَّهِ وَلا لِصِفَاتِهِ دَاخِلٌ فِى الْوُجُودِ لِأَنَّ وُجُودَهُمَا أَزَلِىٌّ فَقَوْلُنَا إِنَّ الْوَاجِبَ الْعَقْلِىَّ لا يَقْبَلُ الدُّخُولَ فِى الْوُجُودِ صَحِيحٌ لَكِن) قَدْ (يَقْصُرُ عَنْهُ أَفْهَامُ الْمُبْتَدِئِينَ فِى الْعَقِيدَةِ أَمَّا عِنْدَ مَنْ مَارَسَ فَهِىَ) عِبَارَةٌ (وَاضِحَةُ الْمُرَادِ).
