(اعْلَمْ أَنَّ مَعْنَى قِيَامِهِ بِنَفْسِهِ هُوَ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنْ كُلِّ مَا سِوَاهُ فَلا يَحْتَاجُ) إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ فَلا يَنْتَفِعُ رَبُّنَا بِطَاعَةِ الطَّائِعِينَ وَلا يَنْضَرُّ بِعِصْيَانِ الْعُصَاةِ وَكُلُّ شَىْءٍ سِوَى اللَّهِ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِى أَوْجَدَهُ فَلا يَسْتَغْنِى عَنِ اللَّهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ أَمَّا اللَّهُ تَعَالَى فَلا يَحْتَاجُ (إِلَى مُخَصِّصٍ لَهُ بِالْوُجُودِ) بَدَلَ الْعَدَمِ وَبِصِفَةٍ دُونَ صِفَةٍ (لِأَنَّ الِاحْتِيَاجَ إِلَى الْغَيْرِ يُنَافِى قِدَمَهُ وَقَدْ ثَبَتَ وُجُوبُ قِدَمِهِ وَبَقَائِهِ) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

الصِّفَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ (الْمُخَالَفَةُ لِلْحَوَادِثِ)

اعْلَمْ أَنَّهُ (يَجِبُ لِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يَكُونَ مُخَالِفًا لِلْحَوَادِثِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لا يُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ خَلْقِهِ) لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَوْ كَانَ يُشْبِهُ شَيْئًا مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ لَمْ يَكُنْ خَالِقًا لَهَا وَلَجَازَ عَلَيْهِ مَا يَجُوزُ عَلَيْهَا مِنَ الْفَنَاءِ وَالتَّغَيُّرِ أَمَّا الدَّلِيلُ النَّقْلِىُّ لِوُجُوبِ مُخَالَفَتِهِ تَعَالَى لِلْحَوَادِثِ أَىِ الْمَخْلُوقَاتِ فَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾

فَاللَّهُ تَعَالَى نَفَى بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ عَنْ نَفْسِهِ مُشَابَهَةَ الْمَخْلُوقَاتِ بِأَىِّ وَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ (فَلَيْسَ هُوَ بِجَوْهَرٍ يَشْغَلُ حَيِّزًا وَلا عَرَضٍ) أَىْ لَيْسَ حَجْمًا يَمْلَأُ فَرَاغًا وَلا صِفَةً لِلْحَجْمِ (وَالْجَوْهَرُ مَا لَهُ تَحَيُّزٌ وَقِيَامٌ بِذَاتِهِ كَالأَجْسَامِ) أَىْ مَا يَمْلَأُ فَرَاغًا وَلَيْسَ صِفَةً لِغَيْرِهِ (وَالْعَرَضُ مَا لا يَقُومُ بِنَفْسِهِ وَإِنَّمَا يَقُومُ بِغَيْرِهِ) أَىْ هُوَ صِفَةٌ لِلْجَوْهَرِ (كَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَالِاجْتِمَاعِ وَالِافْتِرَاقِ وَالأَلْوَانِ وَالطُّعُومِ وَالرَّوَائِحِ وَلِذَلِكَ قَالَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ فِى بَعْضِ رَسَائِلِهِ فِى عِلْمِ الْكَلامِ) وَهِىَ رِسَالَةُ الْفِقْهِ الأَكْبَرِ (أَنَّى يُشْبِهُ الْخَالِقُ مَخْلُوقَهُ، مَعْنَاهُ لا يَصِحُّ عَقْلًا وَلا نَقْلًا أَنْ يُشْبِهَ الْخَالِقُ مَخْلُوقَهُ وَ)يَشْمَلُ نَفْىُ مُشَابَهَةِ اللَّهِ لِخَلْقِهِ تَنْزِيهَهُ تَعَالَى عَنِ الْكَمِّيَّةِ وَالْكَيْفِيَّةِ.

وَالْكَمِيَّةُ هِىَ مِقْدَارُ الْحَجْمِ وَالْكَيْفِيَّةُ هِىَ كُلُّ مَا كَانَ مِنْ صِفَاتِ الْخَلْقِ (قَالَ) الإِمَامُ (أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِىُّ إِنَّ الَّذِى يَجِبُ عَلَيْنَا وَعَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يَعْلَمَهُ أَنَّ رَبَّنَا لَيْسَ بِذِى صُورَةٍ وَلا هَيْئَةٍ) أَىْ يَجِبُ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ خَالِقَهُ مُنَزَّهٌ عَنِ الْحَجْمِ وَالْمِقْدَارِ وَالشَّكْلِ وَالصُّورَةِ (فَإِنَّ الصُّورَةَ تَقْتَضِى الْكَيْفِيَّةَ) أَىْ مَنْ كَانَ حَجْمًا مُرَكَّبًا مِنْ أَجْزَاءٍ لا بُدَّ مِنِ اتِّصَافِهِ بِصِفَاتِ الأَحْجَامِ مِنَ الْكِبَرِ وَالصِّغَرِ وَالْحَرَكَةِ وَالسُّكُونِ وَنَحْوِهَا (وَهِىَ) أَىِ الْكَيْفِيَّةُ (عَنِ اللَّهِ وَعَنْ صِفَاتِهِ مَنْفِيَّةٌ) أَىْ أَنَّ اللَّهَ مُنَزَّهٌ عَنِ الِاتِّصَافِ بِصِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ وَصِفَاتُهُ لَيْسَتْ حَادِثَةً (رَوَاهُ عَنْهُ الْبَيْهَقِىُّ فِى الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ. وَقَدْ تُطْلَقُ الْكَيْفِيَّةُ بِمَعْنَى الْحَقِيقَةِ كَمَا فِى قَوْلِ بَعْضِهِمْ

كَيْفِيَّةُ الْمَرْءِ لَيْسَ الْمَرْءُ يُدْرِكُهَا فَكَيْفَ كَيْفِيَّةُ الْجَبَّارِ فِى الْقِدَمِ

وَمُرَادُ هَذَا الْقَائِلِ) بِالْكَيْفِيَّةِ (الْحَقِيقَةُ) أَىْ أَنَّ الإِنْسَانَ لا يُحِيطُ عِلْمًا بِاللَّهِ لِأَنَّهُ لا يَعْرِفُ اللَّهَ عَلَى الْحَقِيقَةِ إِلَّا اللَّهُ (وَهَذَا الْبَيْتُ ذَكَرَهُ) بَدْرُ الدِّينِ (الزَّرْكَشِىُّ) فِى تَشْنِيفِ الْمَسَامِعِ (وَابْنُ الْجَوْزِىِّ) فِى دَفْعِ شُبْهَةِ التَّشْبِيهِ (وَغَيْرُهُمَا). قَالَ الْعَلَّامَةُ الْهَرَرِىُّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَوْ قِيلَ

حَقِيقَةُ الْمَرْءِ لَيْسَ الْمَرْءُ يُدْرِكُهَا فَكَيْفَ يُدْرِكُ كُنْهَ الْخَالِقِ الأَزَلِىِ

لَكَانَ أَحْسَنَ فَإِنَّ فِى التَّعْبِيرِ بِكَيْفِيَّةِ الْجَبَّارِ بشَاعَةً.

(وَقَالَ) الإِمَامُ (أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِىُّ) أَحْمَدُ بنُ سَلامَةَ الْمِصْرِىُّ (وَمَنْ وَصَفَ اللَّهَ بِمَعْنًى مِنْ مَعَانِى الْبَشَرِ) أَىْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْبَشَرِ (فَقَدْ كَفَرَ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْقَرْنِ الثَّالِثِ) تُوُفِّىَ سَنَةَ ثَلاثِمِائَةٍ وَوَاحِدٍ وَعِشْرِينَ (فَهُوَ دَاخِلٌ فِى حَدِيثِ خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِى) أَىْ قَرْنُ الصَّحَابَةِ وَهُمْ خَيْرُ هَذِهِ الأُمَّةِ أَىْ بِاعْتِبَارِ الإِجْمَالِ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ الصَّحَابَةِ خَيْرٌ مِمَّنْ جَاءَ بَعْدَهُمْ (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) أَىِ التَّابِعُونَ (ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) أَىْ أَتْبَاعُ التَّابِعِينَ (رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ. وَالْقَرْنُ الْمُرَادُ بِهِ مِائَةُ سَنَةٍ كَمَا قَالَ ذَلِكَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ بنُ عَسَاكِرَ فِى كِتَابِهِ تَبْيِينُ كَذِبِ الْمُفْتَرِى الَّذِى أَلَّفَهُ فِى التَّنْوِيهِ بِأَبِى الْحَسَنِ الأَشْعَرِىِّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ) أَىْ لِبَيَانِ عُلُوِّ قَدْرِهِ.

(صِفَاتُ اللَّهِ) تَعَالَى (كُلُّهَا كَامِلَةٌ)

اعْلَمْ أَنَّ (صِفَاتِ اللَّهِ) تَعَالَى (أَزَلِيَّةٌ أَبَدِيَّةٌ) أَىْ لا بِدَايَةَ وَلا نِهَايَةَ لَهَا (لِأَنَّ الذَّاتَ أَزَلِىٌّ فَلا تَحْصُلُ لَهُ صِفَةٌ لَمْ تَكُنْ فِى الأَزَلِ) وَلا تَقْبَلُ صِفَاتُهُ التَّغَيُّرَ وَالتَّطَوُّرَ (أَمَّا صِفَاتُ الْخَلْقِ فَهِىَ حَادِثَةٌ) أَىْ مَخْلُوقَةٌ (تَقْبَلُ التَّطَوُّرَ مِنْ كَمَالٍ إِلَى أَكْمَلَ) بِخِلافِ صِفَاتِ اللَّهِ فَإِنَّهَا كَامِلَةٌ لا تَزِيدُ وَلا تَنْقُصُ

(فَلا يَتَجَدَّدُ عَلَى عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى شَىْءٌ) أَىْ لا يَكْتَسِبُ اللَّهُ عِلْمًا جَدِيدًا بَلْ هُوَ عَالِمٌ فِى الأَزَلِ بِكُلِّ شَىْءٍ (وَاللَّهُ تَعَالَى خَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ بِعِلْمِهِ الأَزَلِىِّ وَقُدْرَتِهِ الأَزَلِيَّةِ وَمَشِيئَتِهِ الأَزَلِيَّةِ) أَىْ أَحْدَثَهُ مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ بِقُدْرَتِهِ الأَزَلِيَّةِ عَلَى حَسَبِ عِلْمِهِ الأَزَلِىِّ وَمَشِيئَتِهِ الأَزَلِيَّةِ (فَالْمَاضِى وَالْحَاضِرُ وَالْمُسْتَقْبَلُ بِالنِّسْبَةِ لِلَّهِ أَحَاطَ بِهِ بِعِلْمِهِ الأَزَلِىِّ)

فَهُوَ سُبْحَانَهُ يَعْلَمُ مَا يَحْدُثُ فِى الدَّارِ الآخِرَةِ الَّتِى لا نِهَايَةَ لَهَا يَعْلَمُ ذَلِكَ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا فَأَنْفَاسُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَالنَّعِيمُ الَّذِى يَتَجَدَّدُ لَهُمْ وَأَنْفَاسُ أَهْلِ النَّارِ وَمَا يَتَجَدَّدُ لَهُمْ مِنَ الآلامِ إِلَى مَا لا نِهَايَةَ كُلُّ ذَلِكَ يَعْلَمُهُ اللَّهُ (وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾ فَلَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ سَوْفَ يَعْلَمُ الْمُجَاهِدِينَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِهِمْ بِالِامْتِحَانِ وَالِاخْتِبَارِ وَهَذَا يَسْتَحِيلُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بَلْ مَعْنَى الآيَةِ حَتَّى نُمَيِّزَ أَىْ حَتَّى نُظْهِرَ لِلْعِبَادِ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ) عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ (مِنْ غَيْرِهِمْ وَيَكْفُرُ مَنْ يَقُولُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالى يَكْتَسِبُ عِلْمًا جَدِيدًا) لِأَنَّه نَسَبَ الْجَهْلَ إِلَى اللَّهِ وَجَعَلَ عِلْمَ اللَّهَ تَعَالَى حَادِثًا أَىْ مَخْلُوقًا.

(وَصِفَاتُ اللَّهِ تَعَالَى كُلُّهَا كَامِلَةٌ) أَىْ تَدُلُّ عَلَى الْكَمَالِ (قَالَ تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾) أَىْ لِلَّهِ الأَسْمَاءُ الَّتِى تَدُلُّ عَلَى الْكَمَالِ فَلا يَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَى اللَّهِ اسْمٌ لا يَدُلُّ عَلَى الْكَمَالِ أَوْ يُوهِمُ نَقْصًا كَمَا فَعَلَ سَيِّد قُطُب فِى كِتَابِهِ الْمُسَمَّى التَّصْوِيرَ الْفَنِّىَّ فِى الْقُرْءَانِ فَإِنَّهُ سَمَّى اللَّهَ تَعَالَى بِالرِّيشَةِ الْخَالِقَةِ وَفِعْلُهُ هَذَا مِنَ الإِلْحَادِ فِى أَسْمَاءِ اللَّهِ.

(وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾) أَىْ لِلَّهِ صِفَاتٌ تَدُلُّ عَلَى الْكَمَالِ لا تُشْبِهُ صِفَاتِ غَيْرِهِ (فَيَسْتَحِيلُ فِى حَقِّهِ تَعَالَى أَىُّ نَقْصٍ. وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾) فَلَيْسَ فِيهِ نِسْبَةُ النَّقْصِ إِلَى اللَّهِ (فَالْمَكْرُ مِنَ الْخَلْقِ خُبْثٌ وَخِدَاعٌ لِإِيصَالِ الضَّرَرِ إِلَى الْغَيْرِ) بِطَرِيقَةٍ خَفِيَّةٍ (بِاسْتِعْمَالِ حِيلَةٍ)

وَهَذَا لا يَجُوزُ عَلَى اللَّهِ (وَأَمَّا) الْمَكْرُ (مِنَ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ مُجَازَاةُ الْمَاكِرِينَ بِالْعُقُوبَةِ مِنْ حَيْثُ لا يَدْرُونَ) فَلا يُذَمُّ لِأَنَّ اللَّهَ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ الظُّلْمُ لا يَكُونُ ظَالِمًا إِنِ انْتَقَمَ مِنْ عِبَادِهِ الظَّالِمِينَ بِمَا شَاءَ (وَبِعِبَارَةٍ أُخْرَى إِنَّ اللَّهَ) تَعَالَى (أَقْوَى فِى إِيصَالِ الضَّرَرِ إِلَى الْمَاكِرِينَ مِنْ كُلِّ مَاكِرٍ جَزَاءً لَهُمْ عَلَى مَكْرِهِمْ فَالْمَكْرُ بِمَعْنَى الِاحْتِيَالِ) مَذْمُومٌ وَهُوَ (مُسْتَحِيلٌ عَلَى اللَّهِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى) ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَالُوا ءَامَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكْمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُونَ (اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ أَىْ يُجَازِيهِمْ عَلَى اسْتِهْزَائِهِمْ) فَإِنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا إِذَا اجْتَمَعُوا يَتَكَلَّمُونَ بِذَمِّ الإِسْلامِ وَيَسْتَهْزِئُونَ بِهِ وبِالْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَسْتَخِفُّ بِالْمُنَافِقِينَ كَمَا يَسْتَخِفُّ الْعِبَادُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ أَىْ تَرَكُوا طَاعَةَ اللَّهِ بِالإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَتَرَكَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ رَحْمَتِهِ خَالِدِينَ فِى نَارِ جَهَنَّمَ لا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ عَذَابُهَا. وَلا يَجُوزُ تَسْمِيَةُ اللَّهِ بِالْمَاكِرِ أَوِ الْمُسْتَهْزِئِ أَوِ النَّاسِى لِأَنَّهُ اسْتِخْفَافٌ باللَّهِ.

(وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ يَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِإِثْبَاتِ مَا وَرَدَ فِى الْقُرْءَانِ وَالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ كَالْوَجْهِ وَالْيَدِ وَالْعَيْنِ وَالرِّضَا وَالْغَضَبِ) مِمَّا أُضِيفَ إِلَى اللَّهِ (عَلَى أَنَّهَا صِفَاتٌ يَعْلَمُهَا اللَّهُ) أَىْ يَعْلَمُ حَقِيقَتَهَا (لا عَلَى أَنَّهَا جَوَارِحُ) أَىْ أَعْضَاءٌ (وَانْفِعَالاتٌ كَأَيْدِينَا وَوُجُوهِنَا وَعُيُونِنَا) وَرِضَانَا (وَغَضَبِنَا) فَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ

لِلَّهِ يَدٌ لا كَأَيْدِينَا وَوَجْهٌ لا كَوُجُوهِنَا وَعَيْنٌ لا كَأَعْيُنِنَا عَلَى مَعْنَى الصِّفَةِ كَمَا فِى قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ أَىْ بِقُوَّةٍ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ أَىْ إِلَّا مُلْكَهُ وَقَوْلِهِ تَعَالَى عَنْ سَفِينَةِ نُوحٍ ﴿تَجْرِى بِأَعْيُنِنَا﴾ أَىْ بِحِفْظِنَا لَهَا وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ وَالرِّضَا إِذَا وُصِفَ اللَّهُ بِهِ فَمَعْنَاهُ إِرَادَةُ

الرَّحْمَةِ وَرَحْمَةُ اللَّهِ لِعِبَادِهِ إِسْبَاغُ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ وَلَيْسَتْ رِقَّةَ الْقَلْبِ وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ﴾ وَالْغَضَبُ إِذَا وُصِفَ اللَّهُ بِهِ فَمَعْنَاهُ إِرَادَة الِانْتِقَامِ وَلَيْسَ انْفِعَالًا أَوْ تَغَيُّرًا يَحْدُثُ فِى النَّفْسِ (فَإِنَّ الْجَوَارِحَ) وَالاِنْفِعَالاتِ (مُسْتَحِيلَةٌ عَلَى اللَّهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ﴾ وَقَوْلِهِ) تَعَالَى

(﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾) أَىْ لا مَثِيلَ لَهُ وَلا شَبِيهَ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ وَ(قَالُوا لَوْ كَانَ لِلَّهِ عَيْنٌ بِمَعْنَى الْجَارِحَةِ وَالْجِسْمِ لَكَانَ لَهُ أَمْثَالٌ فَضْلًا عَنْ مِثْلٍ وَاحِدٍ وَلَجَازَ عَلَيْهِ مَا يَجُوزُ عَلَى الْمُحْدَثَاتِ) أَىِ الْمَخْلُوقَاتِ (مِنَ الْمَوْتِ وَالْفَنَاءِ وَالتَّغَيُّرِ وَالتَّطَوُّرِ وَلَكَانَ ذَلِكَ خُرُوجًا مِنْ مُقْتَضَى الْبُرْهَانِ) أَىِ الدَّلِيلِ (الْعَقْلِىِّ عَلَى اسْتِحَالَةِ التَّغَيُّرِ وَالتَّحَوُّلِ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ عَلَى اللَّهِ لِأَنَّ الدَّلائِلَ الْعَقْلِيَّةَ عَلَى حُدُوثِ الْعَالَمِ)

أَظْهَرُهَا (طُرُوءُ) أَىْ حُدُوثُ (صِفَاتٍ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ وَالتَّحَوُّلُ مِنْ حَالٍ إِلَى حَالٍ وَلا يَصِحُّ إِهْمَالُ) أَىْ إِلْغَاءُ إِعْمَالِ (الْعَقْلِ لِأَنَّ الشَّرْعَ لا يَأْتِى إِلَّا بِمُجَوَّزَاتِ الْعَقْلِ أَىْ إِلَّا بِمَا يَقْبَلُهُ الْعَقْلُ لِأَنَّهُ شَاهِدُ الشَّرْعِ) أَىْ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الشَّرْعِ (فَالْعَقْلُ يَقْضِى بِأَنَّ الْجِسْمَ وَالْجِسْمَانِيَّاتِ أَىِ الأَحْوَالَ الْعَارِضَةَ لِلْجِسْمِ) أَىْ صِفَاتِ الْجِسْمِ (مُحْدَثَةٌ) أَىْ مَخْلُوقَةٌ (لا مَحَالَةَ وَأَنَّهَا مُحْتَاجَةٌ لِمُحْدِثٍ) أَحْدَثَهَا مِنَ الْعَدَمِ إِلَى الْوُجُودِ (فَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَّصِفُ بِهَا لَهُ مُحْدِثٌ وَلا تَصِحُّ الأُلُوهِيَّةُ لِمَنْ يَحْتَاجُ إِلَى غَيْرِهِ).