(اعْلَمْ أَنَّ تَقْدِيرَ اللَّهِ تَعَالَى الأَزَلِىَّ لا يُغَيِّرُهُ شَىْءٌ لا دَعْوَةُ دَاعٍ وَلا صَدَقَةُ مُتَصَدِّقٍ وَلا صَلاةُ مُصَلٍّ) وَلا صِلَةُ رَحِمٍ (وَلا غَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْحَسَنَاتِ بَلْ لا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْخَلْقُ عَلَى مَا قَدَّرَ) اللَّهُ (لَهُمْ فِى الأَزَلِ) أَىْ لا بُدَّ أَنْ يَتَنَفَّذَ مَا قَدَّرَ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ (مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَغَيَّرَ ذَلِكَ) بِدَلِيلِ الْحَدِيثِ الْقُدْسِىِّ
الَّذِى رَوَاهُ مُسْلِمٌ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَا مُحَمَّدُ إِنِّى إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فَإِنَّهُ لا يُرَدُّ (وَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ فَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَحْوَ وَالإِثْبَاتَ) يَحْصُلُ (فِى تَقْدِيرِ اللَّهِ) أَىْ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ تَتَغَيَّرُ (بَلِ الْمَعْنَى فِى هَذَا أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ كَتَبَ)
أَىْ فِى اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ (مَا يُصِيبُ الْعَبْدَ مِنْ عِبَادِهِ مِنَ الْبَلاءِ وَالْحِرْمَانِ وَالْمَوْتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ) إِنْ لَمْ يَدْعُ رَبَّهُ أَوْ لَمْ يَصِلْ رَحِمَهُ (وَ)كَتَبَ (أَنَّهُ إِنْ دَعَا اللَّهَ تَعَالَى أَوْ أَطَاعَهُ فِى صِلَةِ الرَّحِمِ وَغَيْرِهَا لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ الْبَلاءُ وَرَزَقَهُ) رِزْقًا (كَثِيرًا أَوْ عَمَّرَهُ طَوِيلًا) وَهَذَا يُقَالُ لَهُ الْقَضَاءُ الْمُعَلَّقُ أَىْ مَا كُتِبَ
عَلَى وَجْهِ التَّعْلِيقِ فِى صُحُفِ الْمَلائِكَةِ الَّذِى تَنْسَخُهُ مِنَ اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ (وَكَتَبَ فِى أُمِّ الْكِتَابِ) أَىْ فِى اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ (مَا هُوَ كَائِنٌ) أَىْ مَا يَحْصُلُ (مِنَ الأَمْرَيْنِ فَالْمَحْوُ وَالإِثْبَاتُ) الْمَذْكُورُ فِى هَذِهِ الآيَةِ (رَاجِعٌ إِلَى أَحَدِ الْكِتَابَيْنِ) أَىْ مَا فِى صُحُفِ الْمَلائِكَةِ (كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ) رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا (فَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِىُّ)
فِى كِتَابِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِى قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ قَالَ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ مِنْ أَحَدِ الْكِتَابَيْنِ هُمَا كِتَابَانِ) أَحَدُهُمَا الَّذِى كُتِبَ فِى اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ وَالآخَرُ الَّذِى فِى أَيْدِى الْمَلائِكَةِ الَّذِينَ أُمِرُوا بِالِاسْتِنْسَاخِ مِنَ اللَّوْحِ (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ مِنْ أَحَدِهِمَا وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ)
أَىْ جُمْلَةُ الْكِتَابِ مَعْنَاهُ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ يَشْتَمِلُ عَلَى الْمَمْحُوِّ وَالْمُثْبَتِ وَلا يَكُونُ الْمَحْوُ فِيهِ (وَالْمَحْوُ يَكُونُ فِى غَيْرِ الشَّقَاوَةِ وَالسَّعَادَةِ) لِأَنَّ الشَّقَاوَةَ وَالسَّعَادَةَ لا يَدْخُلُهُمَا الْمَحْوُ وَالإِثْبَاتُ (فَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِىُّ أَيْضًا) فِى كِتَابِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ (عَنْ مُجَاهِدِ) بنِ جَبْرٍ تِلْمِيذِ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّهُ قَالَ فِى تَفْسِيرِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ يُفْرَقُ فِى لَيْلَةِ الْقَدْرِ)
كُلُّ أَمْرٍ مُبْرَمٍ أَىْ (مَا يَكُونُ فِى) تِلْكَ (السَّنَةِ مِنْ رِزْقٍ أَوْ مُصِيبَةٍ) أَىْ يُعْلِمُ اللَّهُ الْمَلائِكَةَ فِى هَذِهِ اللَّيْلَةِ بِمَا يَحْصُلُ لِلْعِبَادِ فِى السَّنَةِ الْقَادِمَةِ (فَأَمَّا كِتَابُ الشَّقَاءِ وَالسَّعَادَةِ فَإِنَّهُ ثَابِتٌ لا يُغَيَّرُ، فَلِذَلِكَ لا يَصِحُّ) وَلا يَثْبُتُ (عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الدُّعَاءُ) الَّذِى يَعْمَلُ بِهِ بَعْضُ النَّاسِ فِى لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ (الَّذِى فِيهِ إِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِى فِى أُمِّ الْكِتَابِ عِنْدَكَ شَقِيًّا فَامْحُ عَنِّى اسْمَ الشَّقَاءِ وَأَثْبِتْنِى عِنْدَكَ سَعِيدًا وَإِنْ كُنْتَ كَتَبْتَنِى فِى أُمِّ الْكِتَابِ مَحْرُومًا مُقَتَّرًا عَلَىَّ رِزْقِى فَامْحُ عَنِّى حِرْمَانِى وَتَقْتِيرَ رِزْقِى وَأَثْبِتْنِى عِنْدَكَ سَعِيدًا مُوَفَّقًا لِلْخَيْرِ فَإِنَّكَ تَقُولُ فِى كِتَابِكَ ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ وَلا مَا أَشْبَهَهُ وَلَمْ يَصِحَّ هَذَا الدُّعَاءُ أَيْضًا عَنْ) سَيِّدِنَا (عُمَرَ وَلا عَنْ مُجَاهِد وَلا عَنْ غَيْرِهِمَا مِنَ السَّلَفِ كَمَا يُعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِ الْقَدَرِ لِلْبَيْهَقِىِّ) فَيَنْبَغِى تَحْذِيرُ النَّاسِ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ الْجَاهِلَ الَّذِى لَمْ يَتَعَلَّمِ الْعَقِيدَةَ عِنْدَمَا يَقْرَؤُهُ يَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ يُغَيِّرُ مَشِيئَتَهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ.
(وَلْيُعْلَمْ أَنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ وَتَقْدِيرَهُ لا يَتَغَيَّرَانِ لِأَنَّ التَّغَيُّرَ مُسْتَحِيلٌ عَلَى اللَّهِ وَأَمَّا حَدِيثُ) ابْنِ مَاجَه (لا يَرُدُّ الْقَدَرَ شَىْءٌ إِلَّا الدُّعَاءُ فَهَذَا رَاجِعٌ إِلَى الْقَدَرِ الْمُعَلَّقِ) وَ(لَيْسَ إِلَى الْقَدَرِ الْمُبْرَمِ) لِأَنَّهُ لا يُغَيَّرُ. وَالْقَدَرُ الْمُبْرَمُ هُوَ الَّذِى لَمْ يَكُنْ فِيهِ تَعْلِيقٌ فِى اللَّوْحِ وَلا فِى صُحُفِ الْمَلائِكَةِ.
(تَقْسِيمُ الأُمُورِ إِلَى أَرْبَعَةٍ)
(الأُمُورُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ الأَوَّلُ شَىْءٌ شَاءَهُ اللَّهُ) أَىْ شَاءَ حُصُولَهُ (وَأَمَرَ بِهِ وَهُوَ إِيمَانُ الْمُؤْمِنِينَ وَطَاعَةُ الطَّائِعِينَ وَالثَّانِى شَىْءٌ شَاءَهُ اللَّهُ وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ وَهُوَ عِصْيَانُ الْعُصَاةِ وَكُفْرُ الْكَافِرِينَ إِلَّا أَنَّ اللَّهَ) تَعَالَى (لا يُحِبُّ الْكُفْرَ مَعَ أَنَّهُ خَلَقَهُ) بِقُدْرَتِهِ وَحَصَلَ (بِمَشِيئَتِهِ وَلا يَرْضَاهُ لِعِبَادِهِ) كَمَا (قَالَ تَعَالَى ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾) وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْمَعَاصِى وَالْمَكْرُوهَاتِ لا يُحِبُّهَا اللَّهُ (وَالثَّالِثُ أَمْرٌ لَمْ يَشَأْهُ اللَّهُ) أَىْ لَمْ يَشَأْ حُصُولَهُ (وَأَمَرَ بِهِ وَهُوَ الإِيمَانُ بِالنِّسْبَةِ لِلْكَافِرِينَ الَّذِينَ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُمْ يَمُوتُونَ عَلَى الْكُفْرِ) فَإِنَّهُمْ (أُمِرُوا بِالإِيمَانِ وَلَمْ يَشَأْهُ لَهُمْ) أَىْ لَمْ يَشَإِ اللَّهُ أَنْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ.
وَالأَمْرُ غَيْرُ الْمَشِيئَةِ بِدَلِيلِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ إِبْرَاهِيمَ بِذَبْحِ وَلَدِهِ إِسْمَاعِيلَ وَلَمْ يَشَأْ أَنْ يُذْبَحْ بَلْ فُدِىَ إِسْمَاعِيلُ بِكَبْشٍ مِنَ الْجَنَّةِ جَاءَ بِهِ جِبْرِيلُ (وَالرَّابِعُ أَمْرٌ لَمْ يَشَأْهُ) اللَّهُ (وَلَمْ يَأْمُرْ بِهِ وَهُوَ الْكُفْرُ بِالنِّسْبَةِ لِلأَنْبِيَاءِ وَالْمَلائِكَةِ) نَهَاهُمُ اللَّهُ عَنْهُ وَعَلِمَ أَنَّهُمْ لا يَأْتُونَهُ (وَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا بِالْقُرْءَانِ الْكَرِيمِ فَلْيَقِفْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾) لِأَنَّهُ لا ءَامِرَ لَهُ وَلا نَاهٍ (﴿وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾) لِأَنَّهُمْ مَأْمُورُونَ وَمَنْهِيُّونَ (فَلا يُقَالُ كَيْفَ يُعَذِّبُ الْعُصَاةَ عَلَى مَعَاصِيهِمُ الَّتِى شَاءَ وُقُوعَهَا مِنْهُمْ فِى الآخِرَةِ) لِأَنَّ اللَّهَ يَتَصَرَّفُ فِى مِلْكِهِ الَّذِى هُوَ يَمْلِكُهُ حَقِيقَةً لا مَجَازًا فَكَيْفَ يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ.
