(الِاجْتِهَادُ هُوَ اسْتِخْرَاجُ الأَحْكَامِ الَّتِى لَمْ يَرِدْ فِيهَا نَصٌّ صَرِيحٌ لا يَحْتَمِلُ إِلَّا مَعْنًى وَاحِدًا) أَمَّا مَا وَرَدَ فِيهِ نَصٌّ صَرِيحٌ مِنَ الْقُرْءَانِ أَوِ الْحَدِيثِ لا يَحْتَمِلُ إِلَّا مَعْنًى وَاحِدًا فَلا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ، وَالِاجْتِهَادُ وَظِيفَةُ الْمُجْتَهِدِ (فَالْمُجْتَهِدُ) هُوَ (مَنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ) اسْتِنْبَاطِ الأَحْكَامِ الَّتِى لَمْ يَرِدْ فِيهَا نَصٌّ صَرِيحٌ وَلَمْ
يَسْبِقْ فِيهَا إِجْمَاعٌ مِنَ الأُمَّةِ وَلا يَكُونُ لَهُ (ذَلِكَ) إِلَّا (بِأَنْ يَكُونَ حَافِظًا لِآيَاتِ الأَحْكَامِ وَأَحَادِيثِ الأَحْكَامِ) أَىِ الآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ الْمُتَضَمِّنَةِ أَحْكَامًا شَرْعِيَّةً (وَ)لا بُدَّ مِنْ (مَعْرِفَةِ أَسَانِيدِهَا) أَىْ أَسَانِيدِ أَحَادِيثِ الأَحْكَامِ (وَمَعْرِفَةِ أَحْوَالِ رِجَالِ الإِسْنَادِ) أَىْ يَنْبَغِى أَنْ يَكُونَ عَارِفًا بِأَحْوَالِ الرُّوَاةِ قُوَّةً وَضَعْفًا لِيَحْكُمَ عَلَى الأَحَادِيثِ تَصْحِيحًا (وَ)تَضْعِيفًا مَعَ (مَعْرِفَةِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ) مِنَ الآيَاتِ وَالأَحَادِيثِ حَتَّى لا يَعْتَمِدَ عَلَى حُكْمٍ مَنْسُوخٍ وَالنَّسْخُ هُوَ رَفْعُ حُكْمٍ شَرْعِىٍّ سَابِقٍ بِحُكْمٍ شَرْعِىٍّ لاحِقٍ.
(وَ)لا بُدَّ لِبُلُوغِ دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ مِنْ مَعْرِفَةِ (الْعَامِّ وَالْخَاصِّ) مِنَ الأَحْكَامِ حَتَّى إِذَا تَعَارَضَ فِى الظَّاهِرِ نَصَّانِ أَحَدُهُمَا عَامٌّ وَالآخَرُ خَاصٌّ يُقَدِّمُ الْخَاصَّ عَلَى الْعَامِّ كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِى فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ فَإِنَّهُ خُصَّ عُمُومُهُ بالأَمَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾
وَخُصَّ عُمُومُهُ بِالْعَبْدِ الْمَقِيسِ عَلَى الأَمَةِ (وَ)لا بُدَّ مِنْ مَعْرِفَةِ (الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ) كَالْحَدِيثِ الْوَارِدِ فِى النَّهْىِ عَنْ مَسِّ الذَّكَرِ بِالْيَمِينِ فَإِنَّهُ وَرَدَ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ وَوَرَدَ مُقَيَّدًا بِحَالَةِ الْبَوْلِ بِلَفْظِ لا يُمْسِكَنَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ وَهُوَ يَبُولُ (وَ)يُشْتَرَطُ (مَعَ) مَا تَقَدَّمَ مِنَ الشُّرُوطِ (إِتْقَانُ اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ) أَىْ يَنْبَغِى لِلْمُجْتَهِدِ أَنْ يُتْقِنَ لُغَةَ الْعَرَبِ (بِحَيْثُ إِنَّهُ يَحْفَظُ مَدْلُولاتِ أَلْفَاظِ النُّصُوصِ) أَىْ يَفْهَمُ جَيِّدًا مَعَانِىَ النُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ وَمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ (عَلَى حَسَبِ اللُّغَةِ الَّتِى نَزَلَ بِهَا الْقُرْءَانُ) وَيَعْرِفُ النَّحْوَ وَالصَّرْفَ وَالْبَلاغَةَ وَهَذَا فِى غَيْرِ السَّلِيقِىِّ أَمَّا السَّلِيقِىُّ كَالصَّحَابَةِ وَمَنْ كَانَ مِثْلَهُمْ فَهُوَ غَنِىٌّ عَنْ تَعَلُّمِ النَّحْوِ وَالصَّرْفِ لِأَنَّهُ مَطْبُوعٌ عَلَى النُّطْقِ بِالصَّوَابِ فِى اللُّغَةِ.
(وَ)لا بُدَّ لِلْمُجْتَهِدِ مِنْ (مَعْرِفَةِ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُجْتَهِدُونَ وَمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) أَىْ يَنْبَغِى أَنْ يَعْرِفَ أَقْوَالَ الْعُلَمَاءِ إِجْمَاعًا وَاخْتِلافًا فَلا يُخَالِفُهُمْ فِى اجْتِهَادِهِ (لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ ذَلِكَ لا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ أَنْ يَخْرِقَ الإِجْمَاعَ أَىْ إِجْمَاعَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُ) مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ (وَيُشْتَرَطُ فَوْقَ ذَلِكَ شَرْطٌ وَهُوَ رُكْنٌ عَظِيمٌ فِى الِاجْتِهَادِ وَهُوَ فِقْهُ النَّفْسِ أَىْ قُوَّةُ الْفَهْمِ وَالإِدْرَاكِ. وَتُشْتَرَطُ) فِى الْمُجْتَهِدِ (الْعَدَالَةُ وَهِىَ السَّلامَةُ مِنَ الْكَبَائِرِ وَمِنَ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى الصَّغَائِرِ بِحَيْثُ تَغْلِبُ عَلَى حَسَنَاتِهِ مِنْ حَيْثُ الْعَدَدُ) لِأَنَّهُ يَكُونُ بِذَلِكَ وَاقِعًا فِى ذَنْبٍ كَبِيرٍ. وَالْمُجْتَهِدُ لا يَعْمَلُ إِلَّا بِاجْتِهَادِهِ.
(وَأَمَّا الْمُقَلِّدُ فَهُوَ الَّذِى لَمْ يَصِلْ إِلَى هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ) أَىْ مَرْتَبَةِ الْمُجْتَهِدِ فَلَهُ رُخْصَةٌ بِأَنْ يَتَّبِعَ أَىَّ إِمَامٍ مِنَ الأَئِمَّةِ الْمُجْتَهِدِينَ وَيَعْمَلَ بِمَذْهَبِهِ (وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى هَاتَيْنِ الْمَرْتَبَتَيْنِ) مَرْتَبَةِ الْمُجْتَهِدِ وَمَرْتَبَةِ الْمُقَلِّدِ (قَوْلُهُ ﷺ نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مَقَالَتِى فَوَعَاهَا فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا فَرُبَّ مُبَلِّغٍ لا فِقْهَ عِنْدَهُ رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ وَابْنُ حِبَّانَ) فَالرَّسُولُ ﷺ دَعَا لِمَنْ حَفِظَ حَدِيثَهُ فَأَدَّاهُ كَمَا سَمِعَهُ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيفٍ بِنَضْرَةِ الْوَجْهِ أَىْ بِحُسْنِ وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَبِالسَّلامَةِ مِنَ الْكَآبَةِ الَّتِى تَحْصُلُ مِنْ أَهْوَالِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ.
وَ(الشَّاهِدُ فِى) هَذَا (الْحَدِيثِ قَوْلُهُ) ﷺ (فَرُبَّ مُبَلِّغٍ) أَىْ لِلْحَدِيثِ (لا فِقْهَ عِنْدَهُ) أَىْ لا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى اسْتِخْرَاجِ الأَحْكَامِ مِنْهُ (وَفِى رِوَايَةٍ) لِابْنِ حِبَّانَ (وَرُبَّ مُبَلَّغٍ أَوْعَى مِنْ سَامِعٍ، فَإِنَّهُ يُفْهِمُنَا أَنَّ مِمَّنْ يَسْمَعُونَ الْحَدِيثَ مِنَ الرَّسُولِ مَنْ حَظُّهُ أَنْ يَرْوِىَ مَا سَمِعَهُ لِغَيْرِهِ وَيَكُونُ هُوَ فَهْمُهُ أَقَلَّ مِنْ فَهْمِ مَنْ يُبَلِّغُهُ بِحَيْثُ إِنَّ مَنْ يُبَلِّغُهُ هَذَا السَّامِعُ يَسْتَطِيعُ مِنْ قُوَّةِ قَرِيحَتِهِ أَنْ يَسْتَخْرِجَ مِنْهُ أَحْكَامًا وَمَسَائِلَ وَيُسَمَّى هَذَا الِاسْتِنْبَاطَ وَ)أَمَّا
الْمُبَلِّغُ (الَّذِى سَمِعَ) الْحَدِيثَ مُبَاشَرَةً مِنَ الرَّسُولِ ﷺ فَإِنَّهُ (لَيْسَ عِنْدَهُ هَذِهِ الْقَرِيحَةُ الْقَوِيَّةُ إِنَّمَا يَفْهَمُ الْمَعْنَى الَّذِى هُوَ قَرِيبٌ مِنَ اللَّفْظِ) وَ(مِنْ هُنَا يُعْلَمُ أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ يَكُونُ أَقَلَّ فَهْمًا) أَىْ مِنْ حَيْثُ الِاسْتِنْبَاطُ (مِمَّنْ يَسْمَعُ مِنْهُمْ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ) ﷺ مِنَ التَّابِعِينَ (وَفِى لَفْظٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ فِى) سُنَنِ (التِّرْمِذِىِّ وَ)صَحِيحِ (ابْنِ حِبَّانَ) فَأَفْهَمَنَا الرَّسُولُ ﷺ بِذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَسْمَعُ مِنْهُ الشَّخْصُ الْحَدِيثَ الْمُتَضَمِّنَ أَحْكَامًا وَلا يَكُونُ عِنْدَهُ أَهْلِيَّةُ الِاسْتِنْبَاطِ وَيَحْمِلُهُ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ أَىْ إِلَى مَنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ الِاسْتِنْبَاطِ فَيَسْتَنْبِطُ مِنْهُ أَحْكَامًا.
وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِى كُلِّ زَمَانٍ مُجْتَهِدًا لا تَخْلُو الأَرْضُ مِنْهُ فَقَدْ رَوَى كَمِيلُ بنُ زِيَادٍ عَنْ سَيِّدِنَا عَلِىٍّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لا تَخْلُو الأَرْضُ مِنْ قَائِمٍ لِلَّهِ بِحُجَجِهِ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِى الْحِلْيَةِ (وَهَذَا الْمُجْتَهِدُ هُوَ مَوْرِدُ قَوْلِهِ ﷺ إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ). وَالْمُرَادُ بِالْحَاكِمِ هُنَا الْحَاكِمُ الْعَالِمُ الَّذِى هُوَ أَهْلٌ لِلْحُكْمِ.
هَذَا الْحَاكِمُ إِذَا اجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ أَجْرٌ بِاجْتِهَادِهِ وَأَجْرٌ بِإِصَابَتِهِ وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ أَىْ بِاجْتِهَادِهِ (وَإِنَّمَا خَصَّ رَسُولُ اللَّهِ) ﷺ (فِى هَذَا الْحَدِيثِ الْحَاكِمَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ أَحْوَجُ إِلَى الِاجْتِهَادِ مِنْ غَيْرِهِ فَقَدْ مَضَى مُجْتَهِدُونَ فِى السَّلَفِ مَعَ كَوْنِهِمْ حَاكِمِينَ كَالْخُلَفَاءِ السِّتَّةِ أَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِىٍّ وَالْحَسَنِ بنِ عَلِىٍّ وَعُمَرَ بنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ) رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ (وَ)مِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ خَلِيفَةً مِثْلُ (شُرَيْحٍ الْقَاضِى. وَقَدْ عَدَّ عُلَمَاءُ الْحَدِيثِ الَّذِينَ أَلَّفُوا فِى كُتُبِ مُصْطَلَحِ الْحَدِيثِ الْمُفْتِينَ) أَىِ الْمُجْتَهِدِينَ (فِى الصَّحَابَةِ أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةٍ) ذَكَرَهُ السُّيُوطِىُّ فِى تَدْرِيبِ الرَّاوِى حَتَّى (قِيلَ) إِنَّهُمْ كَانُوا (نَحْوَ سِتَّةٍ وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ) إِنَّ (نَحْوَ مِائَتَيْنِ مِنْهُمْ بَلَغَ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الأَصَحُّ.
فَإِذَا كَانَ الأَمْرُ فِى الصَّحَابَةِ هَكَذَا فَمِنْ أَيْنَ يَصِحُّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْءَانَ وَيُطَالِعَ فِى بَعْضِ الْكُتُبِ أَنْ يَقُولَ أُولَئِكَ رِجَالٌ وَنَحْنُ رِجَالٌ فَلَيْسَ عَلَيْنَا أَنْ نُقَلِّدَهُمْ) وَيَعْنُونَ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَى الِاجْتِهَادِ.
(وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ أَكْثَرَ السَّلَفِ كَانُوا غَيْرَ مُجْتَهِدِينَ بَلْ كَانُوا مُقَلِّدِينَ لِلْمُجْتَهِدِينَ فِيهِمْ فَفِى صَحِيحِ الْبُخَارِىِّ أَنَّ رَجُلًا كَانَ أَجِيرًا لِرَجُلٍ فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ فَسَأَلَ أَبُوهُ) أُنَاسًا مِنَ الصَّحَابَةِ عَمَّا يَجِبُ عَلَى ابْنِهِ (فَقِيلَ لَهُ إِنَّ عَلَى ابْنِكَ مِائَةَ شَاةٍ وَأَمَةً) يَدْفَعُهَا لِزَوْجِهَا (ثُمَّ سَأَلَ أَهْلَ الْعِلْمِ) مِنْهُمْ (فَقَالُوا لَهُ إِنَّ عَلَى ابْنِكَ جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ)
أَىْ إِخْرَاجَهُ عَنْ بَلَدِهِ إِلَى مَسَافَةِ قَصْرٍ لِمُدَّةِ سَنَةٍ (فَجَاءَ إِلَى الرَّسُولِ ﷺ مَعَ زَوْجِ الْمَرْأَةِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنِىَ هَذَا كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا) أَىْ كَانَ أَجِيرًا عِنْدَهُ (وَزَنَى بِامْرَأَتِهِ فَقَالَ لِى نَاسٌ عَلَى ابْنِكَ الرَّجْمُ فَفَدَيْتُ ابْنِىَ مِنْهُ بِمِائَةٍ مِنَ الْغَنَمِ وَوَلِيدَةٍ ثُمَّ سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَقَالُوا إِنَّمَا عَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ)
أَىْ عَلَى وَفْقِ مَا جَاءَ فِى الْقُرْءَانِ ثُمَّ قَالَ مُخَاطِبًا لِزَوْجِ الْمَرْأَةِ (أَمَّا الْوَلِيدَةُ وَالْغَنَمُ فَرَدٌّ عَلَيْهِ) أَىْ تُرَدُّ إِلَيْهِ ثُمَّ قَالَ مُخَاطِبًا لِوَالِدِ الزَّانِى (وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ. فَهَذَا الرَّجُلُ مَعَ كَوْنِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ سَأَلَ أُنَاسًا مِنَ الصَّحَابَةِ فَأَخْطَأُوا الصَّوَابَ ثُمَّ سَأَلَ عُلَمَاءَ مِنْهُمْ) فَأَجَابُوا بِالصَّوَابِ (ثُمَّ أَفْتَاهُ الرَّسُولُ) ﷺ (بِمَا يُوَافِقُ مَا قَالَهُ أُولَئِكَ الْعُلَمَاءُ. فَإِذَا كَانَ الرَّسُولُ أَفْهَمَنَا أَنَّ بَعْضَ مَنْ كَانُوا يَسْمَعُونَ مِنْهُ الْحَدِيثَ لَيْسَ لَهُمْ فِقْهٌ أَىْ مَقْدِرَةٌ عَلَى اسْتِخْرَاجِ الأَحْكَامِ مِنْ حَدِيثِهِ وَإِنَّمَا حَظُّهُمْ أَنْ يَرْوُوا عَنْهُ مَا سَمِعُوهُ مَعَ كَوْنِهِمْ يَفْهَمُونَ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ الْفُصْحَى فَمَا بَالُ هَؤُلاءِ الْغَوْغَاءِ الَّذِينَ) لا يَعْرِفُونَ اللُّغَةَ وَلَيْسَ فِيهِمْ شُرُوطُ الِاجْتِهَادِ (يَتَجَرَّءُونَ عَلَى قَوْلِ أُولَئِكَ رِجَالٌ وَنَحْنُ رِجَالٌ) فَلا نَحْتَاجُ إِلَى تَقْلِيدِهِمْ وَقَوْلُهُمْ (أُولَئِكَ رِجَالٌ يَعْنُونَ) بِهِ (الْمُجْتَهِدِينَ كَالأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ) أَبِى حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِىِّ وَأَحْمَدَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
(وَفِى هَذَا الْمَعْنَى مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ) فِى سُنَنِهِ (مِنْ قِصَّةِ الرَّجُلِ الَّذِى كَانَتْ بِرَأْسِهِ شَجَّةٌ) أَىْ جُرْحٌ (فَأَجْنَبَ فِى لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فَاسْتَفْتَى مَنْ مَعَهُ فَقَالُوا لَهُ اغْتَسِلْ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ فَأُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ قَتَلُوهُ) أَىْ تَسَبَّبُوا فِى مَوْتِهِ (قَتَلَهُمُ اللَّهُ أَلا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِىِّ السُّؤَالُ، أَىْ شِفَاءُ الْجَهْلِ السُّؤَالُ أَىْ سُؤَالُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ وَيَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحُ عَلَيْهَا وَيَغْسِلُ سَائِرَ جَسَدِهِ)
وَهَذَا (الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) كَمَا تَقَدَّمَ (وَغَيْرُهُ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ الِاجْتِهَادُ يَصِحُّ مِنْ مُطْلَقِ الْمُسْلِمِينَ لَمَا ذَمَّ رَسُولُ اللَّهِ) ﷺ (هَؤُلاءِ الَّذِينَ أَفْتَوْهُ وَ)هُمْ (لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْفَتْوَى. ثُمَّ وَظِيفَةُ الْمُجْتَهِدِ الَّتِى هِىَ خَاصَّةٌ لَهُ الْقِيَاسُ أَىْ أَنْ يَعْتَبِرَ مَا لَمْ يَرِدْ بِهِ نَصٌّ بِمَا وَرَدَ فِيهِ نَصٌّ لِشَبَهٍ بَيْنَهُمَا) أَىْ إِلْحَاقُ
مَا لَمْ يُنَصَّ عَلَيْهِ بِالأَصْلِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ لِعِلَّةٍ تَجْمَعُهُمَا فِى الْحُكْمِ كَتَحْرِيمِ ضَرْبِ الْوَالِدَيْنِ فَإِنَّهُ قِيسَ عَلَى تَحْرِيمِ التَّأْفِيفِ بِالأَبَوَيْنِ الْوَارِدِ فِى الْقُرْءَانِ (فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنَ الَّذِينَ) يَدَّعُونَ الِاجْتِهَادَ وَ(يَحُثُّونَ أَتْبَاعَهُمْ عَلَى الِاجْتِهَادِ مَعَ كَوْنِهِمْ وَكَوْنِ مَتْبُوعِيهِمْ بَعِيدِينَ عَنْ هَذِهِ الرُّتْبَةِ فَهَؤُلاءِ يُخَرِّبُونَ وَيَدْعُونَ أَتْبَاعَهُمْ إِلَى التَّخْرِيبِ فِى أُمُورِ الدِّينِ وَشَبِيهٌ بِهَؤُلاءِ أُنَاسٌ تَعَوَّدُوا فِى مَجَالِسِهِمْ أَنْ يُوَزِّعُوا عَلَى الْحَاضِرِينَ تَفْسِيرَ ءَايَةٍ أَوْ حَدِيثٍ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ لَهُمْ تَلَقٍّ مُعْتَبَرٌ مِنْ أَفْوَاهِ الْعُلَمَاءِ فَهَؤُلاءِ الْمُدَّعُونَ) لِلِاجْتِهَادِ (شَذُّوا عَنْ عُلَمَاءِ الأُصُولِ) أَىْ أُصُولِ الْفِقْهِ (لِأَنَّ عُلَمَاءَ الأُصُولِ قَالُوا الْقِيَاسُ وَظِيفَةُ الْمُجْتَهِدِ وَخَالَفُوا عُلَمَاءَ الْحَدِيثِ أَيْضًا) فَكَمْ مِنْ حُفَّاظٍ يَحْفَظُونَ الآلافَ مِنَ الْمُتُونِ وَالأَسَانِيدِ وَأَحْوَالِ الرُّوَاةِ يُقَلِّدُونَ غَيْرَهُمْ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ وَلا يَرَوْنَ لِأَنْفُسِهِمْ رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ.
