(وَالْحِسَابُ حَقٌّ) يَجِبُ الإِيمَانُ بِهِ (وَهُوَ عَرْضُ أَعْمَالِ الْعِبَادِ عَلَيْهِمْ) أَىْ يُعْرَضُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا عَمِلُوا فِى الدُّنْيَا فَيُعْطَى كُلُّ إِنْسَانٍ كِتَابَ عَمَلِهِ وَالْمُؤْمِنُ يَأْخُذُ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيَأْخُذُ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهِ وَهَذَا الْكِتَابُ هُوَ الَّذِى كَتَبَهُ الْمَلَكَانِ رَقِيبٌ وَعَتِيدٌ فِى الدُّنْيَا (وَيَكُونُ) الْحِسَابُ (بِتَكْلِيمِ اللَّهِ لِلْعِبَادِ جَمِيعِهِمْ فَيَفْهَمُونَ مِنْ كَلامِ اللَّهِ السُّؤَالَ عَمَّا فَعَلُوا بِالنِّعَمِ الَّتِى أَعْطَاهُمُ اللَّهُ إِيَّاهَا فَيُسَرُّ الْمُؤْمِنُ التَّقِىُّ وَلا يُسَرُّ الْكَافِرُ) بَلْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ الْخَوْفُ وَالْقَلَقُ (لِأَنَّهُ لا حَسَنَةَ لَهُ فِى الآخِرَةِ بَلْ يَكَادُ يَغْشَاهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَرَدَ فِى الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبُّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ تَرْجُمَانٌ) أَىْ مِنْ غَيْرِ وَاسِطَةِ مَلَكٍ (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِىُّ).
فَاللَّهُ تَعَالَى يُكَلِّمُ كُلَّ إِنْسَانٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَسْمَعُ الْعَبْدُ كَلامَ اللَّهِ الأَزَلِىَّ الَّذِى لَيْسَ حَرْفًا وَلا صَوْتًا وَلا لُغَةً لا يُبْتَدَأُ وَلا يُخْتَتَمُ فَيَفْهَمُ الْعَبْدُ مِنْ كَلامِ اللَّهِ السُّؤَالَ عَنْ أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ وَاعْتِقَادَاتِهِ وَيَنْتَهِى حِسَابُهُمْ فِى وَقْتٍ قَصِيرٍ. فَلَوْ كَانَ حِسَابُ اللَّهِ لِخَلْقِهِ مِنْ إِنْسٍ وَجِنٍّ بِالْحَرْفِ وَالصَّوْتِ مَا كَانَ يَنْتَهِى حِسَابُهُمْ فِى مِائَةِ أَلْفِ سَنَةٍ لِأَنَّ الْخَلْقَ كَثِيرٌ وَحِسَابُ الْعِبَادِ لَيْسَ عَلَى الْقَوْلِ فَقَطْ بَلْ عَلَى الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ وَالِاعْتِقَادِ فَلَوْ كَانَ حِسَابُهُمْ بِالْحَرْفِ وَالصَّوْتِ لَاسْتَغْرَقَ حِسَابُهُمْ زَمَانًا طَوِيلًا جِدًّا وَلَمْ يَكُنِ اللَّهُ أَسْرَعَ الْحَاسِبِينَ بَلْ لَكَانَ أَبْطَأَ الْحَاسِبِينَ وَهَذَا خِلافُ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ﴾ أَىْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَسْرَعُ مِنْ كُلِّ حَاسِبٍ.
(الْمِيزَانُ)
(وَالْمِيزَانُ حَقٌّ) يَجِبُ الإِيمَانُ بِهِ قَالَ تَعَالَى ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ (وَهُوَ) مِنْ حَيْثُ التَّرْكِيبُ (كَمِيزَانِ الدُّنْيَا) لَكِنَّهُ أَكْبَرُ حَجْمًا (لَهُ قَصَبَةٌ وَعَمُودٌ وَكَفَّتَانِ كَفَّةٌ لِلْحَسَنَاتِ وَكَفَّةٌ لِلسَّيِّئَاتِ تُوزَنُ بِهِ الأَعْمَالُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالَّذِى يَتَوَلَّى وَزْنَهَا) الْمَلَكَانِ (جِبْرِيلُ وَمِيكَائِيلُ وَمَا يُوزَنُ إِنَّمَا هُوَ الصَّحَائِفُ الَّتِى كُتِبَ عَلَيْهَا الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ)
فَتُوضَعُ صَحَائِفُ الْحَسَنَاتِ فِى كَفَّةٍ وَصَحَائِفُ السَّيِّئَاتِ فِى الْكَفَّةِ الأُخْرَى (فَمَنْ رَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ) مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّجَاةِ) وَالْفَوْزِ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ غَيْرِ عَذَابٍ (وَمَنْ تَسَاوَتْ حَسَنَاتُهُ وَسَيِّئَاتُهُ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّجَاةِ أَيْضًا وَلَكِنَّهُ أَقَلُّ رُتْبَةً مِنَ الطَّبَقَةِ الأُولَى وَأَرْفَعُ مِنَ الثَّالِثَةِ) فَإِنَّهُ يَمْكُثُ
مُدَّةً عَلَى الأَعْرَافِ ثُمَّ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَالأَعْرَافُ سُورُ الْجَنَّةِ وَهُوَ عَرِيضٌ وَاسِعٌ (وَ)أَمَّا (مَنْ رَجَحَتْ سَيِّئَاتُهُ عَلَى حَسَنَاتِهِ فَهُوَ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللَّهِ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ) مُدَّةً فِى النَّارِ ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ (وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ) وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ مِنْ غَيْرِ عَذَابٍ (وَأَمَّا الْكَافِرُ فَتَرْجَحُ كَفَّةُ سَيِّئَاتِهِ لا غَيْرُ لِأَنَّهُ لا حَسَنَاتِ لَهُ فِى الآخِرَةِ لِأَنَّهُ أُطْعِمَ بِحَسَنَاتِهِ فِى الدُّنْيَا) أَىْ جُوزِىَ فِى الدُّنْيَا عَلَى مَا عَمِلَهُ مِنْ حَسَنَاتٍ بِالرِّزْقِ وَصِحَّةِ الْجِسْمِ وَنَحْوِ ذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَمَّا الْكَافِرُ فَيُطْعَمُ بِحَسَنَاتِهِ فِى الدُّنْيَا حَتَّى إِذَا أَفْضَى إِلَى الآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْهَا نَصِيب رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
(الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ)
(الثَّوَابُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَقِّ) أَىْ أَهْلِ السُّنَّةِ (لَيْسَ بِحَقٍّ لِلطَّائِعِينَ وَاجِبٍ عَلَى اللَّهِ وَإِنَّمَا هُوَ فَضْلٌ مِنْهُ) أَىْ لا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُثِيبَ الطَّائِعِينَ لَكِنَّهُ وَعَدَهُمْ بِالثَّوَابِ وَوَعْدُهُ حَقٌّ وَلا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ (وَ)الثَّوَابُ (هُوَ الْجَزَاءُ الَّذِى يُجْزَى بِهِ الْمُؤْمِنُ مِمَّا يَسُرُّهُ فِى الآخِرَةِ) عَلَى مَا عَمِلَهُ مِنَ الطَّاعَاتِ (وَالْعِقَابُ لا يَجِبُ عَلَى اللَّهِ أَيْضًا إِيقَاعُهُ لِلْعُصَاةِ)
فِى الآخِرَةِ (وَإِنَّمَا هُوَ عَدْلٌ مِنْهُ وَهُوَ مَا يَسُوءُ الْعَبْدَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) جَزَاءً عَلَى مَا ارْتَكَبَهُ مِنَ الْمَعَاصِى (وَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ أَكْبَرَ وَأَصْغَرَ فَالْعِقَابُ الأَكْبَرُ هُوَ دُخُولُ النَّارِ) أَىْ جَهَنَّمَ (وَ)أَمَّا (الْعِقَابُ الأَصْغَرُ) فَهُوَ (مَا سِوَى ذَلِكَ) مِنَ الْعَذَابِ (كَأَذَى حَرِّ الشَّمْسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَإِنَّهَا تُسَلَّطُ عَلَى الْكُفَّارِ فَيَعْرَقُونَ حَتَّى يَصِلَ عَرَقُ أَحَدِهِمْ إِلَى فِيهِ)
أَىْ فَمِهِ (وَلا يَتَجَاوَزُ عَرَقُ هَذَا الشَّخْصِ إِلَى شَخْصٍ ءَاخَرَ بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ حَتَّى يَقُولَ الْكَافِرُ مِنْ شِدَّةِ مَا يُقَاسِى مِنْهَا رَبِّ أَرِحْنِى) أَىْ أَنْقِذْنِى مِنْ عَذَابِ حَرِّ الشَّمْسِ (وَلَوْ إِلَى النَّارِ) أَمَّا بَعْضُ أَهْلِ الْكَبَائِرِ منَ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُمْ يُعَاقَبُونَ بِحَرِّ الشَّمْسِ لَكِنْ عِقَابًا أَقَلَّ مِمَّا يُقَاسِيهِ الْكُفَّارُ (وَيَكُونُ الْمُؤْمِنُونَ الأَتْقِيَاءُ تِلْكَ السَّاعَةَ تَحْتَ ظِلِّ الْعَرْشِ وَهَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِى ظِلِّهِ، أَىْ فِى ظِلِّ عَرْشِهِ) جَعَلَنَا اللَّهُ مِنْهُمْ.
فَمَنْ أَثَابَهُ اللَّهُ فَبِفَضْلِهِ وَمَنْ عَاقَبَهُ فَبِعَدْلِهِ وَلا يَظْلِمُ اللَّهُ أَحَدًا لِأَنَّهُ الْمَالِكُ الْحَقِيقِىُّ لِكُلِّ شَىْءٍ فَهُوَ يَفْعَلُ فِى مِلْكِهِ مَا يَشَاءُ فَلا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ الظُّلْمُ لِأَنَّ الظُّلْمَ يُتَصَوَّرُ مِمَّنْ لَهُ ءَامِرٌ وَنَاهٍ كَالْعِبَادِ إِذِ الظُّلْمُ هُوَ مُخَالَفَةُ أَمْرِ وَنَهْىِ مَنْ لَهُ الأَمْرُ وَالنَّهْىُ وَاللَّهُ تَعَالَى لَيْسَ لَهُ ءَامِرٌ وَلا نَاهٍ قَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾.
(الصِّرَاطُ)
(وَالصِّرَاطُ حَقٌّ) يَجِبُ الإِيمَانُ بِهِ (وَهُوَ جِسْرٌ عَرِيضٌ مَمْدُودٌ عَلَى) ظَهْرِ (جَهَنَّمَ) أَىْ فَوْقَهَا (تَرِدُ عَلَيْهِ الْخَلائِقُ فَمِنْهُمْ مِنْ يَرِدُهُ وُرُودَ دُخُولٍ) إِلَى النَّارِ (وَهُمُ الْكُفَّارُ وَبَعْضُ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ أَىْ يَزِلُّونَ مِنْهُ إِلَى جَهَنَّمَ) فَالْكُفَّارُ يَقَعُونَ مِنْهُ فِى ابْتِدَاءِ وُرُودِهِمْ وَبَعْضُ عُصَاةِ الْمُسْلِمِينَ يَمْشُونَ عَلَيْهِ مَسَافَةً ثُمَّ يَقَعُونَ مِنْهُ وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ الْكَلالِيبُ الْمَوْجُودَةُ عَلَى جَانِبَيْهِ فَيَكَادُ يَقَعُ ثُمَّ تُفْلِتُهُ فَيَمُرُّ عَلَى الصِّرَاطِ (وَمِنْهُمْ) أَىْ وَمِنَ النَّاسِ (مَنْ يَرِدُهُ وُرُودَ مُرُورٍ فِى هَوَائِهِ) وَهُمُ الأَتْقِيَاءُ أَىْ يَمُرُّونَ فِى هَوَائِهِ طَائِرِينَ (فَمِنْ هَؤُلاءِ مَنْ يَمُرُّ كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمُرُّ كَطَرْفَةِ عَيْنٍ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى ظَاهِرِهِ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ).
(وَ)الصِّرَاطُ (أَحَدُ طَرَفَيْهِ فِى الأَرْضِ الْمُبَدَّلَةِ وَ)الطَّرَفُ (الآخَرُ فِيمَا يَلِى الْجَنَّةَ) بَعْدَ النَّارِ أَىْ قَبْلَ الْجَنَّةِ وَبَعْدَ النَّارِ (وَقَدْ وَرَدَ فِى صِفَتِهِ أَنَّهُ دَحْضٌ مَزَلَّةٌ) أَىْ أَمْلَسُ تَزِلُّ مِنْهُ الأَقْدَامُ (وَمِمَّا وَرَدَ) فِيهِ (أَنَّهُ أَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ وَأَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ كَمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ) أَنَّهُ قَالَ (بَلَغَنِى أَنَّهُ أَدَقُّ مِنَ الشَّعْرَةِ وَأَحَدُّ مِنَ السَّيْفِ وَلَمْ يَرِدْ مَرْفُوعًا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ) أَىْ لَيْسَ مِنْ كَلامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (وَلَيْسَ الْمُرَادُ ظَاهِرَهُ بَلْ هُوَ عَرِيضٌ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّ خَطَرَهُ عَظِيمٌ فَإِنَّ يُسْرَ الْجَوَازِ عَلَيْهِ وَعُسْرَهُ عَلَى قَدْرِ الطَّاعَاتِ وَالْمَعَاصِى وَلا يَعْلَمُ حُدُودَ ذَلِكَ إِلَّا اللَّهُ فَقَدْ وَرَدَ فِى الصَّحِيحِ) أَىْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ (أَنَّهُ تَجْرِى بِهِمْ أَعْمَالُهُمْ مَعْنَاهُ أَنَّ أَعْمَالَهُمْ تَصِيرُ لَهُمْ قُوَّةَ السَّيْرِ).
