بسم اللهِ الرحمنِ الرحيمِ
الحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ وصلَّى اللهُ وسلَّم على سيدِنا محمدٍ وعلى ءالِهِ وصحبِهِ الطيبينَ الطاهرينَ
وبعدُ فهذه تعليقاتٌ لطيفةٌ على القَوْلِ الجَلِىِّ فِى حَلِّ ألفَاظِ مُخْتَصَرِ عَبْدِ اللهِ الهَرَرِىِّ رحمَهُ اللهُ تعالى وقد وضعتُ متنَ المختَصرِ باللونِ الأحمرِ والقولَ الجليَّ باللونِ الأسودِ وأمَّا التعليقاتُ فباللونِ الأخضرِ وأكثرُها من كتابِ شيخِنا الهرريِّ رحمَه اللهُ تعالى بغيةِ الطالبِ ومن شرحِ شيخِى وأستاذِى الشيخِ سميرٍ القاضي حفظَه اللهُ أردتُ بذلك معاونةَ الإخوةِ والأخواتِ الذين يُدَرِّسونَ هذا الكتابَ ومشاركتَهُم هذا الخيرَ ليستعينوا به أثناءَ تدريسِهِم له ولنكونَ متَّبِعينَ غيرَ مُبْتدِعينَ حتى في التعبيرِ كما قال بعضُ أهلِ العلمِ اتَّبِعْ ولا تَبْتَدِعْ حتى فى التعبيرِ ولم يكن المقصودُ من ذلك تأليفَ كتابٍ فلستُ من أهلِ التأليفِ والتصنيفِ وإنَّما المرادُ ما بيَّنتُه قبلُ وكيْ لا يُتَوَهَّمَ أنِّي من ألَّفَ هذا الكتابَ ولِأُسنِدَ الأمر لأهله الذين تكرَّموا عليَّ وعلَّموني جزاهُم اللهُ عنَّي وعن المسلمين خيرًا أسأَلُ اللهُ أنْ يجعلني وإيَّاكم من المخلصينَ المقبولينَ أرجو منكم أن تتكرموا علي وعلى مشايخي بالدعاء.
بسمِ اللهِ الرَّحمنِ الرحيمِ أى أبتدئُ تصنيفى لهذا الكتابِ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرحيمِ) أى ذاكرًا له أي لاسم الله متبركًا به أي باسم الله ولفظ الجلالة الله علم للذات المقدس المستحق لنهاية التعظيم وغاية الخضوع ومعناه من له الإلهية وهي القدرة على الاختراع أي إبراز المعدوم إلى الوجود. وابتدأ المصنف مصنَّفَه بالبسملة اقتداءً بالقرءان الكريم وعملًا بقولِهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم كلُّ أمر ذي بالٍ أي ذي حالٍ يهتم به شرعًا لا يُبدأُ فيه ببسم الله الرحمن
الرحيم فهو أقطع اهـ والمعنى أنه ناقص وقليل البركة فالأمر أي الذي له شرف شرعا الذي لا يبدأ بها فهو وإن تم حسًّا لا يتم معنى سوى ما لم يرد فيه ذلك بل ورد فيه غيرها كالصلاة تُبدأ بالتكبير والدعاء يُبدأ بلفظ الحمد وقد جرت عادة السلف والخلف على تصدير مؤلفاتهم ومكاتيبهم بهذه الكلمة الطيبة العظيمة والرحمن تفسيره الكثير الرحمة للمؤمنين والكافرين في الدنيا وللمؤمنين في الآخرة والرحيم تفسيره الكثير الرحمة للمؤمنين والرحمن خاص لله لا يسمى به غيره ولا يوصف والرحيم يوصف به غير الله تعالى فيقال رجل رحيم ولا يقال رحمـٰن اهـ فإن شئتَ تقدِّر ابتدائي وإن شئتَ أبتدئ، أو أصنف إذا كان الشخص يصنِّف شيئًا يقولون أن تقدر أصنف هذا أحسن لأنك تكون بذلك أردت أن كل التصنيف متلبِس بالبسملة ولكن الشيخ رحمه الله تعالى قال بسم الله الرحمن الرحيم أى أبتدئ يعني قدّر أبتدئ وإلا يصح أن يقدّر غير ذلك على حسب ما يقدر الشخص،
أبتدئ هذا الفعل متبركا باسم الله، يعني بسم الله الرحمن الرحيم يحتمل أن يكون قصد من يكتب ذلك أبتدئ بسم الله ويحتمل أن يكون قصده ابتدائي بسم الله أو أصنف بسم الله يعني كل التصنيف الذي أصنفه أصنفه بسم الله يحتمل هذا وهذا وهذا لكن الشيخ هو أوضح ماذا أراد هو قال أي أبتدئ أي ما كان في قلبه عرفناه لأنه هو صرّح وإلا فهو يحتمل أن يكون التقدير ابتدائي أو أصنف بسم الله، الشيخ بيّن ما أراد فقال أبتدئ لذلك قلنا أبتدئ مع (الحمدِ للهِ) معنى الحمدِ الثناء باللسان على الجميل الاختياري على جهة التبجيل والتعظيم أي نثني على الله ونمدحُه بألسنتنا على ما أنعم به علينا من النعم التي لا نُحصيها من غير وجوب عليه قال رسول الله صلى الله عليه و سلم " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد للهِ فهو أقطع" رواه أبو داود وغيره (ربِّ العالمين) أى المالك لكل ما دخل فى الوجود قال ابن منظور في لسان العرب الرب هو الله عز وجل وهو رب كل شىء أي مالكه وله الربوبية على جميع الخلق لا شريك له وهو رب الأرباب ومالك الملوك والأملاك،
ولا يقال الربُّ في غير الله إلا بالإضافة اهـ ثم قال ورب كل شىء مالكه ومستحقه وقيل صاحبه ويقال فلان رب هذا الشىء أي مِلكه له وكل من ملك شيئًا فهو ربه يقال هو رب الدابة ورب الدار اهـ والعالمون اسم جمع للعالم وهو كل ما سوى الله وسمي عالما لكونه علامة أي دليلا على وجود الله تعالى (الحى القيوم) القيوم والقيام بمعنى واحد وهو الدائم الذي لا يزول (المدبر) أى المقدر التدبير والتقدير معناهما واحد وإن شئت قلتَ جعلُ كل شىء على ما هو عليه، التدبير معناه التقدير
والقدر الذي هو صفة لله تعالى هو تدبير الله الأشياءَ على وجه مطابق لعلم الله الأزلي ومشيئته الأزلية فيوجدها في الوقت الذي علم أنها تكون فيه (لجميع) ذوات (المخلوقين) وأفعالهم وأقوالهم وأحوالهم (والصلاة) من الله معناها التعظيم أي نطلب من الله أن يزيد سيدنا محمدا تعظيما (والسلام) معناه الأمان أي نطلب من الله لرسوله الأمان مما يخافه على أمته أي أمّنه مما يخافه عليها (الأتمَّان الأكملان على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحبه) الطيبين الطاهرين (وبعد) أي وبعدَ ما تقدّم ذكره (فهذا) كتابٌ (مختصرٌ) أى قليل الألفاظ كثير المعانى هذا حال الاختصار عند العلماء هذا مرادهم بالاختصار أن تأتي بالمعنى الكثير في اللفظ القليل أن يكون لفظه قليلا ومعناه واسعا (جامع لأغلب الضروريات) من علوم الدين (التى) لا يُستغنى عنها لا يستغنى عنها هذه الكلمة شرح للضروريات الذي لا يستغنى عنه يقال له ضروري و(لا يجوز لكل مكلف جهلها من) أمور (الاعتقاد ومسائلَ فقهيةٍ من الطهارة إلى الحج) بما يشمَل الصلاة والزكاة والصيام من الطهارة إلى الحج أي بما يشمل الطهارة والحج،
الطهارة داخلة والحج داخل (وشىءٍ) قليلٍ (من أحكام المعاملات) جمع معاملة وهي ما يتعاطاه الناس فيما بينهم كالبيع والشراء والإجارة والقراض والرهن ونحوها مع بيان حكم الربا وبعضِ البيوع المحرمة (على مذهب الإمام) المجتهد العلم محمد بن إدريس (الشافعىِّ) القرشىِّ المطلبىِّ رضِىَ اللهُ تعالى عنه المولودِ سنة مائة وخمسين للهجرة والمتوفى سنة مائتين وأربع وهو الإمام المجتهد محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم ابن المطلب بن عبد مناف بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب ابن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار ابن معد بن عدنان.
وإنما قيل له الشافعى نسبةً إلى شافع بن السائب وهو صحابى ابن صحابي. ولد بغزة هاشم وقيل باليمن سنة خمسين ومائة من الهجرة وتوفى بمصر ليلة الخميس وقيل ليلة الجمعة من سلخ رجب سنة أربع ومائتين. رحمه الله رحمة واسعة. انظر مناقب الشافعى لابن أبي حاتم ومناقب الشافعى للبيهقى قال الشيخ رحمه الله مذهب الشافعي لا غبار عليه والمذهب في اللغة طريق الذهاب ثم استعمل لما ذهب إليه المجتهد من الأمور الاجتهادية (ثم بيانِ) الواجباتِ القلبيةِ و(معاصى القلبِ والجوارحِ) جمع جارحة وهى أعضاء الإنسان (كاللسان وغيره) من بطن وعين وأذن ويد وفرج ورجل والعلماء يذكرون جوارحَ سبعةً عادة يقولون الجوارح سبعة يقولون اللسان واليد والرجل والعين والأذن والبطن والفرج قال في لسان العرب وجوارح الإنسان أعضاؤه وعوامل جسده كيديه ورجليه واحدتُها جارحة اهـ ثم بيانِ معاصى البدن أي المعاصي التي لا تختص بها جارحة بعينها من جوارح البدن ليُختَمَ الكتابُ بفصلٍ عُقِدَ لبيان التوبة.
(الأصلُ) الذى أخذ منه المؤلفُ كتابَهُ المختصرَ هو كتابُ "سلَّمِ التوفيق إلى محبة الله على التحقيق كتاب سلم التوفيق هو كتاب مختصر لكتاب آخر مأخوذ من كتاب آخر (لبعض الفقهاء الحضرميين) نسبة إلى حضرموت في اليمن (وهو) العالم الفقيه الشيخ (عبد الله بن حسين بن طاهر) بن محمد بن هاشم الشافعىُّ العلوىُّ اهتم عدد من علماء المذهب الشافعي باختصار المطولات وجمعِ ما يتعلق بالفرض العيني من علم الدين وكان منهم عبد الله بن حسين بن طاهر رحمه الله تعالى أشهر علماء حضرموت
في زمانه وأكثرهم تبجيلاً من أهل بلاده فصنف مختصرًا سماه سلم التوفيق إلى محبة الله على التحقيق والعلوي هنا نسبة إلى رجل من أهل البيت يقال له علوي بن عبيد الله هذا في اصطلاح أهل حضرموت ليس المراد بالعلوي هنا المنسوبَ إلى سيدنا علي بن أبي طالب إنما نسبة إلى رجل اسمه علوي من ذرية أحمدَ المهاجر الذي هاجر إلى تلك النواحي المولود سنة ألف ومائة وإحدى وتسعين والمتوفى سنة ألف ومائتين واثنتين وسبعين اختُصِرَ كتابُهُ (ثم ضُمِنَ زياداتٍ كثيرةً من نفائس المسائل) ونفائس المسائل معناها المسائل الحسنة تكشف مكنونات هذا الكتاب مكنونات الكتاب أي مخبآت الكتاب الأشياء التي هي غير ظاهرة وتوضحه (مع حذف ما ذكره) الشيخ عبد الله بن حسين (فى التصوف) مما لا يدخل تحت موضوع الكتاب حذف ما يتعلق بالتصوف مما ليس هو من الفرض العيني لأن المختصِر رحمه الله أراد أن يجمع فى هذا الكتاب الضرورياتِ من علم الدين وهذه الأمورُ ليست منها لذلك بعض المسائل المتعلقة بالتصوف حذفها،
ما لا علاقة له من التصوف بالفرض العيني من علم الدين حذفه مع كونه رحمه الله تعالى أورد في مختصره أمورا ليست من الضروريات لفائدة رآها (و)مع (تغييرٍ لبعض العبارات) بعبارات أوضح (مما لا يؤدى إلى خلاف الموضوع) لأن الموضوع هو بيان الفرض العيني، تغيير بعض العبارات إلى عبارات أوضح لا يؤدي إلى خلاف الموضوع وهذا الكتاب مع اختصاره لم يُفْرَد لبيان العلم الضروري بل كان معه أشياء أخرى زائدة على ذلك فرأى الفقيه المحدث الشيخ عبد الله بن محمد الهرري رحمه الله تعالى
أن يحذفَ كثيرًا من هذه الزوائد ويُبدلَ بعض العبارات بأوضحَ منها أو بأقوى فاختصر كتاب سلم التوفيق في كتاب سماه مختصر عبد الله الهرري الكافل بعلم الدين الضروري قال رحمه الله (وقد نذكر ما رجحه بعضٌ من الفقهاء الشافعيين كالبلقينىّ) نسبة إلى بلقينة وهى بلدة في مصر الإمامِ سراجِ الدين عمرَ بنِ رَسلانَ المولودِ سنة سبعِمائة وأربع وعشرين والمتوفى سنة ثمانمائة وخمس ذكر الشيخ ما رجحه البلقيني لتضعيف بعض ما في الأصل حتى لا يعترض عليه لأن صاحب سلم التوفيق أخذ
بترجيح النووي في كل ما اختلَف فيه ترجيح النووي والرافعي ومشهور عند الشافعية أنهم يأخذون بترجيح النووي إذا اختلَف ترجيحه وترجيح الرافعي يقدمون ترجيح النووي على ترجيح الرافعي لهذا شيخنا رحمه الله ذكر أن البلقيني رحمه الله ضعف أحيانا ما رجحه النووي على أن أصحاب المهارة في المذهب الشافعي يقولون إن ما قاله بعض الشافعية من أنه إذا اختلف ترجيح النووي وترجيح الرافعي يقدم فيه ترجيح النووي قالوا هذا ليس على الإطلاق إنما من حيث الغالب بعض الأقوال والوجوه المذكورة
في الأصل الذي هو سلم التوفيق ضعيفة وهي من اختيارات النووي والشافعية لهم قاعدة يمشون عليها يقولون إذا اختلفت الوجوه والأقوال في المذهب ورجح النووي والرافعي واحدا منها فما رجحاه هو المعتمد فإن اختلف ترجيحهما فالمعتمد ترجيح النووي ولكن هذه ليست قاعدة تنطبق في كل الأحوال إنما في بعض الأحوال قد يكون المعتمدُ ما رجحه الرافعي أو النووي لكن بما أن كثيرا من الناس ممن ينتسبون للمذهب الشافعي إذا سمعوا هذا الكلام قد يقولون كيف تحذف ما رجحه النووي وهو المعتمد
فبذكر شيخنا أن البلقيني هو من ضعف هذا القول والبلقيني أعلى رتبة في المذهب من النووي يكون الشيخ قد سد عليهم باب الاعتراض عليه ليقبلوا القول المعتمد في المذهب ولو كان ترجيح النووي خلافه وسراج الدين عمر بن رسلان بن نصير بن صالح الكنانى العسقلانى الأصل ثم البلقينى المصرى الشافعى ولد سنة 724هـ ليلة الجمعة ثانى عشر شعبان سنة أربع وعشرين وسبعمائة قيل إنه اجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها فقيل إنه مجدد القرن التاسع أو الثامن توفى بالقاهرة نهار الجمعة حادى
عشر ذى القعدة سنة 805هـ (لتضعيف ما) ذُكر (فى الأصل فينبغى) على المكلف (عنايته به) أى بالمختصر بأن يتلقاه ويدرسه ويعيدَ مسائله إلى أن يحفظها وترسخ فى قلبه وذلك مع إخلاص النية لله تعالى (ليُقْبَلَ عمله) عند الله ليكون العمل مقبولا عند الله لا بد من أمرين إخلاص النية وموافقة الشرع وهل يعرف الإنسان أن عمله موافق للشرع مقبولٌ عند الله إلا بالعلم وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد أي مردود رواه مسلم وقال أيضا إن الله
لا يقبل من العمل إلا ما كان له خالصا وابتغي به وجهُه رواه أبو داود والنسائي (أسميناه مختصر عبد الله الهررىّ الكافل بعلم الدين الضرورىِّ) وهو العلم الشامل لمعرفة الله ومعرفة رسوله صلى الله عليه وسلم وغيرِ ذلك من ضروريات الاعتقاد والشاملُ أيضًا لمعرفة أحكام العبادات وغير ذلك من ضروريات علم الدين الأصل في الدين العقيدة ويطلق على ما ورد به الشرع من التعبد ويطلق على الطاعة والعبادة والجزاء والحساب وفي المصباح المنير ودان بالإسلام دِينا بالكسر تعبد به وتدين
به إهـ ولما كان ويصح كانت معرفةُ الله ورسولِهِ صلى الله عليه وسلم والإيمان بهما هو أهمَّ الواجبات وأفضلَها بدأ المؤلف رحمه الله كتابه بالكلام على (ضروريات الاعتقاد) أى ما لا يستغنى المكلفُ عنه من أمور العقيدة فقال (فصلٌ) فى بيان معنى الشهادتين (يجب على كافة) أى جميع (المكلفين) جمع مكلف وهو البالغ ويكون البلوغ بالنسبة للذكر بحصول أمر من اثنين رؤية المني أو بلوغ خمس عشرة سنة قمرية وبالنسبة للأنثى بحصول أمر من ثلاثة رؤية المني أو رؤية دم الحيض أو بلوغ
خمس عشرة سنة قمرية العاقل الذى بلغه أصل دعوة الإسلام أى من بلغه أنَّه لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم سواء بطريق السمع أم غيره كالقراءة كيفما بلغه بهذا اللفظ أو بما يعطي معناه (الدخولُ فى دين الإسلام) فورًا يفهم منه أنَّه لا يجوز أن يؤخر نفسه عن الدخول في الإسلام بنية أو فعل أو قول لأنَّ تأخيره يعد تماديا في الكفر إن كان كافرًا (والثبوت) أى الملازمة (فيه على الدوام) بحيث يخلو قلبُهُ عن أىّ عزمٍ على ترك الإسلام فى المستقبل
أو ترددٍ فى ذلك فإنّ من عَزَمَ على الكفر فى المستقبل أو تردد في ذلك كفر فى الحال العازم على الكفر في المستقبل قلبه الآن ليس معقودا على الإيمان الصحيح (و) يجب عليه أيضًا (التزامُ ما لزم عليه) أى على المكلف (من الأحكام) التى ألزمه بها الشرع ذلك بأن يؤدىَ جميع الواجبات ويجتنب جميع المحرمات والأحكام الشرعية التكليفية خمسة الواجب والمندوب والمباح والحرام والمكروه اللازم منها أداء الواجبات واجتناب المحرمات فيُعْلَمُ من ذلك أن الصبىَّ الذى مات دون البلوغ
ليس عليه مسئولية فى الآخرة وكذلك من جُنَّ قبل البلوغ واتصل جنونه إلى ما بعد البلوغ حتى مات وهو مجنون فليس مكلفًا لحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه أحمد "رفع القلم عن ثلاث عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يعقل" وكذلك الذى عاش بالغًا عاقلاً ولم تبلغه دعوة الإسلام أى أصلُ الدعوة وهو الشهادتان أو ما يعطي معناهما لقوله تعالى ﴿وما كنا معذِّبين حتى نبعث رسولا﴾ فمن سمع الشهادتين فى الأذان وهو يفهم العربية وكان بالغًا عاقلاً فهو مكلفٌ فإن مات ولم يُسْلِمِ استحقَّ العذابَ الأبدىَّ فى النار والكلام هنا عن البالغ العاقل (فمما يجب) على المكلف سواءٌ كان مسلمًا أم كافرًا (علمُهُ واعتقادُهُ) بأن يذعنَ قلبُهُ له ويرضى به (مطلقًا) أى فى كل أحواله (والنطق به) باللسان (فى الحال إن كان) المكلف (كافرًا) أصليًا أو مرتدًا قال النووي في شرحه على مسلم كتاب الإيمان باب من مات على التوحيد دخل الجنة.
ومذهب أهل السنة أنَّ المعرفة مرتبطة بالشهادتين لا تنفع إحداهما ولا تنجي من النار دون الأخرى إلا لمن لم يقدر على الشهادتين لآفة بلسانه اهـ وقال في الروضة في كتاب الكفارات. فرع يصح إسلام الأخرس بالإشارة المفهمة اهـ وليعلم أن الإسلام لغة الانقياد والاستسلام وشرعا انقياد مخصوص لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم والإيمان لغة معناه التصديق وشرعا تصديق مخصوص لما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام والإيمان والإسلام متلازمان لا يصح كل منهما بدون الآخر قال الإمام
أبو حنيفة في الفقه الأكبر والإسلام هو التسليم والانقياد لأوامر الله تعالى فمن طريق اللغة فرق بين الإيمان والإسلام ولكن لا يكون إيمان بلا إسلام ولا يوجد إسلام بلا إيمان وهما كالظهر مع البطن اهـ قال ملا علي القاري فإنَّ الإيمان في اللغة هو التصديق كما قال الله تعالى ﴿وما أنت بمؤمن لنا﴾ والإسلام مطلق الانقياد ومنه قوله تعالى ﴿وله أسلم﴾ أي انقاد ﴿من في السموات والأرض طَوْعًا﴾ أي الملائكة والمسلمون ﴿وكَرْهًا﴾ أي الكفرة حين البأس فالإيمان مختص بالانقياد
الباطني والإسلام مختص بالانقياد الظاهري كما يشير إليه قوله تعالى ﴿قالت الأعراب ءامنّا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولمَّا يدخلِ الإيمانُ في قلوبكم﴾ وكما يدل عليه حديث جبرائيل حيث فرَّق بين الإيمان والإسلام بأن جعل الإيمانَ محضَ التصديق والإسلامَ هو القيامَ بالإقرارِ وعملِ الأبرار في مقام التوفيق (ولكن لا يكون) أي لا يوجد في اعتبار الشريعة (إيمان بلا إسلام) أي انقياد باطني بلا انقياد ظاهري اهـ ثم قال (فهما) أي الإسلامُ والإيمانُ كشىء واحد حيث لا ينفكان (كالظهر مع البطن) أي للإنسان فإنه لا يتحقق وجودُ أحدِهما بدون الآخر اهـ (وإلا) بأن كان مسلمًا (ففى الصلاة الشهادتان وهما أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم) قال الإمام أبو حنيفة إعلم أنَّ الفقه في الدين أفضل من الفقه في الأحكام اهـ وقال الإمام أبو الحسن الأشعري أول ما يجب على العبد العلم بالله ورسوله ودينه اهـ فائدة.
ذكر العلماء أنه يجب على كل مكلف معرفة الدليل العقلي الإجمالي على وجود الله تعالى كأن يقول الشخص في نفسه الكتابة لا بد لها من فاعل والبناء لا بد له من فاعل والكتابة والبناء جزء من هذا العالم فهذا العالم بالأولى لا بد له من خالق خَلَقَهُ لا يشبهه بوجه من الوجوه أو يقولَ في نفسه أنا كنت بعد أن لم أكن وما كان بعد أن لم يكن لا بد له من مكوِّن فإذًا أنا لا بد لي من مكوِّن كَوَّنَني موجودٍ لا يشبه شيئًا وهكذا سائر أفراد العالم لا بد لها من مكون كونها لا يشبهها بحال.
وبما أنّ الشهادتين هما أصل الدعوة وجب على المسلم أن يعرف معناهما ولذا بدأ المصنف رحمه الله تعالى بشرح الشهادة الأولى فقال (ومعنى أشهد أن لا إله إلا الله أعلم وأعتقد) أى أذعن بقلبى والإذعان هو رضى النفس وقبولها بالشىء الذي عرفته (وأعترف) بلسانى (أن لا معبود بحق إلا الله) أى أنه لا يستحق أحدٌ أن يُعبد أى أن يتذلل له نهايةُ التذلل ويصح نهايةَ إلا الله قال الراغب الأصبهاني في مفردات القرءان العبادة غاية التذلل وقال مثله الأزهري في التهذيب إذ إن معنى العبادةِ
فى اللغة أقصى غاية الخشوع والخضوع كما نصَّ على ذلك الحافظ اللغوى تقىُّ الدين السبكى هو على ابن عبد الكافى السبكى تقى الدين أبو الحسن الشافعى ولد بسبك العبيد أول يوم من صفر سنة 683هـ توفى رحمه الله سنة 756هـ قال الإسنوى فى الطبقات كان أنظر من رأيناه من أهل العلم ومن أجمعهم للعلوم وأحسنهم كلامًا فى الأشياء الدقيقة وأجلهم على ذلك وكان ماهرا في سبعة علوم من جملتها اللغة فيعلم من هذا أنه ليس معنى العبادةِ مجردَ الطاعة أو النداء أو الاستغاثة أو الاستعانة
أو الخوف أو الرجاء كما يظن بعض الناس (الواحد) الذى لا شريك له فى الألوهية الواحد لا من طريق العدد إنما معنى الواحد إذا أطلق على الله الذي لا شريك له في الألوهية قال أبو حنيفة رضي الله عنه في الفقه الأكبر والله واحد لا من طريق العدد ولكن من طريق أنه لا شريك له اهـ (الأحد) الذى لا يقبل الانقسام والتجزؤ لأنه ليس جسمًا لا هو جسم كثيف كالإنسان والشجر والحجر ولا هو جسم لطيف كالنور والظلام والريح قال الإمام أبو الفضل عبد الواحد بن عبد العزيز البغدادي التميمي
رئيس الحنابلة ببغداد في كتابه اعتقاد الإمام أحمد (ص/ 45) وأنكر يعني أحمد على من يقول بالجسم وقال إن الأسماء مأخوذة من الشريعة واللغة وأهل اللغة وضعوا هذا الاسم على ذي طول وعرض وسَمك وتركيب وصورة وتأليف والله تعالى خارج عن ذلك كله فلم يجز أن يسمى جسمًا لخروجه عن معنى الجسمية ولم يجئ في الشريعة ذلك فبطل اهـ وقال البيهقي في الأسماء والصفات في جماع أبواب ذكر الأسماء التي تتبع نفي التشبيه عن الله منها الأحد قال الحليمي وهو الذي لا شبيه له ولا نظير كما
أن الواحد هو الذي لا شريك له ولا عديد ولهذا سمى الله عز وجل نفسه بهذا الاسم لما وصف نفسه بأنه ﴿لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد﴾ فكأن قوله جل وعلا ﴿لم يلد ولم يولد﴾ من تفسير قوله ﴿ أحد﴾ والمعنى لم يتفرع عنه شىء ولم يتفرع هو عن شىء كما يتفرع الولد عن أبيه وأمه ويتفرع عنهما الولد أي فإذا كان كذلك فما يدعوه المشركون من دونه إلهًا لا يجوز أن يكون إلهًا إذ كانت أمارات الحدوث من التجزي والتناهي قائمة فيه لازمة له والبارئ تعالى لا يتجزأ ولا يتناهى اهـ
(الأول) الذى لا ابتداء لوجوده فلم يَسْبِقْ وجودَهُ تعالى عدمٌ قال علماء البيان إذا كان المبتدأ معرفة والخبر معرفة أفاد الحصر فيكون معنى هو الأول أنه لا أول بمعنى الذي لم يسبق وجوده عدم إلا الله وبمعناه (القديم) إذا أُطلق على الله تعالى لأنّ قدم الله ذاتىٌّ وليس زمنيًا وقد نقل الزبيدي الإجماع على جواز إطلاق القديم على الله ذكره في إتحاف السادة المتقين في المجلد الثاني في شرح (قديم لا أول له) وقال الإمام أبو منصور البغدادي في الفرق بين الفرق وأجمعوا
أنه لا يحويه مكان ولا يجري عليه زمان اهـ (الحى) المتصف بحياة أزلية أبدية ليست بروح ولحم ودم وعصب ومخ بل حياته صفة قديمة قائمة بذاته أى ثابتة له أي لا بد أن يكون متصفا بها تقتضي صحة اتصافه بالعلم والقدرة والإرادة (القيوم) القائم بنفسه أي الذى لا يحتاج لغيره وبعضهم فسر القيوم بالدائم كما في تفسير الطبري عن الضحاك في تفسير قوله تعالى ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ قال القيوم الدائم اهـ قال البيهقي في الاعتقاد القيّوم هو القائم الدائم بلا زوال فيرجع
معناه إلى صفة البقاء اهـ (الدائم) الذى لا يلحقه ولا يجوز عليه الفناء لأن الفناءَ يستحيلُ عليه عقلاً فلا دائم بهذا المعنى إلا الله تعالى لأنه لو كان يجوز عليه الفناء لكان حادثا لأن ما جاز عليه الفناء تارة والوجود تارة يكون جائزا عقليا يتصور وجوده تارة وعدمه تارة أخرى فإذا اختص بالوجود فهو بحاجة لمن خصصه بذلك لذلك يقولون ما جاز عليه العدم استحال عليه القدم معناه ما جاز عليه العدم بدل الوجود لا بد له من مخصص خصصه بالوجود بدل العدم أو بالعدم بدل الوجود
(الخالق) الذى أبرز وكوّن جميع الكائنات من العدم إلى الوجود (الرازق) الذى يوصل الأرزاق إلى عباده والرزق هو كل ما ينفع حسا حلالا كان أو حراما قال في مختار الصَّحاح الرزق ما ينتفع به اهـ قال البيهقي في الاعتقاد وما مَكَّنَها من الانتفاع به من مباح وغير مباح رزقٌ لها اهـ (العالم) المتصف بصفة العلم الأزلىّ الأبدىّ الذى لا يتغير ولا يزيد ولا ينقص ولا يتجدد فهو تعالى عالم لا كالعلماء لأن علمه قديم وعلم غيرِهِ حادث (القدير) المتصف بالقدرة التامة هذا هو الفرق
من حيث التعبير إذا قلت القادر يعني المتصف بالقدرة وإذا قلت القدير أي المتصف بالقدرة التامة من حيث اللغة القدير أبلغ من القادر وقال الرازي وهذا اللفظ يفيد المبالغة في وصفه بكونه قادرًا اهـ وقال البيهقي في الأسماء والصفات قال الحليمي والقدير التام القدرة لا يُلابس قدرتَه عجز بوجه اهـ وقدرة الله صفة أزلية أبدية يؤثّر الله بها فى الممكنات أى فى كل ما يجوز فى العقل وجودُهُ تارةً وعدمه تارةً أخرى فبها يوجد ويعدم .والله سبحانه وتعالى (فعالٌ لما يريدُ) أى أن الله قادرٌ على تكوين ما سبقت به إرادته أى على إيجاد كلِّ ما أراد فى الأزل وُجُودَهُ فالله تعالى لا يعجزه عن ذلك شىء يفعل ما يشاء بلا مشقة ولا يمانعُهُ أحدٌ ولا يحتاج إلى استعانة بغيره في العمدة مكتوب بدل قادر على تكوين ما سبقت به إرادته أنه يكوّن ما سبقت به إرادته وكلاهما عبارة صحيحة، ليس كل اختلاف تعارضا (ما شاء الله) فى الأزل وجودَهُ (كان) أى حصل ووُجِدَ (وما لم يشإ) الله فى الأزل وجودَهُ (لم يكن) أى لم يوجد.
ومشيئة الله لا تتغير لأن تغير المشيئة دليل الحدوث والحدوث مستحيل على الله. قال الإمام أبو حنيفة في الفقه الأكبر وصفاته في الأزل غير محدثة ولا مخلوقة فمن قال إنها محدثة أو مخلوقة أو وقف أو شك فيها فهو كافر بالله تعالى اهـ مشيئة الله تعالى هي تخصيص الممكن ببعض ما يجوز عليه دون بعض وبصفة دون صفة وبوقت دون ءاخر (الذى لا حول ولا قوة إلا به) أى لا تَحَوُّلَ لأحدٍ عن معصية الله إلا بعصمته سبحانه ولا قوةَ لأحدٍ على طاعة الله إلا بعونه تعالى والإعانة معناها الإقدار والتمكين وفي مسند البزار عن القاسم بن عبد الرحمـٰن عن أبيه عن عبد الله (أي ابن مسعود) قال كنت عند النبي صلى الله عليه وسلم فقلت لا حول ولا قوة إلا بالله فقال رسول الله «تدري ما تفسيرها» قلت الله ورسوله أعلم قال «لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله ولا قوة على طاعة الله إلا بعون الله» اهـ ذِكرُها باللسان سنة واعتقادها فرض وهو سبحانه (الموصوفُ بكل كمال يليق به) كالعلم والقدرة والإرادة وإنَّما قُيّدت هذه العبارةُ بلفظِ يليقُ به لأنَّ اللفظ الدالَّ على الكمالِ إِمَّا أنْ يكون دالا على الكمالِ في حقّ الله وفي حقّ غيره كالعلم أو لا كالوصف بالجبّار مدحٌ في حقّ الله وذمٌّ في حقّ الإنسان ومن أسماء الله تعالى ما هو خاص به لا يجوز أن يسمى به غيره.
