وَيَحْرُمُ تَحْجِيرُ شَوَاطِئِ الأَنْهَارِ وَالْبِحَارِ بِقَدْرِ مَا تَعَوَّدَ النَّاسُ الِانْتِفَاعَ بِالْجُلُوسِ وَالِاسْتِرَاحَةِ فِيهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يَحْتَاجُهُ الشَّخْصُ مِنْ نَحْوِ الْمُرُورِ مَعَ دَابَّتِهِ (واستعمالُ اللقطة) وهى ما ضاع من مالكه بسقوط أو غفلةٍ أو نحو ذلك إذا كان استعماله (قبل التعريف) لها (بشروطه) وهو أن يعرّفها سنة بنية تملكها إن لم يظهر صاحبها فإن فعل حلَّ له أن يتملكها فيتصرف فيها بنية أن يغرم لصاحبها إذا ظهر مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ اسْتِعْمَالُ اللُّقَطَةِ وَهِىَ مَا ضَاعَ مِنْ مَالِكِهِ بِسُقُوطٍ أَوْ غَفْلَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فِى نَحْوِ الشَّارِعِ كَالْمَسْجِدِ وَالْبَحْرِ مِمَّا لا يُعْرَفُ مَالِكُهُ قَبْلَ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ بِشَرْطِهِ وَهُوَ أَنْ يُعَرِّفَهُ سَنَةً بِنِيَّةِ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ إِنْ لَمْ يَظْهَرْ صَاحِبُهُ، فَإِذَا عَرَّفَهُ سَنَةً حَلَّ لَهُ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِنِيَّةِ أَنْ يَغْرَمَ لِصَاحِبِهِ إِذَا ظَهَرَ فَإِنِ اخْتَارَ التَّمَلُّكَ قَالَ بِلَفْظِهِ تَمَلَّكْتُ.

وَالتَّعْرِيفُ لِلُّقَطَةِ يَكُونُ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ عَقِيبَ الصَّلَوَاتِ، وَفِى الأَسْوَاقِ لِأَنَّهَا مَظِنَّةُ اجْتِمَاعِ النَّاسِ وَلا يُعَرَّفُ فِى دَاخِلِ الْمَسْجِدِ، وَيُعَرِّفُهَا فِى الْمَوْضِعِ الَّذِى وَجَدَهَا فِيهِ أَكْثَرَ لِأَنَّ طَلَبَ الشَّىْءِ فِى مَوْضِع ضَيَاعِهِ أَكْثَرُ، فَإِنْ أَكَلَهَا قَبْلَ أَنْ يُعَرِّفَ فَكَأَنَّهُ سَرَقَ سَرِقَةً فَأَكَلَهَا فَهَذَا ذَنْبُهُ كَبِيرٌ لَكِنْ إِنْ كَانَتِ اللُّقَطَةُ مِمَّا يَتْلَفُ بِسُرْعَةٍ يَبِيعُهَا وَيَحْفَظُ ثَمَنَهَا لِصَاحِبِهَا إِنْ خَشِىَ عَلَيْهَا التَّلَفَ عِنْدَهُ.

(والجلوس) بمعنى البقاء فى المجلس الذى يحصل فيه منكر (مع مشاهدة المنكر) لا لإنكاره (إذا لم يعذر) بالبقاء فيه فإن كان معذورًا لم يحرم مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ الْجُلُوسُ فِى مَحَلٍّ فِيهِ مُنْكَرٌ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ مَعَ الْعِلْمِ بِوُجُودِ الْمُنْكَرِ فِى ذَلِكَ الْمَكَانِ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعْذُورًا فِى جُلُوسِهِ فِيهِ بِأَنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يُغَيِّرَ ذَلِكَ الْمُنْكَرَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِغَيْرِهِ فَلَمْ يَفْعَلْ، وَكَذَلِكَ إِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ

يُفَارِقَ الْمَكَانَ فَلَمْ يَفْعَلْ (والتطفلُ فى الولائم وهو الدخولُ) إلى الولائم التى لم يُدْعَ إليها (بغير إذنٍ أو أدخلوه) إليها (حياءً) مِنْ رَدِّهِ وهو يعلم ذلك مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ أَنْ يَحْضُرَ الْوَلائِمَ الَّتِى لَمْ يُدْعَ إِلَيْهَا أَوْ دُعِىَ إِلَيْهَا اسْتِحْيَاءً مِنَ النَّاسِ أَوْ أُدْخِلَ حَيَاءً لِمَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِى صَحِيحِهِ "لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَأْخُذَ عَصَا أَخِيهِ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ" وَهَذَا الْحَدِيثُ

فِيهِ تَحْذِيرٌ بَلِيغٌ مِنَ اسْتِعْمَالِ مَالِ الْمُسْلِمِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَالْجَلِيلِ وَالْحَقِيرِ بِغَيْرِ طِيبِ نَفْسِ صَاحِبِهِ حَتَّى مُجَرَّدِ دُخُولِ مِلْكِ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ رِضَاهُ لا يَجُوزُ (وعدمُ التسوية) من الرجل المتزوج اثنتين أو أكثرَ (بين) الزوجتين أو (الزوجات فى النفقةِ) الواجبةِ أما فيما زاد عن الواجب فيجوز أن لا يسوِّيَ بينهنَّ فيه (والمبيت) بأن يرجح واحدة منهن فى أحد هذين الأمرين أو كليهما (وأما التفضيل فى المحبة القلبية والميل)

والجماع وما زاد على النفقة الواجبة (فليس بمعصية) مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ الَّتِى هِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ تَرْكُ الْعَدْلِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ كَأَنْ يُرَجِّحَ وَاحِدَةً مِنَ الزَّوْجَتَيْنِ أَوِ الزَّوْجَاتِ عَلَى غَيْرِهَا ظُلْمًا فِى النَّفَقَةِ أَوِ الْمَبِيتِ أَمَّا مَا كَانَ فَوْقَ النَّفَقَةِ الْوَاجِبَةِ فَلا يَجِبُ عَلَيْهِ التَّسْوِيَةُ فِيهِ بَيْنَ زَوْجَاتِهِ فَلَوْ خَصَّ إِحْدَاهُنَّ بِحُلِىٍّ مَثَلًا دُونَ غَيْرِهَا لَمْ يَأْثَمْ وَلَيْسَ

عَلَيْهِ أَنْ يُسَوِّىَ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ فِى غَيْرِ ذَلِكَ كَالْمَحَبَّةِ الْقَلْبِيَّةِ وَالْجِمَاعِ وَإِعْطَاءِ الْهَدَايَا لِأَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمْ يَفْرِضْ عَلَى الزَّوْجِ التَّسْوِيَّةَ بَيْنَهُنَّ فِى كُلِّ شَىْءٍ وَلَيْسَ مِنْ مُسْتَطَاعِ الزَّوْجِ أَنْ يُسَوِّىَ بَيْنَهُنَّ فِى كُلِّ شَىْءٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ سُورَةَ النِّسَاء/129 فَتَبَيَّنَ أَنَّ مَا يَعْصِى الزَّوْجُ بِتَركِهِ التَّسْوِيَةُ فِى الْقَسْمِ أَىِ الْمَبِيتِ وَالنَّفَقَةِ (وخروجُ المرأة) من بيتها (إن كانت تمر على الرجال الأجانب بقصد التعرض لهم) لتستميلهم إلى المعصية ولو كانت ساترةً للعورة مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ خُرُوجُ الْمَرْأَةِ مُتَعَطِّرَةً أَوْ غَيْرَ مُتَعَطِّرَةٍ مُتَزَيِّنَةً أَوْ غَيْرَ مُتَزَيِّنَةٍ مُتَسَتِّرَةً بِالسِّتْرِ الْوَاجِبِ أَوْ لَمْ تَكُنْ كَذَلِكَ إِنْ قَصَدَتْ بِخُرُوجِهَا أَنْ تَفْتِنَ الرِّجَالَ أَىْ تَسْتَمِيلَهُمْ لِلْمَعْصِيَةِ،

وَأَمَّا إِذَا خَرَجَتْ مُتَعَطِّرَةً أَوْ مُتَزَيِّنَةً سَاتِرَةً مَا يَجِبُ عَلَيْهَا سَتْرُهُ مِنْ بَدَنِهَا وَلَمْ يَكُنْ قَصْدُهَا ذَلِكَ فَلَيْسَ فِى ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنَ الْكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِيَّةِ أَىْ أَنَّهَا لا تَعْصِى، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ وغَيْرَهمْ ذَكَرُوا فِى مَنَاسِكِ الْحَجِّ أَنَّهُ يُسَنُّ التَّطَيُّبُ لِلذَّكَرِ وَالأُنْثَى لِلإِحْرَامِ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِدَلِيلِ مَا ثَبَتَ عِنْدَ أَبِى دَاوُدَ فِى سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ، وَبِدَلِيلِ حَدِيثِ ابْنِ حِبَّانَ فِى صَحِيحِهِ عَنْ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلَّم قال «أَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ عَلَى قَوْمٍ لِيَجِدُوا رِيحَهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ، وَكُلُّ عَيْنٍ زَانِيَةٌ» وَشَرْحُ الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِى تَقْصِدُ بِخُرُوجِهَا مُتَطَيِّبَةً اسْتِمَالَةَ الرِّجَالِ إِلَيْهَا أَىْ لِلْفَاحِشَةِ أَوْ لِمَا دُونَ ذَلِكَ مِنَ الِاسْتِمْتَاعِ الْمُحَرَّمِ فَهِىَ زَانِيَةٌ أَىْ شِبْهُ زَانِيَةٍ لِأَنَّ فِعْلَهَا هَذَا مُقَدِّمَةٌ لِلزِّنَى، وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّ إِثْمَهَا كَإِثْمِ الزَّانِيَةِ الزِّنَى الْحَقِيقِىَّ الْمُوجِبَ لِلْحَدِّ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ.

وَقَوْلُهُ ﷺ "وَكُلُّ عَيْنٍ زَانِيَةٌ" أَىْ أَغْلَبُ النَّاسِ يَقَعُونَ فِى مَعْصِيَةِ زِنَى الْعَيْنِ إِلَّا النَّادِرَ وَلَيْسَ مَعْنَاهُ الْحُكْمَ عَلَى جَمِيعِ الأَفْرَادِ. وَمَا دُونَ ذَلِكَ مِمَّا سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِزِنَى الْعَيْنِ وَزِنَى اللِّسَانِ إِلَى سَائِرِ مَا ذُكِرَ هُنَاكَ فِيمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِى هُرَيْرَةَ فَإِنَّهَا صَغَائِرُ بِلا خِلافٍ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ.

وَأَمَّا حَدِيثُ مُسْلِمٍ فِى صَحِيحِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ "إِذَا شَهِدَتْ إِحْدَاكُنَّ الْمَسْجِدَ فَلا تَمَسَّ طِيبًا" فَهَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يُكْرَهُ لَهَا ذَلِكَ، فَالْمُجْتَهِدُونَ هُمُ الَّذِينَ يَعرِفُونَ هَلْ هَذَا النَّهْىُ لِلتَّحْرِيمِ أَمْ لِلتَّكْرِيهِ أَمْ لِلأَفْضَلِيَّةِ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ نَهْىٍ لِلتَّحْرِيمِ الْحَدِيثُ الَّذِى رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِى صَحِيحِهِ وَالتِّرْمِذِىُّ فِى سُنَنِهِ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ "لا تُصَاحِبْ إِلَّا مُؤْمِنًا وَلا يَأْكُلْ طَعَامَكَ إِلَّا تَقِىٌّ" فَقَدْ وَرَدَ النَّهْىُ فِى هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَمْرَيْنِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ التَّحْرِيمَ.

وَكَذَلِكَ رَوَى البيهقي في السنن عن ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّه قال "مَنْ صَلَّى الْفَرِيضَةَ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّىَ بَعْدَهَا فَلْيَتَقَدَّمْ أَوْ لِيُكَلِّمْ أَحَدًا" فإِذَا صَلَّى المرءُ الْفَرِيضَةَ فَلا يُصَلِّى فِى مَكَانِهِ النَّفْلَ حَتَّى يَتَكَلَّمَ أَوْ يَنْتَقِلَ فَهَلْ يَقُولُ أَحَدٌ إِنَّهُ يَحْرُمُ أَنْ يُصَلِّىَ النَّفْلَ فِى مَكَانِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَكَلَّمَ.

فَمُجَرَّدُ وُجُودِ صِفَةِ النَّهْىِ فِى حَدِيثٍ لَيْسَ دَلِيلًا عَلَى التَّحْرِيمِ بَلْ قَدْ يَكُونُ النَّهْىُ لِلتَّكْرِيهِ وَقَدْ يَكُونُ لِبَيَانِ أَنَّهُ خِلافُ الأَوْلَى، وَمَعْرِفَةُ ذَلِكَ مِنْ وَظِيفَةِ الْمُجْتَهِدِ أَئِمَّةُ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ قَالُوا مَكْرُوهٌ خُرُوجُ الْمَرْأَةِ مُتَطَيِّبَةً إِلَّا إِذَا قَصَدَتْ بِخُرُوجِهَا التَّعَرُّضَ لِلرِّجَالِ، الْبَيْهَقِىُّ وَغَيْرُهُ قَالُوا مَكْرُوهٌ خُرُوجُ الْمَرْأَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ بِالزِّينَةِ الْفَاخِرَةِ أَوِ الطِّيبِ، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ بَعْدَ هَذَا كَلامٌ لِمُحَاوَلَةِ التَّحْرِيمِ الْمُطْلَقِ.

(والسِّحر) وَهُوَ مِنَ السَّبْعِ الْمُوبِقَاتِ الَّتِى ذَكَرَهَا رَسُولُ اللَّهِ فِى حَدِيثِهِ وَهُوَ «اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ؟ قَالَ «الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَكْلُ الرِّبَا وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَالتَّوَلِّى يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْغَافِلاَتِ الْمُؤْمِنَاتِ» رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ فِى الصَّحِيحِ، والسِّحْرُ هوَ مُزَاوَلَةُ أَفْعَالٍ وَأَقْوَالٍ خَبِيثَةٍ وهو نوعان أحدُهما ما لا يتم له إلا بفعلٍ أو قولٍ كفرىٍ فهذا كفرٌ وثانيهما ما يتم بدون ذلك فهو كبيرة السحرُ أَنْوَاعٌ مِنْهُ مَا يُحْوِجُ إِلَى عَمَلٍ كُفْرِىٍّ وَمِنْهُ مَا يُحْوِجُ إِلَى كُفْرٍ قَوْلِىٍّ فَالأَوَّلُ كَالسُّجُودِ لِلشَّمْسِ أَوِ السُّجُودِ لِإِبْلِيسَ وَمِنْهُ مَا يُحْوِجُ إِلَى تَعْظِيمِ الشَّيْطَانِ بِغَيْرِ ذَلِكَ، فَمَا يُحْوِجُ إِلَى الْكُفْرِ وَلا يَحْصُلُ إِلَّا بِالْكُفْرِ فَهُوَ كُفْرٌ.

وَمَا لا يُحْوِجُ إِلَى الْكُفْرِ فَهُوَ كَبِيرَةٌ. وَقَدْ أَطْلَقَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ تَحْرِيمَ تَعَلُّمِهِ وَفَصَّلَ بَعْضٌ فِى ذَلِكَ فَقَالَ إِنْ كَانَ تَعَلُّمُهُ وَتَعْلِيمُهُ لا يُحْوِجُ إِلَى الْكُفْرِ وَلا إِلَى تَعَاطِى مُحَرَّمٍ جَازَ ذَلِكَ بِشَرْطِ أَنْ لا يَكُونَ الْقَصْدُ تَطْبِيقَهُ بِالْعَمَلِ وَإِلَّا فَتَحْرِيمُهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَمَنِ اسْتَحَلَّ ذَلِكَ كَفَرَ. وَقَوْلُ بَعْضِ النَّاسِ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ تَعَلَّمُوا السِّحْرَ وَلا تَعْمَلُوا بِهِ كَذِبٌ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، وَالسِّحْرُ سَوَاءٌ كَانَ لِلْمَحَبَّةِ حَتَّى يُحِبَّ هَذَا هَذِهِ أَوْ هَذِهِ هَذَا أَوْ لِلتَّبْغِيضِ حَتَّى يَكْرَهَ هَذَا هَذِهِ أَوْ هَذِهِ هَذَا فَهُوَ حَرَامٌ وتحريمُ السحر متفق عليه فمن استحل ذلك كفر.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ليس منا من تَسَحَّرَ أو تُسُحِّرَ له أو تَكَهَّنَ أو تُكُهِّنَ له» رواه الطبراني وَمِنَ السِّحْرِ مَا هُوَ تَخْيِيلٌ لِلْأَعْيُنِ كَالسِّحْرِ الَّذِى عَمِلَهُ سَحَرَةُ فِرْعَوْنَ لَمَّا تَحَدَّى فِرْعَوْنُ سَيِّدَنَا مُوسَى فَأَلْقَى السَّحَرَةُ الْحِبَالَ الَّتِى فِى أَيْدِيهِمْ فَخُيِّلَ لِلنَّاسِ أَنَّهَا حَيَّاتٌ تَسْعَى فَأَلْقَى سَيِّدُنَا مُوسَى بِعَصَاهُ فَانْقَلَبَتْ ثُعْبَانًا حَقِيقِيًّا أَكَلَ تِلْكَ الْحِبَالَ الَّتِى رَمَاهَا السَّحَرَةُ.

فَالَّذِى يَنْفِى وُجُودَ السِّحْرِ عَلَى الإِطْلاقِ فَقَدْ كَذَّبَ الْقُرْءَانَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ سُورَةَ الْبَقَرَة/102.

فَيُعْلَمُ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ أَنَّ هَارُوتَ وَمَارُوتَ مَلَكَانِ أَمَرَهُمَا اللَّهُ أَنْ يَنْزِلا إِلَى الأَرْضِ وَيُعَلِّمَا النَّاسَ السِّحْرَ لا لِيَعْمَلُوا بِهِ بَلْ لِيَعْرِفُوا حَقِيقَتَهُ، كَانَا يُعَلِّمَانِ النَّاسَ مَعَ التَّحْذِيرِ، يَقُولانِ لِلنَّاسِ نَحْنُ فِتْنَةٌ أَىْ مِحْنَةٌ وَابْتِلاءٌ مِنَ اللَّهِ وَاخْتِبَارٌ نُعَلِّمُكُمْ وَلا تَكْفُرُوا أَىْ لا تَعْتَبِرُوا السِّحْرَ حَلالًا إِنَّمَا تَتَعَلَّمُونَ فَقَطْ، كَانُوا يُعَلِّمُونَهُمْ مَا يَكُونُ مِنَ السِّحْرِ مِنْ نَوْعِ التَّفْرِيقِ بَيْنَ اثْنَيْنِ مُتَحَابَّيْنِ، ثُمَّ النَّاسُ الَّذِينَ تَعَلَّمُوا مِنْهُمَا بَعْضُهُمْ مَا عَمِلَ بِهَذَا السِّحْرِ الَّذِى تَعَلَّمَهُ وَبَعْضُ النَّاسِ عَمِلُوا بِهِ وَعَصَوْا رَبَّهُمْ.

وَكَانَ مِنَ السِّحْرِ غَيْرُ هَذَا الَّذِى عَلَّمَهُ هَارُوتُ وَمَارُوتُ لِلْبَشَرِ، الشَّيَاطِينُ أَىْ كُفَّارُ الْجِنِّ كَانَتْ تَعْمَلُ السِّحْرَ وَتُعَلِّمُهُ لِلنَّاسِ لَكِنَّ بَعْضَ أَنْوَاعِ السِّحْرِ الَّذِى كَانَتِ الشَّيَاطِينُ تُعَلِّمُهُ الْبَشَرَ كَانَ فِيهِ كُفْرٌ كَعِبَادَةِ الشَّمْسِ وَمِنْهُ مَا فِيهِ عِبَادَةُ إِبْلِيسَ بِالسُّجُودِ لَهُ وَمِنْهُ مَا كَانَ فِيهِ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْكُفْرِ حَتَّى إِنَّ مِنْهُ مَا تَشْتَرِطُ الشَّيَاطِينُ عَلَى مَنْ تُعَلِّمُهُ لِتُسَاعِدَهُ أَنْ يَبُولَ الشَّخْصُ عَلَى الْمُصْحَفِ لِأَنَّ الْكُفْرَ إِذَا حَصَلَ مِنِ ابْنِ ءَادَمَ فَهَذَا عِنْدَهُمْ أَعْظَمُ شَىْءٍ،

يَشْتَهُونَ هَذَا اشْتِهَاءً. ثُمَّ مِمَّا يَحْتَالُونَ بِهِ لِتَرْوِيجِ عَمَلِ السِّحْرِ أَنَّهُمْ يَخْلِطُونَ بَعْضَ الآيَاتِ الْقُرْءَانِيَّةِ بِالسِّحْرِ حَتَّى يُوهِمُوا النَّاسَ أَنَّ الْقُرْءَانَ لَهُ دَخَلٌ فِى السِّحْرِ، وَالْقُرْءَانُ ضِدُّ السِّحْرِ، بِالْقُرْءَانِ يُفَكُّ السِّحْرُ.

لَكِنْ أُولَئِكَ يَخْلِطُونَ بَعْضَ الآيَاتِ الْقُرْءَانِيَّةِ بِالسِّحْرِ، يَضَعُونَ كَلامًا خَبِيثًا فِى الْوَرَقَةِ ثُمَّ يَكْتُبُونَ قُرْبَهُ بَعْضَ الآيَاتِ فَيَظُنُّ الْجَاهِلُونَ مِنَ الْبَشَرِ أَنَّ الْقُرْءَانَ لَهُ دَخَلٌ فِى السِّحْرِ، الشَّيَاطِينُ بِذَلِكَ تُضِلُّ النَّاسَ فَمَنْ رَأَى شَيْئًا مَكْتُوبًا مِنَ السِّحْرِ وَإِلَى جَانِبِهِ ءَايَاتٌ قُرْءَانِيَّةٌ فَلْيَعْلَمْ أَنَّ الْقُرْءَانَ لَيْسَ لَهُ دَخَلٌ إِنَّمَا الشَّيَاطِينُ أَدْخَلَتْ هَذَا لِتُضِلَّ النَّاسَ بِأَنْ يَظُنُّوا أَنَّ الْقُرْءَانَ فِيهِ سِحْرٌ.

سَيِّدُنَا سُلَيْمَانُ عَلَيْهِ السَّلامُ الْكُفَّارُ كَانُوا يَقُولُونَ عَنْهُ إِنَّهُ كَانَ مَلِكًا مِنَ الْمُلُوكِ وَإِنَّهُ كَانَ يَعْمَلُ بِالسِّحْرِ وَكَذَبُوا، السِّحْرُ لَيْسَ مِنْ عَمَلِ الأَنْبِيَاءِ وَالأَوْلِيَاءِ إِنَّمَا الشَّيَاطِينُ كَانُوا مُغْتَاظِينَ مِنْ سَيِّدِنَا سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأَنَّ اللَّهَ أَعْطَاهُ سِرًّا فَكَانَتِ الشَّيَاطِينُ تُطِيعُهُ مَعَ كُفْرِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُؤْمِنُوا كَانُوا يَخْدِمُونَهُ، يَعْمَلُونَ لَهُ أَعْمَالًا شَاقَّةً وَمَنْ خَالَفَهُ مِنْهُم اللَّهُ تَعَالَى يُنْزِلُ بِهِ عَذَابًا فِى الدُّنْيَا لِذَلِكَ كَانُوا مَقْهُورِينَ لَهُ،

فَلَمَّا مَاتَ كَتَبُوا السِّحْرَ وَدَفَنُوهُ تَحْتَ كُرْسِيِّهِ ثُمَّ قَالُوا لِلنَّاسِ بَعْدَ أَنْ ظَهَرَ بَعْضُهُمْ أَوْ عَدَدٌ مِنْهُمْ لِلنَّاسِ هَلْ تَدْرُونَ بِمَ كَانَ يَحْكُمُكُمْ سُلَيْمَانُ، كَانَ يَحْكُمُكُمْ بِالسِّحْرِ احْفِرُوا تَحْتَ كُرْسِيِّهِ فَحَفَرُوا فَوَجَدُوا هَذَا الْكِتَابَ فَصَدَّقُوا أَنَّ هَذَا الْكِتَابَ لِسُلَيْمَانَ وَضَعَ فِيهِ السِّحْرَ فَكَفَرُوا، الَّذِينَ صَدَّقُوا الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا لِأَنَّ السِّحْرَ لَيْسَ مِنْ عَمَلِ الأَنْبِيَاءِ وَلا الأَوْلِيَاءِ.

فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ مِنَ الَّذِينَ يُقَالُ عَنْهُمْ فُلانٌ رُوحَانِىٌّ أَوْ مَعَهُ جِنٌّ رَحْمَانِىٌّ، احْذَرُوهُمْ وَحَذِّرُوا النَّاسَ مِنْهُمْ، أَغْلَبُ هَؤُلاءِ ضَالُّونَ مُفْسِدُونُ يُوقِعُونَ النَّاسَ فِى الضَّلالِ وَالْكُفْرِ لِأَنَّ الإِنْسَانَ إِذَا اعْتَقَدَ السِّحْرَ حَلالًا وَأَنَّهُ شَىْءٌ حَسَنٌ يَكْفُرُ لِأَنَّ السِّحْرَ أَمْرٌ مُحَرَّمٌ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ الْكَبَائِرِ وَاسْتِحْلالُهُ كُفْرٌ. وَالسِّحْرُ مِنْهُ مَا يَكُونُ بِالِاسْتِعَانَةِ بِالشَّيَاطِينِ وَمِنْهُ مَا يَكُونُ بِغَيْرِ ذَلِكَ.

وَلا يَجُوزُ مُقَابَلَةُ السِّحْرِ بِالسِّحْرِ كَمَا يَفْعَلُ بَعْضُ الْجُهَّالِ. وَمِنْ أَعْمَالِ السَّحَرَةِ وَأَقْوَالِهِمُ الْخَبِيثَةِ أَنَّهُمْ يَسْتَنْجِدُونَ بِالشَّيَاطِينِ وَيَتَكَلَّمُونَ بِكَلامٍ قَبِيحٍ فِيهِ تَعْظِيمٌ لِلشَّيْطَانِ لِيُعِينَهُمْ عَلَى إِيذَاءِ هَذَا الشَّخْصِ الَّذِى يُرِيدُونَ إِيذَاءَهُ. وَمِنَ الأَفْعَالِ الْخَبِيثَةِ الَّتِى يُزَاوِلُونَهَا أَنَّهُمْ أَحْيَانًا يَأْخُذُونَ دَمَ الْحَيْضِ لِيَسْقُوهُ الشَّخْصَ الَّذِى يُرِيدُونَ ضَرَرَهُ وَأَحْيَانًا يَأْخُذُونَ ظُفْرَ الشَّخْصِ أَوْ بَعْضَ شَعَرِهِ لِيَكُونَ إِيذَاؤُهُ أَشَدَّ وَأَحْيَانًا يَأْخُذُونَ مِنْ تُرَابِ الْقَبْرِ لِذَلِكَ وَأَحْيَانًا يَسْتَعِينُونَ بِالأَرْوَاحِ الأَرْضِيَّةِ مِنَ الشَّيَاطِينِ وَأَحْيَانًا يَسْتَنْجِدُونَ بِالْكَوَاكِبِ لِأَنَّهَا عَلَى زَعْمِهِمْ لَهَا أَرْوَاحٌ تُسَاعِدُهُمْ وَكَذَلِكَ الشَّمْسُ ثُمَّ هُمْ أَحْيَانًا يَخْتَارُونَ وَقْتًا مُعَيَّنًا لِعَمَلِ السِّحْرِ لِأَنَّ هَذِهِ الأَوْقَاتَ اللَّهُ جَعَلَ لَهَا خَصَائِصَ لِعَمَلِ الْخَيْرِ وَلِعَمَلِ الشَّرِّ.

وَمِنْ أَنْوَاعِ السِّحْرِ سِحْرُ التَّسْلِيطِ، يُسَلَّطُ عَلَى الشَّخْصِ جِنِّىٌّ يُمْرِضُهُ وَأَحْيَانًا هَذَا الْجِنِّىُّ يَقْتُلُهُ. وَمِمَّا يَنْفَعُ لِلتَّحَصُّنِ مِنَ السِّحْرِ أَنْ يُدَاوِمَ الشَّخْصُ كُلَّ صَبَاحٍ وَمَسَاءٍ عَلَى قِرَاءَةِ الْمُعَوِّذَاتِ، قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ وَقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ وَسُورَةِ الإِخْلاصِ ثَلاثًا ثَلاثًا. وَأَمَّا هَارُوتُ وَمَارُوتُ فَهُمَا مَلَكَانِ مِنَ الْمَلائِكَةِ الَّذِينَ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ.

وَمَا يُرْوَى عَنْهُمَا أَنَّهُمَا شَرِبَا الْخَمْرَ ثُمَّ قَتَلا الطِّفْلَ الَّذِى كَانَتْ تَحْمِلُهُ الْمَرْأَةُ وَوَقَعَا عَلَيْهَا فَغَيْرُ صَحِيحٍ. وَمَا يَذْكُرُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فِى قِصَّةِ هَارُوتَ وَمَارُوتَ أَنَّهُمَا مُسْتَثْنَيَانِ مِنْ عِصْمَةِ الْمَلائِكَةِ مِنْ أَنَّ الزُّهَرَةَ امْرَأَةٌ رَاوَدَاهَا عَنْ نَفْسِهَا فَأَبَتْ إِلَّا أَنْ يُعَلِّمَاهَا الِاسْمَ الأَعْظَمَ فَعَلَّمَاهَا فَرُفَعَتْ كَوْكَبًا إِلَى السَّمَاءِ فَهُوَ كَذِبٌ وَلَعَلَّهُ مِنْ وَضْعِ الإِسْرَائِيلِيِّينَ.

أَيْضًا مَا يُرْوَى أَنَّهُمَا رَأَيَا امْرَأَةً فَرُكِّبَتْ فِيهِمَا الشَّهْوَةُ فَأَرَادَا الْوُقُوعَ بِهَا فَقَالَتْ حَتَّى تُشْرِكَا فَرَفَضَا فَقَالَتِ اشْرَبَا الْخَمْرَ فَشَرِبَا فَسَكِرَا وَقَتَلا الصَّبِىَّ وَسَجَدَا لِلصَّنَمِ فَهَذَا كَذِبٌ هَذَا خُرَافَةٌ. وَمِمَّا يَنْفَعُ لِلتَّحَصُّنِ مِنَ السِّحْرِ مَا رَوَاهُ الإِمَامُ مَالِكٌ فِى الْمُوَطَّإِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ كَعْبِ الأَحْبَارِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ "لَوْلا كَلِمَاتٌ أَقُولُهُنَّ لَجَعَلَتْنِى الْيَهُودُ حِمَارًا" فَقِيلَ لَهُ مَا هُنَّ قَالَ "أَعُوذُ بِوَجْهِ اللَّهِ الْعَظِيمِ الَّذِى لَيْسَ شَىْءٌ أَعْظَمَ مِنْهُ وَبِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ الَّتِى لا يُجَاوِزُهُنَّ بَرٌّ وَلا فَاجِرٌ وَبِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى كُلِّهَا مَا عَلِمْتُ مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ وَذَرَأَ وَبَرَأَ" يَعْنِى كَعْبُ الأَحْبَارِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ هَذَا أَنَّ الْيَهُودَ مِنْ أَسْحَرِ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى أَىْ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ اسْتِعْمَالًا لِلسِّحْرِ فَلَوْلا أَنَّهُ يَقُولُ هَذَا الذِّكْرَ لَضَرُّوهُ كَثِيرًا.

وَهُوَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَهُودِيًّا ثُمَّ أَسْلَمَ فِى خِلافَةِ سَيِّدِنَا عُمَرَ ابْنِ الْخَطَّابِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ عِنْدَهُ كُتُبٌ مِنْ أَبِيهِ خَتَمَهَا إِلَّا وَاحِدًا مِنْهَا وَقَالَ لَهُ اقْرَأْ فِى هَذَا وَكَانَ وَالِدُهُ مِنْ أَحْبَارِ الْيَهُودِ، قَالَ وَأَخَذَ عَلَىَّ الْعَهْدَ بِحَقِّ الْوَالِدِ عَلَى الْوَلَدِ أَنْ لا أَفُضَّ وَاحِدًا مِنْهَا فَلَمَّا ظَهَرَ الإِسْلامُ فَتَحْتُهَا فَإِذَا فِيهَا نَعْتُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَتَبْشِيرُ الأَنْبِيَاءِ بِهِ، عِنْدَهَا أَسْلَمَ كَعْبٌ.

فَهَذَا الذِّكْرُ يَنْفَعُ لِلتَّحَصُّنِ مِنَ السِّحْرِ وَلِفَكِّ السِّحْرِ حَتَّى لَوْ كُتِبَ فِى وَرَقَةٍ وَعُلِّقَ عَلَى الصَّدْرِ. وَمِمَّا يَنْفَعُ لِفَكِّ السِّحْرِ وَرَقُ السِّدْرِ يُؤْتَى بِسَبْعِ وَرَقَاتٍ خُضْرٍ صِحَاحٍ وَتُدَقُّ بَيْنَ حَجَرَيْنِ دَقًّا جَيِّدًا ثُمَّ تُوضَعُ فِى مَاءٍ ثُمَّ يُقْرَأُ عَلَيْهِ ءَايَةُ الْكُرْسِىِّ وَالْمُعَوِّذَاتُ ثَلاثًا ثَلاثًا أَوْ مَرَّةً مَرَّةً أَوْ يُقْرَأُ عَلَى الْوَرَقِ بَعْدَ دَقِّهِ وَقَبْلَ وَضْعِهِ فِى الْمَاءِ ثُمَّ يَشْرَبُ الْمُصَابُ مِنْ هَذَا الْمَاءِ ثَلاثَ جَرَعَاتٍ وَيَغْتَسِلُ بِالْبَاقِى.

وَمِمَّا يَنْفَعُ لِذَلِكَ أَيْضًا أَنْ يُؤْتَى بِإِحْدَى وَأَرْبَعِينَ حَبَّةَ فُلْفُلٍ أَسْوَدَ وَيُقْرَأَ عَلَى كُلِّ حَبَّةٍ سَبْعَ مَرَّاتٍ سُورَةَ الإِخْلاصِ ثُمَّ يُبَخَّرُ الْمُصَابُ بِهَا. وَمِمَّا يَنْفَعُ لِفَكِّ السِّحْرِ بِإِذْنِ اللَّهِ قِرَاءَةُ الآيَةِ ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ سُورَةَ يُونُس/81 خَمْسًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً،

وَكَذَا الْفَاتِحَةُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَءَايَةُ الْكُرْسِىِّ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَسُورَةُ الإِخْلاصِ إِحْدَى عَشْرَةَ مَرَّةً وَسُورَةُ الْفَلَقِ إِحْدَى عَشْرَةَ مَرَّةً وَسُورَةُ النَّاسِ إِحْدَى عَشْرَةَ مَرَّةً تُقْرَأُ عَلَى مَاءٍ وَيَشْرَبُ مِنْهَا الْمَسْحُورُ (والخروج عن طاعة الإمام) أى الخليفة بعد أن ثبتت له الخلافة (كالذين خرجوا على) أمير المؤمنين (علىّ) بن أبى طالب رضى الله عنه (فقاتلوه) فى الوَقَعَات الثلاث الجمل وصفينَ والنهروانِ (قال) الفقيه

الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين (البيهقىُّ) رحمه الله فى كتابه الاعتقاد (كلُّ من قاتل عليًا فهم بغاةٌ) أى ظالمون (وكذلك قال) الإمام محمد ابن إدريس (الشافعي) رضى الله عنه (قبله) فيما نقله عنه البيهقىُّ وغيره فالذين خرجوا على علىّ ظلموه (ولو كان فيهم مَنْ هم من خيار الصحابة) كالزبير وطلحةَ رضى الله عنهما (لأنَّ الولىَّ لا يستحيل عليه) الوقوعُ فى (الذنب ولو كان من الكبائر) إلا أنَّه يتوب منه قبل أن يموت وقد ثبت أنَّ الزبيرَ وطلحةَ قد تابا ورجعا عن تلك المعصية كما ثبت فى كتب الحديث وقد صحَّ حديثُ أنه صلى الله عليه وسلم قال للزّبير رضي الله عنه «إِنَّك تُقاتلُ عليًّا وأنتَ ظالمٌ له» فلمّا حضَر الفَريقان في البَصْرة نادَى عليٌّ الزُبيرَ فذكَّره بالحديث فقالَ الزُبير «نَسيتُ» فذَهب مُنصَرفًا لأنّ الله كتب له السّعادة والمنـزلةَ العالية فاقتضى ذلك أن لا يموتَ وهو متَلَبّسٌ بمعصية الخروج على عليّ، وكذلك طلحةُ ما قُتِلَ إلا وقَد انصَرف من الثُبوت في المعسكر المضادِّ لعَليٍّ رضي الله عن الجَميع.

فهذان الصحابيّان الجَليلان لا شَكّ أنّهما من الصّدّيقين المقرَّبينَ ومعَ ذلك نفَذَ فيهما القَدرُ بحضُورِهما إلى هذا المعسكَر المضَادّ لعليّ (والتولِّى على اليتيم أو مسجد أو لقضاء أو) للخلافة أو (نحو ذلك مع علمه بالعجز عن القيام بتلك الوظيفة) على الوجهِ الواجبِ شرعًا مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ أَنْ يَتَوَلَّى الشَّخْصُ الإِمَامَةَ الْعُظْمَى أَوْ إِمَارَةً دُونَهَا أَوْ وِلايَةً مِنَ الْوِلايَاتِ كَالتَّوَلِى عَلَى مَالِ يَتِيمٍ أَوْ عَلَى وَقْفٍ أَوْ فِى وَظِيفَةٍ تَتَعَلَّقُ بِالْمَسْجِدِ أَوْ تَوَلِّى الْقَضَاءِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مَعَ عِلْمِهِ مِنْ نَفْسِهِ بِالْعَجْزِ عَنِ الْقِيَامِ بِتِلْكَ الْوَظِيفَةِ عَلَى مَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَرْعًا كَأَنْ عَلِمَ مِنْ نَفْسِهِ الْخِيَانَةَ فِيهِ أَوْ عَزَمَ عَلَى ذَلِكَ فَعِنْدَئِذٍ يَحْرُمُ عَلَيْهِ سُؤَالُ ذَلِكَ الْعَمَلِ وَبِالأَحْرَى بَذْلُ الْمَالِ لِلْوُصُولِ إِلَيْهِ. وَكَذَلِكَ مَنْ لا يُحْسِنُ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ لا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْتَصِبَ إِمَامًا فِى مَسْجِدٍ لِيُصَلِىَّ بِالنَّاسِ.