وَقَدْ حَصَلَ فِى زَمَانِ سَيِّدِنَا عُمَرَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قِصَّةٌ فِيهَا دَلِيلٌ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ السَّتْرِ عَلَى الْمُسْلِمِ وَهِىَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى عُمَرَ بنِ الْخَطَّابِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إِنِّى كُنْتُ وَأَدْتُ بِنْتًا لِى فِى الْجَاهِلِيَّةِ أَىْ قَبْلَ أَنْ أُسْلِمَ ثُمَّ أَخْرَجْتُهَا قَبْلَ أَنْ تَمُوتَ ثُمَّ أَدْرَكْنَا الإِسْلامَ فَأَسْلَمَتْ وَنَحْنُ أَسْلَمْنَا ثُمَّ ارْتَكَبَتْ حَدًّا مِنْ حُدُودِ اللَّهِ أَىْ زَنَتْ قَبْلَ أَنْ تَتَزَوَّجَ فَأَخَذَتْ شَفْرَةً لِتَذْبَحَ نَفْسَهَا أَىْ مِنْ عُظْمِ مَا وَقَعَتْ فِيهِ مِنَ الْفَضِيحَةِ فَأَدْرَكْنَاهَا وَقَدْ قَطَعَتْ بَعْضَ أَوْدَاجِهَا أَىْ بَعْضَ عُرُوقِ الْعُنُقِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ فَدَاوَيْنَاهَا،
ثُمَّ تَابَتْ تَوْبَةً حَسَنَةً ثُمَّ خُطِبَتْ إِلَيْنَا مِنْ قَوْمٍ فَأَخْبَرْتُ بِبَعْضِ مَا جَرَى لَهَا حَتَّى يُقْدِمُوا عَلَى إِتْمَامِ خِطْبَتِهَا أَوْ يَفْسَخُوا وَيَتْرُكُوهَا هُوَ عَلَى زَعْمِهِ فَعَلَ ذَلِكَ لِئَلَّا يَغُشَّهُمْ وَظَنَّ بِنَفْسِهِ أَنَّهُ بِذَلِكَ يَنْصَحُهُمْ فَقَالَ لَهُ سَيِّدُنَا عُمَرُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْتَ تَبُثُّ مَا سَتَرَهُ اللَّهُ لَئِنْ أَخْبَرْتَ بِذَلِكَ أَحَدًا لَأَجْعَلَنَّكَ نَكَالًا يَتَحَدَّثُ بِهِ أَهْلُ الأَمْصَارِ مَعْنَاهُ لَئِنْ عُدْتَ بَعْدَ هَذَا إِلَى إِفْشَاءِ هَذِهِ الْعَوْرَةِ الَّتِى سَبَقَتْ لِابْنَتِكَ فَتَحَدَّثْتَ بِهَا لَأَجْعَلَنَّكَ عِبْرَةً لِلنَّاسِ بِعُقُوبَةٍ أُنَزِّلُهَا بِكَ يَتَحَدَّثُ بِهَا أَهْلُ الْمُدُنِ فَيُؤْخَذُ مِنْ هِذِهِ الْقِصَّةِ حُكْمَانِ شَرْعِيَّانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ الإِنْسَانَ بَعْدَ أَنْ يَتُوبَ لا يَجُوزُ ذِكْرُهُ بِالْعَارِ وَالْعَيْبِ الَّذِى سَبَقَ لَهُ،
وَالآخَرُ أَنَّ هَذِهِ الْبِنْتَ لَوْ لَمْ تَكُنْ تَابَتْ كَانَ حَقًّا عَلَى أَبِيهَا إِذَا خُطِبَتْ إِلَيْهِ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِيهَا وَإِنْ سَكَتَ هُوَ وَغَيْرُهُ مِمَّنْ عَلِمَ بِالْحَادِثَةِ يَكُونُونَ غَاشِّينَ (والوشم) وهو غرز الجلد بالإبرة حتى يخرجَ الدمُ ثم يُذَرُّ على المحل نيلةٌ أو نحوُها ليزرقّ المحل أو يَسْوَدَّ وذلكَ لِحديث الصّحِيحَين "لَعنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الواصِلَة والمسْتَوصِلَةَ والواشِمةَ والمستَوشِمَة والنّامِصَة والمتنَمّصَةَ" وَرَجَّحَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ فِى النَّمْصِ وَنَحْوِهِ الْحِلَّ بِإِذْنِ الزَّوْجِ فَإِنْ مَاتَ زَوْجُهَا حَرُمَ عَلَيْهَا فِعْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ.
ويحرم الوصل بشعرٍ نجسٍ أو شعر ءادمي مطلقًا (وهجر المسلم) بترك تكليمه ولو بمجرد السلام (فوق ثلاثِ) ليالٍ (إلا لعذر شرعي) كأن كان شارب خمر فإنّه يجوز هَجْرُه حتى يَتُوبَ ولو إلى المماتِ بَعْدَ إِعْلامِهِ بِسَبَبِ الْهَجْرِ لِأَنَّهُ قَدْ لا يَفْهَمُ سَبَبَ الْهَجْرِ قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلَّم «لا يَحِلُّ لمسلم أن يَهجُرَ أخَاه فوقَ ثلاثِ لَيالٍ يَلتَقِيان فيُعرِضُ هذا ويُعرِضُ هذا وخَيرُهما الذي يَبدأ بالسّلام» فأَفْهَمَ هذا الحديثُ أنّ إثْمَ الهَجْرِ يرتفع بالسّلام (ومجالسة المبتدع أو الفاسق للإيناس له على فسقه) كأن جلس مع من يشرب الخمر يحدثه من غير حاجة مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ مُجَالَسَةُ الْمُبْتَدِعِ أَوِ الْفَاسِقِ لِإِينَاسِهِ عَلَى فِعْلِهِ الْمُنْكَرَ،
وَالْمُرَادُ بِالْمُبْتَدِعِ الْمُبْتَدِعُ بِدْعَةً اعْتِقَادِيَّةً أَىْ مَنْ لَيْسَ عَلَى عَقِيدَةِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَأَمَّا الْفَاسِقُ فَهُوَ مُتَعَاطِى الْكَبِيرَةِ كَشَارِبِ الْخَمْرِ، وَهَذَا أَيْضًا يُقَيَّدُ بِعَدَمِ الْعُذْرِ فَإِنْ جَالَسَهُمُ الشَّخْصُ لِحَاجَةٍ لَهُ فَيَجُوزُ.
الْمُبْتَدِعُ فِى الِاعْتِقَادِ إِمَّا كَافِرٌ وَإِمَّا مُسْلِمٌ فَاسِق فالْمُعْتَزِلَةُ وَالْمُرْجِئَةُ وَالْمُشَبِّهَةُ كَهَؤُلاءِ الْوَهَّابِيَّةِ كُفَّارٌ كَذَلِكَ الْخَوَارِجُ كُفَّارٌ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ السُّنَّةِ الْخَوَارِجُ قِسْمَانِ قِسْمٌ كُفَّارٌ وَقِسْمٌ غَيْرُ كُفَّارٍ بَلْ فُسَّاقٌ، وَالْمُعْتَزِلِىُّ إِذَا كَانَ لا يَقُولُ الْعَبْدُ يَخْلُقُ أَفْعَالَهُ بَلْ يَقُولُ اللَّهُ لا يُرَى فِى الآخِرَةِ فَلا يُكَفَّرُ لِمُجَرَّدِ ذَلِكَ أَمَّا الْمُبْتَدِعُ بِدْعَةً عَمَلِيَّةً مِنَ الْبِدَعِ السَّيِّئَةِ فَهُمْ قِسْمَانِ قِسْمٌ فُسَّاقٌ وَقِسْمٌ لا يُفَسَّقُونَ بَلْ يَكُونُ حُكْمُهُمْ حُكْمَ مُرْتَكِبِ الْكَرَاهَةِ.
(ولبس الذهب) للرجل مطلقًا (و)لبس (الفضة والحرير) الخالص الذي تخرجه الدودة المعروفة (أو ما أكثره وزنًا منه) كثلثيه يُنظر هل الحرير أكثر أو غيره أكثر يعني أكثر من حيث الوزن ليس المساحة، والحرير هو ما تخرجه الدودة المعروفة بدودة القزِّ (للرجل البالغ إلا خاتم الفضة) فيجوز له لبسه بل يُسن فمِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ لُبْسُ الذَّهَبِ مُطْلَقًا وَالْفِضَّةِ غَيْرِ الْخَاتَمِ مِنْهَا وَلُبْسَ الْحَرِيرِ الْخَالِصِ أَوْ مَا أَكْثَرُهُ وَزْنًا مِنْهُ لِلرَّجُلِ الْبَالِغِ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «أُحِلَّ الذَّهَبُ والحرِيرُ لإناثِ أُمَّتي وحُرِّمَ على ذكورها» وَأَمَّا خَاتَمُ الْفِضَّةِ فَجَائِزٌ لِلرَّجُلِ لِأَنَّهُ ﷺ لَبِسَهُ،
وَخَرَجَ بِالرَّجُلِ الْمَرْأَةُ لِأَنَّهُ يَجُوزُ لَهَا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَلَوِ اتَّخَذَتْ مِنْهُمَا ثَوْبًا إِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْهَا عَلَى وَجْهِ الْبَطَرِ وَالْفَخْرِ وَالْحِكْمَةُ مِنْ تَحْرِيمِ لُبْسِ الذَّهَبِ لِلرِّجَالِ أَنَّ الذَّهَبَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ طَبَقَاتِ النَّاسِ كُلِّهِمْ فَإِذَا رَأَى الْفَقِيرُ رَجُلًا يَلْبَسُهُ يَنْكَسِرُ خَاطِرُهُ، وَأَمَّا الْحَرِيرُ فَهُوَ يُنَافِى الشَّهَامَةَ الَّتِى هِىَ مَطْلُوبَةٌ لِلرِّجَالِ (والخلوة) أى خلوةُ الرجل (بالأجنبية) من النساء (بحيث لا يراهما) شخصٌ (ثالثٌ) ثقةٌ أو محرمٌ (يُسْتَحَى منه من ذكر أو أنثى) أما إن كان الثالثُ صغيرا بحيث لا يستحى منه أو كان غيرَ بصيرٍ فيحرُم فمِنَ مَعَاصِى الْبَدَنِ الْخَلْوَةُ بِالأَجْنَبِيَّةِ بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمَا مَحْرَمٌ لِأَحَدِهِمَا بَصِيرٌ فَلا يَكْفِى الأَعْمَى، وَيُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الثَالِثُ بِحَيْثُ يُسْتَحَى مِنْهُ وقال عليه الصلاة والسلام " ألا لا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلَّا كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ " رَوَاهُ التِّرْمِذِىُّ فِى سُنَنِهِ وَصَحَّحَهُ.
مَعْنَاهُ يَشْتَغِلُ بِهِمَا حَتَّى يُوَقِعَهُمَا فِى الْحَرَامِ لِأَنَّهُ تِلْكَ السَّاعَةَ يَقْوَى عَلَيْهِمَا. قال الشيخ الشافعية شرطوا لجواز منع الخلوة الثقة ومعنى ذلك أن الفساق لا يمنعون الخلوة والعبرة بوجود من تندفع به الريبة فإن وجد من تندفع به الريبة يكون مانعا للخلوة لأن العلة في التحريم وجود الريبة فبوجود من تندفع به الريبة تزول الحرمة. قال الشَّبْراملِّسيُّ ويؤخذ منه أنَّ المدارَ في الخلوةِ على اجتماعٍ لا تُؤمَنُ معه الرِّيْبةُ أي التُّهَمةُ والشكُّ عادةً بخلافِ ما لو قُطِعَ بانتفائِها في العادةِ فلا يُعَدُّ خلوةً.
(وسفر المرأة) ولو سفرًا قصيرًا (بغير) محرم كأخٍ وأبٍ و(نحو محرم) كزوج وقَد وَرد النَّهيُ عن ذلكَ ففِي بعضِ أحاديثِ النّهي عنه ذِكْرُ مَسِيرة ثلاثةِ أيّام، وفي بَعضِها ذِكْرُ مَسٍيْرة يومَين وفي بعضِها ذِكرُ مَسِيرة يوم وفي بعضِها ذِكرُ بَرِيد والبَريدُ مسِيرةُ نِصفِ يَوم وذلكَ يَدُلُّ على أنَّ المقصُودَ تَحرِيمُ ما يُسَمَّى سَفرًا على المرأةِ بدونِ المحارم أو الزّوج وذلكَ بشرط أن لا تكونَ ضرورةٌ للسّفَر، فأمّا إذا كانَت ضَرورةٌ بأن كانَ سَفَرُها لحَجّ الفَرضِ أو عُمرَةِ الفَرضِ أو لِتَعلُّم العِلم الضّروريّ إذا لم تَجِدْ في بلَدِهَا مَنْ يُعلِمُها ونحوِ ذلكَ فإنّه جَائِزٌ وَأَجَازَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنْ تُسَافِرَ الْمَرْأَةُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ بِدُونِ مَحْرَمٍ.
وَأَجَازَ الإِمَامُ أَحْمَدُ سَفَرَ الْمَرْأَةِ بِدُونِ مَحْرَمٍ إِذَا كَانَ مَعَ جَمْعٍ مِنَ النِّسْوَةِ الثِّقَاتِ. (واستخدامُ الحُرِّ كُرهًا) أى قهرًا بأن يقهره على عمل وَذَلِكَ بِأَنْ يَسْتَرِقَّ الْحُرَّ وَيَسْتَعْبِدَهُ أَوْ يَقْهَرَهُ عَلَى عَمَلٍ لِنَفْسِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ كَالْعَمَلِ فِى الزِّرَاعَةِ وَحِرَاثَةِ الأَرْضِ أَوِ الْبِنَاءِ أَوِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ (ومعاداة الولىِّ) أى اتخاذ الولى عدوًا ومحاربته له والولىُّ هو المسلم المؤدى للواجبات المجتنب للمحرمات المكثر من النوافل ولو من نوع أو نوعين منها.
الْوَلِىُّ هُوَ الْمُؤْمِنُ الْمُسْتَقِيمُ بِطَاعَةِ اللَّهِ أَىِ الْمُؤَدِّى لِلْوَاجِبَاتِ وَالْمُجْتَنِبُ لِلْمُحَرَّمَاتِ وَالْمُكْثِرُ مِنَ النَّوَافِلِ وَهَذَا التَّفْسِيرُ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ سُورَةَ الأَحْقَاف/13 الآيَةَ، لِأَنَّ الِاسْتِقَامَةَ هِىَ لُزُومُ طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمِنْ حَدِيثِ أَبِى هُرَيْرَةَ الْمَرْوِىِّ فِى الْبُخَارِىِّ وَغَيْرِهِ "مَنْ عَادَى لِى وَلِيًّا فَقَدْ ءَاذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِى بِشَىْءٍ أَحَبَّ إِلَىَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَلا يَزَالُ عَبْدِى يَتَقَرَّبُ إِلَىَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ" فَإِذَا كَانَ هَذَا فِى حَقِّ كُلِّ وَلِىٍّ فَكَيْفَ مُعَادَاةُ خَوَاصِّ الأَوْلِيَاءِ الصِّدِّيقِينَ الْمُقَرَّبِينَ الْخُلَفَاءِ الأَرْبَعَةِ أَبِى بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِىٍّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ.
وَمَعْنَى ءَاذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ أُعْلِمُهُ أَنِّى مُحَارِبٌ لَهُ (والإعانة على المعصية) كجلب الخمرة لمن يريد شربها لقَولِ الله تعالى ﴿وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ فَالآيَةُ دَلِيلٌ لِتَحْرِيمِ مُعَاوَنَةِ شَخْصٍ لِشَخْصٍ فِى مَعْصِيَةِ اللَّهِ كَحَمْلِ إِنْسَانٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى إِلَى مَحَلٍّ يُعْبَدُ فِيهِ غَيْرُ اللَّهِ لِمُشَارَكَةِ الْمُشْرِكِينَ وَمُوَافَقَتِهِمْ لِعِبَادَةِ ذَلِكَ الصَّنَمِ وَذَلِكَ كُفْرٌ أَوْ لِمَا دُونَ ذَلِكَ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مَا هُوَ مُعَاوَنَةٌ فِى الْمَعْصِيَةِ كَائِنَةً مَا كَانَتْ كَأَنْ يَأْخُذَ الرَّجُلُ زَوْجَتَهُ الْكِتَابِيَّةَ إِلَى الْكَنِيسَةِ أَوْ يُعْطِيَهَا مَا تَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا ذَاهِبَةٌ لِفِعْلِ الْكُفْرِ أَوْ قَوْلِ الْكُفْرِ فَإِنَّهُ يَكْفُرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾.
وَيُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الآيَةِ أَنَّهُ لا يَجُوزُ إِعَانَةُ الظَّالِمِ عَلَى ظُلْمِهِ وَلَوْ كَانَ قَرِيبًا لَكَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ "لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِى سُنَنِهِ وَلِوَصْفِهِ لِلْعَصَبِيَّةِ بِأَنَّهَا مُنْتِنَةٌ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ "انْصُرْ أَخَاكَ ظَالِمًا أَوْ مَظْلُومًا" رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ فِى صَحِيحِهِ وَالْبَيْهَقِىُّ فِى سُنَنِهِ وَغَيْرُهُمَا فَمَعْنَى نَصْرِهِ إِنْ كَانَ ظَالِمًا مَنْعُهُ عَنِ الظُّلْمِ وَنَهْيُهُ عَنْهُ، وَإِنْ كَانَ مَظْلُومًا فَبِدَفْعِ الظُّلْمِ عَنْهُ. وَلْيُحْذَرْ مِمَّا قَالَهُ بَعْضُ مُتَأَخِّرِى الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الرَّجُلَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَبَوَيْهِ الْكَافِرَيْنِ إِلَى الْكَنِيسَةِ وَجَعَلَ هَذَا مِنَ الْبِرِّ لِلْوَالِدَيْنِ وَهَذَا كُفْرٌ صَرِيحٌ (وترويج الزائف) كالدراهم الزائفة والتعامل بها على أنها صحيحة تامةٌ كطَلْىِ قطع النحاسِ بالذهب لإيهام الناس أنها دنانير وبيعِها على أنها كذلك وَذَلِكَ دَاخِلٌ فِى الْغَشِّ وَأَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ (واستعمال أوانى الذهب والفضة) كأن يأكلَ فيهما أو يشربَ وهو من معاصي البدن أَمَّا الِاسْتِعْمَالُ فَهُوَ بِالأَكْلِ فِى أَوَانِيهِمَا أَوِ الشُّرْبِ وَنَحْوِهِمَا وَكَاسْتِعْمَالِ سُبْحَةٍ مِنْ فِضَّةٍ أَوْ مِفْتَاحٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ كَقَلَمٍ مِنْ ذَهَبٍ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ.
أَمَّا مَا طُلِىَ طِلاءً خَفِيفًا بِحَيْثُ لا يَتَقَاطَرُ مِنْهُ شَىْءٌ إِنْ عُرِضَ عَلَى النَّارِ فَلا يَحْرُمُ (و)يحرم أيضًا (اتخاذها) أى اقتناء أوانيهما ولو لم يقصد الاستعمال وَأَمَّا الِاتِّخَاذُ فَهُوَ اقْتِنَاءُ أَوَانِيهِمَا بِلا اسْتِعْمَالٍ فَهُوَ حَرَامٌ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِى قَلْبِ مُقْتَنِيهِ قَصْدُ الِاسْتِعْمَالِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِنَّ اتِّخَاذَهُ لِغَيْرِ الِاسْتِعْمَالِ جَائِزٌ كَأَنِ اتَّخَذَهُ لِلزِّينَةِ أَوْ لِلْقِنْيَةِ لِلْمُسْتَقْبَلِ حَتَّى يَبِيعُوهُ وَيَنْتَفِعُوا بِهِ.
فَإِنْ كَانَ الِاقْتِنَاءُ لِزِينَةِ الْبَيْتِ فَخْرًا وَبَطَرًا فَهُوَ أَشَدُّ قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلَّم «إنّ الذي يأكلُ ويَشرَبُ في ءانِية الذّهب والفِضَّة إِنّما يُجَرْجِرُ في بَطْنِه نارَ جَهنّم» رواه مسلم وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُ غَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مِنَ الأَوَانِى حَتَّى الْجَوَاهِرَ النَّفِيسَةَ كَالْيَاقُوتِ وَاللُّؤْلُؤِ إِلَّا إِذَا كَانَ لِلْكِبْرِ (وتركُ الفرض) بأن يترك تأديته كالصلاة (أو فعلُهُ) صورةً (مع ترك ركنٍ) كأن
صلى من غير نية (أو) مع ترك (شرطٍ) كأن صلى بغير وضوء (أو) لم يترك شيئًا من الأركان والشروط ولكن أتى بالفرض (مع فِعْلِ مبطلٍ له) كأن شرع فى الصلاة مع الحركة للَّعب قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيمَنْ يَتَهَاوَنُ بِالصَّلاةِ فَيُخْرِجُهَا عَنْ وَقْتِهَا ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ سُورَةَ الْمَاعُون وَالْوَيْلُ هُوَ شِدَّةُ الْعَذَابِ وَقَدْ تَوَعَّدَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْعَذَابِ الشَّدِيدِ مَنْ يَتَهَاوَنُونَ بِالصَّلاةِ بِأَنْ يُؤَخِّرُوهَا عَمْدًا حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الصَّلاةِ الأُخْرَى بِلا عُذْرٍ (وترك) صلاة (الجمعة مع وجوبها عليه وإن صلى الظهر) بدلاً عنها (وتركُ نحوِ أهلِ قريةٍ الجماعاتِ فى) الصلواتِ الخمسِ (المكتوباتِ) ومثلُ ذلك ما لو صَلَّى أهلُ المدينةِ فى الجماعةِ لكن بحيث لا يظهر الشعارُ أي شعارُ الجماعةِ وَكَذَلِكَ تَرْكُ نَحْوِ أَهْلِ بَلَدٍ أَىْ مَدِينَةٍ أَوْ قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ الْجَمَاعَةَ فِى الْمَكْتُوبَاتِ الْخَمْسِ قَالَ ﷺ» مَا مِنْ ثَلاثَةٍ فِى قَرْيَةٍ وَلا بَدْوٍ لا تُقَامُ فِيهِمُ الصَّلاةُ إِلَّا اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ« أَىْ غَلَبَ عَلَيْهِمْ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِى سُنَنِهِ.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِى صَلاةِ الْجَمَاعَةِ هَلْ هِىَ فَرْضُ عَيْنٍ أَوْ فَرْضُ كِفَايَةٍ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ وَذَلِكَ مَذْهَبُ الشَّافِعِىِّ وَمَالِكٍ وَأَبِى حَنِيفَةَ، وَقَالَ أَحْمَدُ فِى الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْهُ إِنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَتَرْكُهَا دَلِيلٌ عَلَى التَّهَاوُنِ بِالدِّينِ وَذَلِكَ فِيمَنْ لَيْسَ لَهُ عُذْرٌ فَقَدْ شُهِرَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ تَرَكَ زَمَانًا الْخُرُوجَ لِلْجَمَاعَةِ وَالْجُمُعَةِ لِعُذْرٍ عِنْدَهُ (وتأخير الفرض عن وقته بغير عذر) كأن لم يصَلِّ العصرُ حتى دخل وقت المغرب فمِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ تَأْخِيرَ الْفَرْضِ عَنْ وَقْتِهِ بِغَيْرِ عُذْرٍ وَإِنَّمَا أُعِيدَ هَذَا ذِكْرًا مَعَ الْعِلْمِ مِمَّا سَبَقَ لِتَأْكِيدِ الِاهْتِمَامِ بِالْفَرْضِ وَمَزِيدِ التَّنْفِيرِ عَنِ التَّرْكِ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ "مَنْ جَمَعَ بَيْنَ صَلاتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ أَتَى بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْكَبَائِرِ" وَرُوِىَ ذَلِكَ مَرْفُوعًا لَكِنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ إِسْنَادًا.
وَأَمَّا التَّأْخِيرُ بِعُذْرٍ فَلا إِثْمَ عَلَى فَاعِلِهِ، وَالْعُذْرُ إِمَّا سَفَرٌ مُبِيحٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ صَلاتَيْنِ، أَوْ مَطَرٌ بِشَرْطِهِ وَهُوَ الْجَمْعُ تَقْدِيمًا بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ لِمَنْ يُصَلِّى جَمَاعَةً تَهْوِينًا عَلَيْهِ مِنْ مَشَقَّةِ الْعَوْدِ لِلصَّلاةِ الثَّانِيَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ. وَمِنَ الأَعْذَارِ أَيْضًا الْمَرَضُ فَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِىُّ فِى بَعْضِ كُتُبِهِ ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَشْتَهِرْ عَنْهُ اشْتِهَارًا كَالسَّفَرِ، وَعِنْدَ أَحْمَدَ يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ صَلاتَيْنِ لِكُلِّ عُذْرٍ يُبِيحُ تَرْكَ الْجَمَاعَةِ وَالْجُمُعَةِ وَهِىَ كَثِيرَةٌ أو لم يدفع الزكاة للمستحقين بعد حَوَلانِ الحول من غير عذر (ورمىُ الصيد بالمُثَقَّلِ المذفِّفِ أى بالشىء الذى يقتل بثقله) المسرعِ لإزهاق الروح (كالحجر) فلا يجوز وَعُدَّ هَذَا مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ لِأَنَّهُ يَشْتَرِكُ فِيهِ غَيْرُ الْيَدِ مَعَهَا،
وَالْمُثَقَّلُ هُوَ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَتَشْدِيدِ الْقَافِ الْمَفْتُوحَةِ مَا يَقْتُلُ بِثِقَلِهِ كَالصَّخْرَةِ، وَأَمَّا الْمُذَفِّفُ فَهُوَ الْمُسْرِعُ لِإِزْهَاقِ الرُّوحِ، وَعَلَى هَذَا فَمَا يُقْتَلُ بِالرَّصَاصِ الَّذِى عُرِفَ اسْتِعْمَالُهُ لِلصَّيْدِ مَيْتَةٌ إِلَّا أَنْ يُدْرَكَ وَفِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ أَىْ حَرَكَةٌ اخْتِيَارِيَّةٌ أَوْ نَحْوُهَا فَيُذَكَّى بِالسِّكِّينِ أَوْ نَحْوِهَا مِمَّا لَهُ حَدٌ، وَمَذْهَبُ الإِمَامِ عَبْدِ الرَّحْمٰنِ الأَوْزَاعِىِّ لِأَنَّهُ مُجْتَهِدٌ كَالشَّافِعِىِّ وَمَالِكٍ أَنَّهُ يَجُوزُ الصَّيْدُ بِبُنْدُقِ الرَّصَاصِ بِشَرْطِ التَّسْمِيَةِ قَبْلَ الرَّمْىِ عِنْدَ كُلِّ صَيْدٍ.
فَإِنْ أُدْرِكَ هَذَا الصَّيْدُ حَيًّا فَلا بُدَّ مِنْ ذَبْحِهِ عِنْدَهُ أَيْضًا فَإِنْ تُرِكَ يَمُوتُ مِنْ غَيْرِ ذَبْحٍ لَمْ يَحِلَّ عِنْدَهُ (واتخاذ الحيوانِ غرضًا) أى هدفًا للرماية مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ الَّتِى هِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ اتِّخَاذُ الْحَيَوَانِ غَرَضًا أَىْ هَدَفًا كَالشَّىْءِ الَّذِى يُنْصَبُ لِيُصِيبُوهُ بِالرِّمَايَةِ مِنْ نَحْوِ الْقِرْطَاسِ كَمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ بَعْضُ الشَّبَابِ لِلَّهْوِ أَوْ لِتَعَلُّمِ الرِّمَايَةِ. وَالْقِرْطَاسُ
قِطْعَةٌ مِنْ جِلْدٍ تُنْصَبُ لِلرَّمْىِ (وعدمُ ملازمةِ المعتدةِ) بالوفاة أو بطلاق بائن (للمسكن بغير عذر) فإن خرجت نهارا لحاجة كشراء نحو طعام وبيع غزل ولنحو احتطاب أو خرجت ليلا إلى دار جارتها لحديثٍ مثلاً ثم عادت وباتت فى البيت جاز كذلك بشروطه والعذر كخوف انهدام البيت عليها ونحوِ ذلك وأما الرجعية ففي حكم الزوجة أي أنها لا تخرج من بيت الزوج إلا بإذنه (وتركُ) الزوجة (الإحدادَ على الزوج) المتوفى عنها والإحدادُ هو التزام ترك الزينة والطيب إلى انتهاء العدة
وهى للحامل إلى الوضع ولغيرها أربعةُ أشهرٍ وعشرةُ أيام وتحرُم الزيادةُ على المدّةِ المشروعةِ في إحداد الزوجة على زوجها وهي أربعة أشهر وعشرة أيام للحائل وللحامل حتى تضع حملها ويجوز لغير الزوجة من النساء الإحداد إلى ثلاثة أيام ويحرم عليهن الزيادة على ذلك (وتنجيس المسجد) بالبول أو الدم أو غير ذلك من النجاسات (و)كذا (تقذيرُهُ ولو بطاهرٍ) كالبُزاق والمخاط لأنَّ حِفظَ المَسْجِد منْ ذلكَ مِنْ تعظيم شَعائر الله قالَ الله تعالى ﴿ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القُلُوبِ﴾
(والتهاون بالحجّ) أى بأدائه (بعد) حصول (الاستطاعة إلى أن يموت) من غير أن يحج فإذا تساهل المسْتطيع حتى مات قبل أن يحج فإنه يحكم عليه بالفسق (والاستدانةُ لمن لا يرجو وفاءً لِدَيْنِهِ من جهة ظاهرة) بأن لم يكن ذا ملك أو مهنة يتوقع دَرَّ المال عليه منها (ولم يَعْلَمْ دائنُهُ بذلك) بفتح الياء لأنه قد يعلم من شخص آخر أى بأنه لا يرجو وفاءَ الدين أما إن عرف أنَّ الدائن يعلم بحاله فاقترض منه فأقرضه فلا حرمة فى ذلك (وعدم إنظار) الدائن للمدينِ (المعْسِرِ) أى العاجز عن قضاء ما عليه مع علمه بإعساره كأن حبسه أو لازمه مع علمه بعدم قدرته على ذلك،
روى مسلم من حديث أبي اليَسَر أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلَّم قال «مَن أنْظَر مُعْسِرًا أو وَضَعَ عنهُ أظلَّهُ اللهُ في ظِلّه يومَ لا ظِلَّ إلا ظِلُّه» قال ابن حجر في الفتح قوله «في ظله» قال عياض إضافة الظل إلى الله إضافة ملك وكل ظل فهو ملكه كذا قال وكان حقه أن يقول إضافة تشريف ليحصل امتياز هذا على غيره كما قيل للكعبة بيت الله مع أن المساجد كلها ملكه وقيل المراد بظله كرامته وحمايته كما يقال فلان في ظل الملك وهو قول عيسى بن دينار وقواه عياض وقيل
المراد ظل عرشه ويدل عليه حديث سلمان عند سعيد بن منصور بإسناد حسن سبعة يظلهم الله في ظل عرشه فذكر الحديث وإذا كان المراد ظل العرش استلزم ما ذكر من كونهم في كنف الله وكرامته من غير عكس فهو أرجح اهـ (وبذل المال فى معصية) من معاصي البدن التي هي من الكبائر بذلَ المال في معصية من معاصي الله تعالى كبيرةً كانت أو صغيرة كأن يدفع المال للاستماع لآلات الطرب المحرمة (والاستهانة بالمصحف) بالإخلال بتعظيمه فإن وصل إلى حدّ الاستخفاف كان كفرًا (و)كذلك حكم الاستهانة (بكل علم شرعي) كالاستهانة بكتب الفقه (و)من الاستهانة بالمصحف (تمكين الصبى المميز منه) وهو محدث لغير حاجة التعلم وحمله على غير طهارة مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ الِاسْتِهَانَةَ بِالْمُصْحَفِ أَىْ فِعْلُ مَا يُشْعِرُ بِتَرْكِ تَعْظِيمِهِ، وَكَذَلِكَ فِعْلُ ذَلِكَ بِعِلْمٍ شَرْعِىٍّ كَكُتُبِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ وَكَذَلِكَ الْوَرَقَةُ الْوَاحِدَةُ الَّتِى فِيهَا قُرْءَانٌ أَوْ عِلْمٌ شَرْعِىٌّ.
فمَا يُعْتَبَرُ اسْتِخْفَافًا بِذَلِكَ فَإِنَّهُ مَعْدُودٌ مِنْ أَسْبَابِ الرِّدَّةِ كَدَوْسِهِ عَمْدًا وَلَوْ لِتَصْفِيفِ النُّسَخِ فِى الْمَطَابِعِ أَوِ الْمَكَاتِبِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأَغْرَاضِ. وَاعْلَمْ أَنَّ بَعْضَ اللُّغَوِيِّينَ جَعَلَ الِاسْتِهَانَةَ مُرَادِفَةً لِلاِسْتِخْفَافِ وَاسْتَعْمَلَهَا بَعْضُ الْفُقَهَاءِ لِمَا هُوَ أَقَلُّ مِنَ الِاسْتِخْفَافِ (وتغيير منار الأرض أى تغييرُ الحدِّ الفاصل بين ملكه وملك غيره) بأن يُدخل من حدودِ جارِهِ شيئًا فى حدِّ أرضِهِ مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ الَّتِى هِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ تَغْيِيرُ حُدُودِ الأَرْضِ بِأَنْ يُدْخِلَ مِنْ حُدُودِ جَارِهِ شَيْئًا فِى حَدِّ أَرْضِهِ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ "لَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الأَرْضِ" وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ اتِّخَاذُ أَرْضِ الْغَيْرِ طَرِيقًا،
أَمَّا الْمُرُورُ فِى أَرْضِ الْغَيْرِ كَالْبُسْتَانِ وَالْمَزْرَعَةِ فَلا يَحْرُمُ إِذَا ظَنَّ الرِّضَى وَلَمْ تَصِرْ بِذَلِكَ طَرِيقًا وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا زَرْعٌ يَضُرُّهُ الْمُرُورُ (والتصرف فى الشارع) أى الطريق النافذ (بما لا يجوز) مما يضرُّ المارة وَمِنْ ذَلِكَ التَّصَرُّفُ فِى الشَّارِعِ بِمَا لا يَجُوزُ فِعْلُهُ فِيهِ مِمَّا يَضُرُّ بِالْمَارَّةِ كَأَنْ يَبْنِىَ شَيْئًا لِيَجْلِسَ عَلَيْهِ فِى الشَّارِعِ أَوْ لِيَضَعَ عَلَيْهِ أَغْرَاضَهُ لِيَبِيعَهَا أَمَّا إِنْ جَلَسَ فِى طَرَفِ الشَّارِعِ وَبَسَطَ سَجَّادَةً وَجَلَسَ عَلَيْهَا لِيَبِيعَ أَغْرَاضَهُ فَيَجُوزُ، إِنَّمَا الْحَرَامُ أَنْ يَبْنِىَ شَيْئًا مُرْتَفِعًا فِى الشَّارِعِ.
وَكَذَلِكَ لا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِى الطَّرِيقِ غَيْرِ النَّافِذِ بِدُونِ إِذْنِ أَهْلِهِ كَأَنْ يَجْلِسَ فِيهِ وَيَضَعَ فِيهِ أَغْرَاضًا، وَالطَّرِيقُ غَيْرُ النَّافِذِ هُوَ الطَّرِيقُ الْفَرْعِىُّ الَّذِى يَتَفَرَّعُ مِنَ الشَّارِعِ الْعَامِّ وَفِى جَانِبَيْهِ بُيُوتٌ كَثِيرَةٌ أَوْ قَلِيلَةٌ وَطَرَفُهُ الآخَرُ مَسْدُودٌ. فيحرم التصرف فيه بما لم يأذن فيه أهله (واستعمالُ) الشىء (المعارِ فى غير المأذون له فيه) كأن استعار دابةً ليركبها فنقل عليها متاع المنـزل (أو زاد على المدة المأذون له فيها) كأن أعاره شخصٌ ثَوْبَهُ لأسبوع فاستعمله لأسبوعين (أو أعاره) أى المعارَ (لغيره) بلا إذنٍ من المالك مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ اسْتِعْمَالُ الشَّىْءِ الَّذِى هُوَ عَارِيَّةٌ فِى غَيْرِ مَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ،
وَكَذَلِكَ الزِّيَادَةُ عَلَى الْمُدَّةِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِيهَا إِنْ كَانَتِ الْمُدَّةُ مُقَيَّدَةً كَأَنْ قَدَّرَ لَهُ سَنَةً فَاسْتَعْمَلَهُ بَعْدَ انْقِضَائِهَا، وَكَذَلِكَ إِعَارَتُهُ لِلْغَيْرِ بِلا إِذْنٍ مِنَ الْمَالِكِ فِى ذَلِكَ فَالْمُسْتَعِيرُ إِنْ أَعَارَ غَيْرَهُ بِإِذْنِ الْمُعِيرِ فَتَلِفَتْ بِيَدِ الثَّانِى يَضْمَنُ الثَّانِى وَإِنْ أَعَارَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ الْمُعِيرِ يَضْمَنُ هُوَ (وتحجير المباح) وهو منعُ الناس من الأشياء المباحة
لهم على العموم والخصوص (كالمرعى) أى مكانِ رَعْىِ الماشية (والاحتطابِ) أى أخذِ الحطب (من الموات) أى من أرضٍ لا مالك لها ومنه تحجير شواطئ الأنهار والبحار (والملحِ من معدنه) كالبحر (والنقدين) من معدنهما (وغيرهما و)المنعِ من (الماء للشرب من) البئر التى حفرها الشخص فى الأرض الموات حالةَ كونِ ذلك الماء من (المستخلف وهو الذى إذا أُخذ منه شىءٌ يَخْلُفُهُ) ماءٌ (غيره) وهذا غيرُ ما تَمَلَّكَهُ الشخص باحتوائه فى إنائه من بحر أو نهر مثلاً فلا يجب عليه بَذْلُهُ تَحْجِيرُ الْمُبَاحِ حرامٌ أَىْ يحرمُ مَنْعِ النَّاسِ مِنَ الأَشْيَاءِ الْمُبَاحَةِ لَهُمْ عَلَى الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ كَشَوَاطِئِ الأَنْهَارِ وَالْبِحَارِ وَكَالْمَرْعَى الَّذِى فِى أَرْضٍ لَيْسَ مِلْكًا لِأَحَدٍ وَالِاحْتِطَابِ أَىْ أَخْذِ الْحَطَبِ مِنْ أَرْضِ الْمَوَاتِ،
وَكَذَلِكَ الشَّوَارِعُ وَالْمَسَاجِدُ وَالرُّبُطُ أَىِ الأَمَاكِنُ الْمَوْقُوفَةُ لِلْفُقَرَاءِ مَثَلًا فَلا يَجُوزُ لِبَعْضِهِمْ تَحْجِيرُ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْمُسْتَحِقِّينَ، وَكَذَلِكَ الْمَعَادِنُ الْبَاطِنَةُ وَالظَّاهِرَةُ كَأَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنْ أَخْذِ الْمِلْحِ مِنْ مَعْدِنِهِ وَذَلِكَ مِثْلُ مَا لَوْ مَنَعَ إِنْسَانٌ إِنْسَانًا عَنْ مِلْكِهِ الْخَاصِّ فَهَذَا مِثْلُ الْغَصْبِ الْمَعْرُوفِ بَيْنَ النَّاسِ، وَكَذَلِكَ الْمَنْعُ مِنَ الشُّرْبِ مِنَ الْمَاءِ الَّذِى إِذَا أُخِذَ مِنْهُ شَىْءٌ يَخْلُفُهُ غَيْرُهُ، وَكَذَلِكَ الْمَنْعُ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِالنَّارِ الَّتِى اتَّقَدَتْ فِى الْمُبَاحِ مِنَ الْحَطَبِ فَلا يَجُوزُ الِاسْتِبْدَادُ بِهَا بِمَنْعِ الْغَيْرِ مِنَ الِانْتِفَاعِ بِهَا،
رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِى سُنَنِهِ وَغَيْرُهُ « الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءُ فِى ثَلاَثٍ فِى الْكَلإِ وَالْمَاءِ وَالنَّارِ » وَالْمُرَادُ بِالْمَاءِ فِيمَا ذُكِرَ الْمَاءُ الَّذِى لَمْ يَحُزْهُ الشَّخْصُ أَىْ لَمْ يَحْتَوِهِ فِى إِنَائِهِ وَنَحْوِهِ وَأَمَّا مَا حِيزَ فِى ذَلِكَ فَهُوَ مِلْكٌ خَاصٌّ لِلَّذِى حَازَهُ.
