(والغدرُ ولو بكافر كأن يؤمِّنَهُ) فيقولَ له أنت فى أمانٍ لن أُوذِيَكَ (ثم) إذا تمكن منه (يقتله) فهذا لا يجوز حرام عليه أن يَفْتِكَ به هو أو أن يدلَّ عليه مَنْ يفتِكُ به وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من أمَّن رجلاً على دمه ثم قتله فأنا بريءٌ منه ولو كان المقتولُ كافرًا» رواه ابن حبان (والمكر) وهو إيقاعُ الضررِ بالمسلمِ بطريقةٍ خفيةٍ، روى الحاكم في المستدرك حديث «المكْرُ والخديعةُ والخيانةُ في النّار» فمَنْ مكَر بأحَدٍ منَ المسلمينَ فقد وقعَ في

كبيرة (وبغضُ الصحابة) أى كراهيتُهُمْ وكذا حكم سبِّهم الذي يبغض كل الصحابة يكفر (و)بغض (الآل) ويشمل ذلك أزواجَه أمهاتِ المؤمنين رضىَ الله عنهن وأقرباءَهُ المؤمنين كما مرّ (و)بغضُ (الصالحين) وهم الأتقياء الذين أَدَّوا الواجبات واجتنبوا المحرمات (والبخلُ بما أوجب الله) كالبخل عن أداء الزكاة (و)بمعناه (الشُّحُّ) إلا أن الشُّحَّ يختصُّ بالبخل الشديد هو مثل البخل لكنه البخل الشديد كأن امتنع عن أداء الزكاة ونفقة الزوجة (والحرصُ) وهو شدة تعلق النفس لاحتواء المال وجمعه بحيث لا يراعى من أين يأتيه أَمِنْ حلال أم من حرام ويقصد بذلك التوصلَ به إلى الترفع على الناس والتفاخر وعدم بذله إلا فى هوى النفس المحرم عصمنا الله من ذلك (والاستهانةُ) أى قلةُ المبالاة (بما عظم الله) أى بما أخبر الله بأنه عظيم (والتصغيرُ) أى التحقير (لما عظم الله من طاعة) كقول بعضهم ماذا تنفعك الصلاة أو قَوْلِهِمْ أتطعمك الصلاة وتكسوك (أو)تصغيرُ (معصيةٍ) ورد الشرع باستعظامها وكذا تجويزها كقول بعض الناس عن بعض المعاصى أَفْعَلُها لا بأس بذلك (أو قرءانٍ) كفعل الحلاج حين رءاه بعضُهم يكتب شيئًا فسأله عنه فقال هذا شىءٌ أعارض به القرءان أى أعمل مثله (أو علمٍ) كقول سيد قطب بأنّ تعلمَ الفقهِ مضيعةٌ للعمر والأجر (أو جنةٍ) كقول بعضهم الجنة لعبة الصبيان (أو) عذابِ (نارٍ) كقول بعضهم جهنم مستشفى لا محلُّ تعذيب.

معاصى الجوارح السبعة بعد أن أنهى المؤلفُ الكلامَ على معاصى القلب شرع فى الكلام على معاصى الجوارح السبعة وبدأ بالكلام على معاصى البطن فقال (فصلٌ) فى بيان معاصى البطن (ومن معاصى البطن أكل الربا) بمعنى الانتفاعِ بما يصله من طريقه طعامًا يأكلُهُ أو غيرَ ذلك ويشترك فى الإثم ءاخذ الربا ودافعه وكاتبه ومن يشهد على العقد، المرادُ بالأكلِ هنا الانتفاعُ به سواءٌ كان أكلاً واصِلاً للبَطْن أو انتِفاعًا باللُبْس أو انتفاعًا بغَير ذلك مِنْ وجوه التّصرّفات بأنواع الانتفاعاتِ.

وما كان واصِلاً إلى يدِ الشخص مِنْ طريقِ الرِّبا مِن المالِ فهو كبيرةٌ سَواءٌ في ذلك الآخِذ والعاملُ في نَحو الكتابةِ لعقُود الرِّبا بينَ المتَرابِيَيْن ومثلُهُما الدافعُ لحديثِ «لعنَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ءاكلَ الرِّبا ومُوكِلَهُ وكاتبَهُ وشاهِدَيه» رواه مسلم وفي روايةٍ «وشاهِدَه» فاللعنُ المذكورُ في الحديثِ شمَلَ الكاتِب إنْ كان يَكتُب بأُجرةٍ أو بغَيرِ أُجرَةٍ والشاهِدَينِ سَواءٌ كانا بأجرةٍ أو بغَير أُجرة، وقَد مرّ بيانُ أنواعِه (و)أكل

(المكس) وهو ما يأخذه السلاطين الظلمةُ من تجارات الناس ونحوها بغير حق يأخذُه السلاطين الظلمة من أموالِ الناس بغير حق على البضَائع والمَزارع والبسَاتِين وغيرِ ذلك (و)أكل (الغصب) أى المغصوب وهو الاستيلاء على حق الغير ظلمًا اعتمادًا على القوة قال الشيرازي في شرح التنبيه في باب الغصب هو الاستيلاء على مال الغير بغير حق اهـ قال الدمياطي في إعانة الطالبين قوله (الغصب استيلاء على حق غير) أي شرعًا أما لغة فهو أخذ الشىء ظلمًا مجاهرة وقيل أخذ الشىء ظلمًا مطلقًا

اهـ فخَرجَ ما يؤخَذُ منَ الناسِ بحقّ كالذي يأخذُه الحَاكمُ لِسَدّ الضّروراتِ مِنْ أموالِ الأغنياءِ إذا لم يوجَدْ في بيتِ المالِ ما يكفي لذلكَ فإنَّ ذلكَ ليسَ غَصْبًا بل نَصَّ الفقهاءُ على أنّه يجوزُ أن يأخذَ الحاكمُ من أموالِ الأغنياءِ ما تقتضيه الضّروراتُ ولو أدَّى ذلك إلى أنْ لا يتركَ لهم إلا نفَقةَ سَنة وهذا من جُملةِ النِظام الإسلامِي وأيُّ نِظام أحسَنُ من هذا (و)أكل (السرقة) وهى أخذ مال الغير خُفية أى ليس اعتمادًا على القوة (و)أكل (كلِّ) مال

(مأخوذ بمعاملة حرمها الشرع) كبعض المعاملات التى مرّ بيانُها وقد قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلَّم «إنَّ أناسًا يتخَوَّضُونَ في مالِ الله بغيرِ حقّ فلَهمُ النارُ يومَ القيامة» رواه البخاري (وشرب الخمر) وهى الشراب المسكر أى المغيّر للعقل وهي كما قال سيدنا عمر «ما خَامرَ العقلَ» أي غيّرَه رواه عنه البخاري في الصحيح في كتاب الأشربة روى البخاري في صحيحه باب ما جاء في أن الخمر ما خامر العقل من الشراب عن ابن عمر رضي الله عنهما قال خطب عمرُ على منبرِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فقال «إنه قد نزلَ تحريمُ الخمرِ وهي من خمسة أشياء العنبِ والتمرِ والحنطةِ والشعيرِ والعسلِ والخمر ما خامر العقل» اهـ مع نشوة ورجلٌ نَشْوانُ أي سكرانُ بَيِّنُ النَشْوَةِ بالفتحِ وقد انْتَشى أي سَكِرَ (الصَّحاح في اللغة) وطرب الطرب خفة تصيب الانسان لشدة حزن أو سرور (الصحاح في اللغة) (وحدُّ شاربها أربعون جلدةً للحر ونصفُها) أى عشرون جلدة (للرقيق وللإمام الزيادةُ) إلى الثمانين (تعزيرًا) كما فعل سيدنا عمر رضى الله عنه،

والتعزير لغة التأديب وشرعا تأديب ممن له ولاية على ذنب لا حد فيه ولا كفارة غالبا حَدُّ الخَمْر هو في الأصل بالنسبةِ لشَارِبها الحرّ أربعونَ جَلدة وللرقيقِ عِشرُون ثم إذا اقتَضتِ المصلحة الزيادةَ على ذلكَ جازَ إلى الثمانين (ومنها) أى معاصى البطن (أكلُ كل) جامدٍ (مسكرٍ) والإسكار هو تغيير العقل مع النشوة والطرب كما سبق من مَعاصِي البَطن أكلَ كلّ مسكر والإِسكارُ كما بينَّا هو تغيير العَقل مع الإِطرابِ أي مع النّشوةِ والفرَحِ وأمّا ما يغير العقل بلا إطرابٍ

وكذلك ما يخدر الحَواسّ من غيرِ تَغييرِ العقلِ فلا يُسَمَّى خَمرًا ولكنّه حَرامٌ فالمخدِّرَاتُ كالحشيشة والأُفيون ونحوِهما ليسَت مسكِرَةً ولكنّ تحريمَها يُفهَم من قولِ الله تعالى ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ﴾ أفهمَتْنا الآيةُ أنَّ كلَّ ما يؤدّي بالإنسان إلى الهلاكِ فهو حرامٌ أن يتعاطاه (و)أكلُ (كلِّ نجس) كالدم السائل ولحم الخنـزير ولحم الميتة أكلُ النّجاساتِ من جُملَةِ مَعاصِي البطن كالدّم المَسفوح أي السّائِل ولحمِ الخِنزير والمَيْتةِ قال الله تعالى ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ﴾ (و)أكل كلِّ (مستقذرٍ) ولو طاهرًا كالمنىّ والمخاط المُستَقذَرُ يَحرمُ أَكلُه وذلكَ كالمُخاطِ والمنيّ وأمّا البُصَاقُ فيكون مستَقْذَرًا إذا تجمَّع على شىء مثلاً بحيث تنفِرُ منه الطّباعُ السّليمة أي بعد خروجه من الفم أمّا ما دام في الفم فليس له حكم المستقذر وكذلك البلل ليس له حكمُ المستقذرِ بالنسبة للأكل ونحوه فلْيُتنَبّه لذلك والمستقذرُ هو الشّىءُ الذي تعَافُه النَّفسُ أي تنفِرُ منه طبيعةُ الإنسان (وأكل مال اليتيم) بغير حق وهوَ مُحَرَّمٌ بالنص.

قال تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ فلا يجوز التّصرف بمال اليتيم على خلاف مصلحته. واليتيم هو من تُوُفّى عنه والده وهو دون البلوغ (أو الأوقاف) والأوقاف جمع وقف (على خلاف ما شَرَطَ الواقف) فإن وقف شخص بيتًا للفقراء فلا يجوز لغيرهم أن يسكنوه ومن وقف بيتًا لسكن طلبة الحديث فلا يجوز لغيرهم أن يسكنوه ومن وقف بيتًا لسكنِ حَفَظَةِ القرءانِ فلا يجوز لغيرهم أن يَسكنوه (و)أكل (المأخوذ بوجه الاستحياء) كمن يطلب من شخص مالاً أمامَ جمعٍ حتى يعطيَهُ إياه بطريق الحياء فيعطيه إياه (بغير طيب نفس منه) أى المعطي كأن يكونَ أعطاه استِحياءً منه أو استحياء ممَّن يَحضُر ذلك المجلسَ وذلك لأنه يَدخُلُ تحتَ حديثِ «لا يحِلُ مالُ امرِئ مُسلِم إلا بطِيب نفسٍ منه» رواه البيهقي فالذي يأخذُ شيئًا من مسلم بطريق الحياء حرامٌ عليه أن يأكلَه ولا يدخلُ في مِلْكِه ويجبُ عليه أن يرُدَّه لحديثِ «لا يحِلُ مالُ امرِئ مُسلِم إلا بطِيب نفسٍ منه» (فصل) فى بيان معاصى العين.

الله تعالى قال في سورة الإسراء ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ دلَّت هذه الآية على أن من المعاصي ما يكون بالعين فمن معاصي الجوارح معاصي العين (ومن معاصى العين النظر) أى نظر الرجال (إلى النساء الأجنبيات) أي غير المحارم (بشهوة) أى تلذذٍ (إلى الوجه والكفين) وأما النظر إليهما بلا شهوة فلا يحرم لأنهما ليسا بعورة وإن كان بعضهم نقل الاتفاق على ذلك إلا أن الحنابلة لهم كلام في الكفين أما الوجه فبالإجماع لا يجب عليها تغطيته فالمرأة كُلُها عورة إلا وجهها وكفيها فيجبُ على الرجل الأجنبي عنها أن يَغُضَ بصرهُ عنها إلا عن الوجه والكفين،

عن الوجه والكفين لا يجب أما إن كان بشهوة فيجب والأحسن أن لا ينظُر إلى وجهِها وإلى كفيها إلا حيثُ يأمرُ الشرع بذلك فإن لم يفعل فنظر إلى وجهِها أو إلى كفيها من غير شهوة جاز لأنَّ وجه المرأة ليس عورة ولأنَّ كفي المرأة ليس عورة الله تبارك وتعالى قال في سورة النور ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ الآية معناها لا يُبدين مواضِع الزينة مثل الأُذن والرقبة والساعد هذه مواضع زينة، اللهُ تعالى قال﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ إلا ما ظهر منها يجوزُ للمرأة أن تُبديه وهما الوجه والكفان.

عائشة رضي اللهُ عنها وابن عباس رضي الله عنهم قالا " إلا الوجهَ والكفين " فإذًا المرأة لا يجوزُ لها أن تُبدي شيئًا من بدنها أمام الأجنبي إلا الوجه والكفين، فأما الوجهُ والكفان فليسا عورة لأن المرأة تحتاجُ إلى إبداءِ ذلك، إذا أراد أن يُعامِلها إنسان كيف يعرِفُ من هي، إذا أرادت مثلًا أن تشتري أو تبيع تحتاجُ إلى إبداءِ وجهِها وإلى إبداءِ كفيها فالشرعُ سهَّل في هذا قال إنَّ وجه المرأة وكفيها ليسا عورة أما ما سوى وجهِها وكفيها فهو عورة لا يجوزُ النظرُ إليه لا بشهوة ولا بغير شهوة.

بعضُ الناس يُبالغون فيقولون وجهُ المرأة عورة هذا مُبالغة، عائشة رضي اللهُ عنها هي قالت وجهُ المرأة ليس عورة، ابنُ عباس هو قال وجهُ المرأة ليس عورة، عُلماء الإسلام كُلُهُم أجمعوا على أنَّ وجهَ المرأةِ ليس عورة، فلا يجوزَ أن يقول إنسان إن وجه المرأةِ عورة، خيرٌ لها أن تستُرَهُ نعم. نساءُ النبي كان يجبُ عليهِنَّ ستُر وجوهِهِنّ لكن هذا خاص بنساء النبي صلى الله عليه وسلم الله تعالى قال في سورة الأحزاب ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ نساءُ النبي في بعض الأمور لهُنَّ حُكمٌ خاص نساءُ النبي لا يجوزُ لهُنَّ أن يُبدين وجوهَهُنَّ أمام الأجانب لذلك كانت السيدةُ عائشة إذا درَّستِ الرجال تُدرِّسُهم من وراءِ حجاب (يُنصبُ ساتر يمنعُ الرجال من رؤيتِها فتُدرِسُهُم) أمَّا غيرُها من الصحابيات ممن كُنَّ يُدرِّسنَ الرجال ولم يكُنَّ من أزواج النبي فكُنَّ يُدرِّسنَ من غير حجاب لأنَّ وجه المرأةِ ليس عورة.

أُمُ الدرداء رضي الله عنها كانت تُدرسُ الرجال من غير حجاب (يعني من غير ستار ). أما نساءُ النبي فكان يجبُ عليهِنَّ تغطيةُ الوجه وهذا شىءٌ خاصٌ بهِنّ. الخُلاصة أنَّ الرجُل الأجنبي لا يجوزُ لهُ أن ينظر إلى شىء من بدنِ المرأة لا بشهوة ولا بغير شهوة إلا إلى وجهِها وكفيها إذا كان بغير شهوة أما مع الشهوة فحرام (و)يحرم النظر (إلى غيرهما) أى الوجهِ والكفين (مطلقًا) أى سواءٌ كان النظر بشهوة أم لا ولا يخفى أن الزوجة ليست مرادة هنا فإنه يجوز لزوجها النظر إليها بشهوة وكذا أمته غير المتزوجة فإنْ نظَر بلا قَصدٍ بأن وقعَ بصَرُه على عورتها فيجب عليه صرفه أو مع القَصدِ إلى الوجه والكفينِ بلا شَهوةٍ ثم شعَر من نفسِه التّلَذُّذَ وجَبَ عليه صَرفُ نظَره أيضًا فالنظرةُ الأُولى إلى الوجه والكفين بغير شهوة هذه لا مؤاخذة فيها رَوى التّرمذِيّ وأبو داودَ من حديثِ بُرَيْدَةَ مرفوعًا «يا عليُّ لا تُتْبِعِ النّظرةَ النّظرةَ فإِنَّ لك الأُولى وليسَتْ لكَ الثّانيةُ» "يا علي لا تُتبع النظرةَ النظرة"، يا علي لا تُتبع النظرةَ التي هي بغيرِ شهوةٍ بنظرةٍ بشهوة "فإن لك الأولى" النظرة الأولى التي بغيرِ شهوة ما عليك فيها ذنب يجوزُ ذلك "وليس لك الثانية" أما الثانيةُ التي هي بشهوة فهي حرامٌ عليك.

ونقَلَ بعضُ الفُقهاء الإجماعَ على جَوازِ النظر بلا شهوة إلى الوجه والكفين كما قُلنا بالإجماع يجوزُ النظرُ إلى وجهِ المرأة وكفيها بلا شهوة، القاضي عياض قال يجوزُ للمرأةِ كشفُ الوجهِ إجماعا وعلى الرجالِ غضُ البصر. الرجل عليه أن يغُضَ البصر عمَّا حرمَ الله وهي يجوزُ لها أن تكشِفَ وجهها بالإجماع. بعضُ الناس يتشددون في غير موضِع التشدُد إذا كشفت امرأةٌ وجهها كأنها فعلت ذنبًا عظيمًا، الأحسن أن تُغطي المرأةُ وجهها لكن لا نوجبُ ما لم يوجبهُ الله، واللهُ تعالى أعلمُ بمصالِحِ العباد والنبي بلغ ما أوحى اللهُ إليه ونحنُ علينا أن نتبع الرسول فيما جاء به وهو عليه الصلاةُ والسلام ما أوجب على المرأةِ تغطية وجهِها فلا نوجِبُ ذلك (وكذا) يحرم (نظرهنَّ) أى النساءِ (إليهم) مطلقًا أى إلى الذكورِ سوى الزوج والسيد سواءٌ كان بشهوة أم لا (إن كان) النظر (إلى) العورة وهى (ما بين السرة والركبة) ولا يحرم نظرهنَّ إلى ما سوى ما بين السرة والركبة إلا أن يكون بشهوة المرأة لا يجوزُ لها أن تنظر إلى ما بين السرةِ والرُكبة من بدن الأجنبي،

ما بين السرة والركبة من بدنِ الأجنبي حرامٌ عليها أن تنظُرَ إليه بشهوة أو بغير شهوة، أما ما سوى ذلك فيجوزُ لها أن تنظُر إليه إذا كان بغيرِ شهوة هذا خُلاصةُ الحُكم في هذا (و)يحرم (نظر العورات) ولو مع اتحاد الجنس كرجل ينظر إلى ما بين السرة والركبة من رجلٍ ءاخرَ وامرأةٍ تنظر إلى ما بين السرة والركبة من امرأةٍ أخرى من جملة معاصي العين النظر إلى العورات ولو مع اتحاد الجنس وهو على الرجل نظر ما بين السرة والركبة من الرجل فلا يجوزُ لهُ أن ينظُرَ إلى ما بين سرتِهِ ورُكبته، والمرأةُ معَ المرأة لا يجوزُ لها أن تنظُر إلى ما بين سرتِها ورُكبتِها.

كثير من الرجال يتهاونون في هذا الأمر وكثيرٌ من النساء يتهاونَّ في هذا الأمر وهو حرام، حرامٌ على الرجل أن ينظر إلى ما بين السُرة والرُكبة من رجُلٍ ءاخر، وحرامٌ على المرأة أن تنظر إلى ما بين السرةِ والركبة من امرأةٍ أُخرى، لو كان ذلك الرجل قريبَهُ لو كان أباهُ، ولو كانت تلك المرأةُ الأُخرى قريبتها لو كانت أُمها أو بنتها أو أُختها لا يجوزُ لها أن تنظر إلى ما بين سُرتيها ورُكبتِها، كلامنا عن الرجل والمرأة وليس كلامنا عن الصبي ابن سنة أو سنتين ولا عن البنت الصغيرة بنت سنة وسنتين مثلُ هذا ومثلُ هذه لا عورة لهُما.

لا يجوزُ للرجل أن يكشِفَ ما بين سُرتِهِ ورُكبتِهِ أمام رجُلٍ ءاخر إلا لعُذر أمَّا من غير عُذر لا يجوز والمرأةُ كذلك (ويحرم على الرجلِ والمرأةِ كَشْفُ السَّوأتينِ) أى القُبُلِ والدُّبُرِ ويزيد غير الرجل بوجوب ستر ما بين السرة والركبة كذلك، هذا إن كانوا (فى الخلوة لغير حاجة) وأما إن كان ذلك لحاجةٍ كتبردٍ جازَ والحاجة تختلف عن الضرورة، فالتبرد ليس ضرورة لكنه حاجة، والاغتسال قد لا يكون ضرورة لكنه حاجة، وكذا تغيير الثوب قد لا يكون ضرورة لكنه حاجة، فيجوز كشف السوأتين للرجل في الخلوة للحاجة ولو لم يكن هناك ضرورة لكشفهما فالقُبُل والدُبر إذا كان وحدهُ لا يجوزُ لهُ أن يكشِفَهُما إلا لحاجة إن أراد تغير الثياب يجوز،

إن أراد الاغتسال يجوز، إن أراد قضاء الحاجة يجوز، إن أراد التبرُد يجوز، أمَّا من غيرِ حاجة لا يجوز كما جاء في حديثِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم "اللهُ أحقُ أن يُسْتَحْيا منه من الناس" رواه البيهقي وغيره، فاللهُ حرم علينا كشف السوأتين في الخلوة إلا لحاجة (وحلَّ مع المحرمية) كأبٍ مع بنته مقدارُ عَورةِ المَرأة مع مَحارِمها ما بينَ السُّرّة والركبةِ فإذا كان الرجُلُ ليس محرميا أي كان أجنبيا وهو غيرُ المحرم.

المحرم هو الذي لا يجوزُ لهُ أن يتزوجها بأي حال من الأحوال هذا المحرم مثلُ أبيها وجدها وأخيها وعمِها وخالِها وابنها وابن ابنها هؤلاء يقالُ لهُم محارم على المرأة أما غيرُ هؤلاءِ المحارم يُقالُ لهُم أجانب. المحرم يجوزُ للمرأة أن تكشِفَ أمامهُ ما عدا ما بين السرة والركبة، وهو يجوزُ لهُ أن يكشِف ما عدا ما بين السرة والركبة، إذًا العورة بين المحرمِ والمحرم ما بين السرة والركبة أكيد هذا إذا كان بغير شهوة أما مع الشهوة لا يجوزُ النظر إلى أيّ جزءٍ من بدنِ أيِّ إنسان إن لم يكن زوجًا أو نحوَ ذلك (أو الجنسيةِ) كرجل مع رجل ءاخر وامرأة مسلمة مع امرأة أخرى مسلمة (نظرُ ما عدا ما بين السرة والركبة إذا كان) النظرُ (بغير شهوة) وإلا حَرُمَ أما أمام غير المسلمة فلا تكشف المسلمة من بدنها إلا ما تحتاج لكشفه في العمل البيتي كالقدم والذراع والرقبة والشعر ونحو ذلك (ويحرم النظرُ بالاستحقار إلى المسلم) لكونه فقيرًا مثلاً فمن معاصي العين أن ينظُرَ الشخصُ إلى مسلم نظرة احتقار نظرة ازدراء نظرة تكبُرٍ عليه لكونِ هذا المسلم المنظُورِ إليه ضعيف الجسد مثلاً والناظِرُ كان قويّ الجسد أو لكونِهِ فقيرَ الحال والناظِرُ كان غنيا، أو لكونِهِ قليل العلم والناظر كان واسِعَ العلم، لا يجوزُ النظرُ إلى المسلم بعين الاحتقار (و)يحرم (النظرُ فى بيت الغير) إلى ما يتأذى صاحب البيت بالنظر إليه (بغير إذنه أو) النظرُ إلى (شىء أخفاه كذلك) أى مما يتأذى بنظر غيره إليه بغير إذنه.

يَحرُم النّظَرُ في بيتِ الغير بغَير إذْنه أي مِما يَكْرَه عادةً ويتأذَّى به مَنْ في البَيت وذلكَ كالنّظر في نَحوِ شَقّ الباب أو ثُقْبٍ فيه إلى من في البيتِ أو ما يَحتَوِي عليه البَيتُ مِما يتأذّى صاحبُ البيتِ بالنظر إليه كأنْ يكونَ صاحبُ الدار مكشوفَ العَورةِ أو بها مَحْرَمُه كبنتِهِ أو نحوها كزوجته. وكذلكَ النَّظر إلى شىء أخفاه الغَيرُ مما يتأذَّى بالنظر إليه هناك أشياء في بيته الإنسانُ يكرهُ أن ينظُرَ إليها من كان خارج البيت من نظر إليها يتأذى من في البيت من نظرهِ في هذه الحال لا يجوزُ لهُ أن ينظر لأن صاحب البيت لا يرضى بذلك بل جاء في الحديث أن الذي ينظُرُ مثل هذا النظر يجوزُ لصاحبِ البيت أن ينخس عينَهُ أليس هو ينظرُ من شِقِ الباب يجوزُ لصاحب البيت أن ينخس عينهُ أن يشُك عينهُ بشىءٍ حاد ليس عليه ذنب في الشرع إذا فعل هذا هو أرخص عينهُ هو جعل عينهُ رخيصة لمَّا نظر بها إلى داخِلِ بيوتِ الناس حيثُ يكرهونَ أن ينظر (فصل) فى بيان معاصى اللسان الآن انتقل المؤلف للكلام عن معاصي اللسان وأكثرُ خطايا ابن ءادم من لسانه النبيُّ صلى الله عليه وسلم قال "أكثرُ خطايا ابن ءادم من لسانه" فعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ ارْتَقَى الصَّفَا فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ فَقَال يَا لِسَانُ قُلْ خَيْرًا تَغْنَمْ، وَاسْكُتْ عَنِ شَّرٍّ تَسْلَمْ، مِنْ قَبْلِ أَنْ تَنْدَمَ.

ثُمَّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ «أَكْثَرُ خَطَايَا ابْنِ آدَمَ مِنْ لِسَانِهِ» أكثرُ الخطايا من اللسان الكبائر والصغائر من هذا اللسان (ومن معاصى اللسان الغيبة وهى ذكرك أخاك المسلم) صغيرا كان أو كبيرا حيًّا كان أو ميتًا (بما يكرهه) لو سَمِعَ سواءٌ كان مما يتعلق ببدنه أم نسبه أم خُلُقه أم غير ذلك (مما فيه فى خلفه) الغيبة ذنب يقع فيه كثير من الناس قلَّ من يسلمُ منه والغيبة والنميمة وعدم الاستنزاه من البول هذه الذنوب أكثر ما تكون سببا لعذاب القبر.

فإذا ذكرت أخاك المسلم بما لا يُحبُ أن يُقال عنه بما يكرهُهُ لو عرف في خلفِهِ إذا ذكرتَهُ بمثلِ ذلك فقد اغتبته إذا كان هذا المسلم حيًّا أو ميتًا مثلاً شخص يقول عن شخص ءاخر فلان لا يفهم هذه غيبة فلانٌ حمار هذه غيبة، فلان زوجتُهُ تحكُمُه هذه غيبة، فلان ثيابهُ وسخة هذه غيبة، فلان بيتُهُ وسخ هذه غيبة، كل هذا غيبة لأنهُ لو سمِع يكره هذا، بعضُ الناس يقولون أنا بوجهه أقول هذا يقال له إن قلتها بوجهِهِ فقد سببتهُ ووقعت بالذنب فالغيبةُ من المحرمات حرَّمها الله ورسولُهقال تعالى في سورة الحجرات ﴿ولا يَغْتَبْ بعضُكُمْ بعضًا أيُحِبُّ أحدُكم أنْ يأكلَ لحمَ أخيه ميتًا فَكَرِهْتُمُوْه﴾ أحياناً يكونُ الشخص يمدحُ إنسانًا بالزهد فلان زاهد غيرُ مُلتفت إلى الدنيا فيقول فلانٌ رثُّ الثياب لأنهُ لا ينتبه إلى ثيابه لا يخطُرُ له أن يهتم للثياب الجديدة أو من شدة زُهدِهِ في الدنيا كُلما جاء إليه مال صرفهُ في وجوه الخير لا يبقى معهُ مال ليشتري ثوبًا ءاخر هذا مدح له ليس ذمًا.

فلو ذكره بما ليس فيه كان بهتانًا والعياذ بالله وهو أشد من الغيبة فقد روى مسلمٌ من حديثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟» قَالُوا اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَم قَالَ «ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ» قِيلَ أَفَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟ قَالَ «إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ فَقَدِ اغْتَبْتَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَقَدْ بَهَتَّهُ» اهـ وقد اختلفَ كلامُ العلماءِ في الغيبة فمنهم من اعتبرها كبيرةً ومنهم من اعتبرها صغيرةً والصَّوابُ التَّفصيلُ في ذلك بعضُ العلماء عند الكلام عن الغيبة قال هي كبيرة وبعض العلماء قال هي صغيرة والصوابُ أنَّ هناك تفصيلاً الغيبة ليست دائمًا كبيرة وليست دائمًا صغيرة،

بل في أحوالٍ هي صغيرة وفي أحوالٍ هي كبيرةٌ من الكبائر فإنْ كانت الغيبةُ لأهلِ الصّلاح والتّقوى فتلك لا شكَّ كبيرةٌ إذا اغتاب الشخصُ إنسانًا صالحًا تقيًا هذه كبيرة وأمّا إذا اغتاب غيرَ الصالح اغتاب إنسانًا فاسقًا لا يقال هي كبيرة لكن حرام عليه وقع في ذنب لكن ليس من الكبائر، فإن أكثر من ذلك استرسل في غيبتهِ أي غيبة المسلم الفاسق يقعُ في الكبيرة فلا يُطلَقُ القولُ بكونها كبيرةً لكن إذا اغتيب المسلمُ الفاسقُ إلى حد الإفحاش كأن بالغ شخص في ذكر مساوئه على غيرِ وجهِ التحذيرِ كان ذلك كبيرة، وعلى ذلك يحمل حديث «إنَّ أربى الرِّبا استطالةُ المرءِ في عِرض أخيه المسلم» رواه البيهقي وغيره أي أن يغتابَهُ ثم يغتابَهُ بحيثُ يُبالغ في غيبته صار عليه ذنبٌ كبير يُشبهُ الربا في شِدتِهِ يُشبِهُهُ في الشدة فإنَّ هذه الاستطالة كبيرة بل من أشد الكبائر لوصف رسول الله صلى الله عليه وسلم لها بأنها أربى الربا أي أنها في شدة إثمها كأشد الربا.

وكَما تَحرمُ الغِيبةُ يَحرُم السّكوتُ علَيها معَ القُدرةِ على النَّهْيِ ويحرم تَركُ مُفارقة المُغتابِ إن كان لا ينتهي معَ القُدرَةِ على المفارقة إذا سمعت إنسانًا يغتابُ إنسانًا ءاخر لا يجوز لكن أن تقعُد ساكتًا لا بُدَّ أن تنهاه إن كُنت قادرًا على النهي لا بُدَّ أن تنهاه حرامٌ عليك أن تسكُتَ عن نهيه. أمَّا إذا نهيتَهُ فلم يقبل منك واستمر في اغتياب الشخص ولا تستطيعُ إسكاتَهُ ولو بالقوة تترك المجلس ولا تبقى فيه لأنك إن بقيت في المجلس تستمعُ إليه تكونُ تُشجِعُهُ على معصية الله وتُؤنِسُهُ.

وقد تكونُ الغيبَةُ جائزةً بل واجبةً وذلكَ في التّحذير الشرعي من ذِي فسقٍ عمَلِيّ أو بِدعة اعتقاديّةٍ ولو مِنَ البِدَع التي هي دونَ الكفر كالتّحذير منَ التّاجر الذي يَغُشّ في مُعاملاتِه وتَحذيرِ صاحِبِ العمل من عاملِه الذي يخونُه وكالتّحذير من المتصدّرِين للإفتاءِ أو التّدريس أو الإقراء مع عدم الأهلِيّة فهذِه الغيبةُ واجِبةٌ. ومن الجَهل بأمور الدين استنكارُ بعضِ الناسِ التّحذيرَ من العامِل الذي يخونُ صاحبَ العمَل احتجاجًا بقولِهم إنَّ هذا قطْعُ الرِزقِ على الغير فهؤلاء يؤثرون مُراعاةَ جانِب العَبدِ على مُراعاةِ شَرِيعَةِ الله وقد قسَّم بعضُ الفقهاءِ الأسبابَ التي تُبِيح الغِيبةَ إلى سِتةٍ جَمعها في بيتٍ واحِد قالَ من الوافر

تَظَلَّمْ واستَعِنْ واسْتَفْتِ حَذِّرْ