قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَّهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا﴾ سُورَةَ الإِسْرَاء. أَمَرَ اللَّهُ عِبَادَهُ أَمْرًا مَقْطُوعًا بِهِ بِأَنْ لا يَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَأَمَرَ بِالإِحْسَانِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالإِحْسَانُ هُوَ الْبِرُّ وَالإِكْرَامُ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ "لا تَنْفُضْ ثَوْبَكَ فيُصِيبَهُمَا الْغُبَارُ" وَقَالَ عُرْوَةُ "لا تَمْتَنِعْ عَنْ شَىْءٍ أَحَبَّاهُ".
وَقَد نَهَى اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ فِى هَذِهِ الآيَةِ عَنْ قَوْلِ أُفٍّ لِلْوَالِدَيْنِ لِمَا فِيهِ مِنَ الإِيذَاءِ لَهُمَا فَلَوْ طَلَبَا مِنْهُ أَنْ يَشْتَرِىَ لَهُمَا غَرَضًا مَثَلًا أَوْ أَنْ يَعْمَلَ الشَّاىَ لَهُمَا أَوْ أَنْ يَغْسِلَ الصُّحُونَ فَقَالَ لَهُمَا أُفٍّ جَادًّا غَيْرَ مَازِحٍ فَقَدْ وَقَعَ فِى كَبِيرَةٍ، أَمَّا إِنِ امْتَنَعَ فَقَطْ وَلَمْ يَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ فَإِنْ كَانَا يَتَأَذَيَانِ بِذَلِكَ يَكُونُ مَعْصِيَةً وَأَمَّا إِنْ كَانَا لا يَتَأَذَيَانِ مِنِ امْتِنَاعِهِ مِنْ ذَلِكَ فَلا يَكُونُ مَعْصِيَةً.
وَكَلِمَةُ أُفٍّ صَوْتٌ يَدُلُّ عَلَى التَّضَجُّرِ. ﴿وَلا تَنْهَرْهُمَا﴾ وَلا تَزْجُرْهُمَا عَمَّا يَتَعَاطَيَانِهِ مِمَّا لا يُعْجِبُكَ، وَالنَّهْىُ وَالنَّهْرُ أَخَوَانِ ﴿وَقُلْ لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ أَىْ لَيِّنًا لَطِيفًا أَحْسَنَ مَا تَجِدُ كَمَا يَقْتَضِيهِ حُسْنُ الأَدَبِ أَوْ هُوَ أَنْ يَقُولَ يَا أَبَتَاهُ يَا أُمَّاهُ وَلا يَدْعُوهُمَا بِأَسْمَائِهِمَا فَإِنَّهُ مِنَ الْجَفَاءِ وَسُوءِ الأَدَبِ مَعَهُمَا ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ أَىْ أَلِنْ لَهُمَا جَانِبَكَ مُتَذَلِّلًا لَهُمَا مِنْ فَرْطِ رَحْمَتِكَ إِيَّاهُمَا وَعَطْفِكَ عَلَيْهِمَا وَلِكِبَرِهِمَا وَافْتِقَارِهِمَا الْيَوْمَ إِلَى مَنْ كَانَ أَفْقَرَ خَلْقِ اللَّهِ إِلَيْهِمَا بِالأَمْسِ،
وَخَفْضُ الْجَنَاحِ عِبَارَةٌ عَنِ السُّكُونِ وَتَرْكِ التَّصَعُّبِ وَالإِبَاءِ أَىِ ارْفُقْ بِهِمَا وَلا تَغْلُظْ عَلَيْهِمَا ﴿وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا﴾ أَىْ مِثْلَ رَحْمَتِهِمَا إِيَّاىَ فِى صِغَرِى حَتَّى رَبَّيَانِى أَىْ وَلا تَكْتَفِ بِرَحْمَتِكَ عَلَيْهِمَا الَّتِى لا بَقَاءَ لَهَا وَادْعُ اللَّهَ بِأَنْ يَرْحَمَهُمَا رَحْمَتَهُ الْبَاقِيَةَ، وَاجْعَلْ ذَلِكَ جَزَاءً لِرَحْمَتِهِمَا عَلَيْكَ فِى صِغَرِكَ وَتَرْبِيَتِهِمَا لَكَ، وَالدُّعَاءُ مُخْتَصٌّ بِالأَبَوَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ وَرَوَى الْحَاكِمُ وَالطَّبَرَانِىُّ وَالْبَيْهَقِىُّ فِى شُعَبِهِ مَرْفُوعًا "رِضَا اللَّهِ فِى رِضَا الْوَالِدَيْنِ وَسَخَطُهُ فِى سَخَطِهِمَا".
وَعَنْ بَهْزِ بنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَبَرُّ قَالَ "أُمَّكَ" قُلْتُ ثُمَّ مَنْ قَالَ "أُمَّكَ" قُلْتُ ثُمَّ مَنْ قَالَ "أُمَّكَ" قُلْتُ ثُمَّ مَنْ قَالَ "أَبَاكَ ثُمَّ الأَقْرَبَ فَالأَقْرَبَ" أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِىُّ وَحَسَّنَهُ. فَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَقْدِيمُ الأُمِّ عَلَى الأَبِ فِى الْبِرِّ فَلَوْ طَلَبَتِ الأُمُّ مِنْ وَلَدِهَا شَيْئًا وَطَلَبَ الأَبُ خِلافَهُ وَكَانَ بِحَيْثُ لَوْ أَطَاعَ أَحَدَهُمَا يَغْضَبُ الآخَرُ يُقَدِّمُ الأُمَّ عَلَى الأَبِ فِى هَذِهِ الْحَالَةِ.
وَإِنَّمَا حَضَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى حَدِيثِهِ هَذَا عَلَى بِرِّ الأُمِّ ثَلاثًا وَعَلَى بِرِّ الأَبِ مَرَّةً لِعَنَائِهَا وَشَفَقَتِهَا مَعَ مَا تُقَاسِيهِ مِنْ حَمْلٍ وَطَلْقٍ وَوِلادَةٍ وَرَضَاعَةٍ وَسَهَرِ لَيْلٍ. وَقَدْ رَأَى عَبْدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا رَجُلًا يَحْمِلُ أُمَّهُ عَلَى ظَهْرِهِ وَهُوَ يَطُوفُ بِهَا حَوْلَ الْكَعْبَةِ فَقَالَ يَا ابْنَ عُمَرَ أَتُرَانِى وَفَّيْتُهَا حَقَّهَا، قَالَ "وَلا بِطَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ طَلَقَاتِهَا وَلَكِنْ قَدْ أحْسَنْتَ وَاللَّهُ يُثِيبُكَ عَلَى الْقَلِيلِ كَثِيرًا".
وقد صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال «ثلاثةٌ لا يدخلون الجنة العاقُّ لوالديه والدَّيُّوثُ ورَجُلةُ النساء» رواه البيهقي أي لا يدخلُ هؤلاءِ الثلاثةُ الجنةَ مع الأولين إن لم يتوبوا وأما إن تابوا فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «التائبُ من الذنب كمن لا ذنبَ له» رواه ابن ماجهْ وغيرُه، ومن العقوق أن يعين الشخصُ أمَّه على ظلم ابيه وكذا العكس وهذا التعاون على الظلم حرام ممقوت وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «ليس منَّا من دعا إلى عصبية» رواه ابو داود، والعصبية هي التعاون على الظلم لأجل القرابة أو القومية وَأَخْرَجَ الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَمْرِو بنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ» قِيلَ وَهَلْ يَسُبُّ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ قَالَ «نَعَمْ، يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ» (والفرارُ من الزحف وهو أن يَفِرَّ) شخص (من بين المقاتلين فى سبيل الله بعد حضور موضع المعركة) بشرط أن لا يكون الكفارُ أكثرَ من ضعف المسلمين وهوَ منَ الكبائر إجماعًا.
قالَ الشافعيُّ رضيَ الله عنه «إذا غزا المسلمونَ وَلَقُوا ضِعْفَهُم من العَدُوِّ حَرُمَ عليهم أن يُولّوا أي أن يفِرُّوا إلا متَحرِّفِيْنَ لِقتالٍ أو مُتحيّزينَ إلى فِئة وإن كانَ المشركونَ أكثرَ مِنْ ضِعفِهم لم أحِبَّ لهم أن يُوَلُّوا ولا يَستَوجِبُون السَّخَط عندي منَ الله لو وَلَّوْا عنهم على غيرِ التّحَرُّف لِقتال أو التَحيّزِ إلى فِئة»اهـ وَمَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِىِّ إِلَّا مُتَحَرِّفِينَ لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزِينَ إِلَى فِئَةٍ أَىْ تَرَاجَعُوا لِمَصْلَحَةِ الْقِتَالِ أَوِ انْحَازُوا إِلَى فِئَةٍ أُخْرَى لِيَتَقَوَّوْا بِهَا.
هَذَا فِى الْحَالِ الَّتِى يَكُونُ فِيهَا مَعَ الْمُسْلِمِينَ سِلاحٌ أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ سِلاحٌ إِلَّا الشَّىْءَ الْخَفِيفَ وَالْكُفَّارُ مَعَهُمْ سِلاحٌ يُهْلِكُ الْمُسْلِمِينَ إِنْ ثَبَتُوا أَمَامَهُمْ فَيَجُوزُ لَهُمُ الْفِرَارُ (وقطيعة الرحم) أي كل من يعدّ قريبا لك في العرف من جهة أبيك وأمك وتحصل القطيعة بإيحاش قلوب الأرحام بترك الزيارة أو بترك الإحسان بالمال عند الحاجة مع قدرته عليهما، وَهِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ بِالإِجْمَاعِ، وتَحْصُلُ بِإِيحَاشِ قُلُوبِ الأَرْحَامِ وَتَنْفِيرِهَا إِمَّا بِتَرْكِ الإِحْسَانِ بِالْمَالِ فِى حَالِ الْحَاجَةِ النَّازِلَةِ بِهِمْ أَوْ تَرْكِ الزِّيَارَةِ بِلا عُذْرٍ وَالْعُذْرُ كَأَنْ يَفْقِدَ مَا كَانَ يَصِلُهُمْ بِهِ مِنَ الْمَالِ أَوْ يَجِدَهُ لَكِنَّهُ يَحْتَاجُهُ لِمَا هُوَ أَوْلَى بِصَرْفِهِ فِيهِ مِنْهُمْ وَالْمُرَادُ بِالرَّحِمِ الأَقَارِبُ مِنْ جِهَةِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ كَالْجَدَّاتِ وَالأَجْدَادِ وَكَالْخَالاتِ وَالْعَمَّاتِ وَأَوْلادِهِنَّ وَالأَخْوَالِ وَالأَعْمَامِ وَأَوْلادِهِمْ.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلَّم «ليسَ الواصِلُ بالمكافِئ ولكنّ الوَاصِلَ مَنْ وصَلَ رَحِمَه إذا قَطَعَتْ» ففي هذا الحَديثِ إيذانٌ بأنّ صِلةَ الرّجلِ رحِمَه التي لا تَصِلُه أفضَلُ من صِلَتِه رحِمَه التي تصِلُه لأنّ ذلك مِن حُسْن الخلُقِ الذي حَضّ الشّرعُ عليه حَضًّا بالِغًا وهذا الحديثُ رواه البخارِيُّ والترمذيُّ وغيرهما. وَقَطِيعَةُ الرَّحِمِ تَكُونُ بِأَنْ يُؤْذِيَهُمْ أَوْ لا يَزُورُهُم فَتَسْتَوْحِشَ قُلُوبُهُمْ مِنْهُ أَوْ هُمْ فُقَرَاءُ مُحْتَاجُونَ وَهُوَ مَعَهُ مَالٌ زَائِدٌ عَنْ حَاجَتِهِ وَيَسْتَطِيعُ مُسَاعَدَتَهُمْ وَمَعَ ذَلِكَ يَتركُهُمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِى تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ﴾ سُورَةَ النِّسَاء/1 أَىْ وَاتَّقُوا الأَرْحَامَ أَنْ تَقْطَعُوهَا.
وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِى الأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ سُورَةَ الرَّعْد/25 وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِى الأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ﴾ سُورَةَ مُحَمَّد.
وَرَوَى الْبُخَارِىُّ وَالطَّبَرَانِىُّ فِى الْكَبِيرِ وَالْبَزَّارُ فِى مُسْنَدِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ" وَرَوَى الْبُخَارِىُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِى رِزْقِهِ وَأَنْ يُنْسَأَ فِى أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ» وَمَعْنَى يُنْسَأَ فِى أَثَرِهِ أَىْ يُطَوَّلَ فِى عُمُرِهِ، وَرَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بنِ مُطْعِمٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ" يَعْنِى قَاطِعَ رَحِمٍ أَىْ لا يَدْخُلُها مَعَ الأَوَّلِينَ.
وَاعْلَمْ أَنَّ رَحِمَكَ إِنْ كَانَ بِحَيْثُ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَزُورَهُ فَلا بُدَّ أَنْ تَزُورَهُ وَلا يَكْفِى أَنْ تُرْسِلَ السَّلامَ إِلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَزُورَهُ، إِنَّمَا لِوَقْتٍ مِنَ الزَّمَنِ يَكْفِى إِرْسَالُ السَّلامِ لَهُ أَمَّا أَنْ يَبْقَيَا فِى بَلَدٍ وَاحِدٍ ثُمَّ لا يَزُورَهُ فِى السَّنَةِ وَلا فِى السَّنَتَيْنِ وَلا فِى الثَّلاثِ سَنَوَاتٍ مَعَ إِمْكَانِهِ أَنْ يَزُورَهُ فَهَذِهِ قَطِيعَةُ الرَّحِمِ.
فَإِنْ كَانَ أَرْحَامُ الشَّخْصِ كَثْرَةً فَدَعَاهُمْ لِلطَّعَامِ عِنْدَهُ مَثَلًا وَاجْتَمَعَ بِهِمْ وَزَارَهُمْ فِى الأَفْرَاحِ وَالأَحْزَانِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يُرْضِيهِمْ يَكْفِى ذَلِكَ وَإِلَّا فَلا بُدَّ مِنْ زِيَارَتِهِمْ فِى بُيُوتِهِمْ. أَمَّا إِنْ كَانَ ذَلِكَ الرَّحِمُ لا يُحِبُّ دُخُولَ هَذَا الْقَرِيبِ بَيْتَهُ وَلا يَرْضَى وَكَانَ هَذَا الْقَرِيبُ يَعْلَمُ أَنَّهُ لا يَرْضَى فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ لِأَنَّهُ لا يَرْضَى، لَكِنْ بَقِىَ أَنْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ السَّلامَ أَوْ يُرْسِلَ إِلَيْهِ رِسَالَةً إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ وَأَمَّا إِنْ كَانَ رَحِمَهُ هَذَا يُحِبُّ دُخُولَهُ بَيْتَهُ وَقُعُودَهُ عِنْدَهُ فَلا يَكْفِى إِرْسَالُ السَّلامِ لِلْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ،
أَمَّا لِلْمُدَّةِ الْقَصِيرَةِ فَيَكْفِى، فَإِذَا زَارَ الْقَرِيبُ قَرِيبَهُ فِى أَحَدِ الْعِيْدَيْنِ وَزَارَهُ فِى الأَفْرَاحِ وَالأَحْزَانِ لا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ قَطِيعَةً هَذَا فِى حَالِ لَمْ يَكُنْ لِلشَّخْصِ عُذْرٌ، أَمَّا إِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ كَأَنْ كَانَ فِى بَلَدٍ بَعِيدَةٍ وَلا يَسْهُلُ عَلَيْهِ أَنْ يَذْهَبَ لِزِيَارَةِ أَقْرِبَائِهِ وَلَوْ غَابَ خَمْسَ سِنِينَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ وَهُوَ يُرْسِلُ لَهُمْ سَلامًا مِنْ وَقْتٍ إِلَى وَقْتٍ مَا عَلَيْهِ شَىْءٌ.
وَلَوْ زَارَ قَرِيبَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ يَتْرُكُ لَهُ وَرَقَةً عَلَى بَابِ الْبَيْتِ أَنَا فُلانٌ جِئْتُ لِزِيَارَتِكَ فَلَمْ أَجِدْكَ يَكْفِى ذَلِكَ. وَمِنَ الأَعْذَارِ فِى عَدَمِ زِيَارَةِ الرَّحِمِ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ مِنْ قَرِيبهِ هَذَا رِدَّةً كَسَبِّ اللَّهِ أَوِ الأَنْبِيَاءِ أَوِ الْمَلائِكَةِ أَوِ الِاسْتِهْزَاءِ بِالْقُرْءَانِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَإِنَّ هَذَا لا صِلَةَ لَهُ. وَكَذَا يَجُوزُ لَهُ قَطْعُهُ إِنْ كَانَ فَاسِقًا يَشْرَبُ الْخَمْرَ أَوْ يَتْرُكُ الصَّلاةَ أَوْ يَزْنِى وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَلَكِنْ هَذَا لا يَقْطَعُهُ إِلَّا بَعْدَ إِعْلامِهِ بِالسَّبَبِ لِيَزْجُرَهُ عَنْ مِثْلِ هَذِهِ الأَفْعَالِ.
وَإِنْ كَانَتْ رَحِمَهُ مِنَ النِّسَاءِ حَاسِرَةً فَلَهُ عُذْرٌ فِى عَدَمِ زِيَارِتِهَا إِنْ كَانَتْ لا تَسْتُرُ عَوْرَتَهَا عِنْدَ زِيَارَتِهِ لَهَا لَكِنْ بَعْدَ إِعْلامِهَا بِالسَّبَب وَقَطِيعَةُ الرَّحِمِ مِنْ أَسْبابِ تَعْجِيلِ الْعَذَابِ فِى الدُّنْيَا قَبْلَ الآخِرَةِ.
فَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ فِى مُسْنَدِهِ وغيرُهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ "مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ بِأَنْ يُعَجَّلَ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةُ فِى الدُّنْيَا مَعَ مَا يَنْتَظِرُهُ فِى الآخِرَةِ مِنَ الْبَغْىِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ" وَالْبَغْىُ مَعْنَاهُ الِاعْتِدَاءُ عَلَى النَّاسِ (وإيذاء الجار ولو) كان الجار (كافرًا له أمانٌ) من المسلمين (أذًى ظاهرًا) كالضرب والشتم ونحوِ ذلك، مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ إِيذَاء الْجَارِ وَلَوْ كَافِرًا لَهُ أَمَانٌ إِيذَاءً ظَاهِرًا وَيَحْصُلُ ذَلِكَ بِأَنْ يُشْرِفَ عَلَى حُرَمِهِ أَوْ يَبْنِىَ مَا يُؤْذِيهِ مِمَّا لا يَسُوغُ شَرْعًا، أَمَّا الِاسْتِرْسَالُ فِى سَبِّهِ وَضَرْبِهِ بِغَيْرِ سَبَبٍ شَرْعِىٍّ فَأَشَدُّ وِزْرًا بِحَيْثُ إِنَّ الأَذَى الْقَلِيلَ لِغَيْرِ الْجَارِ كَثِيرٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ،
فَيَنْبَغِى الإِحْسَانُ إِلَى الْجَارِ وَالصَّبْرُ عَلَى أَذَاهُ وَبَذْلُ الْمَعْرُوفِ لَهُ (وخَضْبُ الشعر) أى صَبْغُهُ (بالسواد) من ذكر أو أنثى، إلا للجهاد فيجوز ذلك للرجل إرهابًا للعدو قال صاحب الزبد (وحرَّموا خضابَ شعرٍ بسواد * لرجلٍ وامرأةٍ لا للجهاد) فمِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ الْخَضْبَ بِالسَّوَادِ أَىْ دَهْنَ الشَّعَرِ وَصَبْغَهُ بِالأَسْوَدِ.
وَهُوَ حَرَامٌ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ عَلَى الْقَوْلِ الْمُخْتَارِ فِى الْمَذْهَبِ الشَّافِعِىِّ إِلَّا لِلْجِهَادِ وَأَجَازَهُ بَعْضُ الأَئِمَّةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ يُؤَدِّى إِلَى الْغَشِّ وَالتَّلْبِيسِ كَأَنْ كَانَ عِنْدَهُ عَبْدٌ مَمْلُوكٌ يُرِيدُ أَنْ يَبِيعَهُ وَهُوَ شَائِبٌ فَسَوَّدَ لَهُ شَعَرَهُ حَتَّى يُدْفَعَ لَهُ فِيهِ ثَمَنٌ أَكْثَرُ أَوْ شَابَتِ الْمَرْأَةُ فَسَوَّدَتْ شَعَرَهَا حَتَّى يَخْطُبَهَا الرِّجَالُ وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَخْضِبَ بِالسَّوَادِ بِإِذْنِ زَوْجِهَا.
أَمَّا الْمَرْأَةُ الْخَلِيَّةُ أَىِ الْعَزْبَاءُ فَأَمْرُهَا شَدِيدٌ فَلا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَخْضِبَ بِالسَّوَادِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْغَشِّ وَالتَّلْبِيسِ. وَأَمَّا خَضْبُ الشَّعَرِ بِالأَصْفَرِ وَالأَحْمَرِ فَلِلرِّجَالِ فِيهِ ثَوَابٌ وَلِلْمُتَزَوِّجَةِ إِذَا أَمَرَهَا زَوْجُهَا كَذَلِكَ (وتشبه الرجال بالنساء) في ملبس أو كلام أو مشي (وعكسه) أي تشبه النساء بالرجال وهو أشد مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ الَّتِى هِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ تَشَبُّهُ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ فِى الْمَشْىِ أَوْ فِى الْكَلامِ أَوْ فِى اللِّبَاسِ لَكِنَّ تَشَبُّهَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ أَشَدُّ إِثْمًا وَلا يُنْظَرُ إِلَى الْغَلَبَةِ فَمَا كَانَ خَاصًّا بِأَحَدِ الصِّنْفَيْنِ مِنَ الزِّىِّ فَهُوَ حَرَامٌ عَلَى الصِّنْفِ الآخَرِ وَمَا لا فَلا.
رَوَى الْبُخَارِىُّ فِى صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ. وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِى سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ "لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الرَّجُلَ يَلْبَسُ لِبْسَةَ الْمَرْأَةِ وَالْمَرْأَةَ تَلْبَسُ لِبْسَةَ الرَّجُلِ"اهـ. فَتَشَبُّهُ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ الَّذِى هُوَ حَرَامٌ وَتَشَبُّهُ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ الَّذِى هُوَ حَرَامٌ هُوَ فِيمَا كَانَ خَاصًّا فِى الأَصْلِ بِأَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ دُونَ الآخَرِ،
أَمَّا مَا كَانَ يَسْتَعْمِلُهُ الْفَرِيقَانِ وَلَوْ غَلَبَ فِى أَحَدِهِمَا لا يَكُونُ تَشَبُّهًا إِنْ لَبِسَهُ الآخَرُ، هَذِهِ الْقَاعِدَةُ وَلَيْسَ لِلْعُرْفِ دَخَلٌ فِى هَذَا. فَلا يَجُوزُ لِلأَهْلِ أَنْ يُلْبِسُوا الصَّبِىَّ ثِيَابَ الْبَنَاتِ وَلا الْعَكْسُ وَيُمْنَعُ الصَّبِىُّ مِنْ ذَلِكَ إِنْ فَعَلَهُ.
وَمِمَّا يَحْرُمُ التَّشَبُّهُ بِالْكُفَّارِ وَهُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ فَيَحْرُمُ التَّشَبُّهُ بِهِمْ فِى الزِّينَةِ وَاللِّبَاسِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ التَّشَبُّهُ بِالْفُجَّارِ أَىِ الْفُسَّاقِ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ﷺ «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنْهُمْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ (وإسبال الثوب) من الرجال (للخيلاء أى إنزاله عن الكعب للفخر) والكِبْرِ، فمِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ تَطْوِيل الثَّوْبِ لِلْخُيَلاءِ أَىِ الْكِبْرِ وَيَكُونُ ذَلِكَ بِإِرْسَالِ الإِزَارِ إِلَى أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ، فَإِنْزَالُ الإِزَارِ إِلَى مَا تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ حَرَامٌ مِنَ الْكَبَائِرِ إِنْ كَانَ لِلْبَطَرِ وَإِلَّا كَانَ مَكْرُوهًا وَالطَّرِيقَةُ الْمُسْتَحْسَنَةُ شَرْعًا أَنْ يَكُونَ الإِزَارُ وَنَحْوُهُ إِلَى نِصْفِ السَّاقَيْنِ لِحَدِيثِ أَبِى دَاوُدَ "إِزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إِلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ" رواه ابنُ حِبّانَ والبيهقيُّ وغيرُهُما ورواية أبي داود في سننه "إِزْرَةُ المسلِم ِإلى نِصْفِ السَّاقِ".
وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَتَسْدُلُ ثَوْبَهَا ذِرَاعًا لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاَءَ، لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ وفي سنن الترمذي أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرِ اللَّهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ»، فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَكَيْفَ يَصْنَعْنَ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ قَالَ «يُرْخِينَ شِبْرًا»، فَقَالَت:
إِذًا تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ، قَالَ «فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا، لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ» وَقَالَ التِّرْمِذِىَّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وقوله صلى الله عليه وسلم الذي رواه البخاريُّ «لا ينظرُ اللهُ إلى من جَرَّ ثوبَهُ خُيَلاء» أي لا يكرمُه بل يُهينُه يومَ القيامة (و)استعمالُ (الحناء) أى الخضبُ بها (فى اليدين والرجلين للرجل بلا حاجة) إلى ذلك لما فيه من التشبه بالنساء لأنَّ هذه عادةُ النساء أما إذا كان لحاجة التداوى من المرض فيجوز مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ اسْتِعْمَال الْحِنَّاءِ أَىِ الْخِضَابِ بِهِ فِى الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ لِلرَّجُلِ بِلا حَاجَةٍ إِلَيْهِ وَذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّشَبُّهِ بِالنِّسَاءِ أَمَّا إِنْ كَانَ لِحَاجَةٍ كَأَنْ قَالَ لَهُ طَبِيبٌ ثِقَةٌ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لِلتَّدَاوِى فَيَجُوزُ،
فَخَرَجَ بِالرَّجُلِ الْمَرْأَةُ فَإِنْ كَانَ لِإِحْرَامٍ اسْتُحِبَّ لَهَا الْخِضَابُ سَوَاءٌ كَانَتْ مُتَزَوِّجَةً أَوْ غَيْرَ مُتَزَوِّجَةٍ شَابَّةً أَوْ عَجُوزًا، وَإِذَا خَضَبَتْ عَمَّتِ الْيَدَيْنِ بِالْخِضَابِ أَىْ بِلا نَقْشٍ وَتَطْرِيفٍ، قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ يُسَنُّ لِغَيْرِ الْمُحْرِمَةِ أَيْضًا إِنْ كَانَتْ حَلِيلَةً أَىْ مُتَزَوِّجَةً وَإِلَّا كُرِهَ.
وَالنَّقْشُ هُوَ التَّنْقِيطُ وَهُوَ غَيْرُ الْوَشْمِ، أَمَّا الْوَشْمُ يَكُونُ بِغَرْزِ الْجِلْدِ بِالإِبْرَةِ حَتَّى يَطْلَعَ الدَّمُ ثُمَّ يُذَرُّ عَلَيْهِ الْكُحْلُ الأَسْوَدُ أَوْ شَىْءٌ أَخْضَرُ حَتَّى يَدْخُلَ هَذَا وَيَخْتَلِطَ بِالدَّمِ فَيَبْقَى لَوْنُهُ. أَمَّا النَّقْشُ عَلَى الْجِلْدِ فَيَكُونُ بِدُونِ غَرْزٍ بِإِبْرَةٍ بَلْ يَكُونُ عَلَى ظَاهِرِ الْجِلْدِ فَإِذَا غُسِلَ الْجِسْمُ ذَهَبَ. وَأَمَّا التَّطْرِيفُ فَهُوَ وَضْعُ الْحِنَّاءِ عَلَى أَطْرَافِ الأَصَابِعِ فَقَطْ.
قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ لِتَغْمِسْ غَمْسًا (وقطعُ الفرض) سواء كان أداءً أم قضاءً كقطع الصلاة المفروضة أو الصوم المفروض إذا كان قطعه (بلا عذر) مِنْ مَعَاصِى الْبَدَنِ قَطْعُ الْفَرْضِ أَىِ الأَدَاءِ وَالْقَضَاءِ وَلَوْ كَانَ مُوَسَّعًا مَعْنَاهُ لَوْ كَانَ الْوَقْتُ وَاسِعًا بِحَيْثُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُصَلِّىَ مَثَلًا ضِمْنَ الْوَقْتِ إِنْ قَطَعَ هَذِهِ، فَلا يَجُوزُ بَعْدَ أَنْ أَحْرَمَ بِهَا أَنْ يَقْطَعَهَا سَوَاءٌ كَانَ الْوَقْتُ وَاسِعًا أَوْ ضَيِّقًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ سُورَةَ مُحَمَّد/33.
مَنْ أَحْرَمَ بِالْفَرْضِ مِنْ صَلاةٍ أَوْ صِيَامٍ أَوْ حَجٍّ لا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْطَعَهُ بِدُونِ عُذْرٍ، وَكَذَلِكَ الِاعْتِكَافُ الْمَنْذُورُ وَأَمَّا إِذَا كَانَ لِعُذْرٍ فَلا يَحْرُمُ. وَيَجُوزُ قَطْعُ صَلاةِ الْفَرْضِ إِذَا كَانَ دَخَلَ فِى صَلاتِهِ مُنْفَرِدًا ثُمَّ رَأَى جَمَاعَةً مَشْرُوعَةً لِأَنَّهُ يُسَنُّ فِى هَذِهِ الْحَالِ أَنْ يَقْلِبَ فَرْضَهُ نَفْلًا مُطْلَقًا وَيُسَلِّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ أَوْ رَكْعَةٍ، وَلا يَحْرُمُ قَطْعُ النَّفْلِ مِنْ صَلاةٍ أَوْ صَوْمٍ أَوِ اعْتِكَافٍ لِأَنَّهُ لا يَجِبُ إِلَّا بِالنَّذْرِ قَالَ ﷺ "الصَّائِمُ الْمُتَطَوِّعُ أَمِيرُ نَفْسِهِ إِنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ أَفْطَرَ" أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِىُّ فِى سُنَنِهِ وَيُقَاسُ بِالصَّوْمِ غَيْرُهُ لَكِنْ يُكْرَهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ،
وَيُسَنُّ قَضَاؤُهُ إِنْ خَرَجَ مِنْهُ بِعُذْرٍ خُرُوجًا مِنَ الْخِلافِ، نَعَمْ يَجُوزُ قَطْعُ الصَّلاةِ لِإِنْقَاذِ غَرِيقٍ أَوْ طِفْلٍ مِنَ الْوُقُوعِ فِى نَارٍ أَوِ السُّقُوطِ فِى مَهْوَاةٍ بَلْ يَجِبُ ذَلِكَ إِنْ كَانَ الْغَرِيقُ مَعْصُومًا وأما إنْ قطعَ الفرضَ بعذرٍ كإنقاذِ غريقٍ معصومٍ لم يحرم (وقطعُ نفل الحج والعمرة) لأن الشروع فيهما يوجب إتمامَهما عليه فهو كفَرضِه نيّةً وكَفّارةً وغَيرَهُما (ومحاكاة المؤمن) فى قول أو فعل أو إشارة (استهزاءً به) أي تقليدُه في قولٍ أو فعلٍ أو إشارةٍ على وجه الاستهزاءِ به، قال الله تعالى ﴿يا أيها الذين ءامنوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ وَقَدْ تَكُونُ الْمُحَاكَاةُ بِالضَّحِكِ عَلَى كَلامِهِ إِذَا تَخَبَّطَ فِيهِ وَغَلِطَ أَوْ عَلَى صَنْعَتِهِ وَقُبْحِ صُورَتِهِ أَوْ عَلَى مَشْيِهِ إِنْ كَانَ بِهِ عَرَجٌ فَتَقْلِيدُهُ فِى ذَلِكَ لِإِضْحَاكِ النَّاسِ عَلَيْهِ حَرَامٌ (والتجسسُ على عورات الناس) بالتطلع والتتبع لعيوب أناسٍ لا يريدون اطِّلاعَهُ عليها قال تعالى ﴿وَلاَ تَجَسَّسُوا﴾ وقال صلى الله عليه وسلَّم «لا تَجسَّسُوا ولا تَنافَسُوا ولا تحاسَدُوا ولا تَدابَروا وكونُوا عبادَ الله إخوانًا» رواه الشيخان.
فالتّجسُّسُ على عوراتِ النّاسِ معناه البحث عن عيُوب الناسِ وعوراتهِم أي أن يفتِّشَ عما لا يريدُ الناسُ اطِّلاعَ الغير عليه أي يفتِشَ عن مَساوئ الناس لا عن مَحاسِنهم ويريدَ أن يعرفَ عنهم القبيحَ من القولِ أو الفِعْل فيسألَ عنه الناس أو يبحث عنه بنفسه من دون سؤال وقد ورد في الحديث طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس. وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ فِى مُسْتَدْرَكِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «مَنْ رَأَى عَوْرَةً فَسَتَرَهَا كَانَ كَمَنْ أَحْيَا مَوْؤُودَةً مِنْ قَبْرِهَا» رواه البيهقيُّ وغيرُهُ فَهَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِيهِ أَنَّ مَنْ رَأَى عَوْرَةَ مُسْلِمٍ فَسَتَرَهَا أَىْ لَمْ يَبُثَّهَا بَيْنَ النَّاسِ بَلْ أَخْفَاهَا فَلَهُ أَجْرٌ شَبِيهٌ بِأَجْرِ مَنْ أَحْيَا مَوْؤُودَةً أَىْ أَنْقَذَ بِنْتًا مَوْلُودَةً دُفِنَتْ وَهِىَ حَيَّةٌ كَمَا كَانَ جَاهِلِيَّةُ الْعَرَبِ يَفْعَلُونَ.
الرَّسُولُ ﷺ شَبَّهَ هَذَا الَّذِى يَرَى عَوْرَةً لِمُسْلِمٍ أَىْ مَا يُعَابُ عَلَيْهِ وَيُسْتَحَى مِنْهُ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَيْهِ النَّاسُ إِنْ رَءَاهَا فَسَتَرَهَا بِأَجْرِ هَذَا الإِنْسَانِ الَّذِى رَأَى مَوْؤُودَةً فَأَنْقَذَهَا قَبْلَ أَنْ تَمُوتَ.
