(ويجب) على مَنْ مَلَكَ شيئًا زائدًا من الأنعام عن النصاب الذى ذكرناه (أن يتعلم ما أوجبه الله تعالى عليه) من الزكاة (فيه) أى فى ذلك الزائد. لَمَّا كَانَ الْمُؤَلِّفُ لَمْ يَذْكُرْ فِى الْمَتْنِ إِلَّا النِّصَابَ الأَوَّلَ فِى الأَنْعَامِ الثَّلاثَةِ بَيَّنَ فِى قَوْلِهِ هَذَا أَنَّ عَلَى الْمُكَلَّفِ الَّذِى تَزِيدُ مَاشِيَتُهُ عَلَى أَوَّلِ النِّصَابِ أَنْ يَتَعَلَّمَ وُجُوبًا عَيْنِيًّا حُكْمَ مَا زَادَ عَلَى أَوَّلِ النِّصَابِ وَقَدْ مَرَّ بَيَانُهُ فِى الشَّرْحِ (وأما التمرُ والزبيبُ والزروعُ) المقتاتةُ حالةَ الاختيارِ (فأولُ نصابها خمسةُ أوسقٍ) فلا زكاة فيما دون ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم «ليس فيما دون خمسةِ أوسقٍ صدقة» رواه البخاري ومسلم (وهي) أى الخمسةُ الأوسقُ (ثلاثُمائة صاعٍ بصاعه عليه الصلاة والسلام) وذلك لأنَّ الوَسقَ سِتون صاعًا فتكون الخمسةُ الأوسقُ ثلاثَمِائةِ صاعٍ والصاعُ أربعةُ أمدادٍ والمدُّ هو مِلْءُ كَفَّىْ رجلٍ معتدلٍ والمدُّ هو الحَفْنَة بكفَّي رجل معتدل لا هو طويلُ الكفِّ ولا قصيرُها ولهذا قال المصنف رحمه الله بصاعه عليه الصلاة والسلام إهـ (و)صاعُ النبى صلى الله عليه وسلم (معيارُهُ) أى قدره (موجود) إلى الآن (بالحجاز).
(و)من أحكام الثمار والزروع أنه (يُضَمُّ زرعُ العام بعضُهُ إلى بعضٍ فى إكمال النصاب) إن اتحد الجنس وكان الحصاد فى عام واحد فإذا كمل النصاب بضم الزرع الأول إلى الزرع الثانى وجبت الزكاة ولو اختلف النوع مِثَالُ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ نَخْلٌ يُثْمِرُ بَعْضُهُ فِى الرَّبِيعِ وَبَعْضُهُ فِى الصَّيْفِ أَوْ يُثْمِرُ نَخْلُهُ فِى الْعَامِ مَرَّتَيْنِ وَيَكُونُ إِطْلاعُ الثَّانِى أَطْلَعَ النَّخْلُ أَخْرَجَ طَلْعَهُ قَبْلَ جَدَادِ الأَوَّلِ أَىْ قَطْعِهِ وَجَدَادُ الْكُلِّ فِى عَامٍ وَاحِدٍ، فَالْحُكْمُ فِى ذَلِكَ أَنَّهُ إِنْ كَمَلَ النِّصَابُ بِضَمِّ الأَوَّلِ إِلَى الثَّانِى وَجَبَ إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ.
وَالطَّلْعُ بِالْفَتْحِ مَا يَطْلَعُ مِنَ النَّخْلَةِ ثُمَّ يَصِيرُ ثَمَرًا إِنْ كَانَتْ أُنْثَى، وَإِنْ كَانَتِ النَّخْلَةُ ذَكَرًا لَمْ يَصِرْ ثَمَرًا بَلْ يُؤْكَلُ طَرِيًّا (ولا يكمل جنس) من الزروع (بجنس) ءاخرَ لإتمام النصاب (كالشعير مع الحنطة) فلو كان عنده شعيرٌ وحنطةٌ وكلٌّ منهما أقلُّ من خمسة أوسق فلا تجب عليه الزكاة ولو كان مجموعُهما خمسةَ أوسقٍ لأنهما جنسان فلا يُضَمُّ هذا إلى هذا فى إكمال النصاب بخلاف النوعين من جنس واحد كبُرّ شاميّ وبُرّ مصريّ فإنهما يضمان.
الشَّرْحُ أَنَّهُ لا يُكَمَّلُ النِّصَابُ مِنْ جِنْسَيْنِ كَالتَّمْرِ وَالزَّبِيبِ، وَالْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ، فَإِذَا كَانَتْ كَمِيَّةُ التَّمْرِ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ فَلا يُكَمَّلُ نِصَابُهَا بِالزَّبِيبِ، كَذَلِكَ إِذَا كَانَ عِنْدَهُ قَمْحٌ أَقَلُّ مِنْ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ وَكَانَ عِنْدَهُ مِنَ الشَّعِيرِ مَا يُكَمَّلُ بِهِ النِّصَابُ فَلا يُكَمَّلُ هَذَا بِهَذَا فَلا زَكَاةَ عَلَيْهِ، لَكِنَّ النَّوْعَ يُكَمَّلُ بِالنَّوْعِ الآخَرِ فَإِذَا كَانَ لَهُ نَوْعَانِ مِنَ التَّمْرِ كَالْبَرْنِىِّ وَالْعَجْوَةِ مِنَ التَّمْرِ فَإِنَّه يُكَمَّلُ النِّصَابُ مِنَ النَّوْعَيْنِ فَتَجِبُ الزَّكَاةُ فِى ذَلِكَ لِاكْتِمَالِ النِّصَابِ مِنَ النَّوْعَيْنِ،
وَكَذَلِكَ الْبُرُّ فَالْمِصْرِىُّ مِنْهُ يُكَمَّلُ نِصَابُهُ بِالْبُرِّ الشَّامِىِّ لِاتِّحَادِ الِاسْمِ (وتجب الزكاة) فى التمر والزبيب (ببدوِّ الصلاح) ولو فى حبةٍ قال في روضة الطالبين بدوّ الصلاح في البعض كبدوّه في الجميع ومعنى بُدُوِّ الصلاح أن تظهر علامةُ بلوغِهِ صفةً يُطلب فيها للأكل غالبًا كظهور التلوّنِ فى العنب الذى يتلون ومبادئ النضج فى غيره وَمَعْنَى بُدُوِّ الصَّلاحِ أَنْ تَظْهَرَ عَلامَةُ بُلُوغِهِ صِفَةً يُطْلَبُ فِيهَا لِلأَكْلِ غَالِبًا أَىْ حِينَ يَسْتَوِى فَفِى حَالِ كَوْنِ ثَمَرَةِ الْكَرْمِ حِصْرِمًا لا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ.
وَكَذَلِكَ الْحَبُّ مِنَ الْقَمْحِ وَغَيْرِهِ لا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَشْتَدَّ الْحَبُّ لِأَنَّهُ عِنْدَهَا يَصِيرُ مَقْصُودًا لِلأَكْلِ فَالْعِنَبُ حِينَ يَصِيرُ فِيهِ مَاءٌ يَصِيرُ مَقْصُودًا لِلأَكْلِ، أَمَّا الْحِصْرِمُ لا يُقْصَدُ لِلأَكْلِ فِى الْغَالِبِ وَذَلِكَ لِأَنَّ الثَّمَرَ ثَمَرَ النَّخْلِ وَالْكَرْمِ يُسَمَّى قَبْلَ ذَلِكَ بَلَحًا وَحِصْرِمًا وَلا يُسَمَّى رُطَبًا وَلا عِنَبًا، وَالزَّرْعُ قَبْلَ اشْتِدَادِ الْحَبِّ لا يُسَمَّى قَمْحًا وَلا شَعِيرًا إِنَّمَا يُسَمَّى بَقْلًا ومبادئ النضج فى غيره (و)تجب فى الزروع عند (اشتداد الحب) ولا يصح الإخراجُ إلا بعد جفاف التمر والزبيب وتصفيةِ الحبّ من سنبله ونحو ذلك.
(ويجب فيها) أى التمر والزبيب والزروع (العشرُ إن لم تُسْقَ بمؤنةٍ) كما إذا سُقِيَتْ بماء المطر أو النهر فَيُخْرِجُ عن ثلاثمائة صاع ثلاثين صاعًا (و)يجب فيها (نصفه) أى نصف العشر (إن سُقيت بها) أى بمؤنةٍ كما إذا سُقيت بماءٍ مملوكٍ أو بماءٍ نقلته الدوابُّ من مَحَلّهِ إلى الزرع على ظهورها أو بالدولاب الذى تديره الدابة أو بالناعورة أو بمضخة الماء(1) فيُخرِجُ عن الثلاثمائة صاعٍ حينئذٍ خمسةَ عشرَ صاعًا (وما زاد على النصاب) المذكور وهو خمسةُ أوسقٍ (أُخرج منه) أى الزائد (بقِسْطِهِ) ولو كان يسيرًا لأنّ العفوَ لا يدخل هنا بخلاف الماشية كما مرَّ (ولا زكاة فيما دون النصاب) وهو خمسة أوسق (إلا أن يتطوعَ) مالكُهُ.(وأما الذهبُ فنصابه عشرون مثقالا) والمثقال وزن اثنتين وسبعين حبةَ شعيرٍ متوسطةً من شعير الحجاز غير منـزوعة القشر بعد أن يقطع منها ما دقَّ وطال.
(و)أما (الفضة) فنصابها (مائتا درهم) والدرهم وزنه خمسون وخُمُسَا حبةِ شعيرٍ متوسطةٍ (ويجب فيهما) أى الذهبِ والفضةِ إذا بلغا النصابَ (ربعُ العشر وما زاد) على النصاب (فبحسابه) ولو كان الزائدُ يسيرًا كما مَرَّ فى الزروع في الزائد بحسابه ليس كالماشية فائدة: نصاب الفضة عشرة ءالاف وثمانون حبة شعير (١٠٠٨٠) أي ما يساوي خمسمائة وأربعة وتسعين غرامًا ومائة وأربعة وعشرين جزءًا من الألف من الغرام من الفضة تقريبًا (594.124) وقدره بعضهم بخمسمائة وخمسة وتسعين غرامًا (595).
ونصاب الذهب ألف وأربعمائة وأربعون حبة شعير (١٤٤٠) أي ما يساوي تقريبًا أربعة وثمانين غرامًا وثمانمائة وخمسة وسبعين جزءًا من الألف من الغرام من الذهب الخالص (84,875) وقدره بعضهم بخمسة وثمانين غرامًا وما يساوي ستة وثمانين غرامًا (٨٦) من عيار أربعة وعشرين، وسبعة وتسعين غرامًا (٩٧) من عيار واحد وعشرين، ومائة وأربعة عشر غرامًا (١١٤) من عيار ثمانية عشر. وبقية العيارات ينظر فيها على حسب الغش الذي فيها ويعرفه أهل الاختصاص. (ولا بد فيهما) أى الذهب والفضة (من) مُضى (الحول) لتجب الزكاة فيهما وذلك لحديث «لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول» رواه ابن ماجهْ والبيهقي فإذا لم يستمرَّ سنةً كاملةً في ملكه فقد انقطع الحول فإن عاد إلى ملكه يستأنف له سنة كاملةً (إلا) أنَّ (ما حصل) من الذهب والفضة (من معدن أو ركاز) وقد بلغ النصابَ لا يُشترط فيه الحول (فيخرجها) أى الزكاةَ (حالاً) فى كلٍّ منهما أى بعد التنقية من التراب فى المعدن ولا يُنتظر حتى يحول الحول عليهما.
ويختلف القدرُ الواجبُ فى المعدن عن القدر الواجب فى الركاز ففى المعدن ربع العشر كغيره من الذهب والفضة (وفى الركاز الخمسُ) وذلك لأنّ فى المعدن مؤنةَ التنقيةِ من التراب بخلاف الركاز. في الركاز الخُمس لأنه وجده صافيا ليس فيه مؤنة تنقية من نحو تراب أما المعدن ففيه مؤنة التنقية من التراب ونحو ذلك لهذا يخرج ربع العشر فقط. والمعدن في عرف الفقهاء في باب الزكاة هو الذهب أو الفضّة اللذان يوجدان في الموضع الذي خلقهما الله فيه وأَمَّا الرِّكازُ فهو الدفين الجاهليُّ أي الذي كان دفن قبل بعثة سيِّدنا محمّدٍ صلى الله عليه وسلم أي ما دفنهُ الناس قبل بعثة الرّسول صلى الله عليه وسلم فمن عثر عليه في أرضٍ موات أو ملكها بالإحياء أي كانت غير مملوكةٍ لأحد إِنَّما هو أحياها أي اتَّخذها مزرعةً أو بستانًا أو مسكنًا أو نحو ذلك فملكها بذلك وجب عليه أن يزكِّيَهُ في الحال أي مع بلوغ النصاب أي القدر الذي تجب فيه الزكاة من الذهب أو الفضّة.
ويُعرف كونه دفينًا جاهليًا بوجود اسم مَلِكٍ من ملوك تلك الأزمان عليه.(وأما زكاة التجارة فنصابها نصابُ ما اشتُريت) أى عروضُ التجارة معنى التجارةِ تقليبُ المال لغرض الاسترباح بأن يشتريَ ويبيعَ ثم يشتريَ ويبيعَ لغرض الربح (به من النقدين والنقدان هما الذهب والفضة) وذلك لأنَّ زكاة التجارة تُقَوَّمُ بما اشتُرِيَتْ به فإن اشتُرِيَتْ بالذهب فبالذهب وإن اشتُرِيَتْ بالفضة فبالفضة وإن اشتُرِيَتْ بغيرهما فتُقَوَّمُ بالنقد الغالب فى ذلك البلد كيف يقوّمها ؟
يقول هذه البضاعة التي عندي لو أنها عُرضت للبيع الآن كلها دفعة واحدة كم يُدفع لي فيها في السوق ؟ وعلى هذا يقوّم، ولا يقومها بسعر بيعها متفرقة، مثلا عنده عشرة أطنان قمح وعشرة أطنان رز إن جمعها فكم يكون سعرها في السوق جملة ؟ فعلى هذا يكون الحساب والتقويم (ولا يُعتبر) النصاب (إلا ءاخرَ الحول) ينظر إلى قيمة البضاعة التي يتجر بها عند حولان الحول فإذا كانت قيمتها عند حولان الحول نصابا وجبت فيها الزكاة حتى ولو كانت عندما بدأ التجارة أقل من النصاب فالعبرة بكونها نصابا عند حولان الحول، وبعضهم قال يبدأ حساب حول أموال التجارة عندما تصير نصابا، ولكن الشيخ كان يذكر الأول فإذا بلغت أموال التجارة ءاخرَ الحول نصابًا وجبت الزكاة وإلا فلا.
أَمَّا ما يصرفه الإِنسان من هذا المال في أثناء الحول قبل حولان الحول لحاجاته أو يتصدَّقُ به على الناس أو يأخذه ليتخذه قِنية أي يمسكه للانتفاع بعينه أكلاً أو شربًا أو لبسًا أو غير ذلك فهذا لا يدخل في الحساب عند الزَّكاة (ويجب فيها) أى زكاةِ التجارة (ربعُ عشر القيمة) أى قيمةِ أموال التجارة ويُخرج الزكاة ذهبًا إن كان تقويمها به أو فضةً إن كان تقويمها بها عند الشافعي لا يخرج عملة ورقية ولا من البضاعة لا يخرج إلا ذهبا أو فضة يَجِبُ فِى مَذْهَبِه إِخْرَاجُ عَيْنِ الذَّهَبِ أَوْ عَيْنِ الْفِضَّةِ عِنْدَ الزَّكَاةِ وَلَيْسَ شَرْطًا أَنْ يُخْرِجَ جُزْءًا مِنْ عَيْنِ الْمُزَكَّى بَلْ لَهُ أَنْ يُخْرِجَ مِنْ غَيْرِهِ وَلَوْ بِطَرِيقِ الْقَرْضِ أَمَّا عِنْدَ أَبِى حَنِيفَةَ فَيَكْفِى إِخْرَاجُ مَا يُسَاوِى الْقِيمَةَ مِنْ أَىِّ ثَمَنٍ مِنَ الأَثْمَانِ كَالْعُمْلَةِ الْمَعْرُوفَةِ الْيَوْمَ وَيُجْزِئُ أَيْضًا عِنْدَهُ غَيْرُ الأَثْمَانِ مِنَ الْعُرُوضِ.
ولو كان له على غيره دينٌ فإنه يدخل في حساب الزكاة وتضاف قيمته إلى قيمة العروض. ثمّ يشترط لوجوب الزكاة في عروض التجارة أن لا يقطع نيّة التجارة في أثناء الحول فإن قطعها فلا زكاة عليه، أما إن قطع نيّة التجارة بعدما حال الحولُ ففي ماله زكاةٌ لهذا العام الماضي أمّا بالنسبةِ للمستقبل فقد خرج عن كونه مال زكاة. والعبرة في زكاة التجارة بثمن البِضاعة عند حولان الحول باعتبار شراء الناس للبضاعة فالْعِبْرَةُ فِى زَكَاةِ التِّجَارَةِ بِثَمَنِ الْبِضَاعَةِ عِنْدَ حَوَلانِ الْحَوْلِ بِاعْتِبَارِ شِرَاءِ النَّاسِ لِلْبِضَاعَةِ وَلَيْسَ بِاعْتِبَارِ شِرَاءِ التَّاجِرِ لِلْبِضَاعَةِ.
وَهَذَا الْحُكْمُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ يَبِيعُ بِالْجُمْلَةِ وَالْمُفَرَّقِ يَحْسُبُ سِعْرَ الْمَبِيعِ بِالْجُمْلَةِ، فَإِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهَا بِاعْتِبَارِ الْجُمْلَةِ النِّصَابَ وَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ (ومالُ) الشخصين (الخليطين أو) الأشخاص (الخلطاء كمالِ) الشخصِ (المنفردِ فى) قدرِ (النصاب و)القدر (المُخْرَجِ) فإذا حصلت الخلطة وكان المجموع نصابًا أخرجوا جميعًا كما لو كان المالك لهذا المال شخصًا واحدًا فيحسبون النصاب كأنه نصاب شخص واحد وكذا القدر الذي يُخرج زكاة (إذا كمَلت شروط الخُلطة) وهى تُعلم من كتبٍ أكثر بسطا أي تطلب شروط الخلطة في النقد والحَب والثمر والماشية في مواضعها من المبسوطات ثُمَّ إِنَّ الْخُلْطَةَ فِى الْمَاشِيَةِ تُفِيدُ تَخْفِيفًا كَأَرْبَعِينَ شَاةً خُلِطَتْ بِمِثْلِهَا فَإِنَّ فِى ذَلِكَ تَخْفِيفًا عَلَى الْخَلِيطَيْنِ لِأَنَّهُمَا يُخْرِجَانِ شَاةً وَاحِدَةً وَلَوْلا الْخُلْطَةُ لَأَخْرَجَ كُلٌّ مِنْهُمَا شَاةً،
وَتُفِيدُ تَثْقِيلًا كَعِشْرِينَ بِمِثْلِهَا بِأَنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِشْرُونَ شَاةً فَخَلَطَا شِيَاهَهُمَا فَإِنَّهُ تَجِبُ عَلَيْهِمَا شَاةٌ وَاحِدَةٌ لِاكْتِمَالِ النِّصَابِ بِاجْتِمَاعِ مَالَيْهِمَا، وَلَوْلا الْخُلْطَةُ لَمْ تَجِبْ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِيمَا يَخُصُّهُ.
وَقَدْ تُفِيدُ تَخْفِيفًا عَلَى أَحَدِهِمَا وَتَثْقِيلا عَلَى الآخَرِ كَأَرْبَعِينَ بِعِشْرِينَ فَإِنَّ صَاحِبَ الأَرْبَعِينَ اسْتَفَادَ تَخْفِيفًا وَصَاحِبَ الْعِشْرِينَ مَا اسْتَفَادَ إِلَّا تَثْقِيلًا، وَقَدْ لا تُفِيدُ الْخُلْطَةُ تَخْفِيفًا وَلا تَثْقِيلًا كَمَا إِذَا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةُ شَاةٍ. وَأَمَّا فِى غَيْرِ الْمَاشِيَةِ فَلا تُفِيدُ الْخُلْطَةُ إِلَّا تَثْقِيلًا أَوْ لا تَثْقِيلًا وَلا تَخْفِيفًا (وزكاةُ الفطر) إنما
(تجب بإدراك) ءاخرِ (جزء من رمضان) وهو غروب شمس اليوم الأخير منه (و) أولِ (جزءٍ من شوالٍ) وهو حىٌّ حياةً مستقرةً فإذا مات شخص قبل الغروب أو وُلد بعده فلا يجب إخراجُ الزكاة عنه لا تجب فيما حدث بعد الغروب من ولدٍ أو غنًى أو نكاح الزوجة أو إسلام الشخص أو شُكَّ في حدوثه بعد الغروب والمراد بالغنى في هذا الموضع أن يكون للشخص مالٌ يخرجه زكاةً فاضلاً عن دينه ومسكنه وعن قوته وقوت من عليه نفقته يوم العيد وليلته فمن كان عند الغروب حيًّا وكان له مالٌ يفضل عن ذلك فهو غنيٌّ في باب زكاة الفطرة وهى تجب (على كلِّ) شخص (مسلم) حرّ (عليه وعلى من) وجبت (عليه نفقتُهُمْ إذا كانوا) أى من تجب عليه نفقتهم (مسلمين) كزوجته ولو رجعيةً أي طُلِّقت بطلقةٍ أو طلقتين ولم تنتهِ عِدَّتُها والبائنُ الحاملُ وولده الصغير وإن سفل ووالديه الفقيرين وإن علا الوالد ولا يصحُّ إخراج الفطرة عن الأصل الغنيّ والولد البالغ إِلا بإذنه (على كل واحدٍ صاعٌ من غالب قوت البلد) وهو القمح فى بلادٍ كالشام ومصر والرزّ كما فى بعض نواحى الهند وأندنوسيا والذرةُ فى نواح من الحبشة وغيرُ ذلك فى بلاد أخرى فيخرج صاعًا عن نفسه وصاعًا عن كل واحد وجبت عليه نفقتُهُ على ما ذُكر.
وإنما تجب على المسلم (إذا فَضَلَتْ) أى فَضَلَ ما يخرجه للفطرة (عن دَيْنِهِ) ولو مؤجلاً (و)عن (كسوته) وكسوة من عليه نفقته اللائقتين بهم (و)عن (مسكنه) ومسكن من عليه نفقته اللائقَيْنِ بهم (و) عن (قوته وقوت من عليه نفقتهم يومَ العيد وليلتَهُ) المتأخرةَ عنه، ويحرم تأخير دفعها عن غروب شمس يوم العيد بلا عذر يعني بعد العيد ويجوز إخراجها في رمضان ولو أوَّلَ ليلةٍ من رمضان. والسُّنَّة إخراجُها يوم العيد وقبل الصَّلاة أي صلاة العيد فإخراجها لهُ أَوْقَاتٌ خَمْسَةٌ وَقْتُ جَوَازٍ وَهُوَ رَمَضَانُ وَوَقْتُ وُجُوبٍ وَهُوَ غُرُوبُ شَمْسِ ءَاخِرِ يَوْمٍ مِنْهُ وَوَقْتُ فَضِيلَةٍ وَهُوَ قَبْلَ صَلاةِ الْعِيدِ وَوَقْتُ كَرَاهَةٍ وَهُوَ مَا بَعْدَهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَخَّرَهَا لِانْتِظَارِ نَحْوِ قَرِيبٍ وَوَقْتُ حُرْمَةٍ وَهُوَ مَا بَعْدَ غُرُوبِ شَمْسِ يَوْمِ الْعِيدِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَخَّرَهَا لِعُذْرٍ كَغَيْبَةِ مَالِهِ إِلَى مَسَافَةٍ أَقَلَّ مِنْ مَرْحَلَتَيْنِ، فَإِنْ غَابَ مَالُهُ مَرْحَلَتَيْنِ فَأَكْثَرَ فَلا وُجُوبَ مِنْ أَصْلِهِ، وَإِنْ كَانَ فِى مَكَانٍ يَبْعُدُ أَقَلَّ مِنْ مَرْحَلَتَيْنِ فَكَأَنَّهُ حَاضِرٌ.
(وتجب النية) فى القلب (فى جميع أنواع الزكاة) فتكفى (مع الإفراز للقدر المخرجِ) زكاةً كأن ينوىَ أنها زكاةُ مالى المفروضةُ أو صدقةُ مالى الواجبةُ أو أنها زكاةُ بدني، والإفراز هو عزل القدر الذى يريد أن يُزَكّيَهُ عن باقى مالِهِ. فتكفي النية عند عزل الزكاة عن المال أو بعد العزل وقبل التفرقة أو عند التفرقة. إذًا تَجِبُ النِّيَّةُ الْقَلْبِيَّةُ فِى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الزَّكَاةِ كَأَنْ يَقُولَ بِقَلْبِهِ هَذِهِ زَكَاةُ مَالِى أَوْ بَدَنِى أَوْ صَدَقَةُ مَالِى الْمَفْرُوضَةُ أَوْ صَدَقَةُ الْمَالِ الْمَفْرُوضَةُ أَوِ الْوَاجِبَةُ، وَلا يَجِبُ تَعْيِينُ الْمُخْرَجِ عَنْهُ فِى النِّيَّةِ، فَلَوْ لَمْ يَنْوِ إِلَّا بَعْدَ الدَّفْعِ لَمْ تَصِحَّ،
وَتَكْفِى النِّيَّةُ عِنْدَ دَفْعِهَا لِلإِمَامِ أَىِ الْخَلِيفَةِ أَوِ الْوَكِيلِ أَىْ وَكِيلِ الْمُزَكِّى. وَالإِفْرَازُ هُوَ عَزْلُ الْقَدْرِ الَّذِى يَكُونُ زَكَاةً عَنْ مَالِهِ. (ويجب صرفها) أى الزكاةِ (إلى من وُجد فى بلد المال من الأصناف الثمانية) الذين ذكرهم الله تعالى فى القرءان بقوله ﴿إنمـا الصَّدَقاتُ للفقراءِ والمساكينِ والعاملينَ عليها والمُؤَلَّفةِ قلوبُهُمْ وفي الرِّقابِ والغارِمِيْنَ وفي سبيلِ اللهِ وابنِ السَّبيلِ﴾وَلا يَجُوزُ تَسْلِيمُ مَالِ الزَّكَاةِ إِلَّا لِأَمِينٍ يَعْرِفُ مَصَارِفَهَا فَلا يُخْشَى أَنْ يُضَيِّعَهَا وَيَصْرِفَهَا إِلَى نَوَاحٍ أُخْرَى.
وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِى جَوَازِ دَفْعِ الزَّكَاةِ فِى غَيْرِ بَلَدِ الْمَالِ فَالأَفْضَلُ دَفْعُهَا فِى بَلَدِ الْمَالِ فَمَنْ كَانَ يَسْكُنُ طَرَابُلُسَ مَثَلًا وَمَالُهُ هُنَاكَ يَدْفَعُ فِى طَرَابُلُسَ وَلا يَدْفَعُ فِى بَيْرُوتَ. وَهُنَا مَسْئَلَةٌ مُهِمَّةٌ يَنْبَغِى بَيَانُهَا وَهِىَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ لِشَخْصٍ عَلَى ءَاخَرَ مَالٌ فَقَالَ لَهُ الآخَرُ لا أَدْفَعُ لَكَ فَنَوَى الَّذِى وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ بِقَلْبِهِ قَائِلًا
أَجْعَلُ هَذَا الْمَالَ الَّذِى لِى عَلَى فُلانٍ زَكَاةً لِأَنَّهُ فَقِيرٌ مِنْ أَهْلِ الزَّكَاةِ فَهَذَا لا يَصِحُّ لِأَنَّهُ لَمَّا دَفَعَ إِلَيْهِ أَوَّلًا مَا نَوَى بِهِ الزَّكَاةَ إِنَّمَا نَوَى أَنْ يُقْرِضَهُ فَلا بُدَّ أَنْ يَقْبِضَهُ مِنْهُ أَوَّلًا ثُمَّ إِنْ شَاءَ يَدْفَعُهُ لَهُ زَكَاةً (من الفقراء) جمع فقير وهو مَنْ لا نفقةَ على غيره واجبةٌ له فَإِنَّ مَنْ لَهُ نَفَقَةٌ وَاجِبَةٌ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ كَالزَّوْجَةِ وَالأَبَوَيْنِ الْفَقِيرَيْنِ
فَإِنَّهُ مُكْتَفٍ بِإِنْفَاقِ غَيْرِهِ عَلَيْهِ فَالزَّوْجَةُ مُكْتَفِيَةٌ بِإِنْفَاقِ الزَّوْجِ عَلَيْهَا وَالأَبَوَانِ الْفَقِيرَانِ مُكْتَفِيَانِ بِإِنْفَاقِ الْوَلَدِ الْمُوسِرِ عَلَيْهِمَا فَلا يُعَدُّونَ فُقَرَاءَ فِى بَابِ الزَّكَاةِ ولا يجد إلا أقل من نصف كفايته كالذى يحتاج لعشرة ولا يجد إلا أربعة فأقل (والمساكين) جمع مسكين وهو الذى له ما يسد مسدًا من حاجته لكنه لا يكفيه كفايةً لائقةً بحاله كمن يحتاجُ إلى عشرة فلا يجد إلا ثمانيةً (والعاملين عليها) أى على الزكاة جمع عامل وهو من استعمله الإمام أي الخليفة على أخذ الزكوات من أصحاب الأموال ودفعها لمستحقيها ونحوِ ذلك ولم يجعل له أجرةً من بيت المال (والمؤلفةِ قلوبهم) وهم أقسام منها من كان كافرًا ثم أسلم ولم يتآلف مع المسلمينَ بعدُ فَيُعْطَى من مال الزكاة حتى تقوى نيتُهُ بالإسلام والمؤلَّفة قلوبهم هم من كان ضعيف النيّة في أهل الإِسلام أي بين المسلمين بأن يكون دخل في الإِسلام وفي نفسه وحشةٌ من المسلمين أي لم يتآلف مع المسلمين فيُعطى حتى تقوى نيّته بالإسلام من الزكاة أو يكونَ شريفًا في قومه يُتوقّع بإعطائه إسلامُ نظرائه فهذا أيضًا داخلٌ في المؤلَّفة قلوبهم حتى إذا أُعطي هذا يرغب أولئك الذين هم أمثاله من الكفّار أن يدخلوا في الإسلام.
وكذلك يُعَدُّ من المؤلَّفة قلوبهم من يكفُّ عنا شر من يليه من كفارٍ ومانعي الزكاة فيعطى لهذه المصلحة من الزكاة (وفى الرقاب) وهم الأرقاءُ المكاتَبون كتابةً صحيحةً أى الذين تشارطوا مع أسيادهم على أن تكون لهم الحرية إذا دفعوا لهم قدرًا معينًا من المال فهؤلاء يُعْطَوْنَ من مال الزكاة لإعانتهم على الحرية (والغارمين وهم المدينون العاجزون عن الوفاء) أى الذين استدانوا مالاً من غيرهم فى غير معصيةٍ ثم حلَّ الدينُ وعجزوا عن رَدّه أو استدانوا فى معصيةٍ وتابوا
وظهرت علامات صدقهم وعجزوا عن الردّ (وفى سبيل الله وهم الغزاة المتطوعون) بالجهاد ولو كانوا أغنياءَ فيُعْطَوْنَ ما يحتاجونه للجهاد بخلاف من كان له سهمٌ فى ديوان المرْتَزِقَةِ والمرتَزِقَةُ الأجنَادُ المرصودون في الديوان للجهاد وسمُّوا بذلك لأنهم أرصدوا نفوسهم للذبّ أي للدفاع عن الدِّين وطلب الرزق من ماله تعالى (وليس معناه كلَّ عملٍ خيري) فلا يجوز دفع الزكاة لبناء مستشفى أو مسجد أو مدرسة بدعوى أن ذلك عملُ خيرٍ فى سبيل الله لأنه ثبت أنّ المقصود من سبيل الله فى الآية ما ذكرنا (و)تُصرف الزكاة أيضًا إلى (ابن السبيل وهو المسافر) أو مريد السفر (الذى ليس معه ما يوصله إلى مَقْصِدِهِ) فَيُعْطَى من مال الزكاة ما يكفيه إذا كان سفره مباحًا ولو لنـزهة (ولا يجوز ولا يجزئ صرفها) أى الزكاةِ (لغيرهم) أى لغير المستحقين لها وهم الأصناف الثمانية الذين ذكرهم الله فى القرءان وإنما تُصْرَفُ إليهم بشرط أن يكونوا مسلمين من غير بنى هاشم وبنى المطلب وأما بنو هاشم وبنو المطلب فلا تحلُّ لهم الزكاة ولو كانوا فقراء.
رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بنِ رَبِيعَةَ بنِ الْحَارِثِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «إِنَّ الصَّدَقَةَ لا تَنْبَغِى لِآلِ مُحَمَّدٍ إِنَّمَا هِىَ أَوْسَاخُ النَّاسِ» وَفِى رِوَايَةٍ «وَإِنَّهَا لا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلا لِآلِ مُحَمَّدٍ» وَالْمُرَادُ بِالصَّدَقَةِ الزَّكَاةُ لِأَنَّهَا لا تَحِلُّ لِلْجِهَتَيْنِ، أَمَّا صَدَقَةُ التَّطَوُّعِ فَهِىَ حَرَامٌ عَلَى الرَّسُولِ فَقَطْ عَلَى الْمُعْتَمَدِ.
وَقَوْلُهُ «إِنَّمَا هِىَ أَوْسَاخُ النَّاسِ» مَعْنَاهُ هِىَ طُهْرَةٌ لِذُنُوبِ النَّاسِ شُبِّهَتِ الزَّكَاةُ بِالْمَاءِ الَّذِى يُغْسَلُ بِهِ الْوَسَخُ وَالنَّجَاسَةُ فَالزَّكَاةُ تُطَهِّرُ مُزَكِّيَهَا كَمَا يُطَهِّرُ الْمَاءُ الطَّهُورُ مَحَلَّ النَّجَاسَةِ. فَلَمْ تَكُنْ لائِقَةً بِأَهْلِ الْبَيْتِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ تَنْبِيهٌ مُهِمٌّ تَعَوَّدَ بَعْضُ النَّاسِ بَعْدَ دَفْعِ الزَّكَاةِ أَنْ يَسْتَرِدُّوهَا بِشِرَائِهَا بِثَمَنٍ قَلِيلٍ مِنَ الَّذِى دَفَعُوهَا لَهُ وَهَذَا عَمَلٌ قَبِيحٌ لا يَنْبَغِى لِلإِنْسَانِ أَنْ يُعِيدَ زَكَاتَهُ أَوْ صَدَقَتَهُ الَّتِى فِيهَا تَطَوُّعٌ لا بِشِرَاءٍ وَلا بِغَيْرِ شِرَاءٍ هَذَا عَمَلٌ خَبِيثٌ وَقَدْ وَرَدَ فِى الْحَدِيثِ الَّذِى أَخْرَجَهُ الْبُخَارِىُّ أَنَّ الَّذِى يَعُودُ فِى صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِى قَيْئِهِ.
فَالَّذِى يَعُودُ فِى هِبَتِهِ يَكُونُ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِى قَيْئِهِ، وَيَدْخُلُ تَحْتَ هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِى يَعُودُ بِزَكَاةِ مَالِهِ بَعْدَمَا دَفَعَهَا، وَهَؤُلاءِ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ سَاقَهَمْ إِلَى ذَلِكَ حُبُّ التَّنَعُّمِ فَيُقَالُ لَهُمُ الَّذِى يَدْفَعُ زَكَاةَ مَالِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرْجِعَ فِيهَا قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِأَنْ يُبَارِكَ اللَّهُ لَهُ فِى مَالِهِ وَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلِأَنْ يَدْفَعَ اللَّهُ عَنْهُ بَلايَا كَبِيرَةً لَوْ نَزَلَتْ بِهِ لَصَرَفَ أَضْعَافَ أَضْعَافِ هَذَا الْمَالِ الَّذِى أَرَادَ اسْتِرْدَادَهُ بَلِ الَّذِى يَفْعَلُ تِلْكَ الْحِيلَةَ لِيَسْتَرِدَّ مَالَهُ الَّذِى دَفَعَهُ تَذْهَبُ الْبَرَكَةُ مِنْ مَالِهِ.
كتاب (الصيام) بعد أن أنهى المصنف رحمه الله تعالى الكلام على الزكاة شرع فى الكلام على الصيام وهو إمساكٌ عن المفطِّرات كلَّ النهار بنيةٍ على وجه مخصوص فقال (فصلٌ) فى بيان أحكام الصيام وما يتبع ذلك. (يجب صوم شهر رمضان) بشهادة عدلٍ أي ظاهر العدالة فلا يشترط أن تكون ثبتت عدالته عند القاضي والمقصود هنا هو المسلم الذكر الحر الذي سلم من الكبائر ومن غلبة الصغائر على طاعاته مع كونه ملتزمًا بمروءة أمثاله أي محافظًا على أخلاق أهل الفضل من أمثاله أنه رأى هلالَ
رمضانَ والمراد الرؤية بالعين المجردة فَإِذَا شَهِدَ عَدْلٌ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ بِأَنَّهُ شَاهَدَ هِلالَ رَمَضَانَ ثَبَتَ الصِّيَامُ فِى حَقِّ نَفْسِهِ وَفِى حَقِّ غَيْرِهِ وَشَهَادَتُهُ تَكُونُ بِأَنْ يَقُولَ أَشْهَدُ أَنِّى رَأَيْتُ هِلالَ رَمَضَانَ اللَّيْلَةَ أَمَّا لَوْ قَالَ عَلِمْتُ أَنَّهُ هِلالُ رَمَضَانَ اللَّيْلَةَ فَلا يَثْبُتُ بِقَوْلِهِ هَذَا أو باستكمال شعبان ثلاثين لحديث النبي صلى الله عليه وسلم فالنبيُّ صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ
قال «لا تَقدَّموا رمضان بصومِ يوم أو يومين» رواه مسلم وقال أيضًا «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غُمَّ عليكم فأَكْمِلُوا عِدّةَ شعبانَ ثلاثين» رواه البخاري (على كل) شخصٍ (مسلمٍ مكلفٍ) قادرٍ على الصيام فلا يجب على كافرٍ أصلىٍ وجوب مطالبة في الدنيا وإن كان يجب عليه وجوب عقاب على تركه في الآخرة والراجح أنّ الكفار مخاطبون بفروع الشريعة وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقْضِىَ مَا فَاتَهُ مِنَ الصِّيَامِ فِى أَيَّامِ رِدَّتِهِ هَذَا عِنْدَ الإِمَامِ الشَّافِعِىِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَمَّا عِنْدَ الأَئِمَّةِ الثَّلاثَةِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ ابنِ حَنْبَلٍ وَأَبِى حَنِيفَةَ فَلا يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاءُ الصِّيَامِ ومجنونٍ وصبىٍ إلا أنه يجب على ولى الصبىّ والصبية المميزين أن يأمرهما بالصيام بعد سبع سنين إذا أطاقا الصيام ويضربهما على تركه بعد عشر كما مرّ فى الصلاة ولا يجب على من لا يطيق الصيام لِكِبَرٍ أو مرض.
