وَأَمَّا الْمُرْتَدُّ فَيُخَاطَبُ بِهِمَا خِطَابَ لُزُومٍ فَإِنْ كَانَ مُسْتَطِيعًا فِى حَالِ رِدَّتِهِ ثُمَّ أَسْلَمَ وَقَدِ افْتَقَرَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ ثَبَتَ فِى ذِمَّتِهِ، وَلَوْ مَاتَ فِى زَمَنِ اسْتِطَاعَتِهِ مُرْتَدًّا لَمْ يُحَجَّ عَنْهُ. وَيُعْلَمُ أَيْضًا أَنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لا يَجِبَانِ عَلَى الْقِنِّ وَالْقِنُّ هُوَ الْعَبْدُ الْمَمْلُوكُ كُلُّهُ، وَكَذَلِكَ غَيْرُ الْمُكَلَّفِ لا يَجِبَانِ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ غَيْرُ الْمُسْتَطِيعِ وَإِنْ كَانَ لَوْ تَكَلَّفَ بِاسْتِدَانَةٍ أَوْ غَيْرِهَا أَجْزَأَهُ وَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ.
وَالصَّبِىُّ الَّذِى حَجَّ فِى حَالِ الصِّبَا إِذَا بَلَغَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْحَجِّ يُعِيدُ الْحَجَّ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَذَلِكَ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَيُّمَا صَبِىٍّ حَجَّ ثُمَّ بَلَغَ الْحِنْثَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى وَأَيُّمَا عَبْدٍ حَجَّ ثُمَّ أُعْتِقَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ حَجَّةً أُخْرَى» رَوَاهُ ابْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَالْبَيْهَقِىُّ (وأركانُ الحجّ ستةٌ) ونعنى بالركن فى باب الحجّ الأعمالَ التى لا يصحّ الحج بدونها ولا تُجْبَرُ بالدم فالركنُ (الأولُ الإحرامُ وهو) نيةُ الدخول فى النسك والنُّسك هو عملُ الحج أو عملُ العمرةِ وكيفيةُ ذلك (أن يقول بقلبه دخلتُ فى عَمَلِ الحج) مثلاً إن أراد الحج (أو) فى عَمَلِ (العمرة) إن أراد العمرة وله أن يقرن فى النية بينهما.
الأَرْكَانُ وَهِىَ الأَعْمَالُ الَّتِى لا يَصِحُّ الْحَجُّ بِدُونِهَا وَلا تُجْبَرُ بِالدَّمِ، وَهِىَ سِتَّةٌ أَوَّلُهَا الإِحْرَامُ وَمَعْنَى الإِحْرَامِ نِيَّةُ الدُّخُولِ فِى النُّسُكِ، وَالنُّسُكُ هُوَ عَمَلُ الْحَجِّ أَوْ عَمَلُ الْعُمْرَةِ، فَلا تَجِبُ نِيَّةُ الْفَرْضِيَّةِ فِى الْحَجِّ الْفَرْضِ إِنَّمَا الْوَاجِبُ أَنْ يَقُولَ فِى قَلْبِهِ دَخَلْتُ فِى النُّسُكِ ويُسنُّ قبل الإحرام الاغتسال وتطييب البدن وهو سنَّةٌ للرِّجال والنساء، وأفضلُ الطيب المسكُ المخلوط بماء الورد ثم بعد ذلك ليس عليه بأسٌ في استبقائه عليه لأنه في سنن أبي داود أن عائشة رضي الله عنها قالت «كُنَّا نخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكَّة فنُضمِّخ جباهنا بالمسك للإِحرام فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيرى رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك فلا ينهانا». أمَّا الثوب فتطييبه مكروهٌ لكن لو فعل ذلك لا يحرم عليه أن يستمرَّ على لُبس هذا الثوب، ولو نزع هذا الثوب المطيَّب عن جسمه فيحرمُ عليه إعادته إليه وتلزمه فديةٌ إن فعل.
ثُمَّ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ يُسَنُّ لَهُمَا صَلاةُ رَكْعَتَيْنِ بِسُورَتَىِ الْكَافِرُونَ وَالإِخْلاصِ وَذَلِكَ قَبْلَ الإِحْرَامِ، ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَيَقُولُ فِى نَفْسِهِ دَخَلْتُ فِى عَمَلِ الْحَجِّ أَوْ عَمَلِ الْعُمْرَةِ أَوْ فِى أَعْمَالِهِمَا عَمَلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، وَيَقُولُ بِلِسَانِهِ بِصَوْتٍ خَفِيفٍ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ بِحَجٍّ أَوْ بِعُمْرَةٍ أَوْ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُسَنُّ لِلرِّجَالِ أَنْ يَجْهَرُوا بِالتَّلْبِيَةِ أَىْ أَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ رَفْعًا قَوِيًّا، أَمَّا النِّسَاءُ فَلا يَرْفَعْنَ أَصْوَاتَهُنَّ بِالتَّلْبِيَةِ لا فِى الْمَرَّةِ الأُولَى وَلا فِيمَا بَعْدَهَا.
وَلا يَحْرُمُ عَلَيْهِنَّ رَفْعُ أَصْوَاتِهِنَّ لِأَنَّ صَوْتَ الْمَرْأَةِ لَيْسَ عَوْرَةً لَكِنْ لا يُسَنُّ ثُمَّ هَذِهِ التَّلْبِيَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَمَنْ تَرَكَهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِثْمٌ وَقِيلَ إِنَّهُ يَأْثَمُ لَكِنَّهَا لَيْسَتْ رُكْنًا لِلْحَجِّ.
وَأَكْمَلُ التَّلْبِيَةِ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لا شَرِيكَ لَكَ (و)الركن (الثانى) من أركان الحج هو (الوقوف بعرفة) أى أن يكون بأىّ جزءٍ من أرض عرفة لحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «عرفة كلها موقف» ولو كان مارًّا لم يمكث فيها أو كان نائمًا. ثُمَّ السُّنَّةُ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى مِنًى يَوْمَ الثَّامِنِ مِنْ ذِى الْحِجَّةِ ويسمَّى يومَ الترويةِ فَيَبِيتَ فِيهَا وَيُصَلِّىَ فِيهَا خَمْسَ صَلَوَاتٍ ءَاخِرُهَا صُبْحُ يَوْمِ عَرَفَةَ، ثُمَّ يَذْهَبُ بَعْدَ الإِشْرَاقِ إِلَى نَمِرَةَ وَهِىَ أَرْضٌ مُلاصِقَةٌ لِعَرَفَةَ وَيَمْكُثُ فِيهَا إِلَى أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ ثُمَّ يَنْتَقِلُ مِنْ نَمِرَةَ إِلَى الْمَسْجِدِ وَهَذَا الْمَسْجِدُ جُزْءٌ مِنْهُ مِنْ عَرَفَةَ وَجُزْءٌ مِنْهُ لَيْسَ مِنْهَا ثُمَّ يَدْخُلُ عَرَفَةَ فيما (بين زوالِ شمسِ يومِ عرفة) وهو اليومُ التاسعُ من ذى الحجة (إلى فجر ليلة العيد) أى إلى فجر العاشر من ذى الحجة.
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «الْحَجُّ عَرَفَةُ» رَوَاهُ الأَرْبَعَةُ أَبُو دَاوُدَ فِى سُنَنِهِ وَالتِّرْمِذِىُّ فِى سُنَنِهِ وَالنَّسَائِىُّ فِى سُنَنِهِ وَابْنُ مَاجَه فِى سُنَنِهِ أَىْ أَنَّ مِنْ أَهَمِّ أَرْكَانِ الْحَجِّ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ لِأَنَّ الْوُقُوفَ وَقْتُهُ قَصِيرٌ. ثم الأفضل للرجال أن يقفوا في موقف رسول الله صلى الله عليه وسلم عند الصخرات الكبار المفتَرَشة أسفل جبل الرحمة وللنساء حاشية الموقف حتى لا يزاحمن الرجال، ويُسنّ الجمع بين الليل والنهار وعلى قول يجب الجمع بينهما في عرفات فإن ترَكَ ذلك كان على قول مكروهًا وعلى قول حرامًا، ثم يرحل من عرفات إلى مزدلفة وَهِىَ أَرْضٌ بَيْنَ مِنًى وَعَرَفَات.
والركنُ (الثالثُ الطوافُ بالبيت) سبعًا ويدخل وقته بعد منتصف ليلة العاشر من ذى الحجة. ولا يصح إلا بعد انتصاف ليلةِ النّحرِ وهي ليلةُ العاشر من ذي الحجة أَىْ لَيْلَةُ الْعِيدِ، وَالْبَيْتُ يُرَادُ بِهِ الْكَعْبَةُ وَيُسَمَّى الْقِبْلَةَ وَكَانَ الْبَيْتُ قِبْلَةَ ءَادَمَ وَمَنْ بَعْدَهُ مِنَ الأَنْبِيَاءِ إِلَى عَهْدِ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ ﷺ لَكِنَّ النَّبِىَّ ﷺ أُمِرَ بِاسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فِى صَلاتِهِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ ثُمَّ أُمِرَ بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ فَلا تَزَالُ الْقِبْلَةُ عَلَى ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَهَلْ كَانَ النَّبِىُّ يُصَلِّى إِلَى الْكَعْبَةِ قَبْلَ هَذِهِ الْمُدَّةِ أَمْ كَانَ يُصَلِّى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فِيهِ رَأْيَانِ.
ومعنى الطواف هنا أن يدورَ الحاج حول الكعبة سبع مرّات وقد جعل البيت أي الكعبة عن يساره مارًّا لجهة الحِجْر بكسر الحاء وسكون الجيم، فإن جعل البيت عن يمينه ومشى أمامه أو مشى القَهْقَرى أي إلى خلف أو جَعَلَ البيت أمامه واستقبلهُ بصدره أو جعله عن يساره ومشى القهقرى لم يصحّ طوافُه. ومن شروط الطواف أن يبدأ بالحجر الأسود وأن يحاذيه كلَّه أو بعضه في أوّل طوافه، فيجب في الابتداء أن لا يتقدّم جزءٌ منه على جزء من الحَجَـر بفتح الحاء والجيـم ممّا يلي الباب ومنها النيّة إن لم يكن الطَّوافُ داخلاً في النسك بأن لم يكن بإحرام بل كان بغيرِ إحرامٍ بحج أو عمرة فإنَّه حينئذٍ تجب النيّة فلا يصحّ الطواف بدونها.
ومنها أن يكون عدد الطَوْفات سبعًا يقينًا فلو شك في العدد أخذ بالأقلّ كالصلاة. ومنها أن يكون داخل المسجد ولو على سطحه وأن يكون الطَّواف بالكعبة خارجَها وخارجَ الشاذَروانِ والحِجْرِ بجميع بدنه. والشَّاذَروان جزء من أساس الكعبة مرتفع قدر ذراع تقريبًا فهو من الكعبةِ لذلك لا يجوز أن يطوف الإنسان وشىء من بدنه محاذٍ له ومنها الطهارة عن الحدثين والنجاسة التي لا يعفى عنها.
وَمِنْ سُنَنِ الطَّوَافِ الْمَشْىُ وَإِنْ كَانَ الرُّكُوبُ جَائِزًا لَكِنَّ الْمَشْىَ أَفْضَلُ حَتَّى لِلنِّسَاءِ. وَالْحَفَاءُ أَىْ أَنْ يَكُونَ حَافِيًا وَلَوْ طَافَ لابِسًا حِذَاءً نَظِيفًا طَاهِرًا جَازَ بِلا كَرَاهَةٍ لَكِنَّهُ خِلافُ الأُولَى إِلَّا لِعُذْرٍ كِشِدَّةِ حَرٍّ بَلْ يَحْرُمُ حِينَئِذٍ إِنْ تَضَرَّرَ بِهِ، وَسُنِّيَّةُ الْحَفَاءِ لا تَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ. وَتَقْصِيرُ الْخُطَى أَىْ كَوْنُهَا مُتَقَارِبَةً. وَاسْتِلامُ الْحَجَرِ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَقْبِيلُهُ بِلا صَوْتٍ لِأَنَّ الرَّسُولَ قَبَّلَهُ وَوَضَعَ جَبْهَتَهُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَظْهَرَ لَهُ صَوْتٌ، وَيُسَنُّ وَضْعُ جَبْهَتِهِ عَلَيْهِ وَتَكْرِيرُ كُلٍّ مِنْهَا ثَلاثًا فِى كُلِّ طَوْفَةٍ وَالأَوْتَارُ ءَاكَدُ.
وَلا يُسَنُّ لِغَيْرِ الذَّكَرِ اسْتِلامٌ وَتَقْبِيلٌ وَوَضْعُ جَبْهَةٍ إِلَّا بِخَلْوَةِ الْمَطَافِ عَنِ الأَجَانِبِ أَىْ إِلَّا إِذَا وَجَدَتِ الْمَرْأَةُ وَقْتًا يَخْلُو الْمَطَافُ فِيهِ مِمَّنْ هُوَ مِنْ غَيْرِ مَحَارِمِهَا، وَيُسَنُّ اسْتِلامُ الرُّكْنِ الْيَمَانِىِّ، وَيُبَاحُ تَقْبِيلُ الشَّامِيَّيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَجْزَاءِ الْبَيْتِ.
وَالأَذْكَارُ الْمَأْثُورَةُ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ أَوْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فَإِنَّهَا أَفْضَلُ فِيهِ، فَمِنَ الْمَأْثُورِ «رَبَّنَا ءَاتِنَا فِى الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِى الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِى سُنَنِهِ إِذْ ثَبَتَ أَنَّهَا أَكْثَرُ دَعْوَةٍ كَانَ يَدْعُو بِهَا النَّبِىُّ ﷺ فِى الْحَجِّ وَغَيْرِهِ. وَمَنْ شَغَلَ وَقْتَ طَوَافِهِ بِقِرَاءَةِ الْقُرْءَانِ كَانَ حَسَنًا. وَالرَّمَلُ وَالِاضْطِبَاعُ لِلرِّجَالِ، فَيُسَنُّ الرَّمَلُ وَهُوَ الإِسْرَاعُ مَعَ تَقَارُبِ الْخُطَى فِى الأَشْوَاطِ الثَّلاثَةِ الأُوَلِ، أَمَّا بَاقِى الأَشْوَاطِ فَيَمْشُونَهَا كَالْعَادَةِ،
وَأَمَّا النِّسَاءُ فَيَمْشِينَ كَالْعَادَةِ فِى جَمِيعِ الطَّوَافِ. وَالِاضْطِبَاعُ هُوَ أَنْ يُخْرِجَ أَحَدَ جَانِبَىْ رِدَائِهِ مِنْ تَحْتِ إِبْطِهِ الأَيْمَنِ وَيُلْقِيَهُ عَلَى الْكَتِفِ الأَيْسَرِ. وَأَمَّا النِّسَاءُ فَيُسَنُّ لَهُنَّ أَنْ يَلْبَسْنَ فَوْقَ الْخِمَارِ الْجِلْبَابَ.
وَالْقُرْبُ مِنَ الْبَيْتِ. وَالْمُوَالاةُ بَيْنَ الطَّوْفَاتِ، وَلَوْ لَمْ يُوَالِ بَلْ جَلَسَ لِلِاسْتِرَاحَةِ فِى أَثْنَاءِ الطَّوْفَاتِ أَوْ لِيَشْرِبَ شَيْئًا جَازَ، وَأَمَّا لَوْ طَافَ جُزْءًا ثُمَّ فِى الْيَوْمِ الثَّانِى أَكْمَلَ الْبَقِيَّةَ فَفِيهِ خِلافٌ. وَصَلاةُ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَهُ، وَالأَفْضَلُ فِعْلُهُمَا خَلْفَ الْمَقَامِ أَىْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ ثُمَّ فِى الْكَعْبَةِ فَإِنْ لَمْ يُصَلِّ فِى الْكَعْبَةِ فَتَحْتَ الْمِيزَابِ الَّذِى يُسَمَّى مِيزَابَ الرَّحْمَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَبَقِيَّةِ الْحِجْرِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَبَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَوَجْهِ الْكَعْبَةِ أَيْنَمَا كَانَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فَبَيْنَ الْيَمَانِيَّيْنِ ثُمَّ بَقِيَّةِ الْمَسْجِدِ أَيْنَمَا كَانَ فِى ضِمْنِ الْمَسْجِدِ ثُمَّ دَارِ خَدِيجَةَ ثُمَّ بَقِيَّةِ مَكَّةَ ثُمَّ سَائِرِ الْحَرَمِ. ثُمَّ هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ فَمَنْ تَرَكَ رَكْعَتَىِ الطَّوَافِ كَانَ ذَلِكَ مَكْرُوهًا، وَفِى قَوْلٍ مَنْ لَمْ يُصَلِّهِمَا عَلَيْهِ دَمٌ.
ثُمَّ لَوْ صَلَّى فَرْضًا مَا أَوْ نَفْلًا مَا بَدَلَ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ عَقِبَ الطَّوَافِ حَصَلَ الثَّوَابُ لَكِنْ أَقَلُّ مِمَّا لَوْ صَلَّى بِنِيَّةِ رَكْعَتَىِ الطَّوَافِ، وَمَنْ نَوَى بِتِلْكَ الصَّلاةِ سُنَّةَ الطَّوَافِ وَغَيْرَهَا حَصَلَ لَهُ الثَّوَابُ. فَائِدَةٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ هُوَ حَجَرٌ كَانَ يَقِفُ عَلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ عِنْدَ بِنَائِهِ لِلْكَعْبَةِ وَكَانَ فِى زَمَنِ الرَّسُولِ ﷺ مُلْتَصِقًا بِالْكَعْبَةِ بَيْنَ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ وَبَيْنَ بَابِ الْكَعْبَةِ ثُمَّ أَزَاحَهُ السَّيْلُ عَنْ مَكَانِهِ فَبَقِىَ فِى ذَلِكَ الْمَكَانِ، وَالآنَ فِى عَصْرِنَا هَذَا مِنْ أَجْلِ تَوْسِيعِ الْمَطَافِ عَلَى النَّاسِ أُزِيحَ مِنْ مَكَانِهِ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَ،
وَهَذَا الْحَجَرُ كَانَ أَصْلُهُ مِنَ الْجَنَّةِ كَالْحَجَرِ الأَسْوَدِ، وَوَرَدَ أَنَّ الْمَقَامَ وَالْحَجَرَ الأَسْوَدَ نَزَلا مِنَ الْجَنَّةِ وَهُمَا يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَوَاقِيتِ الْجَنَّةِ ثُمَّ طَمَسَ اللَّهُ نُورَهُمَا وَلَوْلا ذَلِكَ لَأَضَاءَتا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ رَوَاهُ البيهقيُّ وَغَيْرُهُ ثُمَّ اسْوَدَّ مِنْ تَمَسُّحِ الْمُشْرِكِينَ بِهِ وَذَلِكَ بَعْدَمَا كَفَرَ أَهْلُ مَكَّةَ بِعِبَادَةِ الْوَثَنِ بَعْدَ إِسْمَاعِيلَ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ لِيَكُونَ ذَلِكَ عِبْرَةً.
فَائِدَةٌ الْحِجْرُ بِالْكَسْرِ يُقَابِلُ بِلادَ الشَّامِ أَمَّا الرُّكْنُ الْيَمَانِىُّ وَرُكْنُ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ فَيُقَابِلانِ الْيَمَنَ وَالْحَبَشَةَ وَمَا يُسَامِتُهُمَا مِنَ الْبِلادِ الْجَنُوبِيَّةِ وَيُقَالُ لَهُمَا الرُّكْنَانِ الْيَمَانِيَّانِ، وَيُقَالُ فِيمَا يُقَابِلُهُمَا الرُّكْنَانِ الشَّامِيَّانِ، فَالْكَعْبَةُ لَهَا أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ رُكْنَانِ شَامِيَّانِ وَرُكْنَانِ يَمَانِيَّانِ، فَالَّذِينَ يَكُونُونَ فِى جِهَةِ الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ قِبْلَتُهُمْ إِلَى الْجَنُوبِ وَالَّذِينَ يَكُونُونَ فِى جِهَةِ الرُّكْنَيْنِ الْيَمَانِيَّيْنِ قِبْلَتُهُمْ إِلَى الشَّمَالِ، وَأَهْلُ الشَّامِ إِذَا تَوَجَّهُوا إِلَى الْجَنُوبِ يَكُونُونَ تَوَجَّهُوا إِلَى مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ الشَّامِيَّيْنِ مِنَ الْكَعْبَةِ.
فَائِدَةٌ الطَّوَافُ أَمْرٌ تَعَبُّدِىٌّ وَالأُمُورُ التَّعَبُدِيَّةُ فِيهَا إِظْهَارُ انْقِيَادِ الْعَبْدِ لِرَبِّهِ مِنْ دُونِ تَوَقُّفٍ عَلَى سَبَبٍ ظَاهِرٍ وَهَذَا جَوَابُ مَنْ يَقُولُ لِمَاذَا الطَّوَافُ سَبْعَةُ أَشْوَاطٍ وَلَيْسَ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ.
وَالْحِكْمَةُ مِنَ الطَّوَافِ إِظْهَارُ الثَّبَاتِ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ كَأَنَّ الطَّائِفَ يَقُولُ مَهْمَا دُرْتُ وَحَيْثُ مَا كُنْتُ أَثْبُتُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ. والركنُ (الرابع السعى بين) جبل (الصفا و)جبل (المروةِ سبعَ مراتٍ) يبتدئ بالصفا وينتهى بالمروةِ ويكون السعىُ (من العَقْدِ إلى العَقْدِ) وهو العلامة التى كانت جُعلت فى كلٍّ من الصفا والمروة للدلالة على الموضع الذى لا بدَّ من الوصول إليه ليصح السَّعْىُ وقد هُدمت فى أيامنا وجُعل بدلها علامة أخرى.
والصفا جبلٌ والمروة جبل كان بينهما وادٍ منخفضٌ ثم هذا الوادي طُمَّ بالتراب والحجارة فصارت الأرض سهلة. فالسَّعْىُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ لا يَصِحُّ الْحَجُّ بِدُونِهِ، وَوَاجِبَاتُهُ أَرْبَعَةٌ الأَوَّلُ الْبَدَاءَةُ فِى الأَوْتَارِ بِالصَّفَا وَفِى الأَشْفَاعِ بِالْمَرْوَةِ وَالْعَقْدُ الَّذِى عَلَى الصَّفَا وَقَدْ أُزِيلَ فِى هَذَا الزَّمَنِ عَلامَةٌ عَلَى أَوَّلِهَا وَالْعَقْدُ هُوَ الْمَبْنَى الْمُقَوَّسُ فَمَنْ شَاءَ اقْتَصَرَ عَلَى ذَلِكَ وَمَنْ شَاءَ يَصْعَدُ إِلَى مَا فَوْقَهُ مِنَ الصَّخَرَاتِ وَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ وَبَدَأَ بِالْعَقْدِ صَحَّ.
وَالصَّفَا جَبَلٌ وَالْمَرْوَةُ جَبَلٌ كَانَ بَيْنَهُمَا وَادٍ مُنْخَفِضٌ ثُمَّ هَذَا الْوَادِى طُمَّ بِالتُّرَابِ وَالْحِجَارَةِ فَصَارَتِ الأَرْضُ سَهْلَةً. الثَّانِى كَوْنُهُ بَعْدَ الطَّوَافِ الثَّالِثُ كَوْنُهُ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ وَأَمَّا لَوْ خَرَجَ مِنْ نِصْفِ الشَّوْطِ إِلَى خَارِجِ الْمَسْعَى وَلَمْ يَعُدْ إِلَى حَيْثُ كَانَ بَلْ أَكْمَلَ إِلَى أَمَامِهِ لَمْ يَصِحَّ هَذَا الشَّوْطُ فَإِنْ أَتَى بِغَيْرِ هَذَا الشَّوْطِ صَحَّ فَإِنْ تَأَخَّرَ إِلَى الْغَدِ أَعَادَ السَّعْىَ كُلَّهُ.
وَمَنْ زَادَ فِى عَدَدِ أَشْوَاطِ السَّعْىِ عَامِدًا فَعَلَيْهِ مَعْصِيَةٌ لِأَنَّهَا عِبَادَةٌ فَاسِدَةٌ وَأَمَّا مَنْ شَكَّ فِى عَدَدِ الأَشْوَاطِ يَأْخُذُ بِالْيَقِينِ. وَتُسْتَحَبُّ الْمُوَالاةُ فِى السَّعْىِ وَيُسَنُّ أَنْ يَقُولَ فِى أَثْنَاءِ السَّعْىِ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمْ إِنَّكَ أَنْتَ الأَعَزُّ الأَكْرَم، وَيُسْتَحَبُّ لِلرِّجَالِ الْهَرْوَلَةُ بَيْنَ الْعَلَمَيْنِ الأَخْضَرَيْنِ (و)الركنُ الخامسُ (الحلقُ) وهو استئصالُ الشعر بالموسى (أو التقصيرُ) وهو أن يُؤْخَذَ منه ثلاثُ شعراتٍ أو أكثرُ من غيرِ استئصالٍ ويدخل وقته بعد منتصف ليلة العيد وَالْحَلْقُ هُوَ اسْتِئْصَالُ الشَّعَرِ بِالْمُوسَى وَالتَّقْصِيرُ هُوَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنَ الشَّعَرِ شَىْءٌ قَلِيلٌ أَوْ كَثِيرٌ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْصَالٍ فَفِعْلُ أَحَدِ هَذَيْنِ فَرْضٌ مِنْ فُرُوضِ الْحَجِّ وَالتَّقْصِيرُ فِى الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مِنْ شَعَرِ الرَّأْسِ وَلَوْ كَانَ مُتَدَلِّيًا عَلَى الْكَتِفَيْنِ فَقَصَّ مِنَ الْقَدْرِ الْمُتَدَلِّى صَحَّ، أَمَّا لَوْ قَصَّ مِمَّا نَبَتَ خَارِجَ حَدِّ الرَّأْسِ فَلا يَكْفِى.
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ». قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِلْمُقَصِّرِينَ قَالَ «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ». قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِلْمُقَصِّرِينَ قَالَ «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُحَلِّقِينَ». قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلِلْمُقَصِّرِينَ قَالَ «وَلِلْمُقَصِّرِينَ» رواه البخاري. أَعَادَ ذِكْرَ الْمُحَلِّقِينَ ثلاثًا لِتَأْكِيدِ أَفْضَلِيَّتِهِ. وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ أَنَّهُ حَلَقَ فِى غَيْرِ النُّسُكِ إِنَّمَا كَانَ يُقَصِّرُ أَحْيَانًا كَانَ يَصِلُ شَعَرُهُ إِلَى شَحْمَةِ أُذُنِهِ وَأَحْيَانًا إِلَى مَنْكِبَيْهِ.
أَمَّا النِّسَاءُ فَقَدْ جاءَ في الحديثِ عن عَائِشَة رضي الله عنها «وكان أَزْوَاجُ النَّبيِّ ﷺ يأْخُذْنَ مِن رُءُوسِهِنَّ حَتَّى تَكُونَ كَالْوَفْرَةِ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ في صحِيحِه وَالْوَفْرَةُ هُوَ مَا يَصِلُ إِلَى الأُذُنِ. فَالتَّقْصِيرُ جَائِزٌ لِلنِّسَاءِ كَمَا هُوَ جَائِزٌ لِلرِّجَالِ لَكِنَّ الْحَلْقَ بِالْمُوسَى حَرَامٌ عَلَى الْمَرْأَةِ إِلَّا لِضَرُورَةٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَكْرُوهٌ وَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لِعُذْرٍ وردَ أنّ للحالق بكل شعرة سقطت من رأسه نورًا يوم القيامة.
ويُسنّ أن يكون في يوم النحر والأفضل بعد طلوع الشمس وقبل طواف الركن والسعي. ويسنّ البَدَاءةُ بيمينِ رأسِ المحلوقِ ومقدمه واستقبالُ القِبلة والتكبيرُ بعد الانتهاء من الحلق أو التقصير وحَلْقُ جميعه للذكر وتقصيرُ جميعه أي لغير الذكر والركنُ (السادسُ الترتيبُ فى معظم الأركان) فيجب تقديم الإحرام على الكلّ وتأخير الطواف والحلق أو التقصير عن الوقوف إِنَّمَا قِيلَ التَّرْتِيبُ فِى مُعْظَمِ الأَرْكَانِ لِأَنَّهُ لا بُدَّ مِنْ تَقْدِيمِ الإِحْرَامِ عَلَى الْكُلِّ وَتَأْخِيرِ الطَّوَافِ وَالْحَلْقِ أَوِ التَّقْصِيرِ عَنِ الْوُقُوفِ أما السعي فيجوز فعله قبل طواف الفرض إن كان طاف طواف القدوم ويجوز تأخيره إلى ما بعد طواف الفرض.
فَائِدَةٌ اعْلَمْ أَنَّهُ يُوجَدُ فِى الْحَجِّ تَحَلُّلانِ تَحَلُّلٌ أَوَّلُ وَهُوَ الإِتْيَانُ بِاثْنَيْنِ مِنْ ثَلاثَةٍ مِنْ طَوَافِ الإِفَاضَةِ الْمَتْبُوعِ بِسَعْىٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى قَبْلَ ذَلِكَ، وَرَمْىِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ، وَالْحَلْقِ أَوِ التَّقْصِيرِ، وَالثَّلاثَةُ يَدْخُلُ وَقْتُهَا بَعْدَ مُنْتَصَفِ لَيْلَةِ الْعِيدِ، وَيَحِلُّ بِالتَّحَلُّلِ الأَوَّلِ مَا حَرُمَ عَلَى الْمُحْرِمِ سِوَى أُمُورِ النِّسَاءِ.
وَتَحَلُّلٌ ثَانٍ وَيَحْصُلُ بِالإِتْيَانِ بِالأُمُورِ الثَّلاثَةِ وَيَحِلُّ لَهُ بِذَلِكَ مَا حَرُمَ بِالإِحْرَامِ حَتَّى الْجِمَاعُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَتَمَّ رَمْىَ الْجَمَرَاتِ كُلِّهَا بَعْدُ (وهي) أى الأركان المذكورة (إلا الوقوفَ) بعرفة (أركانٌ للعمرة) فَيُعْلَمُ من ذلك أن أركانَ العمرةِ هى خمسةٌ وهى الإحرام والطواف والسعى والحلق أو التقصير والترتيب فالترتيب هنا واجب في جميع أركان العمرة بخلاف الحج ويكون بالابتداء بالإِحرام ثم الطوافِ ثم السعي
ثم الحلق أو التَّقصير (ولهذه الأركان فروضٌ وشروطٌ لا بد) للحاجّ والمعتمر (من مراعاتها) حتى يكون عملُهُ صحيحًا وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالشَّرْطِ أَنَّ الْفَرْضَ أي الرُّكْنَ مَا كَانَ جُزْءًا مِنَ النُّسُكِ ولا يصِحُّ النُّسُكُ بدونِه وَأَمَّا الشَّرْطُ فَهُوَ مَا لَيْسَ جُزْءًا مِنَ النُّسُكِ لَكِنْ يَتَوَقَّفُ صِحَّةُ النُّسُكِ عَلَيْهِ أي لا يصحُّ النسكُ بدونِه (فيُشترط للطواف) مثلا (قطعُ مسافةٍ) حَدَّدَها الشرع (وهي) أن يطوفَ (من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود سبعَ مراتٍ ومن شروطه سترُ العورة والطهارة)
عن الحدثين كما فى الصلاة (وأن يجعل الكعبة عن يساره) عند طوافه (لا يستقبلُها ولا يستدبرُها) بل يمشى إلى الأمام ثُمَّ كُلُّ أَرْكَانِ الْحَجِّ تَصِحُّ مَعَ الْحَدَثِ وَمَعَ النَّجَاسَةِ إِلَّا الطَّوَافَ فَهُوَ فَقَطْ لا يَجُوزُ مَعَ الْحَدَثِ أَىِ انْتِقَاضِ الْوُضُوءِ وَلا مَعَ الْجَنَابَةِ وَلا مَعَ الْحَيْضِ وَلا مَعَ النِّفَاسِ وَكَذَلِكَ لا يَصِحُّ مَعَ النَّجِسِ فَلَوْ سَعَى بَعْدَ مَا طَافَ عَلَى الطُّهْرِ وَهُوَ مُحْدِثٌ أَوْ جُنُبٌ صَحَّ سَعْيُهُ مِنْ غَيْرِ مَعْصِيَةٍ لِأَنَّ الْمَكَانَ الَّذِى يَسْعَى فِيهِ لا يُعَدُّ مِنَ الْمَسْجِدِ يَجُوزُ أَنْ يَقْعُدَ فِيهِ الْجُنُبُ، إِنَّمَا الْمَسْجِدُ هُوَ الْقَدْرُ الَّذِى هُيِّئَ لِلصَّلاةِ مِمَّا حَوْلَ الْكَعْبَةِ لِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِعَائِشَةَ حِينَ حُبِسَتْ عَنِ الطَّوَافِ مِنْ أَجْلِ الْحَيْضِ أَىْ تَأَخَّرَتْ مِنْ أَجْلِ الْحَيْضِ «افْعَلِى مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لا تَطُوفِى بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِى» أَىْ كُلُّ أَعْمَالِ الْحَجِّ يَجُوزُ لَكِ وَأَنْتِ حَائِضٌ إِلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ.
وَهَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَغَيْرُهُ تنبيه لا يصح السعي في المسعى الجديد الذي يخرج عن الحدود التي حدّها رسول الله صلى الله عليه وسلم للسعي قال النووي في باب صفة الحج والعمرة من كتاب الحج من المجموع فرعٌ. قال الشافعي والأصحاب لا يجوز السعي في غير موضع السعي فلو مرّ وراء موضع السعي في زُقاق العطّارين أو غيره لم يصح سعيه لأن السعي مختص بمكان فلا يجوز فعله في غيره كالطواف اهـ .ثم بعد أن أنهى الكلام على أركان الحج والعمرة شرع فى الكلام على محرمات الإحرام فقال رحمه الله (وحَرُمَ على من أحرم) بحجٍ أو عمرةٍ ثمانيةُ أشياء بِشَرْطِ الْقَصْدِ وَالِاخْتِيَارِ وَالْعِلْمِ بِالتَّحْرِيمِ،
وَهَذِهِ الثَّلاثَةُ شَرْطٌ فِى سَائِرِ مُحَرَّمَاتِ الإِحْرَامِ وكل ما سيذكر منها من الصغائر إلا الجماعَ المفسدَ للحج وقتلَ الصيد فهما من الكبائر وَإِنَّمَا حُرِّمَتْ هَذِهِ الأَشْيَاءُ عَلَى الْمُحْرِمِ لِحِكَمٍ بَعْضُهَا مَعْلُومٌ لَنَا وَبَعْضُهَا غَيْرُ مَعْلُومٍ لَنَا الأول (طيبٌ) أى استعمال ما تُقصد منه رائحتُهُ غالبًا كالمسك فى ملبوس أو بدن سواءٌ كان ذكرًا أم أنثى وفيه فديةٌ تَجِبُ الْفِدْيَةُ بِالتَّطَيُّبِ فِى بَدَنِهِ أَوْ مَلْبُوسِهِ وَلَوْ نَعْلًا مَعَ الْحُرْمَةِ قَصْدًا بِمَا تُقْصَدُ مِنْهُ رَائِحَتُهُ غَالِبًا كَالْمِسْكِ وَالْعُودِ وَالْوَرْدِ وَدُهْنِهِ وَالْوَرْسِ لا مَا يُقْصَدُ بِهِ الأَكْلُ أَوِ التَّدَاوِى وَإِنْ كَانَ لَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ كَالتُّفَاحِ وَالأُتْرُجِّ وَالْقُرُنْفُلِ وَسَائِرِ الأَبَازِيرِ الطَّيِّبَةِ الرِّيحِ كَالْفُلْفُلِ وَالْمُصْطَكَّى لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقْصَدُ مِنْهُ الأَكْلُ أَوِ التَّدَاوِى أَمَّا قبل الإِحرام فقد مرَّ ذكرُ سُنيّةِ التطيبِ للإحرام وذلك لقول عائشة رضي الله عنها «كنت أطيّبُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لإحرامه ولِحِلِّهِ» وهذا للنسك.
(و)الثانى (دَهْنُ رأسٍ ولحيةٍ) للمحرم (بزيتٍ) أو دُهن أو سمن أو زُبد (أو شحم أو شمعِ عسلٍ ذائبين) وأما استخدامُهُ فيما سوى ذلك كالأكل فلا يحرم ما لم يكن مطيبًا مِنْ مُحَرَّمَاتِ الإِحْرَامِ دَهْنُ شَعَرِ الرَّأْسِ وَاللِّحْيَةِ بِمَا يُسَمَّى دُهْنًا وَلَوْ غَيْرَ مُطَيَّبٍ، سَوَاءٌ كَانَ بِالزَّيْتِ أَوِ السَّمْنِ أَوِ الزُّبْدَةِ أَوْ بِشَحْمٍ أَوْ شَمْعِ عَسَلٍ ذَائِبَيْنِ، أَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلا يَحْرُمُ كَالَّذِى يُوضَعُ عَلَى الْجُرْحِ وَهُوَ غَيْرُ مُطَيَّبٍ، وَلَهُ دَهْنُ شَعَرِ جَسَدِهِ وَلَهُ أَكْلُ الشَّحْمِ وَالزَّيْتِ، وَإِنْ كَانَ الشَّخْصُ أَصْلَعَ أَوْ أَقْرَعَ لا يَحْرُمُ عَلَيْهِ دَهْنُ رَأْسِهِ،
وَلا يَحْرُمُ عَلَى الأَمْرَدِ دَهْنُ ذَقَنِهِ بِالزَّيْتِ وَغَيْرِهِ مِنَ الدُّهُونِ (و)الثالث (إزالة ظفر) من يد أو رجل أمَّا إزالة الظفر المنكسر ليس فيه معصية ولا فدية سواء كان انكسر كلّه أم بعضه إن كان يتأذَّى بباقيه (و)إزالة (شعر) من رأسه أو غيره إِذَا أَزَالَ شَعْرَةً مِنْ بَاطِنِ الْعَيْنِ نَبَتَتْ دَاخِلَ جَفْنِهِ جَازَ وَلا فِدْيَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّهَا تُؤْذِى وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ شَعَرُهُ يُغَطِّى عَيْنَهُ فَأَزَالَهُ فَلَيْسَ حَرَامًا أَنْ يُزِيلَهُ وَلا فِدْيَةَ عَلَيْهِ فَإِنْ حَلَقَ ثَلاثَ شَعَرَاتٍ فَصَاعِدًا دَفْعَةً وَاحِدَةً أَوْ قَلَّمَ ثَلاثَةَ أَظْفَارٍ لَزِمَهُ دَمٌ وَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَذْبَحَ شَاةً بِصِفَةِ الأُضْحِيَّةِ وَبَيْنَ أَنْ يُطْعِمَ ثَلاثَةَ ءَاصُعٍ لِسِتَّةِ مَسَاكِينَ لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ وَبَيْنَ أَنْ يَصُومَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ،
وَلَوْ حَلَقَ جَمِيعَ شَعَرِ رَأْسِهِ وَبَدَنِهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً فِى مَكَانٍ وَاحِدٍ لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا فِدْيَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهُ يُعَدُّ فِعْلًا وَاحِدًا، وَلَوْ حَلَقَ شَعَرَ رَأْسِهِ فِى مَكَانَيْنِ أَوْ مَكَانٍ وَاحِدٍ لَكِنْ فِى زَمَانَيْنِ مُتَفَرِّقَيْنِ وَجَبَتْ فِدْيَتَانِ وَلَوْ حَلَقَ ثَلاثَ شَعَرَاتٍ أَوْ قَلَّمَ ثَلاثَةَ أَظْفَارٍ فِى ثَلاثَةِ أَمْكِنَةٍ أَوْ ثَلاثَةِ أَوْقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَجَبَ فِى كُلِّ وَاحِدَةٍ مَا يَجِبُ فِيهَا لَوِ انْفَرَدَتْ.
