ثُمَّ إِنَّمَا تَجِبُ الْفِدْيَةُ عَلَى مَنِ انْتُتِفَ شَىْءٌ مِنْ شَعَرِ رَأْسِهِ أَوْ غَيْرِهِ إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ انْتُتِفَ بِفِعْلِهِ أَمَّا إِنْ شَكَّ هَلِ انْتُتِفَ بِفِعْلِهِ أَمْ كَانَ مُنْتَتِفًا قَبْلًا فَسَقَطَ مَعَ الْمِشْطِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ. وَفِى نَتْفِ شَعْرَةٍ أَوْ قَصِّ ظُفْرٍ مُدٌّ وَفِى اثْنَيْنِ مُدَّانِ وَفِى ثَلاثَةٍ وِلاءً أَىْ إِنْ أَزَالَهَا عَلَى التَّتَابُعِ فِى وَقْتٍ وَاحِدٍ فِدْيَةٌ (و)الرابعُ (جماعٌ) فى قُبُلٍ أو دُبُرٍ وَيَحْرُمُ عَلَى غَيْرِ مُحْرِمَةٍ تَمْكِينُ حَلِيلٍ مُحْرِمٍ، وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَى الْحَلالِ أَىِ الرَّجُلِ الَّذِى هُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ وَطْءُ مُحْرِمَةٍ مِنْ زَوْجَةٍ وَأَمَةٍ (ومقدماتُهُ) أى ومقدماتُ الجماعِ من تقبيلٍ بشهوة ونظرٍ بشهوة ولمسٍ بها ولو بحائلٍ قَالَ الْفُقَهَاءُ يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِ الْمُحْرِمَةِ تَمْكِينُ زَوْجِهَا الْمُحْرِمِ مِنَ الْجِمَاعِ أَوْ مِنْ مُقَدِّمَاتِهِ.

فالْمُقَدِّمَاتُ كَالْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ وَالْمُعَانَقَةِ بِشَهْوَةٍ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْمُحْرِمِ وَعَلَيْهِ دَمٌ أَىْ عَلَيْهِ ذَبْحُ شَاةٍ أَوِ التَّصَدُّقُ بِثَلاثَةِ ءَاصُعٍ لِسِتَّةِ مَسَاكِينَ أَوْ صَوْمُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلِ الْمَنِىَّ أَمَّا إِنْ كَانَ بِحَائِلٍ فَلا فِدْيَةَ عَلَيْهِ، وَيَحْرُمُ النَّظَرُ بِشَهْوَةٍ وَلا فِدْيَةَ فِيهِ وَالشَّهْوَةُ التَّلَذُّذُ أَىِ اشْتِيَاقُ النَّفْسِ إِلَى ذَلِكَ وَمَيْلُهَا (و)الخامس (عقد النكاح) له أو لغيره كبنته ولا يصحّ الْخَامسُ مِنْ مُحَرَّمَاتِ الإِحْرَامِ عَقْدُ النِّكَاحِ بِنَفْسِهِ أَوْ وَكِيلِهِ وَلا يَصِحُّ ذَلِكَ،

فَلَوْ عَقَدَ الْمُحْرِمُ نِكَاحًا أَوْ وَكَّلَ شَخْصًا بِأَنْ يَعْقِدَ كَانَ ذَلِكَ حَرَامًا وَلا يَنْعَقِدُ ذَلِكَ النِّكَاحُ وَذَلِكَ لِحَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ عُثْمَانَ بنِ عَفَّانَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «لا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلا يُنْكِحُ وَلا يَخْطُبُ» (و)السادس (صيدُ مأكولٍ برىٍّ وحشىٍّ) أى التعرضُ له ولو بشراءٍ حتى إنه لايجوز له أن يروّعه أو ينفّره ولا يتعرض لبيضه ولا لحليبه ولا لريشه فإذا كان عنده شىء منه في قفص مثلا إما أن يطلقه أو يعطيه لغيره لا يتركه تحت قبضته وهو محرم بخلافِ غير المأكول والبحرىّ والإنسيِ وهو المستأنسُ وإذا أتلف الحيوانَ يدفع المثل إن كان له مثل فمن قتل نعامة يدفعُ مثلها أي ما يشبهُها من الأنعام الثلاثة الإبلِ والبقرِ والغنمِ فمثلُ النعامة من بين هؤلاء الثلاثة الإِبلُ فيذبحه ويدفعه لثلاثة من فقراء الحرم فأكثر ثمّ هم إن شاؤوا يأكلونه وإن شاؤوا يبيعونه وينتفعون بالثمن.

والضَّبُعُ مأكول فمن قتله وهو محرمٌ يدفع كبشًا لأنه مثله من الأنعام. (و)السابع يحرم (على الرجل) المحرم (سترُ رأسه) بما يعد ساترًا عرفًا كَقَلَنْسُوَةٍ مِنْ مُحَرَّمَاتِ الإِحْرَامِ عَلَى الرَّجُلِ الْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ إِنْ كَانَ عَامِدًا عَالِمًا بِحُرْمَتِهِ مُخْتَارًا سَتْرُ شَىْءٍ مِنْ رَأْسِهِ وَإِنْ قَلَّ بِمَا يُعَدُّ سَاتِرًا عُرْفًا وَإِنْ حَكَى اللَّوْنَ أما سقف السيارة مثلا فلا يعد ساترا إنما المراد ما يعدّ في العرف ساترا

ولا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ وَضْعُ يَدِهِ عَلَى رَأْسِهِ مَا لَمْ يَقْصِدْ بِهَا السَّتْرَ أَمَّا إِنْ قَصَدَ سَتْرَ رَأْسِهِ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ فَحَرَامٌ عَلَى قَوْلِ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمُعْتَمَدُ جَوَازُهُ (و)يحرم عليه (لبس محيط) للبدن كلِّهِ أو بعضه (بخياطة) أى ما تحصل به الإحاطة بسبب خياطة كقميص (أو لِبْدٍ) وهو مثلُ الخياطة يجمع قطعا قطعا حتى يصير قطعة واحدة يأتون بصوف ويضغطونه فيصير قلنسوة (أو نحوِهِ و)الثامن يحرم (على) المرأة (المحرمة ستر وجهها) بما يعد ساترًا يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ فِى حَالِ الإِحْرَامِ أَنْ تُغَطِّىَ وَجْهَهَا بِمَا يُعَدُّ سَاتِرًا دُونَ بَقِيَّةِ بَدَنِهَا فَيَجِبُ سَتْرُهُ وَلَوْ بِمُحِيطٍ وَجَاءَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «إِحْرَامُ الرَّجُلِ فِى رَأْسِهِ وَإِحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِى وَجْهِهَا» رَوَاهُ الْبَيْهَقِىُّ فِى سُنَنِهِ،

الْمَعْنَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ بِعُمْرَةٍ حَرُمَ عَلَيْهِ سَتْرُ رَأْسِهِ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهَا بِالإِحْرَامِ سَتْرُ وَجْهِهَا، وَكَذَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا لُبْسُ قُفَّازٍ وَيَجُوزُ لَهَا أَنْ تَسْتُرَ مِنَ الْوَجْهِ الْقَدْرَ الَّذِى لا يَتَحَقَّقُ سَتْرُ الرَّأْسِ بِدُونِهِ فِى الصَّلاةِ فَهَذَا شَأْنُهَا فِى الإِحْرَامِ إِذْ لا يُمْكِنُ اسْتِيعَابُ سَتْرِ الْوَاجِبِ إِلَّا بِهِ، وَهَذَا مِمَّا يَدْخُلُ فِى قَوْلِ الْفُقَهَاءِ «مَا لا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ» لَكِنْ لا يَحْرُمُ أَنْ تَسْتُرَ وَجْهَهَا فِى حَالِ الإِحْرَامِ بِثَوْبٍ مُتَجَافٍ عَنِ الْوَجْهِ بِنَحْوِ خَشَبَةٍ أَىْ بِحَيْثُ يَمْنَعُ لُصُوقَ السَّاتِرِ بِالْوَجْهِ وَلَوْ بِلا حَاجَةٍ كَمَا يَجُوزُ سَتْرُ رَأْسِ الرَّجُلِ بِالْمِظَلَّة وَلا يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ وَضْعُ مَا يُسَمُّونَهُ بِالْكَمَّامَةِ الَّتِى تُغَطِّى الأَنْفَ وَالْفَمَ أَمَّا الرَّجُلُ فَيَجُوزُ لَهُ،

وَلا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمَةِ أَنْ تَضَعَ يَدَهَا عَلَى وَجْهِهَا وَلَكِنْ يَحْرُمُ عَلَيْهَا أَنْ تُغَطِّىَ وَجْهَهَا بِالْمِنْشَفَةِ أَوْ بِالْبَطَّانِيَّةِ عِنْدَ النَّوْمِ مَثَلًا وَأَمَّا إِنْ نَشَّفَتْ وَجْهَهَا بِطَرَفِ الْمِنْشَفَةِ بِحَيْثُ لا يُعَدُّ سَتْرًا فَيَجُوزُ، وَيَجُوزُ لَهَا أَنْ تَضَعَ كَفَّيْهَا عَلَى وَجْهِهَا فِى الْوُضُوءِ، وَلا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَلُفَّ خِرْقَةً عَرِيضَةً عَلَى جَبْهَتِهَا أَمَّا الْخَيْطُ الدَّقِيقُ فَيَجُوزُ.

وَلَوْ سَتَرَتِ الْمَرْأَةُ وَجْهَهَا أَثْنَاءَ لُبْسِهَا لِقَمِيصِهَا بِقَمِيصِهَا فَإِنْ كَانَ حَصَلَ بِإِرَادَتِهَا فَعَلَيْهَا فِدْيَةٌ أَمَّا إِنْ كَانَ بِدُونِ إِرَادَتِهَا فَلَيْسَ عَلَيْهَا فِدْيَةٌ، فَإِذَا أَرَادَتْ لُبْسَهُ فَلْتَضَعْهُ وَهِىَ تُمْسِكُ أَطْرَافَهُ مُجَافِيَةً عَنِ الْوَجْهِ حَتَّى يَتَجَاوَزَ وَجْهَهَا بِلا سَتْرٍ لَهُ وَكَانَتْ أَزْوَاجُ الرَّسُولِ ﷺ فِى سَفَرِ الْحَجِّ إِذَا حَاذَيْنَ الرَّكْبَ أَىِ الرِّجَالَ يَسْتُرْنَ وُجُوهَهُنَّ مَعَ الْمُجَافَاةِ أَىْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلْصَقَ هَذَا السَّاتِرُ بِالْوَجْهِ لِأَنَّ سَتْرَ الْوَجْهِ بِالنِّسْبَةِ لَهُنَّ فَرْضٌ عَلَى الدَّوَامِ بِحَضْرَةِ الأَجَانِبِ (وقُفازٌ) أى لُبْسُهُ وهو شىء يُعمل للكف والأصابع لِيَقِيَها من البرد يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ لُبْسُ قُفَّازٍ وَلَوْ فِى كَفٍّ وَاحِدَةٍ،

وَالْقُفَّازُ شَىْءٌ يُعْمَلُ لِلْكَفِّ وَالأَصَابِعِ يُحْشَى بِقُطْنٍ وَقَدْ يَكُونُ لَهُ أَزْرَارٌ تُزَرُّ عَلَى السَّاعِدِ مِنْ أَجْلِ الْبَرْدِ، وَلا يَحْرُمُ عَلَيْهَا سَتْرُ الْكَفِّ بِغَيْرِ الْقُفَّازِ كَكُمِّهَا وَخِرْقَةٍ وَلَوْ عَقَدَتْهَا عَلَيْهِ، وَلا يَحْرُمُ عَلَيْهَا وَضْعُ يَدِهَا فِى جَيْبِهَا لِتُخْرِجَ الْمَالَ مَثَلًا (فمن) كان محرمًا ثم (فعل شيئًا من هذه المحرّمات فعليه الإثمُ والفديةُ) إن كان قاصدًا مختارًا عالما بالتحريم وفي الفدية تفصيل فالفدية في الطِّيب والدهن ولبس المحيط وإزالة الشعر والأظفار ومقدماتِ الجماع كالتقبيل بشهوة وفي الجماع الذي لا يفسد الحجّ وهو ما بعد فعل اثنين من طواف فرض وحلقٍ أو تقصير ورميِ جمرة العقبة أي بعد التحلل الأول شاةٌ أو التصدق بثلاثة ءاصع لستة مساكين أو صوم ثلاثة أيّام ويسمَّى هذا دم تخيير وتقدير أما لو أزال شعرة واحدة أو ظفرًا واحدًا فعليه مُدٌّ، وفي شعرتين أو ظفرين مُدَّان، وفي ثلاثةٍ فأكثرَ دمٌ.

وأمَّا فديةُ الصيدِ فإن كان هذا الصيدُ له مثلٌ من الأنعامِ الثلاثةِ فعليه ذلك المثلُ مع تخييرِهِ بين ذبحه وتوزيعه لفقراء الحرم وبين إعطائِهم طعامًا بقيمته أو صومه عن كل مدّ يومًا، ويسمى ذلك دم تخيير وتعديل لأنَّ فيه اعتبارَ القيمة (ويزيد الجماع) على ما ذكر إن كان قبل التحلل الأول (بالإفساد) للنُّسُكِ الذى هو فيه (ووجوبِ القضاء) أى إعادة ما أفسده (فورًا) أي في السنة القابلة (وإتمامِ) النُّسُكِ (الفاسدِ فمن أفسدَ حَجَّهُ) مثلاً (بالجماع يمضى فيه ولا يقطعه ثم يقضى فى السنة القابلة) هذه الأحكام خاصّة بالإِفساد بالجماع قبل التحللين أي قبل فعل اثنين من الثلاثة المذكورة، وشرط ذلك أن يكون عالِمًا بحرمة ذلك ومختارًا أي غير مكره ومتعمّدًا أي غير ناسٍ للإِحرام فأَمَّا الجاهل بحرمة الجماع في الإِحرام لكونه بعيدًا من العلماء مثلاً فلا يفسد حجُّه وأما مُفْسِدُ العمرةِ فيمضى فيها حتى إذا أتمّ أفعالها شرع فى القضاء بلا تأخير.

لأنَّ العمْرةَ لا يشترطُ لها وقت معيّن وبعد أن أنهى المؤلف رحمه الله رحمةً واسعةً الكلامَ على محرمات الإحرام شرع فى الكلام على واجبات الحج ونعنى بالواجب فى باب الحجّ ما يُجْبَرُ بدمٍ ولا يفسد الحجُّ بتركه هَذَا شُرُوعٌ فِى الْوَاجِبَاتِ وَهِىَ فِى بَابِ الْحَجِّ مَا يُجْبَرُ بِدَمٍ وَلا يَفْسُدُ النُّسُكُ بِتَرْكِهِ ولا فَرْقَ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْوَاجِبِ فِى غَيْرِ بَابِ الْحَجِّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ إِلَّا الْحَنَفِيَّةَ فقال (ويجب) فى الحج والعمرة (أن يُحْرِمَ من الميقات والميقاتُ هو الموضعُ الذى عَيَّنَهُ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ليُحْرِمَ) مريدُ النسك (منه) وهو لغير أهل مكة خمسةُ أماكنَ وذلك (كالأرض التى تسمى ذا الحُلَيْفَةِ) وهى المعروفةُ اليومَ بآبار علىٍّ فهى الميقات (لأهل المدينة) المنورة (ومن يمر بطريقهم) من غير أهلها وميقاتُ أهلِ الشَّامِ ومصر والمغرب ومن يمر بطريقهم الجُحفة، وميقات أهل نجدِ الحجازِ ونجد اليمنِ قَرْنُ الثَّعالب وهو على مرحلة من مكّة، وميقات أهل تِهامةِ اليمن ومن يمر بطريقهم يَلَمْلَم ويقال له أَلَمْلَم، وميقات أهل العراق ومن يمرّ بطريقهم ذات عِرْق ولا يجوز مجاوزتها بلا إحرام.

وميقات المكِّي للحجِّ مكَّةَ أي يُحْرِمُ منها للحجَّ وأمّا للعمرة فميقاته ما كان خارج حدود الحرم من أي جهة كان فلا يجوز للمكِّي أن يحرم للعمرة من مكّة بل يخرج إلى أدنى الحلّ وهَذِهِ الْمَوَاقِيتُ تُسَمَّى الْمِيقَاتَ الْمَكَانِىَّ أَمَّا الْمِيقَاتُ الزَّمَانِىُّ فَهُوَ لِلْحَجِّ شَوَّالٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وذُو الْحِجَّةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ﴾. وَالْقَدْرُ الَّذِى هُوَ مِيقَاتٌ زَمَانِىٌّ مِنْ شَهْرِ ذِى الْحِجَّةِ هُوَ مِنْ أَوَّلِ ذِى الْحِجَّةِ إِلَى فَجْرِ لَيْلَةِ الْعِيدِ، وَبِانْتِهَاءِ لَيْلَةِ الْعِيدِ يَفُوتُ الْمِيقَاتُ الزَّمَانِىُّ لِلْحَجِّ، وَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَمِيقَاتُهَا الزَّمَانِىُّ الأَبَدُ.

(و)يجب (فى الحج) دون العمرة (مبيتُ) الحاجِّ فى أرض (مزدلفة) ونعنى بالمبيت هنا مرورَهُ فى شىءٍ من أرضها بعد نصف ليلة النحر ولو لحظةً هذا (على قولٍ) عند الإمام الشافعىِّ. مِنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ فَقَطْ دُونَ الْعُمْرَةِ مَبِيتَ الْحَاجِّ أَيْ مُرُورَهُ فِي شَىْءٍ مِنْ أَرْضِ مُزْدَلِفَةَ بَعْدَ نِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ وَلَوْ لَحْظَةً وَنَائِمًا، وَلِلإِمَامِ الشَّافِعِيِّ قَوْلٌ بِأَنَّ الْمَبِيتَ بِمُزْدَلِفَةَ سُنَّةٌ لَيْسَ وَاجِبًا، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ تَارِكُهُ لَيْسَ عَلَيْهِ إِثْمٌ وَلا دَمٌ، وَيَجُوزُ الْعَمَلُ بِهِ (و)يجب مبيتُهُ أي أن يحضرَ أرضَ (منى) معظم ليل أيام التشريق الثلاث إن لم يَنْفِرْ من منى قبل غروب شمس اليوم الثانى من أيام التشريق وإلا سقط عنه مبيت اليوم الثالث ورميُه أي لا يجب عليه أن يبيت بمنى ليلة اليوم الثالث من أيام التشريق ولا يجب عليه رميُه هذا (على قولٍ) عند الإمام الشافعىِّ رضى الله عنه وعلى قول له المبيتُ بمنى سُنَّةٌ فلا إثم بتركه ولا دم (و)يجب (رَمْىُ جمْرةِ العَقَبةِ يومَ النَّحْرِ) وهي أقرب الثلاث إلى مكة بسبع حصيات ويدخل وقته بنصف الليل ويمتد إلى ءاخر أيام التشريق (و)يجب (رَمْىُ الجمَراتِ الثلاثِ) كلَّ واحدةٍ بسبع حصيات فى كلّ يوم من (أيام التشريق) بعد الزوال مرتبًا فيبدأ بالجمرة التى تلى مسجدَ الخيفِ ثم التى تليها ثم التى تليها وله تأخيرُ رَمْىِ اليوم الأول والثانى إلى الثالث.

مِنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ رَمْىُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَحْدَهَا يَوْمَ النَّحْرِ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، وَيَدْخُلُ وَقْتُهُ بِنِصْفِ اللَّيْلِ وَيَبْقَى إِلَى ءَاخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، وَرَمْىَ الْجَمَرَاتِ الثَّلاثِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَاللَّتَيْنِ قَبْلَهَا أَيَّامَ التَّشْرِيقِ بَعْدَ الزَّوَالِ كُلِّ وَاحِدَةٍ سَبْعًا، وَالرَّمْىُ لا خِلافَ فِى وُجُوبِهِ. وَيَجُوزُ لِمَنْ أَخَّرَ رَمْىَ الْيَوْمِ الأَوَّلِ وَالثَّانِى إِلَى الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يَرْمِىَ قَبْلَ زَوَالِ الْيَوْمِ الثَّالِثِ عَنِ الْيَوْمِ الأَوَّلِ وَالثَّانِى.

وَتَأْخِيرُ رَمْىِ الْجَمَرَاتِ إِلَى الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ بِلا عُذْرٍ مَكْرُوهٌ وَإِلَّا فَلا كَرَاهَةَ. وَمَنْ رَمَى عَنِ الْيَوْمِ الأَوَّلِ وَالثَّانِى وَخَرَجَ فِى الْيَوْمِ الثَّانِى مِنْ مِنًى قَبْلَ الْغُرُوبِ كَفَاهُ ذَلِكَ وَلا يَرْمِى الْيَوْمَ الثَّالِثَ وَهَذِهِ الْجَمَرَاتُ الثَّلاثُ جَاءَ فِى الأَثَرِ أَنَّ الشَّيْطَانَ ظَهَرَ لِإِبْرَاهِيمَ لِيُوَسْوِسَ لَهُ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا وَيَصُدَّهُ عَمَّا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ فَرَمَاهُ بِالْحَصَى إِهَانَةً لَهُ، وَنَحْنُ مَعَاشِرَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ أُمِرْنَا بِهَذَا الرَّمْىِ إِحْيَاءً لِسُنَّةِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وَفِى ذَلِكَ رَمْزٌ لِمَشْرُوعِيَّةِ مُخَالَفَةِ الشَّيْطَانِ وَإِهَانَتِهِ وَكَأَنَّ الرَّامِىَ يَقُولُ فِى نَفْسِهِ لِلشَّيْطَانِ لَوْ ظَهَرْتَ لَنَا كَمَا ظَهَرْتَ لِإِبْرَاهِيمَ لَرَمَيْنَاكَ إِهَانَةً لَكَ.

وَلَيْسَتْ هَذِهِ الأَمَاكِنُ مَسْكَنًا لِلشَّيْطَانِ كَمَا يَزْعُمُ بَعْضُ النَّاسُ فَمَا يَظُنُّهُ بَعْضُ الْجُهَّالِ أَنَّ إِبْلِيسَ سَاكِنٌ هُنَاكَ غَلَطٌ (و)يجبُ (طوافُ الوداع على قولٍ فى المذهب) هَذَا مِمَّا يَجِبُ عَلَى الْحَاجِّ وَالْمُعْتَمِرِ وَكَذَلِكَ مَنْ أَرَادَ مُفَارَقَةَ مِنًى عَقِبَ النَّفْرِ إِلَى مَسَافَةِ قَصْرٍ أَوْ إِلَى وَطَنِهِ ويُسَنُّ على قولٍ وعليه فلا إثم على تاركه ولا دم (وهذه الأمورُ الستةُ) هى من الواجبات لا من الأركان ولذا (مَنْ لم يأتِ بها لا يفسد حجه إنما يكون عليه إثمٌ وفديةٌ بخلافِ) من ترك شيئًا من (الأركان التى مَرَّ ذكرها فإنّ الحج لا يحصل بدونها ومَنْ تركها) أى الأركانَ (لا يَجْبُرُهُ دمٌ أى ذبحُ شاةٍ) يَجِبُ بِتَرْكِ الإِحْرَامِ مِنَ الْمِيقَاتِ وَمَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْوَاجِبَاتِ دَمٌ وَهُوَ شَاةٌ،

فَإِنْ عَجَزَ فَصِيَامُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ ثَلاثَةٍ فِى الْحَجِّ أَىْ فِى إِحْرَامِ الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَهَذَا يُسَمَّى دَمَ تَرْتِيبٍ وَتَقْدِيرٍ وَهُوَ مِثْلُ دَمِ التَّمَتُّعِ وَهُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِى أَشْهُرِ الْحَجِّ فَيَعْمَلَهَا ثُمَّ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ مِنْ غَيْرِ رُجُوعٍ إِلَى مِيقَاتٍ مِنَ الْمَوَاقِيتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْىِ﴾

(ويحرُمُ صيدُ الحرمين) حرمِ مكة والمدينة (ونباتُهما) فلا يجوز قطعُ شجرهما أو قلعُهُ وحرمةُ ذلك (على محرم وحلال) وهو غير المحرم (وتزيد مكةُ) على المدينة (بوجوب الفدية) فى الصيد والنبات (فلا فديةَ فى صيدِ حرمِ المدينةِ وقطعِ نباتها و)حدُّ (حرمِ المدينةِ ما بين جبل عَيْرٍ وجبل ثَوْرٍ) مِنْ أَحْكَامِ الْحَرَمَيْنِ الْحَرَمِ الْمَكِّىِّ وَالْحَرَمِ الْمَدَنِىِّ حُرْمَةُ الصَّيْدِ وَحُرْمَةُ قَطْعِ الشَّجَرِ أَوِ الْقَلْعِ وَوُجُوبُ الْفِدْيَةِ فِي الصَّيْدِ وَالشَّجَرِ لَكِنْ وُجُوبُ الْفِدْيَةِ خَاصٌّ بِحَرَمِ مَكَّةَ أَمَّا حَرَمُ الْمَدِينَةِ فَيَحْرُمُ صَيْدُهُ وَشَجَرُهُ لَكِنْ بِلا فِدْيَةٍ، وَكَذَلِكَ وَجُّ الطَّائِفِ وَهُوَ وَادٍ بِالطَّائِفِ وَأَمَّا صَيْدُ مَكَّةَ وَشَجَرُهَا فَفِيهِ فِدْيَةٌ أَىْ ضَمَانٌ،

فَمَنْ قَتَلَ صَيْدًا مِنْ صَيْدِ حَرَمِ مَكَّةَ إِنْ كَانَ لَهُ مِثْلٌ أَىْ شَبَهٌ فِى الإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَذْبَحَ ذَلِكَ الْمِثْلَ وَيُوَزِّعَهُ لِفُقَرَاءِ الْحَرَمِ، وَلا يَكْفِى ذَبْحُهُ بِغَيْرِ أَرْضِ الْحَرَمِ الشَّامِلِ لِمَكَّةَ وَمَا يَلِيهَا مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهَا مِنْ كُلِّ مَا دَخَلَ فِى حُدُودِ الْحَرَمِ فَمَكَّةُ مُكْتَنَفَةٌ بِذَلِكَ، وَلا يَكْفِى تَوْزِيعُ لَحْمِ الذَّبِيحَةِ لِغَيْرِ مَسَاكِينِ الْحَرَمِ، وَكَذَلِكَ فِى كُلِّ مَا يَجِبُ مِنَ الذَّبْحِ لا يَكْفِى تَمْلِيكُ تِلْكَ الذَّبِيحَةِ لِغَيْرِ مَسَاكِينِ الْحَرَمِ، وَيَسْتَوِى فِى ذَلِكَ الْمُسْتَوْطِنُونَ بِأَرْضِ الْحَرَمِ وَالْغُرَبَاءُ.

تنبيهٌ. زيارةُ قبر النبىّ صلى الله عليه وسلم مسنونةٌ بالإجماع سواءٌ كان الزائرُ من أهل المدينة أم لا وسواء كان حاجًا أم لا، وقد درج المسلمون على ذلك سلفًا وخلفًا وقام إجماعهم على مشروعية هذا الأمر ورُوى فى ذلك أحاديثُ منها حديثُ الدارقطنىّ من زار قبرى وجبت له شفاعتى اهـ حَسَّنَهُ الحافظُ السبكىّ والعلائىّ وغيرهما. تُسَنُّ زِيَارَةُ قَبْرِ الرَّسُولِ ﷺ بِالإِجْمَاعِ أَىْ إِجْمَاعِ أَئِمَّةِ الِاجْتِهَادِ الأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ لِلْمُقِيمِ بِالْمَدِينَةِ وَلِأَهْلِ الآفَاقِ الْقَاصِدِينَ بِسَفَرِهِمْ زِيَارَةَ قَبْرِهِ الشَّرِيفِ وَهِىَ مِنَ الْقُرَبِ الْعَظِيمَةِ،

فَمَنْ خَصَّ مَشْرُوعِيَّةَ زِيَارَةِ قَبْرِهِ لِغَيْرِ الْقَاصِدِ بِالسَّفَرِ وَحَرَّمَ السَّفَرَ لِزِيَارَةِ قَبْرِهِ ﷺ فَلا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِكَلامِهِ بَلْ يَجِبُ نَبْذُهُ وَالإِعْرَاضُ عَنْهُ فَهَؤُلاءِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ الشَّخْصَ لِأَنَّهُ قَصَدَ قَبْرَ الرَّسُولِ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الأَوْلِيَاءِ لِلتَّبَرُّكِ فَهُمْ جَهِلُوا مَعْنَى الْعِبَادَةِ وَخَالَفُوا مَا عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ سَلَفًا وَخَلَفًا لَمْ يَزَالُوا يَزُورُونَ قَبْرَ النَّبِىِّ لِلتَّبَرُّكِ وَلَيْسَ مَعْنَى الزِّيَارَةِ لِلتَّبَرُّكِ أَنَّ الرَّسُولَ يَخْلُقُ لَهُمُ الْبَرَكَةَ بَلِ الْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَرْجُونَ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ لَهُمُ الْبَرَكَةَ بِزِيَارَتِهِمْ لِقَبْرِهِ.

وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِىُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ مَالِكِ الدَّارِ وَكَانَ خَازِنَ عُمَرَ قَالَ أَصَابَ النَّاسَ قَحْطٌ أَىْ وَقَعَتْ مَجَاعَةٌ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ انْقَطَعَ الْمَطَرُ عَنْهُمْ فِى زَمَانِ عُمَرَ أَىْ فِى خِلافَتِهِ فَجَاءَ رَجُلٌ أَىْ مِنَ الصَّحَابَةِ إِلَى قَبْرِ النَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَسْقِ لِأُمَّتِكَ فَإِنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا مَعْنَاهُ اطْلُبْ مِنَ اللَّهِ الْمَطَرَ لِأُمَّتِكَ فَإِنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا فَأُتِىَ الرَّجُلُ فِى الْمَنَامِ أَىْ أُرِىَ فِى الْمَنَامِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُكَلِّمُهُ فَقِيلَ لَهُ أَقْرِئْ عُمَرَ السَّلامَ أَىْ سَلِّمْ لِى عَلَيْهِ وَأَخْبِرْهُ أَنَّهُمْ يُسْقَوْنَ أَىْ سَيَأْتِيهِمُ الْمَطَرُ وَقُلْ لَهُ عَلَيْكَ الْكَيْسَ الْكَيْسَ أَىْ عَلَيْكَ بِالتَّفَكُّرِ فِيمَا تَرَكْتَ فِعْلَهُ مِمَّا يَنْبَغِى لِتَزُولَ هَذِهِ النَّازِلَةُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ فَأَتَى الرَّجُلُ عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ فَبَكَى عُمَرُ وَقَالَ يَا رَبِّ مَا ءَالُو إِلَّا مَا عَجَزْتُ أَىْ لا أُقَصِّرُ إِلَّا مَا عَجَزْتُ أَىْ سَأَفْعَلُ مَا فِى وُسْعِى لِخِدْمَةِ الأُمَّةِ ثُمَّ سَقَاهُمُ اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى سُمِّىَ ذَلِكَ الْعَامُ عَامَ الْفَتْقِ مِنْ شِدَّةِ مَا ظَهَرَ مِنَ الأَعْشَابِ وَسَمِنَتِ الْمَوَاشِى حَتَّى تَفَتَّقَتْ بِالشَّحْمِ.

وَقَدْ جَاءَ فِى تَفْسِيرِ هَذَا الرَّجُلِ أَنَّهُ بِلالُ بنُ الْحَارِثِ الْمُزَنِىُّ الصَّحَابِىُّ فَهَذَا الصَّحَابِىُّ قَدْ قَصَدَ قَبْرَ الرَّسُولِ لِلتَّبَرُّكِ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ عُمَرُ وَلا غَيْرُهُ فَبَطَلَ دَعْوَى ابْنِ تَيْمِيَةَ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَارَةَ شِرْكِيَّةٌ. وَيَحْسُنُ أَنْ تَكُونَ الزِّيَارَةُ بَعْدَ صَلاةِ رَكْعَتَىْ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ، وَتَحْصُلُ بِالسَّلامِ عَلَيْهِ ﷺ عِنْدَ قَبْرِهِ الشَّرِيفِ، وَالأَدَبُ فِى ذَلِكَ أَنْ يُقَابِلَ الزَّائِرُ الْجِدَارَ مُتَنَحِّيًا نَحْوَ أَرْبَعَةِ أَذْرُعٍ غَاضًّا طَرْفَهُ مُمْتَلِىءَ الْقَلْبِ بِالإِجْلالِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَقُولُ بِصَوْتٍ مُتَوَسِّطٍ «السَّلامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ السَّلامُ عَلَيْكَ يَا نَبِىَّ اللَّهِ السَّلامُ عَلَيْكَ يَا خِيرَةَ اللَّهِ السَّلامُ عَلَيْكَ يَا حَبِيبَ اللَّهِ السَّلامُ عَلَيْكَ يَا صَفْوَةَ اللَّهِ السَّلامُ عَلَيْكَ يَا سَيِّدَ الْمُرْسَلِينَ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ السَّلامُ عَلَيْكَ يَا خَيْرَ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ السَّلامُ عَلَيْكَ يَا قَائِدَ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ السَّلامُ عَلَيْكَ وَعَلَى ءَالِكَ وَأَهْلِ بَيْتِكَ وَأَزْوَاجِكَ وَأَصْحَابِكَ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ السَّلامُ عَلَيْكَ وَعَلَى سَائِرِ الأَنْبِيَاءِ وَالْمُرْسَلِينَ».

وَلا يَنْبَغِى أَنْ يُخْلِىَ مَوْقِفَهُ ذَلِكَ مِنَ الصَّلاةِ عَلَيْهِ ﷺ، وَمَنِ اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ السَّلامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ثُمَّ تَنَحَّى إِلَى الْيَمِينِ مِقْدَارَ ذِرَاعٍ فَسَلَّمَ عَلَى الصِّدِّيقِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ ثُمَّ تَنَحَّى قَدْرَ ذَلِكَ وَسَلَّمَ عَلَى الْفَارُوقِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ ثُمَّ عَادَ إِلَى مَوْقِفِهِ الأَوَّلِ فَقَدْ أَدَّى السَّلامَ كَمَا يَنْبَغِى وَقَدْ ذَكَرَ الإِمَامُ أَبُو الْوَفَاءِ بنُ عَقِيلٍ الْحَنْبَلِىُّ الَّذِى هُوَ مِنْ أَعْمِدَةِ الْمَذْهَبِ الْحَنْبَلِىِّ أَنَّهُ مِمَّا يُسْتَحَبُّ قَوْلُهُ عِنْدَ زِيَارَةِ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اللَّهُمَّ إِنَّكَ قُلْتَ فِى كِتَابِكَ لِنَبِيِّكَ ﷺ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا﴾ سُورَةَ النِّسَاء/64 وَإِنِّى قَدْ أَتَيْتُ نَبِيَّكَ تَائِبًا مُسْتَغْفِرًا فَأَسْأَلُكَ أَنْ تُوجِبَ لِىَ الْمَغْفِرَةَ كَمَا أَوْجَبْتَهَا لِمَنْ أَتَاهُ فِى حَيَاتِهِ اللَّهُمَّ إِنِّى أَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ ﷺ نَبِىِّ الرَّحْمَةِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّى أَتَوَجَّهُ بِكَ إِلَى رَبِّى لِيَغْفِرَ لِى ذُنُوبِى.

قاله النووي في كتاب المجموع مبيناً ما يستحبّ أن يقوله من يزور النبي صلى الله عليه وسلم إذا وقف أمام القبر الشريف مخاطباً رسول الله صلى الله عليه وسلم ونص عبارته ثمّ يرجع إلى موقفه الأول قبالة وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتوسل به في حق نفسه ويستشفع به إلى ربه سبحانه وتعالى ومن أحسن ما يقول ما حكاه الماوردي والقاضي أبو الطيب وسائر أصحابنا ـ يعني سائر الشافعية عن العتبي مستحسنين له قال كنت جالساً عند قبر رسول الله صلى الله عليه وءاله وسلم فجاء أعرابي فقال السلام عليك يا رسول الله سمعت الله يقول ﴿ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله تواباً رحيما﴾ وقد جئتك مستغفرا من ذنبي مستشفعا بك إلى ربي ثم أنشأ يقول يا خير من دفنت في القاع أعظمه ... فطاب من طيبهن القاع والاكم ... نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه ... فيه العفاف وفيه الجود والكرم ثم انصرف فحملتني عيناي فرأيت النبيّ صلى الله عليه وسلّم في النوم فقال "يا عتبي الْحَقِ الأعرابيَّ فبشره بأنَّ اللهَ تعالى قد غفر له" انتهى كلام النووي.