والركن (الخامس عشر) هو (الصلاة على النبىّ صلى الله عليه وسلم وأقلُّها) أى الصلاةِ على النبىّ عليه الصلاة والسلام (اللهم صلِّ على محمدٍ) أو نحوُهُ مثلُ صَلَّى الله على محمد، والركن (السادس عشرَ) هو (السلام) الأول (وأقله السلام عليكم) ويشترط فيه الإتيان بألْ لا يصح سلام عليكم وبميمِ عليكم والموالاةُ بين كلمتيه يعني لا يقول السلام ثم ينتظر طويلا ثم يقول عليكم بل لا بد من أن يوالي بين كلمتيه والركن (السابعَ عشرَ) هو (الترتيب) لأركانِ الصلاة كما ذُكِرَتْ (فإن تعمد) المصلى (تركه) أى الترتيبِ بأن قَدَّمَ ركنًا قوليًا هو السلام أو ركنًا فعليًا على محله (كأن سجد قبل ركوعه بطلت) صلاته لتلاعبه (وإن سها) بتركه الترتيبَ (فَلْيَعُدْ إليه) أى إلى المتروك وَلْيُتِمَّ صلاتَهُ (إلا أن يكون) الساهى لم يتذكر ترك الركن إلا بعد شروعه (فى) ركنٍ (مثلِهِ) أى مثلِ المتروكِ (أو) لم يتذكر إلا بعد شروعه فى ركنٍ (بَعْدَهُ) أى بعد مثلِ المتروكِ (فَتَتِمُّ به) أى بمثلِ الركنِ المتروكِ (ركعتُهُ) التى نَقَصَ منها ركنًا (ولغا) حينئذٍ (ما سها به) أى ما فعله حالةَ سَهْوِهِ وهو ما بين المتروك والمثلِ المفعولِ الذى تَمَّتْ به الركعة (فلو لم يذكر تركه للركوع) مثلاً (إلا بعد أن ركع فى القيام الذى بعده أو فى السجود الذى بعده) تمت بركوعِهِ ركعتُهُ و(لغا ما فعله بين ذلك).

(فصلٌ) فى شروط وجوب الجماعة والجمعة وشروط صحة الجمعة وفى أركان الخُطبتين وشروطهما (الجماعةُ) فى الصلوات الخمس (على الذكور الأحرار المقيمين البالغين) العاقلين (غير المعذورين فرضُ كفاية) فلا تجب على النساء والعبيد والمسافرين ومن هو دون البلوغ وغيرِهم من المعذورين بعذرٍ من الأعذار المسقطة لوجوب الجماعة وذلك كالمطر الذى يَبُلُّ الثوب والخوفِ من العدو بذهابه إلى مكان الجماعة ويحصل الفرض بإقامتها بحيث يظهر الشعار ويحصل فرض الكفاية بإقامتها بحيث يظهر الشعار

بأن تقام في البلد الصغيرة في محل وفي الكبيرة في محالَّ متعددةٍ بحيث يمكن قاصدَها إدراكُها بلا مشقّة ظاهرة (و) الجماعة (فى) صلاة (الجمعة فرض عين عليهم) أى على الذكور الأحرار المقيمين البالغين العاقلين غير المعذورين (إذا كانوا أربعين) ولو مع الإمام (مكلفين مستوطنين فى أبنيةٍ) سواءٌ كانت من خشب أم حجر أم طين و(لا) تجب على المستوطنين قال في فتح الوهاب متوطنًا بمحلها (أي الجمعةِ) أي لا يظعن عنه شتـاء ولا صيفًا إلا لحاجة اهـ (فى الخيام لأنها) أى الجمعةَ

(لا تجب على أهل الخيام) لأنَّ النبي لم يأمر قبائل العرب الذين كانوا حول المدينة بحضور الجمعة التي كانت تقام فيها (وتجب) الجمعة عينًا أيضًا (على من) كان مسافرًا ثم (نوى الإقامة عندهم أربعة أيام صحاح أى) كواملَ (غيرَ يومىِ الدخولِ والخروج) أو أكثر من ذلك لأن السفر ينقطع بذلك (و) تجب عينًا أيضًا (على من) أى شخص ولو كان ساكنًا فى خيمة (بلغه نداءُ) أى أذانُ شخصٍ (صيِّتٍ) أي قوىِّ الصوتِ (من) واقفٍ فى (طرفٍ يليه) أى لا فى الوسط (من بلدها) أى من البلد الذى تقام فيه الجمعة وذلك باعتبار كونه واقفًا بمستوٍ مع اعتبار سكون الريح بحيث يَعْلَمُ أنّ ما يسمعُهُ نداءُ الجمعة ولو لم تتبين الكلمات وباعتبار كونه معتدل السمع (وشرطها) أى شرط صحة الجمعة أربعةٌ الأول أن تكون فى (وقت الظهر) فإن فاتته قضاها ظهرًا (و) الثانى (خطبتان قبلها) أى قبل الصلاة (فيه) أى فى وقت الظهر (يسمعهما) أى أركان الخطبتين (الأربعون و) الثالث (أن تُصَلَّى) الجمعةُ (جماعةً بهم) فلا تصح فرادى (و) الرابع (أن لا تقارنها) أى الجمعةَ أو تسبقها جمعةٌ (أخرى ببلد واحد فإن سبقت إحداهما) الأخرى (بالتحريمة) أى بتكبيرة الإحرام أي علم سبقها (صَحَّتْ) الجمعةُ (السابقةُ ولم تصحَّ) الجمعةُ (المسبوقةُ) والعبرة فى السَّبْقِ والمقارنة هو بالنطق بالراء من تكبيرة الإحرام.

لاتصح الجمعة إذا تعددت إلا أن يُعلم أنها السابقة فإن لم يعلم أنها السابقة لم تصح وكذا إن تقارنت جمعتان أو أكثر فإنهالم تصح فالحالة التي تصح فيها الجمعة إن عُلم كونها سابقة. قال بعض الشافعية (هذا) الحكم من تصحيح صلاة السابقة وعدم تصحيح صلاة المسبوقة بحسب ظاهر كلام الشافعي في أي بلد كان شقَّ أو لم يشقَّ كبُرت أو صغُرت لا بد من إقامة جمعة واحدة قالوا لأنه في الحقيقة لو لم يكن مكان يجمعهم فإنهم يقدرون على أن يصلوها في الطرقات فعليهم بالسعي لإقامتها في

مكان واحد (إذا كان يمكنهم الاجتماع فى مكان واحد) ولم يفعلوا (فإن شقَّ ذلك) عليهم جاز لهم تعديدها بحسب الحاجة و(صحت) عندئذ (السابقة المسبوقة) بعض الشافعية قال إذا كان ثمة مشقة أي صعوبة في اجتماعهم في مكان واحد يجوز التعديد في هذه الحال على قدر الحاجة وليس أزيد وما زاد عن قدر الحاجة لا يصح مثلا صلاة الجمعة إذا كانت تقام في عشرة مواضع في البلد للحاجة وكانت إقامتها في هذه المواضع العشرة تسد الحاجة فما زاد على ذلك لا يصح كأن صلى أربعون شخصا في بيت ولم

يكن حاجة تدعو لذلك لم تصح جمعتهم فالتعديد إنما يكون على حسب الحاجة (وأركان الخطبتين) خمسةٌ الأولُ (حمد الله) بلفظ الحمد لله أو لله الحمد أو نحوِ ذلك (و) الثانى (الصلاةُ على النبىّ صلى الله عليه وسلم) بلفظ صلى الله على محمد أو اللهم صلِّ على محمد أو نحوِ ذلك (و) الثالثُ (الوصية بالتقوى) وذلك بالحثّ على الطاعة والزجر عن المعصية أو أحدهما فلو قال أدُّوا الواجبات واجتنبوا المحرمات لكفى ذلك ولا بد من حمدِ الله والصلاة على النبى صلى الله عليه وسلم والوصية

بالتقوى (فيهما) أى فى كلّ من الخطبتين (و) الرابع قراءةُ (ءايةٍ مفهمةٍ فى إحداهما) أى فى إحدى الخطبتين فلا يكفى نحوُ ﴿ثم نظر﴾ (و) الخامس (الدعاء للمؤمنين فى) الخطبة (الثانية) كأن يقول اللهم اغفر للمؤمنين (وشروطُهما) زيادةً على ما مَرَّ سبعةٌ أحدُها (الطهارةُ عن الحدثين) الأصغر والأكبر (وعن النجاسة) التى لا يُعفى عنها (فى البدن والمكان والمحمول) من ثوب وغيره (و)ثانيها (ستر العورة) وهى ما بين السرة والركبة كما مرَّ (و)ثالثها (القيام) فيهما للقادر القيام

فيهما مع القدرة فإن عجز عن القيام فالأولى أن يستنيب ولو خطب قاعدًا أو مضطجعًا للعجز جاز كالصلاة ويجوز الاقتداء به اهـ (و)رابعها (الجلوس بينهما) وأقلُّهُ قدرُ الطمأنينة وسن أن يقرأ سورة الإخلاص في الجلوس المذكور اهـ (و)خامسها (الموالاة بين أركانهما) بأن لا يُطِيلَ الفصلَ بينهما عرفًا بما لا تعلق له بالخطبة أي بما لا تعلق له بالخطبة كأن حمدَ الله و صلى على النبي ثم صار يتكلم مع واحد ويقول له مثلا كيف حالك وهكذا حتى طال الفصل أما ردّ السلام فلا يعد به مطيلا للفصل بين الخطتين النبي مرة كان يخطب فسأله رجل متى الساعة فقال له النبي ما أعددتَ لها الحديثَ فهذا يعد قليلا ليس كثيرا (و)سادسها أن لا يطيل الفصل (بينهما) أى الخطبتين (وبين الصلاة) عرفًا قال في إعانة الطالبين والحاصل الولاء معتبر في ثلاثة مواضع الأول بين الخطبتين فلا يطيل الفصل بينهما والثاني بين أركانهما والثالث بينهما وبين الصلاة فلا يطيل الفصل بين الثانية منهما وبين الصلاة اهـ (و) سابعها (أن تكونا) أي الخطبتان أى أركانُهُما (بالعربية) وإن كانوا كلهم عجما.

مسئلة: يحرم التشاغل عن الجمعة ببيع ونحو ذلك كالإجارة وكأن يهب مالاً ليهبَهُ في مقابله غرضًا بعد الأذان الثاني ويكره قبله وبعد الزَّوال وأما لو ركب الشخص سيارة الأجرة للذهاب لصلاة الجمعة فيجوز لأن هذا ليس فيه تشاغل عنها. قال في إعانة الطالبين قوله وحرم على من تلزمه الجمعة نحو مبايعة أي لقوله تعالى ﴿يا أيها الذين ءامنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعَوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ فورد النص في البيع وقيس عليه غيره ومحل الحرمة في حق من جلس له في غير

الجامع أما من سمع النداء فقام قاصدًا الجمعة فباع في طريقه أو قعد في الجامع وباع فإنه لا يحرم عليه اهـ قال في فتح الوهاب كما صرح به في التتمة ونقله في الروضة قال وهو ظاهر لكن البيع في المسجد مكروه اهـ (فصلٌ) فى شروط الاقتداء (ويجب على كل من صلى مقتديًا) بغيره (فى جمعة أو غيرها) سبعةُ أمورٍ أحدُها (أن لا يتقدم) المأمومُ (على إمامه فى الموقف) أى فى المكان الذى يقف فيه المقصود أن يكون المأموم متأخرا عن الإمام في الموقف بحيث يكون القدر الذي يلاقي الأرض من مؤخر القدم من رجل المأموم متأخرا عما يلاقي الأرض من مؤخر رجل الإمام ولا تُبطل مساواتُهُ فيه لكن تُكره (و) أن لا يتقدمَ على إمامه فى تكبيرةِ (الإحرامِ) فيجب تأخيرُ جميعِ تكبيرة المأموم عن جميع تكبيرة الإمام (بل تُبْطِلُ المقارنةُ) أى تمنع من الانعقاد يعني في الأصل ما انعقدت إذا كانت (فى الإحرام وتُكْرَهُ) المقارنةُ (فى غيره) أى فى غير الإحرام من الأفعال وتفوت بها فضيلة الجماعة إذا قارن المأموم الإمام فيها لا تبطل صلاته إنما تفوته فضيلة الجماعة قال في فتح الجواد أما غير الإحرام كالسلام فلا تضر المقارنة فيه لكنها مكروهة اهـ (إلا التأمينَ) أى قولَ ءامين عقب الفاتحة فيسن للمأموم أن يقارن الإمام فيه.

يقولون الإمام والمأموم ينتظران بقدر سبحان الله ثم يقولان آمين. ويجب على من أراد الصلاة مقتديًا بغيره سواءٌ كان في جمعة أو غيرها أن يُراعيَ شروطَ الاقتداء في إمامه الذي يريد الاقتداء به وهي ستةٌ الأول أن لا يعلم بطلان صلاته فإِن علم بطلان صلاته بحدث أو غيره بأن علم على ثوبه نجاسة غير معفو عنها واقتدى به فسدت صلاته لتلاعبه. والثاني أن لا يظن البطلان فلو اجتهد اثنان في القِبلة فاختلف اجتهادهما فليس لأحدهما أن يقتديَ بالآخرِ فإن اقتدى أحدُهما بالآخر بطلت صلاةُ المقتدي والثالث أن لا يعتقد وجوب القضاء عليه كمُتيمّمٍ لفقد ماءٍ بمحلٍّ يغلب فيه وجوده فلا يصحُّ أن يقتدي بمن علمه متيممًا لفقد الماء في هذا المحل لأنه لا بُدَّ له من القضاء،

ومثله من كان وضع جبيرة على موضع التيمم والرَّابع أن لا يَشُكَّ في كونه مأمومًا أو إمامًا فيحرم الاقتداءُ بمن شَكَّ فيه هل هو إمامٌ أو مأموم وبالأولى إن علِمَ أنه مأموم وهذا إن كان اقتدى به قبل انقضاء صلاة إمامه أما بعد انتهاء صلاة الإمام فإن اقتدى بمن كان مأمومًا مسبوقًا صحت قدوته مع الكراهة إن علم بالحال فلو رأى اثنين وشكَّ أَيّهما الإمام لم يصح الاقتداء بأحدهما ولو اجتهد في ذلك والخامس أن لا يكون أُمّيًّا لا يحسن الفاتحة كأن يَعْجِزَ عن حرفٍ من حروف الفاتحةِ أو عن إخراجه من مخرجه (ويحرم) على المأموم (تقدمه) على الإمام (بركن فعليٍّ) تامٍّ كأن ركع ثم اعتدل والإمام لم يركع بعدُ (و) لا (تبطل الصلاة) بذلك من أحكام الجماعة أن لا يتقدّم المأمومُ على الإِمام بركنٍ فِعليٍّ فتقدُّم المأموم على الإِمام بركنٍ فعليّ كالركوع والسجود حرامٌ وهو من الكبائر.

ومعنى السبق بركن فعلي أن يكون الإِمام في القيام فيسبقه المأموم فيركع ثم يرفع رأسه فهذا حرامٌ من الكبائر ولا تبطل الصلاة بذلك فلو سبق الإِمامَ ببعض الركن لا بِكُلِّه كأن ركع والإِمامُ قائمٌ فانتظر في الركوع حتى ركع الإِمامُ فهو مكروه وتبطل (بالتقدم على الإمام بركنين فعليين متواليين طويلين أو طويل وقصير بلا عذر) كأن يركعَ المأمومُ ويعتدلَ ويهوىَ للسجود والإمامُ بعد قائم ذلك كأن يركع المأموم ويعتدل ويهويَ للسجود والإِمامُ قائم، ومثلُه أن يركعَ المأموم

قبل الإِمام فلمَّا أراد أن يركع رفع فلمَّا أراد أن يرفع سجد فلم يجتمع معه في ركوع ولا اعتدال فهذا أيضًا تقدُّمٌ على الإمام بركنين فعليَّين (وكذا) يُبطل الصلاةَ (التأخرُ) أى تأخرُ المأمومِ (عنه) أى عن الإمام (بهما) أى بركنين فعليين متواليين طويلين أو طويل وقصير إذا كان ذلك (بغير عذر) كأن رفع الإمام رأسه من الركوع واعتدل وبدأ بالهُوِىّ للسجود والمأموم بعدُ قائمٌ لم يركع بلا عذر بطلت صلاته (و) تبطل الصلاةُ أيضًا بتأخرِ المأمومِ عن الإمامِ (بأكثرَ من ثلاثة أركان طويلة)

كالركوع والسجودين (ولو) كان تأخره (لعذر) كبطء قراءته للفاتحة (فلو تأخر) المأمومُ عن الإمامِ (لإتمام) قراءة (الفاتحة) مثلاً (حتى فرغ الإمام من الركوع والسجودين فجلس للتشهد) يعني تلبس بالركن الرابع (أو قام) للركعة التى بعدها ترك المأموم فورًا ترتيبَ نفسه يعني فورا متى ما تلبس بالركن الرابع يترك المأموم ترتيب نفسه ومنهم من قال غير هذا لكن الشيخ كان ميله إلى أنه متى ما تلبس الإمام بالركن الرابع يترك المأموم ترتيب نفسه و(وافق الإمام فيما هو فيه وأتى بركعة بعد سلام إمامه) لفواتها عليه لأنه يوجد ركعة فاتته فإن لم يتابعه واستمر على ترتيب نفسه بطلت صلاته (و) أما (إن أتمها) أى الفاتحة (قبل ذلك) أى قبل أن يسبقه الإمام بأكثر من ثلاثة أركان طويلة أي قبل أن يتلبس الإمام بالركن الرابع (مشى) المأموم (على ترتيب نفسه) من مبطلات الصلاة التأخر عن الإمام بأكثر من ثلاثة أركان طويلة كالركوع والسجودين كأن ركع الإمامُ ثم اعتدل ثم هوى للسجود فسجدَ السجود الأول والسجود الثانيَ وقعد للتشهُّد فإذا كان لم ينته من قراءة الفاتحة ترك ترتيب نفسه ووافق الإمام فيما هو فيه وفاتته ركعة فيأتي بركعة بعد سلام إمامه وإلا بأن لم يتابع الإمام ولا نوى مفارقته بل استمر على ترتيب نفسه فهذا تبطل صلاته لأنه تأخّر بأكثرَ من ثلاثة أركان طويلة ولو كان تأخُّره لعذرٍ كأن كان ناسيًا أنّه في الصلاة أو أنه مُقْتَدٍ أو كان بطيء القراءة أي لا يساعده لسانه على السُّرعة بيان.

إنَّما شرطوا الرّكن الفعليّ لأن التقدّم بالركن القوليِّ غير السلام لا يحرمُ ولا يبطل الصلاة كالتقدُّم بالفاتحة قبل أن يبدأ الإمام بها أو بالتشهُّد الأخير قبل أن يبدأ الإمام به فإِذا قرأ المأموم الفاتحة وأنهاها والإمام بعدُ لم يشرع في قراءتها ثم اكتفى المأموم بتلك القراءة لم يحرم ذلك ولم تبطل صلاته لكنه ارتكبَ الكراهةَ إلاَّ أَنَّ التقدم بتكبيرة الإحرام على الإمام يمنعُ صحَّة القدوة فيبطل الصلاة فمن أراد الاقتداء بإِمامٍ فكبَّر قبله تكبيرةَ الإحرام

مع نية الاقتداء به لم تصحَّ صلاته إِلا أن يعيد التكبيرة بعد تكبيرةِ الإِمام وكذا السلامُ عمدًا قبل الإمام يبطل الصلاة إلا أن ينوي المفارقة فيسلِّمَ قبله فإِنَّ صلاته لا تبطل (و) ثانيها (أن يعلم) المأموم (بانتقالات إمامه) برؤية الإمام أو بعض المأمومين ممن يرى الإمام أو بسماع صوت الإمام فيكفي سماع صوت الإمام ولو بواسطة الآلة أو المبلغ (و) ثالثها (أن يجتمعا) أى الإمامُ والمأمومُ (فى مسجد) وإن بعدت المسافة بينهما أكثر من ثلاثمائة ذراع (وإلا) بأن كانا

خارج المسجد (ففى مسافة ثلاثمائة ذراعٍ يدوية) تقريبًا فإن كان المأمومون صفوفًا متتابعةً اشتُرط أن لا تزيد المسافة بين المأموم والصف الذى قبله على ثلاثمائة ذراع وإن بلغ ما بين الإمام والمأموم فراسخ قال في الروضة الحال الثالث أن يكون أحدهما في المسجد والآخر خارجه فمن ذلك أن يقف الإمام في مسجد والمأموم في موات متصل به فإن لم يكن بينهما حائل جاز إذا لم تزد المسافة على ثلاثمائة ذراع ويعتبر من آخر المسجد على الأصح وعلى الثاني من آخر صف في المسجد فإن لم يكن

فيه إلا الإمام فمن موقفه اهـ (و) رابعها (أن لا يحول) فى خارج المسجد (بينهما) أى الإمامِ والمأمومِ (حائلٌ يمنع الاستطراقَ) أى المرورَ إلى الإمام كجدار أو باب مغلق أي مقفل أو حائلٌ يمنع الرؤية كباب مردود قال في الروضة ولو كان بينهما باب مغلق فهو كالجدار لأنه يمنع الاستطراق والمشاهدة وإن كان مردودا غير مغلق فهو مانع من المشاهدة دون الاستطراق أو كان بينهما مشبك فهو مانع من الاستطراق دون المشاهدة ففي الصورتين وجهان أصحهما عند الأكثرين أنه مانع هذا كله في الموات اهـ (و)خامسها (أن يتوافق نظم صلاتيهما) أى الإمام والمأموم وذلك بأن يتفقا فى الأفعال الظاهرة وإن اختلفا عددًا ونيةً قال البجيرمي في حاشيته المراد بالنظم الصورة والهيئة الخارجية أي توافق هيئة صلاتيهما اهـ (فلا تصحُّ قدوةُ مصلى الفرض) كظهرٍ (خلفَ) مصلى (صلاةِ الجنازةِ) لعدم اتفاقهما فى النظم من شروط الجماعة والقدوة توافقُ نظمِ صلاة الإِمام ونظم صلاة المأموم بأن يتَّفقا في الأفعال الظاهرة وإن اختلفا عددًا ونيةً فإن اختلفا في ذلك كمكتوبة اقتدى فاعِلُها بمن يصلِّي صلاةَ الجنازة فإنها لا تصح بهذه الكيفيَّة لتعذُّر المتابعة.

قال في شرح الروض يصح اقتداء مؤد بقاضٍ ومفترض بمتنفل ثم قال ومع جواز ذلك يسن تركه خروجًا من الخلاف اهـ (و)سادسُها (أن لا يتخالفا) أىْ المأمومُ والإمامُ (فعلًا وتركًا فى سنةٍ تفحش المخالفة فيها) وذلك (كالتشهد الأول أى جلوسه) فإن تركه الإمامُ وفعله المأموم بطلت صلاته بذلك وكذا سجود السهو إن فعله أحدهما وتركه الآخر بخلاف ما لا تفحش المخالفة فيه كجَلْسَةِ الاستراحة فإنها لا تبطل. قال في إعانة الطالبين حاصل الكلام عليه أن المأموم إذا ترك التشهد وحده وانتصب

أو ترك القنوت وسجد ثم عاد له لا تبطل صلاته بل يتعين عليه العود إن كان انتصابه أو سجوده نسيانًا لمتابعة الإمام لأنها فرض وهي ءاكد من تلبسه بالفرض وإن كان عمدًا لا يتعين عليه ذلك بل يسن والفرق بين العامد والناسي أن الأول له غرض صحيح بانتقاله من واجب إلى واجب فاعتد بفعله وخُيِّرَ بين العود وعدمه بخلاف الثاني فإن فعله وقع من غير قصد فكأنه لم يفعل شيئًا فإن ترك الإمام التشهد وانتصب قائمًا يجب على المأموم أن ينتصب معه وإلا بطلت صلاته لفحش المخالفة فإن عاد الإمام بعد انتصابه لم تجز موافقته لأنه إما عامد فصلاته باطلة أو ساهٍ وهو لا يجوز موافقته اهـ (و)سابعها (أن ينويَ) المأمومُ (الاقتداءَ) أو الائتمامَ بالإمامِ أو الجماعةَ (مع التحرم) أى مع تكبيرة الإحرام (فى الجمعة) والمعادةِ والمجموعةِ للمطر والمنذورةِ جماعةً (و) أن ينوىَ ذلك (قبل المتابعة) للإمام (وطول الانتظار) له ولو بعد التكبيرة (فى غيرها) أى المذكورات فإن تابعه بعد انتظارٍ طويلٍ بلا نيةِ اقتداءٍ بطلتْ صلاتُهُ وأما إن انتظره ولم يتابعه أو تابعه مصادفة بغير قصد لا يقصد أن يتابعه ولكن كلما أراد أن يرفع رفع معه أو تابعه قصدًا من غير انتظار طويل صار ينتظر ركوعه ليركع وسجوده ليسجد لم تبطل صلاته إنما الذي يبطل طول الانتظار مع المتابعة.

قال الأنصاري في فتح الوهاب فلو تركها أي هذه النية أو شك فيها وتابع في فعل أو سلام بعد انتظار كثير للمتابعة بطلت صلاته لأنه وقفها على صلاة غيره بلا رابط بينهما فلو تابعه اتفاقًا أو بعد انتظار يسير أو انتظره كثيرًا بلا متابعة لم يضر اهـ وفي حاشية البجيرمي قوله "بعد انتظار كثير" بأن كان يسع ركنا اهـ من شروط القدوة أن ينوي المأمومُ القدوة أو الجماعة في التكبيرة أو فيما بعدها وفي تكبيرة التحرم في الجمعة والصلاةِ المعادة والمجموعة للمطر فيُشترط في هذه المذكورات

نيةُ الاقتداء في أثناء تكبيرة التَّحرُّم وكذلك المنذورةُ جماعة وما سوى هؤلاء الأربع يشترط فيه أن تكون النيّةُ قبل المتابعة بحيث لو تابَع بلا نيةٍ فسدت صلاته أي إن طال انتظاره بخلاف ما إذا انتظره انتظارًا طويلاً بلا متابعة فإنه لا تفسد صلاته أي أنَّ الذي يتابع شخصًا لم ينوِ الاقتداء بهِ قصدًا أي ينتظر ركوعه فيركع بعد ركوعه أو ينتظر سجوده فيسجد بعد سجوده كأنّه مأموم وهو ليس بمأموم فسدت صلاته إن طال انتظاره بخلاف ما لو تابعه اتفاقًا أي مصادفةً لا بقصدٍ

فإِنَّ صلاته لا تفسد ولا تُفْسِدُ متابعتُه في الأقوال إلا في السلام وكذلك إن انتظره انتظارًا طويلاً ولم يتابعه في الفعل فلا تفسد صلاته (ويجب على الإمام نيةُ الإمامة فى الجمعةِ والمعادةِ) وكل ما تشترط له الجماعة فى تكبيرة الإحرام (وتسن) نية الإمامة (فى غيرهما) أى الجمعةِ والمعادةِ ونحوهما ليحوز فضيلة الجماعة (و) الصلاةُ (المعادةُ هى الصلاة التى يصليها) الشخص جماعة (مرة ثانية) بعد أن كان قد (صلاها) قبلُ (جماعةً أو منفردًا) فمن صلّى منفردًا أو جماعة ثم رأى مَنْ يصلي معه جماعةً يُسنّ له إعادتها ففي سنن أبي داود قال حَدَّثَنَا حَفْصُ ابْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنِى يَعْلَى بْنُ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ غُلاَمٌ شَابٌّ فَلَمَّا صَلَّى إِذَا رَجُلاَنِ لَمْ يُصَلِّيَا فِى نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ فَدَعَا بِهِمَا فَجِىءَ بِهِمَا تُرْعَدُ فَرَائِصُهُمَا فَقَالَ « مَا مَنَعَكُمَا أَنْ تُصَلِّيَا مَعَنَا » قَالاَ قَدْ صَلَّيْنَا فِى رِحَالِنَا فَقَالَ « لاَ تَفْعَلُوا إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فِى رَحْلِهِ ثُمَّ أَدْرَكَ الإِمَامَ وَلَمْ يُصَلِّ فَلْيُصَلِّ مَعَهُ فَإِنَّهَا لَهُ نَافِلَةٌ ».

رواه أبو داود وغيره وصححه الترمذي وغيره (فصلٌ) فى بيان كيفية تجهيز الميت وصلاة الجنازة (غَسلُ الميتِ وتكفينُهُ) بعد الغسل (والصلاةُ عليه ودفنُهُ فرضُ كفاية) على كلّ من علم بحاله (إذا كان) الميت (مسلمًا) تجهيز الميت المسلمِ من فروض الكفاية فإذا مات ميّتٌ مسلمٌ ثم أُهمل تجهيزه فلم يجهَّز فظلَّ على الأرض حتى انتفخَ وأَنْتَنَتْ رائحتُه أثِمَ كلُّ من علِمَ بحاله فلم يفعل من غير عذرٍ من رجالٍ أو نساءٍ، هذا الحكمُ شاملٌ للجميع. ولو طِفْلاً إذا (وُلد حيًا) بأن عُلِمَت حياتُهُ بنحو صياحٍ أو تحركٍ اختيارىٍّ وأما الكافر الحربىُّ والمرتدُ فلا يجب لهما شىءٌ من ذلك أَمَّا غيرُ المسلمِ فلا يجبُ له ذلك فمن عَلِمَ بموتِ الكافر فلم يفعلْ شيئًا مما ذكر لم يكنْ عليه إثمٌ (ووجب لذميٍّ) أى كافرٍ يدفع الجزيةَ لخليفة المسلمين (تكفينٌ ودفنٌ) إن لم يقم بذلك أهل ملته لكن لا يكون دفنُهُ فى مقابر المسلمين. إلا أنَّ الكافرَ الذميَّ يجبُ تكفينُه ودفنُه فقط فلا تجوزُ الصلاةُ عليه ولا يجب غَسلُه، ولو غُسِلَ لم يكن فيه إثمٌ.

والكافر الذميُّ هو من كان له عهدٌ مع سلطان المسلمين لكونه التزم دفع الجزية كل سنةٍ مرةً واحدة فهذا الكافر الذميُّ إذا مات له حقُّ التكفينِ والدفنِ لكنَّه لا يدفنُ في مقابرِ المسلمينَ فإن لم يكنْ تركَ مالاً يكفَّنُ به ويجهّزُ به للدفنِ كان ذلك حقًّا أن يؤخذ من بيت مال المسلمين. أَمَّا المرتدُّ فليس له شىء من ذلك ولو كان أبوهُ وأمُّه مُسْلِمَيْنِ فلا يستحق إذا مات على قريبه المسلم أن يدفنه ولا أن يُكفِّنه لكنه يُسنُّ أن يُفْعَلَ به ما يكفي الناسَ رائحتَه

الكريهة (و)وجب (لسِقْطٍ ميتٍ) وهو الذى لم تظهر فيه أمارةُ الحياةِ (غسلٌ وكَفَنٌ ودفنٌ) إن ظهرت فيه خلقة ءادمى وإلا نُدب لفه بخرقة ودفنه إن لم تظهر فيه خلقة آدمي هذه الأمور لا تجب للميت إِلا إذا كان الميتُ مسلمًا قد وُلِد حيًّا بأن صرخ أو اختلج أي تحرك اختلاجًا اختياريًّا بعد انفصاله عن البطن فهذا يجب له الأمور الأربعة غسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه فيجب غسل الغريق ولا يُكْتَفَى بغرقه وكذلك المسلمُ الذي قتلَ نفسًا مسلمةً بغير حقٍ أو قتل نفسه فإنه

مات مسلمًا لكنه عاصٍ وقع فى أكبر الذنوب بعد الكفر ولا يجوز تكفيره لهذا ثم المولود إن لم يظهر منه أمارة الحياة كالاختلاج الاختياريّ والصياح لا تجب الصلاةُ عليه لكن يجب غَسله وتكفينه ودفنه هذا إن ظهر فيه خِلقةُ ءادميّ وأَمَّا إن لم تظهر فيه خلقةُ ءادميّ نُدِبَ لفُّه بخرقة ودفنه ولا يجبان (ولا يصلى عليهما) أى على الذّمىّ والسّقط (ومن مات) مسلمًا (فى قتال الكفار) ولو كافرًا واحدًا (بسببه) أى القتالِ (كُفِّن فى ثيابه) الملطخةِ بالدم ندبًا (فإن لم تكفه) ثيابُهُ هذه (زيد عليها) إلى ثلاث لفائف ويُسنُّ أن يُكفَّن الشهيد في ثيابه المُلطَّخة بالدم ولو نزعت منه ثم كُفِّن بغيرها كان جائزًا فإن كانت ثيابُه التي هي ملطخةٌ بالدم لا تكفيه زيد عليها إلى ثلاث وإِنَّما تُرك غسل الشهيد والصلاة عليه لأنَّ الله تبارك وتعالى طهَّره بالشهادة وتولاه برحمته فأغناه عن دعاء المصلِّين ولا يُسأل الشهيد في قبره ولذلك لا يلقن بل تصعد روحه إلى الجنة فيعيش فيها إلى أن يُبعث أهل القبور من قبورهم فترد روحه إلى جسمه ردًّا تامًّا فيخرج من قبره ثم يتبوَّأُ منزلَه في الجنة بجسده وروحه ولا يأكل الترابُ جسده لأنَّ أثر الحياة متصلٌ به كالشمس تكون بعيدةً عن الأرض ويتصل أَثَرُها بالأرض (ودُفِنَ) فى مقابر المسلمين (ولا يُغَسَّلُ ولا يُصَلَّى عليه) وذلك لأنه شهيدُ معركةٍ.

الشهيد لا يجوز غسله ولا الصلاةُ عليه وهو من مات مسلمًا لو كان أنثى أو عبدًا مسلمًا مملوكًا أو صبيًّا في قتال الكفّار ولو كان كافرًا واحدًا ولو مرتدًا بسبب القتال، فالمسلم الذي كان موته بسبب القتال أي قتال الكفار ولو رَمَحَته دابته فقتلته أو قتله مسلمٌ خطأً في حال القتال أو عاد سلاحه إليه فقتله أو سقط من دابته فمات فله هذا الحكم، أَمَّا من مات بسلاح الكافر ولم يكن هو مقاتلاً فإنه يغسّل ويُصلَّى عليه كسائر الشهداء الذين لم يكن سبب موتهم قتالَ الكفّار كالمبطون أي الذي مات بمرض بطنه كالإِسهال والقولَنج وهو مرضٌ يحبس الريح والغائط فإنهم يُغسّلون ويُصلَّى عليهم (وأقلُّ الغُسل) للميت (إزالة النجاسة) إن كانت على بدنه (وتعميمُ) أى استيعابُ (جميعِ) جسده (بشره وشعره وإن كثف) الشعرُ (مرةً) واحدةً (بالماءِ) الطاهرِ (المطهِّر) والأفضلُ التثليث. والواجب في غسل الميت تعميم جسده شعره وبشره بالماءِ المطهر مرة واحدة وما زاد على الغسلة الواحدة فهو سنة والأفضل تثليث غسله. والماء المطهِّر هو الذي لم يتنجس ولا صار مستعملاً ولا تغيَّر بمخالطٍ طاهر تغيرًا كثيرًا.