وَلَوْ كَانَ هَذَا الْمُسْكِرُ مِنْ غَيْرِ عَصِيرِ الْعِنَبِ كَالْعَسَلِ الْمَمْزُوجِ بِالْمَاءِ إِذَا غَلَى مِنَ الْمُكْثِ فهو نجس ويحرم بيعه، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا "اجْتَنِبْ كُلَّ شَىْءٍ يَنِشُّ" رَوَاهُ النَّسَائِىُّ فِى الْمُجْتَبَى، وَالنَّشِيشُ صَوْتُ غَلَيَانِ الشَّرَابِ وَهُوَ الْحَدُّ الْفَاصِلُ بَيْنَ النَّبِيذِ الْحَلالِ وَالنَّبِيذِ الْمُحَرَّمِ وَهُوَ أَوَّلُ الْخَمْرِ وَيَبْقَى هَذَا الشَّرَابُ خَمْرًا إِلَى أَيَّامٍ طَوِيلَةٍ إِلَّا أَنَّهُ بَعْدَ نَحْوِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا قَدْ يَتَغَيَّرُ طَعْمُهُ إِلَى الْحُمُوضَةِ فَلا يَصْلُحُ لِلإِسْكَارِ،

أَمَّا الْخَمْرُ طَعْمُهَا مُرٌّ لَكِنْ شَرَبَتُهَا يَسْتَلِذُّونَهَا مَعَ ذَلِكَ. فَنَبِيذُ التَّمْرِ وَالْعَسَلِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ لا يَحْرُمُ قَبْلَ أَنْ يَغْلِىَ وَلا يُسَمَّى خَمْرًا إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَغْلِىَ. وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْغَلَيَانِ الْغَلَيَانَ بِالْوَضْعِ عَلَى النَّارِ بَلِ الْغَلَيَانُ الَّذِى يَنْشَأُ فِى الْعَصِيرِ مِنَ الْمُكْثِ مَعَ تَغْطِيَةِ إِنَائِهِ فَيَحْصُلُ لِلْغَلَيَانِ صَوْتٌ فَيَرْتَفِعُ عِنْدَ الْغَلَيَانِ إِلَى أَعْلَى ثُمَّ يَنْزِلُ وَيَصْفُو فَيَسْتَطِيبُهُ شَرَبَةُ الْخُمُورِ، ثُمَّ لا يَزَالُ مُحَرَّمًا إِلَى أَنْ يَصِيرَ خَلًّا وَذَلِكَ بِتَغَيُّرِهِ إِلَى الْحُمُوضَةِ وَلَوْ كَانَتْ حُمُوضَةً خَفِيفَةً فَيَصِيرُ خَلًّا طَاهِرًا حَلالًا،

فالْمُسْكِرُ مَعْنَاهُ مَا يُعْطِى طَرَبًا وَنَشْوَةً وَيُغَيِّرُ الْعَقْلَ، وَيَدْخُلُ تَحْتَ عُمُومِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ الإِسْبِيرتُو وَلَوْ لِغَيْرِ الشُّرْبِ، وَمَنِ احْتَاجَ إِلَيْهَا فَلْيُحَصِّلْهَا بِغَيْرِ طَرِيقَةِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ كَأَنْ يَقُولَ بِعْنِى هَذِهِ الْقِنِّينَةَ بِكَذَا إِلَّا الإِسْبِيرتُو الَّذِى فِيهَا فَإِنِّى أَسْتَعْمِلُهُ مَجَّانًا.

وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَجْهَلُونَ حُرْمَتَهُ وَبَعْضٌ كَوْنَهُ مُسْكِرًا وَيَخْفَى عَلَيْهِمْ حُكْمُهُ لِأَنَّهُمْ لا يَقْصِدُونَهُ فِى الْغَالِبِ لِلشُّرْبِ وَإِنَّمَا يَقْصِدُونَهُ لِلْوَقُودِ وَنَحْوِهِ مِنَ الِاسْتِعْمَالاتِ فِى ظَاهِرِ الْجِسْمِ كَالْجُرُوحِ، وَذَلِكَ أَنَّ الإِسْبِيرتُو مُسْكِرٌ بَلْ هُوَ رُوحُ الْخَمْرِ أَىْ قُوَّتُهُ فَلا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَرْسَلَ فِى شِرَائِهِ لِأَنَّهُ كَسَائِرِ الْمُسْكِرَاتِ حُكْمًا فَالْحَدِيثُ الْوَارِدُ

فِى تَحْرِيمِ بَيْعِ الْخَمْرِ وَهُوَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِىِّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَالأَصْنَامِ" شَاهِدٌ لِتَحْرِيمِ بَيْعِ الإِسْبِيرْتُو الَّذِى هُوَ مُسْكِرٌ لِمَنْ يَقْصِدُهُ لِلسُّكْرِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ كَالْوَقُودِ وَالتَّدَاوِى لِظَاهِرِ الْجِسْمِ

(و)يحرم بيع كل (مُحَرَّمٍ كالطُّنبورِ وهو ءالةُ لهوٍ تشبه العودَ) وكالمزمار والكوبة وهو الطبل الضيق الوسط المسمى في بعض البلاد دربكة واستعمالها من عادة الفسقة (ويحرم بيع الشىء الحلال الطاهر على من تَعْلَمُ أنه يريد أن يعصىَ به) لما فيه من الإعانة على ما حَرَّمَ اللهُ وذلك (كالعنب) أى بيعِهِ (لمن) علمتَ أنه (يريده للخمر و) بيع (السلاح لمن) علمت أنه يريد أن يقتلَ به نفسَهُ أو (يعتدىَ به على الناس) فلا يجوز (وبيعُ المكْرهِ) فلا يصح بيع المكره ما يملكه ولا ينتقل عنه مِلكُ ما باعه إلى المشترِى إلا إذا أكرهه الحاكمُ أو نائبه بحقٍ وَيَدْخُلُ فِى حُكْمِ مَا مَرَّ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ بَيْعِ غَيْرِ الْمُكَلَّفِ عَدَمُ صِحَّةِ بَيْعِ الْمُكْرَهِ وَكَذَلِكَ شِرَاؤُهُ،

وَالْمُكْرَهُ هُوَ مَنْ هُدِّدَ بِنَحْوِ الْقَتْلِ أَوْ قَطْعِ الأَطْرَافِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ بِالنِّسْبَةِ لِمَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ كَمَا يُفْهَمُ مِنْ حَدِيثِ «إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِى عَنْ أُمَّتِى الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ [فِى سُنَنِهِ] بِهَذَا اللَّفْظِ، وَالْمُرَادُ بِالْخَطَإِ مَا يَفْعَلُهُ الشَّخْصُ بِدُونِ إِرَادَةٍ.

فَإِذَا حَرُمَ إِكْرَاهُهُ عَلَى بَيْعِ مَا يَمْلِكُ حَرُمَ شِرَاؤُهُ مِنْهُ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ مُكْرَهٌ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ بِحَقٍّ شَرْعِىٍّ فَيَصِحُّ شِرَاؤُهُ وَبَيْعُهُ كَأَنْ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ حَقٌّ كَبَيْعِ مَالِهِ لِوَفَاءِ دَيْنٍ مثلًا فَأَكْرَهَهُ حَاكِمٌ عَلَى ذَلِكَ. وَالدَّلِيلُ عَلَى اشْتِرَاطِ عَدَمِ الإِكْرَاهِ قَوْلُهُ تَعَالَى ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِّنْكُمْ﴾ [سُورَةَ النِّسَاء/29] وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ «إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضٍ» رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ [فِى صَحِيحِهِ] وَابْنُ مَاجَهْ [فِى سُنَنِهِ] (و)يحرم (بيعُ المعيبِ بلا إظهارٍ لعيبه) أى مع ترك بيانه فقد روى مسلم أنَّ الرسول صلى الله عليه وسلم مرّ برجل يبيع الطعام فأدخل يده فيه فمسّت يدُهُ بللاً فقال «يا صاحب الطعام ما هذا» فقال أصابته السماءُ أي المطرُ فقال «هلاّ جعلتَهُ ظاهرًا حتى يراه الناس من غشَّنا فليس منّا». والمراد بالطعام في الحديث القمح. وللمشترى خِيار الردّ فورًا عند علمه بالعيب.

إذا باع شيئا فيه عيب من غير أن يظهر هذا العيب للمشتري مع علمه بوجوده صح البيع مع الحرمة وللمشتري خيار الرد فورا عند علمه بالعيب فإن لم يرده فورا فاته خيار الرد وله أن لا يرده أيضا. له أن يرده ويأخذ ماله أو يتركه عنده ولا يرده ولا يطلب استرداد بعض المال بسبب وجود هذا العيب إما أن يرده ويأخذ كل ماله وإما أن يبقيه عنده من غير أن يطلب جزءا من المال الذي دفعه مقابل هذا العيب. ثم ذكر المؤلف رحمه الله (فائدة) فى بيان ما يُفعل بالتركة قبل القسمة فقال رحمه

الله وغفر له (لا تصح قسمةُ تركةِ ميتٍ) على الوارثين (ولا بيعُ شيء منها ما لم تُوَفَّ) أى ما لم تُقْضَ (ديونُهُ) إن كان عليه ديونٌ ويدخل فى ذلك ما لو كان عليه زكاة لم يؤدِّها (و)ما لم تُنفَّذْ (وصاياه) التى أوصى بصرفها بعد موته (و)ما لم (تُخرَجْ أجرة حجة وعمرة إن كانا) واجبين (عليه) بأن استقرا فى ذمته ولم يؤدّهما حتى مات وتُسَلَّمْ إلى من يَحُجُّ عنه ويعتمرُ (إلا أنْ يُباعَ شىءٌ) من التركة (لقضاء هذه الأشياء) فحينئذ يجوز لا تَصِحُّ قِسْمَةُ التَّرِكَةِ الَّتِى خَلَّفَهَا الْمَيِّتُ مِنْ كُلِّ حَقٍّ مَالِىٍّ لَهُ حَتَّى الْخَمْرُ الَّتِى تَخَلَّلَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَالدِّيَةُ الَّتِى أُخِذَتْ مِنْ قَاتِلِهِ،

وَكَذَا مَا وَقَعَ بِشَبَكَةٍ نَصَبَهَا فِى حَيَاتِهِ مَا لَمْ تُؤَدَّ دُيُونُ الْمَيِّتِ مِنْ دَيْنٍ لِلنَّاسِ أَوْ مِنْ دَيْنٍ لِلَّهِ كَالزَّكَاةِ الْوَاجِبَةِ فِى عَيْنِ الْمَالِ وَالْوَصَايَا أَىْ مَا أَوْصَى بِهِ بِأَنْ يُصْرَفَ بَعْدَ مَوْتِهِ كَأَنْ قَالَ لَهُمْ إِذَا مِتُّ فَأَعْطُوا لِفُلانٍ كَذَا، وَأُجْرَةُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ الْمُسْتَقِرَّيْنِ فِى ذِمَّتِهِ كَأَنْ مَاتَ وَقَدْ كَانَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَدَاؤُهُمَا، فَلا يَجُوزُ تَصَرُّفُ الْوَرَثَةِ فِى شَىْءٍ مِنَ التَّرِكَةِ حَتَّى يُخْرَجَ ذَلِكَ قَبْلًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَا بِيعَ لِقَضَاءِ شَىْءٍ مِنْ هَذِهِ الأَشْيَاءِ (فالتركة كمرهونٍ بذلك) فكما أن المرهون لا يجوز التصرف فيه بما يزيل الملك قبل قضاء الدين الذى رُهِنَ به إلا أن يكونَ بيعُهُ لقضاء الدين فالتركةُ كذلك.

التَّرِكَةُ تَكُونُ فِى مِلْكِ الْوَارِثِ لَكِنَّهَا تَكُونُ كَأَنَّهَا رَهْنٌ بِذَلِكَ، فَكَمَا لا يَصِحُّ التَّصَرُّفُ فِى الْمَرْهُونِ بِبَيْعٍ أَوْ نَحْوِهِ قَبْلَ وَفَاءِ الدَّيْنِ لا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِى التَّرِكَةِ الْمَشْغُولَةِ بِمَا ذُكِرَ، وَالْمَرْهُونُ هُوَ الشَّىْءُ الَّذِى يُجْعَلُ وَثِيقَةً عِنْدَ صَاحِبِ الدَّيْنِ يَسْتَوْثِقُ بِهَا لِدَيْنِهِ بِمَعْنَى أَنَّهُ إِنْ لَمْ يُوَفِّ دَيْنَهُ عِنْدَ الِاسْتِحْقَاقِ يُبَاعُ هَذَا الشَّىْءُ وَيَأْخُذُ مِنْهُ دَيْنَهُ.

ثم ذكر المؤلف رحمه الله مثالاً ءاخر لما لا يصح بيعه حتى تُؤَدَّى الحقوقُ المتعلقة به لزيادة تقريب المسئلة لفهم الطالب فقال (كرقيقٍ جنى) أي ارتكب جناية بأخذ مال شخص أو إتلافه فأتلف مال شخص (ولو) كانت جنايتُه (بأخذ دانِق) بفتح النون وكسرها وهو سُدُسُ دِرْهَمٍ لِأَنَّ الدِّرْهَمَ سِتَّةُ دَوَانِقَ فأتلفه (لا يصح بيعه حتى يؤدَّى ما برقبته أو يأذن الغريم فى بيعه) فيصح حينئذ والغريمُ هو صاحب المال الذى أتلفه الرقيقُ الْعَبْدُ إِذَا تَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ غَرَامَةٌ لا يَجُوزُ لِسَيِّدِهِ بَيْعُهُ حَتَّى يُؤَدَّى مَا بِرَقَبَتِهِ لِأَنَّ حَقَّ الْغَرِيمِ مُتَعَلِّقٌ بِالرَّقَبَةِ فَهِىَ مَشْغُولَةٌ تَمْنَعُ صِحَّةَ بَيْعِ السَّيِّدِ لَهَا،

أَوْ حَتَّى يَأْذَنَ الْغَرِيمُ وَهُوَ ذُو الْمَالِ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ فِى بَيْعِهِ فَيَصِحُّ حِينَئِذٍ (ويحرم أن يفتر) شخصٌ (رغبة المشتري) كأن يقول له أنا أبيعك خيرًا منه بالثمن نفسه أو أبيعك مثلَهُ بثمنٍ أقلَّ (أو) أن يفتر رغبة (البائع) كأن يقول له لا تَبِعْهُ لفلانٍ أنا أشتريه منك بأكثرَ إذا كان التفتير (بعد استقرار الثمن) أى بعد أن يكون كلٌّ من البائع والمشترى قد صرح بالرضا به يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِ الْمُكَلَّفِ أَنْ يُفَتِّرَ رَغْبَةَ الْمُشْتَرِى مِنْ غَيْرِهِ كَأَنْ يُخْرِجَ لَهُ أَرْخَصَ مِمَّا يُرِيدُ شِرَاءَهُ أَوْ يَبِيعَ بِحَضْرَتِهِ مِثْلَ الْمَبِيعِ بِأَرْخَصَ أَوْ يَعْرِضَ عَلَيْهِ لِيَشْتَرِيهِ، كَمَا يَحْرُمُ تَفْتِيرُ رَغْبَةِ الْبَائِعِ كَأَنْ يُرَغِّبَهُ بِاسْتِرْدَادِهِ لِيَشْتَرِيَهُ مِنْهُ بِأَغْلَى أَوْ يَطْلُبَهُ مِنَ الْمُشْتَرِى بِزِيَادَةِ رِبْحٍ بِحَضْرَةِ الْبَائِعِ.

وَحُرْمَةُ ذَلِكَ إِنْ حَصَلَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الثَّمَنِ بِأَنْ يَكُونَا قَدْ صَرَّحَا بِالرِّضَا بِه ويسمى السوم على سوم أخيه وإلا فلا يحرم كما لو طاف به البائع ليرى من يزيدُ فى الثمن ليبيعه فلا يحرم وكذا لو كان المفتِّر لا يريد شراء السلعة من البائع ولا بيعها للمشترى أى فلا يحرم عندئذ وقوله (ليبيع) المفتِّرُ (عليه) أى على المشترى هو فى الصورة الأولى (أو ليشتريَهُ) المفتِّرُ (منه) أى من البائع فى الصورة الثانية. (و)التفتيرُ بأنْ يأمر المفتِّرُ المشترىَ أن يفسخ العقد حتى يبيعَهُ هو أو البائعَ حتى يشتريَهُ هو (بعد) حصول (العقد) وقبل لزومه أى (فى مدة الخِيارِ أشدُّ) حرمةً سواءٌ كان الخِيارُ خِيارَ مجلسٍ أم شرطٍ أم عيبٍ لِأَنَّ الْمُتَبَايِعَيْنِ لَهُمَا الْخِيَارُ مَا دَامَا فِى الْمَجْلِسِ أَوْ خِيَارِ الشَّرْطِ أَشَدُّ مِنْهُ قَبْلَهُ وَبَعْدَ الِاتِّفَاقِ لِأَنَّ الإِيذَاءَ هُنَا أَكْثَرُ. وَخِيَارُ الشَّرْطِ مَعْنَاهُ الْوَقْتُ الَّذِى لِلْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِى الْخِيَارُ فِيهِ كَأَنْ يَقُولَ لَهُ بِعْتُكَ هَذَا الْبَيْتَ بِكَذَا بِشَرْطِ الْخِيَارِ إِلَى ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فَيَقُولَ الْمُشْتَرِى قَبِلْتُ.

فَإِنْ شَرَطَا الْخِيَارَ إِلَى يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاثَةٍ بِمَعْنَى إِنْ نَدِمَ أَحَدُهُمَا يَرْجِعُ فِى مَالِهِ إِنْ شَاءَ خِلالَ هَذِهِ الْمُدَّةِ صَحَّ ذَلِكَ فالتفتير بعد العقد وقبل أن يصير لازما أشد ويسمى البيع على بيع أخيه (و)يحرمُ (أن يشتريَ) شخصٌ (الطعام) كالخبز والتمر وغيرهما من الأقوات (وقتَ الغلاء والحاجة) إليه (ليحبِسَهُ) عنده عن البيع (ويبيعَهُ) بعد ذلك (بأغلى) يَحْرُمُ أَنْ يَشْتَرِىَ الإِنْسَانُ الطَّعَامَ أَىِ الْقُوتَ أَىْ مَا يَقُومُ بِهِ الْبَدَنُ أَىْ يَعِيشُ بِهِ كَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالْحِمَّصِ وَالْفُولِ حَتَّى التَّمْرَ وَالزَّبِيبَ وَنَحْوَهُمَا وَقْتَ الْغَلاءِ وَالْحَاجَةِ إِلَيْهِ لِيَحْبِسَهُ وَيَبِيعَهُ بِأَغْلَى مِنْ ذَلِكَ أَىْ بِثَمَنٍ زَائِدٍ عِنْدَ اشْتِدَادِ حَاجَةِ أَهْلِ مَحَلِّهِ أَوْ غَيْرِهِمْ إِلَيْهِ لِأَنَّ النَّاسَ يَنْضَرُّونَ،

هُمْ يَحْتَاجُونَ لِهَذَا الطَّعَامِ وَهُوَ يَقْطَعُ عَنْهُمْ حَاجَاتِهِمْ، وَهَذَا يُسَمَّى الِاحْتِكَارَ وَهَذَا تَفْسِيرُهُ فِى الْمَذْهَبِ، فَخَرَجَ بِذَلِكَ احْتِكَارُ طَعَامٍ غَيْرِ قُوتٍ كَالتِّينِ وَاللَّوْزِ وَالسِّمْسِمِ وَالتُّفَّاحِ وَاحْتِكَارُ قُوتٍ لَمْ يَشْتَرِهِ كَغَلَّةِ ضَيْعَتِهِ كَمَنْ يَمْلِك بُسْتَانًا طَلَعَ لَهُ فِيهِ ثِمَارٌ فَحَبَسَهُ فَهَذَا لَيْسَ حَرَامًا.

(و)يحرم (أن يزيد) شخصٌ (فى ثمن سلعة) أكثرَ من ثمنها وليس قصده أن يشتريَها بل فَعَلَ ذلك (لِيَغُرَّ غيره) أى حتى يوهمه أنَّ هذه السلعة قيمتها عاليةٌ فيغترَّ بذلك فيشتريَها. يَحْرُمُ أَنْ يَزِيدَ فِى ثَمَنِ سِلْعَةٍ لا لِيَشْتَرِىَ بَلْ لِيَغُرَّ النَّاسَ كَمَا يَفْعَلُ بَعْضُ النَّاسِ فِيمَا يُسَمُّونَهُ بِالْمَزَادَاتِ مِنْ أَنَّ الْبَائِعَ يَتَّفِقُ مَعَ وَاحِدٍ فَيَقِفُ بَيْنَ النَّاسِ لِيَزِيدَ فِى السِّعْرِ لِيَغُرَّهُمْ فَيَزِيدُوا هُمْ فِى السِّعْرِ أَيْضًا يُوهِمُهُمْ أَنَّ هَذَا الْغَرَضَ سِعْرُهُ أَكْثَرُ مِمَّا قَالُوا لِيَزِيدُوا فِى السِّعْرِ وَهَذَا الَّذِى زَادَ فِى السِّعْرِ لا يُرِيدُ أَنْ يَشْتَرِىَ وَهَذَا يُسَمَّى النَّجْشَ وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْىُ عَنْهُ فِى الصَّحِيحِ وَذَلِكَ مَا ثَبَتَ مِنْ قَوْلِهِ ﷺ "وَلا تَنَاجَشُوا" أَخْرَجَهُ الْبُخَارِىّ ويلتحق بالنجْشِ مدحُ السلعة ليرغِّبَ غيرَهُ فيها بكذب أَمَّا لَوْ قَالَ لَهُ شَخْصٌ أَدْفَعُ لَكَ كَذَا ثُمَّ جَاءَ ءَاخَرُ فَعَرَضَ سِعْرًا أَعْلَى فِى الْبِضَاعَةِ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الثَّمَنِ لا لِيَغُرَّ الأَوَّلَ فَلِلْبَائِعِ أَنْ يَبِيعَ مَنْ يَشَاءُ مِنْهُمَا (و)يحرم (أن يُفَرِّقَ) شخصٌ (بين الجارية وَوَلَدِها) بالبيع (قبل التمييز) ولو رضيتْ بالتفريق وكذلك لو كان ولدها مجنونًا بالغًا فيحرم التفريق بينهما قبل إفاقته.

للحديث الذي رواه الترمذي وغيره من فرق بين والدة وولدها فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة (و)يحرم على كلٍّ من العاقدين (أن يَغُشَّ) بإخفاء العيب وَالْغَشُّ مَعْنَاهُ إِخْفَاءُ الْعَيْبِ كَأَنْ يَكُونَ أَصَابَ قِسْمًا مِنَ الْقَمْحِ الْعَفَنُ فَيَجْعَلَ الَّذِى فِيهِ الْعَفَنُ فِى الأَسْفَلِ وَالَّذِى لَمْ يُصِبْهُ الْعَفَنُ فِى الأَعْلَى حَتَّى يَنْظُرَ الْمُشْتَرِى إِلَى الظَّاهِرِ فَيَظُنَّهُ كُلَّهُ صَحِيحًا (أو يخونَ فى الكيل والوزن والذَّرْع والعدِّ) قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أَىْ لِلْحِسَابِ.

وَالْوَيْلُ هُوَ الْعَذَابُ الشَّدِيدُ، وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ أَنَّ الْوَيْلَ وَادٍ فِى جَهَنَّمَ يَنْزِلُ الْكَافِرُ فِيهِ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا بُعْدهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً، هَذَا وَيْلُ الْكَافِرِ أَمَّا وَيْلُ الْمُسْلِمِ مَعْنَاهُ هَلاكٌ شَدِيدٌ، الْمُسْلِمُ الْعَاصِى لا يَنْزِلُ إِلَى ذَلِكَ الْقَعْرِ هِىَ جَهَنَّمُ فِيهَا أَمَاكِنُ أَعْمَقُ مِنْ بَعْضٍ.

وَالْمُطَفِّفُونَ هُمُ الَّذِينَ يَنْقُصُونَ فِى الْكَيْلِ أَوِ الْوَزْنِ. وَقَوْلُهُ تَعَالَى ﴿أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ﴾ هَذَا اسْتِفْهَامُ تَوْبِيخٍ، مَعْنَاهُ أَلا يَتَيَقَّنُ أُولَئِكَ بِأَنَّهُمْ سَيُبْعَثُونَ، مَعْنَاهُ لَوْ تَيَقَّنُوا مَا نَقَصُوا فِى الْكَيْل وَالْوَزْنِ. وَالْخِيَانَةُ فِى الْكَيْلِ كَأَنْ يَقُولَ لَهُ أَبِيعُكَ كَذَا وَسْقًا مِنَ الْحِنْطَةِ أَوِ التَّمْرِ أَوِ الشَّعِيرِ أَوِ الزَّبِيبِ ثُمَّ يَنْقُصُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْهُ.

وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَخُونَهُ فِى الْوَزْنِ كَأَنِ اتَّفَقَ مَعَهُ عَلَى أَنْ يَبِيعَهُ عَشَرَةَ أَرْطَالٍ مِنَ السُّكَّرِ ثُمَّ نَقَصَ عَلَيْهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ قَالَ لَهُ أَبِيعُكَ عَشَرَةَ أَذْرُعٍ مِنْ هَذِهِ الْخِرْقَةِ ثُمَّ نَقَصَ عَلَيْهِ ذِرَاعًا، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ يَبِيعُهُ بِالْعَدَدِ كَأَنْ قَالَ لَهُ أَبِيعُكَ خَمْسِينَ بَيْضَةً بِمَبْلَغِ كَذَا ثُمَّ خَانَهُ فِى الْعَدِّ فَنَقَصَ لَهُ.

(أو) أن (يكذِبَ) كأن يقول البائع إنَّ هذا المبيع يُباع فى السوق بكذا وهو يعلم أنه يُباع بأقلَّ (و)يحرم (أن يبيعَ) شخصٌ (القطنَ أو غيرَهُ من البضائع) لشخص لا يملك ثمن المبيعِ مثلاً (ويُقرضَ) البائعُ (المشترىَ فوقه دراهمَ) مثلاً (ويزيدَ فى ثمن تلك البضاعة لأجل) ذلك (القرضِ) بحيث يجعلُ ذلك شرطًا مثلا يقول لشخص أقرضتك هذه العشرة دنانير على أن تردها عشرة ولكن بشرط أن تشتري مني كذا بكذا ويزيد في ثمن البضاعة لأجل هذا القرض ، هذا دخل تحت حديث كل قرض جرّ منفعة فهو ربا،لأنه شرط في العقد جر المنفعة فهذا من جملة ربا القرض (و)منه (أن يُقرضَ) شخص (الحائكَ أو غيرَهُ من الأُجَراء) جمع أجير (ويستخدمَه) بالعمل له (بأقلَّ من أجرة المثل لأجل ذلك القرض أى) أنَّه (إنْ شَرَطَ ذلك) فقد دخل فى ربا القرض أيضًا والعياذ بالله (ويُسمُّون ذلك الربطة) لِأَنَّهُ رَبَطَهُ بِهَذَا وهَذَا مِنْ عَادَةِ بَعْضِ أَهْلِ الْيَمَنِ (أو يُقْرِضَ) شخصٌ (الحرَّاثين) مالاً (إلى وقت الحَصَادِ ويَشترطَ) عليهم (أن يبيعوا عليه) أى يبيعوه (طعامَهُم بأوضعَ) أى بأنقصَ (من السِّعْر قليلاً) قليلا أو كثيرا (ويسمُّون ذلك المقضيَّ) فهو أيضًا داخلٌ فى ربا القرض.

(وكذا جملةٌ من معاملات أهل هذا الزمان) الذى كثر فيه الجهل وقَلَّتْ فيه التقوى (وأكثرُها) أى المعاملاتِ محرمةٌ لأنها (خارجةٌ عن قانون الشرع) فإنَّ كُلَّ مَا كَانَ فِى مَعْنَى هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ ءَانِفًا فَهُوَ حَرَامٌ لِأَنَّهُ لا يَخْلُو مِنْ مَحْظُورَاتِ الشَّرْعِ وَمِنْ جُمْلَةِ الْمُعَامَلاتِ الْفَاسِدَةِ أَنْوَاعُ التَّأْمِينَاتِ الَّتِى تَعَارَفُوهَا فِى هَذَا الزَّمَنِ كَتَأْمِينِ السَّيَّارَةِ أَوْ تَأْمِينِ الْبَضَائِعِ الْمُسْتَجْلَبَةِ وَمَا يُسَمُّونَهُ التَّأْمِينَ عَلَى الْحَيَاةِ وَقَدْ مَضَى ذِكْرُهَا فِيمَا قَبْلُ فَيَجِبُ عَلَى مَنْ وَقَعَ فِى ذَلِكَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْهُ بِالتَّوْبَةِ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ (فعلى مريد رضا الله سبحانه) وتعالى (وسلامةِ دينِهِ ودنياه) من الحرام (أن يتعلم) من علوم الدين ما يَحتاج إليه حتى يعرفَ (ما يَحِلُّ) له (وما يحرم) عليه من المعاملات قبل الدخول فيها تَلَقِّيًا (من عالمٍ وَرِعٍ) يخاف اللهَ (ناصحٍ شفيقٍ على دينه) أى الطالبِ يَجِبُ تَعَلُّمُ عِلْمِ الدِّينِ الَّذِى يُعْرَفُ بِهِ الْحَلالُ وَالْحَرَامُ تَلَقِيًّا مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَالثِّقَةِ فَلا يَجُوزُ اسْتِفْتَاءُ مَنْ لَيْسَ لَهُ كَفَاءَةٌ فِى عِلْمِ الدِّينِ وَلا اسْتِفْتَاءُ الْعَالِمِ الْفَاسِقِ.

قَالَ الإِمَامُ الْمُجْتَهِدُ التَّابِعِىُّ الْجَلِيلُ مُحَمَّدُ بنُ سِيرِينَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ »إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ دِينٌ فَانْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ« رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِى مُقَدِّمَةِ صَحِيحِهِ. فَالَّذِى يُرِيدُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ أَمْرٍ دِينِىٍّ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَسْأَلَ أَىَّ شَخْصٍ بَلْ يَسْأَلُ أَهْلَ الْعَدْلِ وَالثِّقَةِ. يَسْأَلُ الثِّقَاتِ هَلْ هَذَا الْمُفْتِى أَهْلٌ لِلْفَتْوَى فَإِنْ قَالَ لَهُ الْعَالِمُ الثِّقَةُ فُلانٌ ثِقَةٌ أَهْلٌ لِلْفَتْوَى يَجُوزُ أَنْ يَسْتَفْتِيهِ، أَمَّا أَنْ نَهْجُمَ بِدُونِ أَنْ نَعْرِفَ أَنَّهُ ثِقَةٌ تَقِىٌّ فَنَسْتَفْتِيَهُ فَلا يَجُوز (فإنَّ طلبَ الحلالِ) أي تَرْكَ تناولِ أسباب المعيشة من طريق الحرام (فريضةٌ على كل مسلم).

وَمَعْنَى قَوْلِهِ »إِنَّ طَلَبَ الْحَلالِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ« أَنَّهُ لا يَجُوزُ تَنَاوُلُ رِزْقٍ مِنْ طَرِيقٍ حَرَامٍ بَلْ عَلَى مَنْ أَرَادَ تَحْصِيلَ الْمَالِ لِحَاجَةِ نَفْسِهِ أَوْ حَاجَةِ عِيَالِهِ أَنْ يَسْعَى لِلتَّحْصِيلِ بِطَرِيقٍ مُبَاحٍ شَرْعًا، وَلَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الشَّخْصِ أَنْ يَمْكُثَ مِنْ دُونِ تَعَاطِى عَمَلٍ فَلَوْ تَرَكَ الشَّخْصُ الْعَمَلَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ غَيْرُ مُعْتَمِدٍ عَلَى السُّؤَالِ مِنْ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ أَوْ عَلَى الشَّحَاذَةِ بَلْ كَانَ غَيْرَ مُتَعَرِّضٍ لِذَلِكَ وَاثِقًا بِرَبِّهِ أَنَّهُ يَسُوقُ إِلَيْهِ رِزْقَهُ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ.

وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِىُّ فِى سُنَنِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَخَاهُ لِأَنَّهُ لا يَحْتَرِفُ مَعَهُ فَقَالَ لَهُ »لَعَلَّكَ تُرْزَقُ بِهِ« الشَّاهِدُ فِى الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يُنْكِرْ عَلَى الأَخِ تَرْكَ الِاحْتِرَافِ مَعَ أَخِيهِ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَيْسَ فَرْضًا عَلَى الإِنْسَانِ أَنْ يَعْمَلَ عَمَلًا إِنَّمَا الْفَرْضُ عَلَيْهِ أَنْ لا يَأْكُلَ الْحَرَامَ وَلا يَشْحَذَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَكْفِىَ نَفْسَهُ عَنِ الشَّحَاذَةِ وَلا يُضَيِّعَ زَوْجَتَهُ وَأَوْلادَهُ الأَطْفَالَ وَمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُمْ لِتَكَاسُلِهِ عَنِ الْعَمَلِ. وَأَمَّا حَدِيثُ »طَلَبُ كسْبِ الْحَلالِ فَرِيضَةٌ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ« فَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِىُّ فِى شُعُبِ الإِيمَانِ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (فصل) فى بيان أحكام النفقة (يجب على الموسر نفقةُ) أى الإنفاق على (أصوله المعسرين أى الآباء) وإن عَلَوْا يجب أن ينفق على والده الفقير إن كان هو موسرًا ويجب أن ينفق على جده الفقير إن كان أولاد الجد ليس فيهم موسر ينفق عليه وهكذا أبو جده وجد جده وإن علا (والأمهاتِ) وإن عَلَوْنَ كَأُمِّ الْجَدَّةِ وَجَدَّةِ الْجَدَّةِ (الفقراءِ وإن قدروا) أى الأصولُ (على الكسب) بالمعروف بلا تقدير بحدٍّ معيَّنٍ.

وإن كان لا يملك أملاكًا تكفيهم وجب عليه أن يعمل ويكسِب في تحصيل نفقتهم ولا فرق بين أن يكونوا قادرين على الكسب أو عاجزين. فإذا كان الولد موسرا يجب عليه أن ينفق على والده الفقير ولو كان الوالد قادرا على العمل على الكسب، هذا هو المعتمد في المسألة أنه لو كان فقيرا وإن كان قادرا على الكسب ليس لولده الموسر أن يترك الإنفاق عليه فيقول له مثلا أنت قادر على العمل اذهب اعمل أنا لا أنفق عليك (و)يجب عليه أيضًا (نفقة) أى الإنفاق على (فروعه أى أولاده وأولاد أولاده) من الذكور والإناث (إذا أعسروا) عما يكفيهم (وعجزوا عن الكسب لصغر أو زَمانةٍ أى مرضٍ مانعٍ من الكسب) فإنْ قَدَرَ الفرع على الكسب جاز للولى أن يَحْمِلَهُ عليه وينفق عليه منه إذا قدر الولد الذي لم يبلغ بعد على الكسب يجوز لأبيه أن يحمله على ذلك وينفق عليه من كسبه،

لكن إذا ترك العمل فنفقته تكون على أبيه، مثال ذلك أبوه وضعه ليعمل عند شخص وصار يكسب من هذا العمل فلأبيه أن ينفق عليه من كسبه من العمل فإذا هرب الولد من العمل وجب على أبيه أن ينفق عليه، طالما أنه لم يبلغ بعد تكون نفقته على أبيه والنفقة التي تجب في حق الأصول والفروع هي الكسوةُ والسُكْنى اللائقةُ بهم والقوتُ والإِدامُ اللائقُ بهم، ولا يجب عليه إطعامهم إلى حد المبالغة في الشِّبع لكن أصل الإِشباع واجب (ويجبُ على الزوج نفقةُ الزوجةِ) الممكّنةِ من نفسها له من طعامٍ وكِسوةٍ ونحو ذلك على ما فَصَّلَ الفقهاء الكلام عليه.

فيجب على الزوج نفقة زوجته الممكِّنَةِ نفسها له ولو كانت أمةً مملوكةً أو كافرة وكذلك العاجزة عن التمكين لمرض. وهذه النفقة هي في المذهب مُدّا طعامٍ لكل يوم على موسرٍ حرٍّ ومدٌّ على معسر ومدٌّ ونصفٌ على متوسط، وعليه طَحْنُهُ وعَجْنُهُ وخَبْزُهُ وأُدْمُ غالب البلد ويختلف بالفصول، ويقدِّر الأُدْمَ القاضي باجتهاده عند الاختلاف ويتفاوت بين موسر وغيره. ويجب لها كسوة تكفيها وءالة تنظيف أَىْ مَا تُنَظِّفُ بِهِ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا فَيَلْزَمُهُ أَنْ يَجْلِبَ لَهَا الصَّابُونَ مَثَلًا أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ وَيَلْزَمُ الزَّوْجَ لِزَوْجَتِهِ بَيْتٌ وَلَوْ حُجْرَةً وَاحِدَةً مَعَ مَطْبَخٍ أَىْ مَوْضِعٍ لِلطَّبْخِ وَخَلاءٍ أَىْ مَوْضِعِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ.

وَمِنَ الطَّعَامِ يَلْزَمُهُ مَا يَأْكُلُهُ أَمْثَالُهُ، وَالأَكْلُ يَأْتِى بِهِ مَطْبُوخًا أَوْ يَطْبُخُهُ لَهَا. وَيَلْزَمُهُ فِرَاشٌ وَمِخَدَّةٌ، وَجَوْرَبٌ فِى الْبِلادِ الَّتِى تَحْتَاجُ إِلَيْهِ فِيهَا، وَالْبِسَاطُ الَّذِى يَقِى مِنْ ضَرَرِ الْبَرْدِ وَالْحَرِّ، وَاللِّحَافُ إِذَا كَانَ يَصْلُحُ لِلْحَرِّ وَالْبَرْدِ، أَمَّا الإِنَارَةُ فَيَكْفِى السِّرَاجُ أَوْ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْكِفَايَةُ، وَيَلْزَمُهُ أَيْضًا أَنْ يَجْلِبَ لَهَا أَدَوَاتِ تَنْظِيفٍ أَىْ مَا تُنَظِّفُ بِهِ ثِيَابَهَا وَتَغْسِلُهَا كَالصَّابُونِ لِغَسْلِ ثِيَابِهَا وَيَلْزَمُهُ لَهَا ثَوْبٌ لِلشِّتَاءِ وَءَاخَرُ لِلصَّيْفِ وَلَوْ لَمْ يَبْلَ الأَوَّلُ وَالنَّعْلُ أَوِ الْخُفُّ (و)يجب على الزوج أيضًا لزوجته (مَهْرُها) فإن كان حالاًّ فمتى طلبت وإن كان مؤجلاً فعند حلول الأجل لا قبله.