وَأَبَاحَ الْمَالِكِيَّةُ تَصْوِيرَ ذِى رُوحٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُجَسَّمًا وَفِى ذَلِكَ فُسْحَةٌ لِلنَّاسِ لِأَنَّهُ فِى هَذَا الزَّمَنِ كَثُرَ اقْتِنَاءُ الصُّوَرِ. رَوَى الْبُخَارِىُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَعَنَ الْمُصَوِّرِينَ. وَرَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهُ ﷺ قَالَ «لا تَدْخُلُ الْمَلائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ ولا صُورَةٌ». فَالصُّورَةُ إِنْ كَانَتْ عَلَى هَيْئَةٍ يَعِيشُ بِهَا الْحَيَوَانُ تَمْنَعُ دُخُولَ مَلائِكَةِ الرَّحْمَةِ وَلَوْ كَانَتْ فِى صُنْدُوقٍ دَاخِلَ الْبَيْتِ إِلَّا إِذَا كَانَتْ عَلَى نَحْوِ بِسَاطٍ يُدَاسُ.
أَمَّا الْمَلائِكَةُ الْكِرَامُ الْكَاتِبُونَ فَيَدْخُلُونَ لِأَنَّهُمْ لا يُفَارِقُونَ الشَّخْصَ إِلَّا عِنْدَمَا يَكُونُ فِى بَيْتِ الْخَلاءِ أَوْ فِى حَالَةِ الْجِمَاعِ وَمَعَ هَذَا يَعْلَمُونَ مَا يَفْعَلُ هَذَا الشَّخْصُ بِإِعْلامِ اللَّهِ لَهُمْ فِى الْوَقْتِ الَّذِى يُفَارِقُونَهُ فِيهِ. وَأَمَّا الصَّلاةُ فِى غُرْفَةٍ فِيهَا صُوَرُ حَيَوَانَاتٍ كَامِلَةٍ فِى خِزَانَةٍ بِحَيْثُ لا تُرَى فَهَذِهِ لا تَمْنَعُ الثَّوَابَ فِى الصَّلاةِ أَمَّا مَنْ كَانَتْ أَمَامَهُ أَوْ يَنْظُرُ إِلَيْهَا فَهَذَا مَكْرُوهٌ فِى الصَّلاةِ بِخِلافِ انْعِكَاسِ الصُّورَةِ فِى الْمِرْءَاةِ فَلا يُؤَثِّرُ أَمَّا إِنِ انْشَغَلَ بِهَا فَمَكْرُوهٌ.
وَأَمَّا الِاحْتِفَاظُ بِصُوَرِ الْمَشَايِخِ وَالتَّبَرُّكُ بِهَا فَهُوَ بِدْعَةٌ قَبِيحَةٌ بِخِلافِ التَّبَرُّكِ بِصُورَةِ الشَّعْرَةِ النَّبَوِيَّةِ الشَّرِيفَةِ وَصُورَةِ قَبْرِهِ الشَّرِيفِ فَإِنَّهُ أَمْرٌ حَسَنٌ لا بَأْسَ بِهِ. وَيُسْتَثْنَى مِنْ تَحْرِيمِ صُوَرِ الْحَيَوَانَاتِ لُعَبُ الْبَنَاتِ الصِّغَارِ وَصَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِجَوَازِ شِرَاءِ ذَلِكَ لِلْبَنَاتِ الصِّغَارِ. أَمَّا الصَّبِىُّ فَيُمْنَعُ مِنَ اللَّعِبِ بِهَا وَلَوْ بَكَى لِأَجْلِ ذَلِكَ (ومنعُ الزكاة) أى ترك دفعها كلها (أو) تركُ دفعِ (بعضِها) مع دفع البعض (بعد) وقت (الوجوب والتمكن) من إخراجها بلا عذر شرعى (وإخراجُ ما لا يجزئ) عن الزكاة الواجبة عليه مثلا عليه أن يُخرج ذهبا فأخرج عملة ورقية أو كان عليه أن يخرج إبلا فأخرج شياها (أو إعطاؤها من لا يستحقها) كإعطائها لبناء مسجد (ومنع الأجير أجرته) التى استحقها،
وقَد صحَّ الحديثُ القُدسِيُّ «ثلاثةٌ أنا خَصْمُهم يومَ القِيامة ومَنْ كنتُ خَصْمَه خَصَمْتُهُ رَجُلٌ أَعْطَى بِيَ العَهدَ ثم غَدَر ورَجُلٌ باعَ حرًّا فأكَلَ ثَمنَهُ ورَجُلٌ استَأجَر أجيرًا فاستوفى منه ولم يُعْطِهِ أَجْرَه» رواه البخاري، ومعنى خَصَمْتُه أنه مغلوبٌ لا حُجَّةَ له، ومعنَى أعْطَى بي العهدَ ثم غدر أعطَى العَهدَ باسْمي ثم غدر كالذي يُبايعُ إمامًا ثم يتمرّد عليه كالذينَ غدَروا بعَليّ بنِ أبي طالب رضيَ الله عنه من الخوارج وغيرهم بعدَ أن بايَعه المهاجرون والأنصار في المدينة.
(ومنع المضطر ما يسدُّهُ) أى ما يسدُّ حاجته كجائع اضْطُرَّ لطعام يدفع به عن نفسه الهلاك إما أن يعطيَه القادر هذا الطعام مجانا أو يبيعه إلى أجل ولكن ليس له أن يمنعه منه والمراد بالمضطر من اضطُرَّ لكِسْوةٍ يَدْفَعُ بها الهلاكَ عن نَفْسِه ومَن اضطُر لِطَعام يَدْفَعُ به الهلاك عن نَفْسِه. (وعدمُ إنقاذ غريق من غير عذر فيهما) أى فى منع المضطر وترك إنقاذِ الغريقِ أما إن كان له عذرٌ فلا يأثم مِنْ مَعَاصِى الْيَدِ الَّتِى هِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ مَنْعَ الْمُضْطَرِّ مَا يَسُدُّهُ أَىْ مَا يَسُدُّ حَاجَتَهُ، وَالْمُرَادُ بِالْمُضْطَرِّ الْمُضْطَرُّ بِالْجُوعِ وَنَحْوِهِ أَىِ الَّذِى أَشْرَفَ عَلَى الْهَلاكِ مِنَ الْجُوعِ أَوِ الْعَطَشِ أَوِ الْبَرْدِ مَثَلًا.
ثُمَّ لا فَرْقَ فِى الْمُضْطَرِّ بَيْنَ الْقَرِيبِ وَغَيْرِهِ، وَيَشْمَلُ الذِّمِىَّ أَيْضًا وَيَشْمَلُ الْمُضْطَرَّ مَنِ اضْطُرَّ لِكِسْوَةٍ يَدْفَعُ بِهَا الْهَلاكَ عَنْ نَفْسِهِ وَمَنِ اضْطُرَّ لِطَعَامٍ يَدْفَعُ بِهِ الْهَلاكَ عَنْ نَفْسِهِ وَالْمَعْنَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى غَيْرِ مُضْطَرٍّ إِطْعَامُ الْمُضْطَرِّ حَالًا وَإِنْ كَانَ الْمَالِكُ يَحْتَاجُهُ بَعْدُ.
وَمِنْ مَعَاصِى الْيَدِ أَيْضًا عَدَمُ إِنْقَاذِ غَرِيقٍ مَعْصُومٍ، وَذَلِكَ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مَنْ قَدَرَ عَلَى دَفْعِ الضَّرَرِ وَلا إِثْمَ عَلَى مَنْ هُوَ غَيْرُ قَادِرٍ، حَتَّى لَوْ كَانَتِ الَّتِى تَغْرَقُ امْرَأَةً مُسْلِمَةً وَكَانَ فِى إِنْقَاذِ الرَّجُلِ لَهَا مَسًّا لِيَدِهَا وَرِجْلِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ فَيَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ. وَمِثْلُ الْغَرِيقِ مَا أَشْبَهَهُ (وكتابة ما يحرم النطق به) من غيبة وغيرها بسائر أدوات الكتابة قَالَ الْغَزَالِىُّ فِى بِدَايَةِ الْهِدَايَةِ «لِأَنَّ الْقَلَمَ أَحَدُ اللِّسَانَيْنِ فَاحْفَظْهُ عَمَّا يَجِبُ حِفْظُ اللِّسَانِ مِنْهُ مِنْ غِيبَةٍ وَغَيْرِهَا، فَلا يُكْتَبُ بِهِ مَا يَحْرُمُ النُّطْقُ بِهِ مِنْ جَمِيعِ مَا سَبَقَ» اهـ (والخيانةُ وهى ضد النصيحةِ فتشمل) الخيانةَ فى (الأفعال) بأكل الوديعة مثلا (والأقوال) بجحدها (والأحوال) بأن يوهم غيره بأنه أهل لتحمل الأمانة وهو ليس أهلا.
رَوى الإِمامُ أحمدُ وابنُ حِبّانَ من حديثِ أنَس « لا إيْمانَ لِمَنْ لا أمانَةَ لَهُ ولا دينَ لِمَنْ لا عَهْدَ لهُ » أي لا يكونُ مَنْ لا يُحافِظُ على الأَمانةِ مُؤمنًا كامِلاً ولا يَكونُ دِينُ من يضيّع العهد كاملاً (فصل) فى بيان معاصى الفرج (ومن معاصى الفرج الزنى) وهو إدخال رأس الذكر أى الحشفة كلها فى فرجِ غيرِ زوجته وأمته، هذا هو الزِنَى الذي يُعَدُّ مِنْ أكبَرِ الكَبائِر ويتَرتّبُ الحَدُّ علَيه (واللواط وهو إدخال الحشفة) أي رأس الذكر (فى الدبر) أي
دبرِ رجلٍ أو امرأةٍ غير زوجته وأمته وهو من الكبائر فإن فعل ذلك مع زوجته أو أمته أَثِمَ ولكن ليس عليه الحدُّ الآتِى لا يُحد لكن حرام ويقال لاط بزوجته فالعبارة صحيحة لكن هذا ليس اللواط الذي يوجب الحد قال عليه الصلاةُ والسلامُ «لا يَنظُرُ اللهُ إلى رَجُلٍ أَتَى امرَأَتَهُ في دُبُرِهَا» أي لا يُكرمه بل يُهِينه يومَ القيامة (ويُحَدُّ) الزانى (الحرُّ) المكلف (المحصن) وهو الذى وَطِئَ فى نكاح صحيح (ذكرًا كان أو أنثى بالرجم بالحجارة المعتدلة حتى يموت و) يُحَدُّ (غيرُهُ) أى غيرُ المحصن وهو الذى لم يطأ فى نكاح صحيح (بمائةِ جلدةٍ وتغريبِ سنةٍ) قمريةٍ إلى مسافة قصر (للحرِّ) الذكر أو الأنثى (وينصَّف ذلك) الحدُّ (للرقيق) فيكون حدُّهُ خمسين جلدة وتغريبَ نصف عام،
وأما حدُّ اللائط فهو كحد الزانى فإن كان محصنا يرجم حتى الموت وإن كان غير محصن يجلد مائة ويغرّب عاما إلى مسافة قصر وأما الملوط به فحدُّهُ جلدُ مائةٍ وتغريب عام سواءٌ أَحْصَنَ أم لا أي سواء كان محصنا أم غير محصن هذا هو المعتمد (ومنها) أى معاصى الفرج (إتيانُ البهائِمِ) أى جماعُها (ولو) كانت هذه البهائمُ (مِلْكَهُ) الله تعالى قال ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَآءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ فيؤخذ مِنْ قولهِ تعالى ﴿فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ تَحرِيمُ ذلك.
أما البهائم التي يملكها فلا تدخل تحت قوله تعالى ﴿إلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ وفي حُكمِه تَحرِيمُ سِحَاقِ النّساء فِيما بَينهُنَّ. وتدل الآية على تحريم الاستمناء أيضًا فلا حاجة إلى ما يُرْوَى في ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس من كلامه وهو قول بعضهم إن من استمنى بيده يأتي يوم القيامة ويده حُبلى فهذا كذب لا صحة له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم (والاستمناءُ) بيده أو (بيد غيرِ الحليلةِ الزوجةِ وأمتِهِ التى تحل له، والوطءُ) الحاصل (فى) حال (الحيض أو النفاس) ولو بحائلٍ قالَ الفقهاءُ يَكفُر مُستَحِلُّ وَطء المرأةِ في حَالِ الحَيضِ لأنّ حُرمتَه مَعلُومةٌ مِنَ الدّين بالضّرورة.
أمّا الاستِمتاع بغَير الوَطْء فهوَ جَائزٌ إن كان فِيما عَدا ما بينَ السُّرة والرُّكبة ويَحرُم فيما بَينَ السُرَّة والرُكبة إن كان بلا حَائل، وفي المَذهَب الشافعيّ قولٌ بجَواز الاستِمتاع بالحَائِض بغَير الجِمَاع مُطْلقًا أي بغَير إدخال الحشفة في الفرج أي أكانَ بحَائلٍ أو بلا حائِل وهو ظاهرُ حديثِ مسلم «اصنَعُوا كلَّ شىءٍ إلا النِكاح» (أو) الوطءُ الحاصل (بعد انقطاعهما) أى انقطاع دمهما (وقبل الغسل) منهما (أو) الوطء الحاصل (بعد الغُسل) إذا كان (بلا نية)
مجزئة (من المغتسلة أو) كان مع النية لكن (مع فقد شرط من شروطه) كأن اغتسلت مع وجودِ مانعٍ من وصول الماء إلى المغسول وَمَا ذُكِرَ مِنْ حُرْمَةِ الْوَطْءِ قَبْلَ الِاغْتِسَالِ أَوِ التَّيَمُّمِ لَيْسَ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ بَلْ يَجُوزُ عِنْدَ أَبِى حَنِيفَةَ وَذَلِكَ بِشَرْطِهِ قَبْلَ ذَلِكَ أَىْ قَبْلَ الْغُسْلِ وَبَعْدَ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ وَغَسْلِ فَرْجِهَا (و)من معاصى الفرج (التكشف عند من يحرم نظره إليه) أى كشف العورة عند من يحرم عليه أن ينظر إليها (أو) كشف العورة (فى الخلوة لغير غرض) أما لغرضٍ كالتبرد فيجوز كما تقدم (واستقبالُ القبلةِ واستدبارُها ببولٍ أو غائطٍ من غير حائلٍ) بينه وبين القبلة والحائل ما يكون أمامه من شىء مرتفع قدر ثُلُثَي ذراع فأكثر (أو) وجد الحائل لكنه (بَعُدَ عنه أكثر من ثلاثة أذرع أو كان أقل من ثلثي ذراع) فالاستقبالُ أو الاستدبارُ عندئذٍ حرامٌ (إلا فى المعدِّ لذلك) أى إلا فى المكان المعدِّ لقضاء الحاجة كالمرحاض فإنَّه يجوز استقبال القبلة واستدبارُها فيه قال الأنصاري في فتح الوهاب أما إذا كان في المعد لذلك فلا حرمة فيه ولا كراهة ولا خلاف الأولى قاله في المجموع اهـ قال ابن حجر الهيتمي في المنهج القويم إلا في المواضع المعدة لذلك فإن الاستقبال والاستدبار فيها مباح مطلقًا لكنه خلاف الأفضل حيث أمكن الميل عن القبلة بلا مشقة.
وَالأَصْلُ فِى ذَلِكَ حَدِيثُ الصَّحِيحَيْنِ «لا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ وَلاَ تَسْتَدْبِرُوهَا بِبَوْلٍ وَلاَ غَائِطٍ وَلَكِنْ شَرِّقُوا أَوْ غَرِّبُوا» (و)من معاصى الفرج (التغوط على القبر) أو التبول عليه سواء كان فى مقبرة المسلمين أم كان قبرَ مسلمٍ منفردًا قالَ علَيه الصّلاةُ والسّلام «لأنْ يَجْلِسَ أحَدُكُم على جَمْرةٍ فَتُحْرِقَ ثِيابَه وتَخْلُصَ إلى جِلْدِه خَيرٌ لَهُ مِنْ أن يَجلِسَ على قَبْر» رواه مسلم من حديث أبي هريرة. والمرادُ بالجلُوسِ الجلوسُ للبَولِ أو الغَائِط (والبول فى المسجد ولو) كان ذلك (فى إناءٍ و)البول (على المعظَّمِ) أى ما يعظم شرعًا ومنه البول على موضع نسك ضيق (وترك الختان للبالغ) غيرِ المختون إن أطاق ذلك ويكون ذلك بقطع قُلْفَةِ الذكر وبقطع شىءٍ من القطعة المرتفعة كعرف الديك من الأنثى (ويجوز عند مالك) تركُهُ لأنه لا يقول بوجوبه لا للذكر ولا للأنثى.
هو سنة عند مالك وغيره من الأئمة وعند الشافعي فرض على البالغ ومِنْ هنا يَنبغي التّلَطُّف بمن يدخُل في الإِسلام وهو غَيرُ مُخْتَتِنٍ فلا يَنْبغي أنْ يُكَلَّم بذلكَ إن كانَ يُخشَى منه النُّفُور من الإسلام (فصل) فى بيان معاصى الرِّجْلِ (ومن معاصى الرجلِ المشىُ فى معصيةٍ كالمشىِ فى سعاية بمسلم) للإضرار به بغير حق لما فيها من الأذى مِنْ مَعَاصِى الرِّجْلِ الَّتِى مِنَ الْكَبَائِرِ السِّعَايَةُ بِالْمُسْلِمِ لِلإِضْرَارِ بِهِ لِأَنَّ السِّعَايَةَ فِيهَا أَذًى كَبِيرٌ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِهَا إِدْخَالُ الرُّعْبِ إِلَى الْمَسْعِىِّ بِهِ وَإِرْجَافُ أَهْلهِ وَتَرْوِيعُهُمْ بِطَلَبِ السُّلْطَانِ كَهَؤُلاءِ الْجَوَاسِيسِ الَّذِينَ يَتَجَسَّسُونَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَيَأْخُذونَ الأَخْبَارَ إِلَى الْحُكَّامِ لِيَضُرُّوا الْمُسْلِمِينَ.
وَهَذَا إِذَا كَانَتِ السِّعَايَةُ بِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ أَمَّا السِّعَايَةُ بِحَقٍّ فَهِىَ جَائِزَةٌ (أو) المشىِ (فى قتله) أى لأجل قتله (بغير حق) أو المشىِ للزنى بامرأة أو لما دون ذلك من التلذذ المحرم بها. يَحْرُمُ الْمَشْىُ بِالرِّجْلِ فِى كُلِّ مَعْصِيَةٍ كَالْمَشْىِ لِلزِّنَى بِامْرَأَةٍ أَوِ التَّلَذُّذِ بِهَا بِمَا دُونَ ذَلِكَ وَقَدْ حَصَلَ مِنْ هَذِهِ الطَّائِفَةِ حِزْبِ التَّحْرِيرِ الَّتِى سَبَقَ ذِكْرُهَا أَنَّهُمْ نَشَرُوا بِطَرَابُلُسَ الشَّامِ مَنْشُورًا يَتَضَمَّنُ جَوَازَ مَشْىِ الرَّجُلِ لِلزِّنَى بِامْرَأَةٍ وَزَعَمُوا أَنَّ هَذَا جَائِزٌ إِنَّمَا الْحَرَامُ الزِّنَى الْحَقِيقِىُّ بِاسْتِعْمَالِ الآلَةِ،
وَكَذَلِكَ الْمَشْىُ بِقَصْدِ الْفُجُورِ بِغُلامٍ لا يَكُونُ مَعْصِيَةً عِنْدَهُمْ إِلَّا بِاسْتِعْمَالِ الآلَةِ فِيهِ وَكَفَاهُمْ هَذَا خِزْيًا، وَقَدْ نَاظَرَ بَعْضُ كِبَارِهِمْ عَلَى ذَلِكَ مَنْ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ (وإباقُ) أى هروب (العبد) المملوك ذكرًا كان أم أنثى من سيده مِنْ مَعَاصِى الرِّجْلِ الَّتِى هِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ إِبَاقُ أَىْ هُرُوبُ الْعَبْدِ أَىِ الْمَمْلُوكِ ذَكَرًا كَانَ أَوْ أُنْثَى مِنْ سَيِّدِهِ.
رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِى مُسْنَدِهِ «الْعَبْدُ الْآبِقُ لَا تُقْبَلُ لَهُ صَلَاةٌ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى مَوَالِيه» وَفِى مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَرِيرِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَيُّمَا عَبْدٍ أَبِقَ فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ» (و)هروب (الزوجة) من زوجها وَذَلِكَ كَبِيرَةٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ عُذْرٌ (و)هروب (من عليه حقٌّ عما يلزمه من قِصاصٍ) كأن قتل مسلمًا عمدًا بغير حق (أو) من أداء (دين أو نفقة) واجبة (أو بِرِّ والديه) الواجب (أو تربية الأطفال) كمن يترك أولاده الصغار ويهرب من تربيتهم والانفاق عليهم ويدل عليه حديثُ «كفَى بالمرءِ إثْمًا أن يُضَيّعَ مَنْ يَقُوت» رواه الحاكم وفي رواية «مَنْ يَعُولُ» رواها النسائي أي مَن تَجِبُ عليه نفقَتُهُ،
ففي هذا بيانُ أنّ ذلك من كبائرِ المعَاصِي (و)من معاصى الرجل (التَّبَخْتُرُ فى المشيِ) وهو أن يمشى مشيةَ الكِبْرِ والفخر مِنْ مَعَاصِى الرِّجْلِ الَّتِى هِىَ مِنَ الْكَبَائِرِ التَّبَخْتُرَ فِى الْمَشْىِ أَىْ مِشْيَةِ الْكِبْرِ وَالْخُيَلاءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَلاتَمْشِ فِى الأَرْضِ مَرَحًا﴾ سُورَةَ الإِسْرَاء/37 أَىْ لا تَمْشِ فِى الأَرْضِ مُخْتَالًا فَخُورًا.
وَالْمَرَحُ الأَشَرُ وَالْبَطَرُ. وَقَالَ ﷺ «مَنْ تَعَظَّمَ فِى نَفْسِهِ أَوِ اخْتَالَ فِى مِشْيَتِهِ لَقِىَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَان» رَوَاهُ أحمدُ في مسندِهِ. وَمِنْ عَادَةِ الْمُتَكَبِّرِينَ عِنْدَمَا يَمْشُونَ أَنَّهُمْ يَرْفَعُونَ رُؤُوسَهُمْ وَيَمُدُّونَ أَيْدِيَهُمْ وَيَنْظُرُونَ إِلَى ثِيَابِهِمْ مُعْجَبِينَ بِأَنْفُسِهِمْ. وَقَدْ أَخْبَرَ الرَّسُولُ ﷺ عَنْ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَ هَذِهِ الأُمَّةِ مِنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ كَانَ يَمْشِى مُتَبَخْتِّرًا يَنْظُرُ فِى جَانِبَيْهِ أَعْجَبَهُ ثَوْبُهُ وحُسْنُ شَعَرِهِ فَبَيْنَمَا هُوَ يَمْشِى مُتَبَخْتِّرًا أَمَرَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِهِ الأَرْضَ فَبَلَعَتْهُ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ تَجَلْجَلَ أَىْ سَاخَ وَدَخَلَ فِيهَا وَهَذِهِ الْحَادِثَةُ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَجْعَلَهَا عِبْرَةً لِلنَّاسِ.
وَرَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهُ ﷺ «لا يَنْظُرُ اللَّهُ يومَ القيامةِ إِلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ» أَىْ لا يُكْرِمُهُ بَلْ يُهِينُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.
تَنْبِيهٌ. إِذَا وَرَدَ فِى الْحَدِيثِ لا يَنْظُرُ اللَّهُ إِلَى مَنْ صِفَتُهُ كَذَا وَكَذَا مَعْنَاهُ لا يُكْرِمُهُ بَلْ يَكُونُ مُهَانًا وَلَيْسَ الْمُرَادُ النَّظَرَ بِالْجَارِحَةِ لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ بِالْجَارِحَةِ مِنْ صِفَاتِ الْخَلْقِ، اللَّهُ يَرَى بِرُؤْيَةٍ أَزَلِيَّةٍ أَبَدِيَّةٍ، يَرَى ذَاتَهُ وَصِفَاتِهِ وَالْحَادِثَاتِ بِرُؤْيَةٍ أَزَلِيَّةٍ لا بِرُؤْيَةٍ تَحْدُثُ لَهُ عِنْدَ وُجُودِ الْحَادِثِ. وَأَمَّا التَّبَخْتُرُ فِى الْمَشْىِ لِإِرْهَابِ الْعَدُوِّ فِى الْجِهَادِ حَتَّى يَقُولَ الْكُفَّارُ هَؤُلاءِ نُشَطَاءُ أَقْوِيَاءُ فَجَائِزٌ (وتخطِّى الرِّقاب) برفع قدمه فوق العواتق جمع عاتق أي بأن يمر فوق العواتق أما إن مر بينه وبين آخر فلا يكون تخطيا للرقاب لأنّ هذا لا يضايقهما وكذا لو كان تخطيه لرقابهم لا يضايقهم ولا يتأذون به فلا يحرم عندئذ لأنَّ علَّةَ التحريمِ الإيذاءُ إذا كان الجالسون يتأذَّوْنَ بذلك وذلكَ لِحَديث عبدِ الله بنِ بُسْرٍ جاءَ رَجُلٌ يَتَخَطّى رِقابَ الناسِ يومَ الجُمعة والنبيُّ صلى الله عليه وسلم يَخطُب فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلَّم «اجلِسْ فقَد ءاذَيتَ» رواه أبو داودَ فإن كانوا لا يتأذون بتخطيه لرقابهم فهو مكروهٌ (إلا) إذا كان التخطى (لفرجة) أى لسدِّها فلا يحرم.
مِنْ مَعَاصِى الرِّجْلِ تَخَطِّىَ الرِّقَابِ إِذَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الإِيذَاءِ وَإِلَّا فَهُوَ مَكْرُوهٌ وَذَلِكَ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بنِ بُسْرٍ جَاءَ رَجُلٌ يَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِىُّ يَخْطُبُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهُ ﷺ «اجْلِسْ فَقَدْ ءَاذَيْتَ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِى سُنَنِهِ وَابْنُ حِبَّانَ فِى صَحِيحِهِ وَرَوَى الْبَيْهَقِىُّ فِى شُعَبِ الإِيمَانِ وَغَيْرُهُ «مَنْ تَخَطَّى رِقَابَ النَّاس يوم الجُمُعَةِ اتَّخَذَ جِسْرًا إِلَى جَهَنَّمَ» مَعْنَاهُ أَنَّ هَذَا الإِنْسَانَ ءَاذَى الْمُسْلِمِينَ بِتَخَطِّيهِ رِقَابَ النَّاسِ بِإِصَابَتِهِ بِرِجْلِهِ أُذُنَ هَذَا أَوْ رَقَبَةَ هَذَا أَوْ رَأْسَ هَذَا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
أَمَّا التَّخَطِّى لِفُرْجَةٍ أَىْ لِأَجْلِ سَدِّهَا فَهُوَ جَائِزٌ وَيُسْتَثْنَى تَخَطِّى الإِمَامِ مِنْ أَجْلِ بُلُوغِ الْمِحْرَابِ أَوِ الْمِنْبَرِ إِذَا كَانَ لا يَتَمَكَّنُ إِلَّا بِهِ فَإِنَّهُ لا يُكْرَهُ لِاضْطِرَارِهِ إِلَيْهِ فَإِنْ أَمْكَنَهُ التَّحَرُّزُ عَنْ ذَلِكَ كُرِهَ (والمرورُ بين يدىِ المصلى إذا كَمَلَتْ شروطُ السترة) أى المرور بينه وبين السترة المجزئة وشرطُها أن لا تبعد عنه أكثر من ثلاثة أذرع وأن يكون ارتفاعها ثلثى ذراع فأكثر مِنْ جُمْلَةِ مَعَاصِى الرِّجْلِ الْمُرُورَ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَلِّى صَلاةً صَحِيحَةً بِالنِّسْبَةِ لِمَذْهَبِ الْمُصَلِّى مَعَ حُصُولِ السُّتْرَةِ الْمُعْتَبَرَةِ بِأَنْ قَرُبَ مِنْهَا ثَلاثَةَ أَذْرُعٍ فَأَقَلَّ بِذِرَاعِ الْيَدِ الْمُعْتَدِلَةِ مُرْتَفِعَةً ثُلُثَىْ ذِرَاعٍ وَإِلَّا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ فَمُصَلًّى يَفْتَرِشُهُ كَسَجَّادَةِ صَلاةٍ وَنَحْوِهَا فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ فَخَطٌّ يَخُطُّهُ إِلَى نَحْوِ الْقِبْلَةِ وَيَكُونُ هَذَا الْخَطُّ عَنْ يَمِينِ الْمُصَلِّى أَوْ عَنْ شِمَالِهِ لا أَمَامَهُ.
وتَحريمُ ذلكَ لحَديثِ «لَوْ يَعْلَمُ الْمَارُّ بَيْنَ يَدَىِ الْمُصَلِّى مَاذَا عَلَيْهِ لَكَانَ أَنْ يَقِفَ أَرْبَعِينَ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمُرَّ بَيْنَ يَدَيْهِ» رواه أبو داود أي لو يَعلمُ المارُّ بينَ يدَي المُصَلِّي ماذا علَيه مِنَ الإِثْم لكان أن يَقِفَ أربعينَ خَرِيفًا خَيرًا له مِنْ أن يَمُرَّ بينَ يدَيْه فَإِذَا وُجِدَتِ السُّتْرَةُ سُنَّ لِلْمُصَلِّى أَنْ يَدْفَعَ الْمَارَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّتْرَةِ، وَإِنْ لَمْ تُوجَدِ السُّتْرَةُ فَلَيْسَ لِلْمُصَلِّى أَنْ يُزْعِجَ الْمَارَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلَوِ اقْتَرَبَ مِنْهُ بِذِرَاعٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ وَأَمَّا الْمُرُورُ بَيْنَ صُفُوفِ الْمُصَلِّينَ فَإِذَا كَانَ مَا بَيْنَ الصَّفَيْنِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلاثَةِ أَذْرُعٍ فَيَجُوزُ وَإِلَّا فَلا يَجُوزُ إِلَّا لِعُذْرٍ وَإِذَا كَانَ شَخْصٌ يُصَلِّى وَأَمَامَهُ شَخْصٌ قَاعِدٌ فَلا يُعَدُّ هَذَا الْقَاعِدُ سُتْرَةً لِلْمُصَلِّى.
الصَّلاةُ مِنْ غَيْرِ سُتْرَةٍ مَكْرُوهَةٌ إِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُصَلِّى قَرِيبًا مِنْ جِدَارٍ أَوْ يَغْرِزَ شَيْئًا أَوْ يَخُطَّ خَطًّا وَسَجَّادَةُ الصَّلاةِ تَكْفِى كَذَلِكَ بِشَرْطِ أَنْ لا يَزِيدَ طُولُهَا عَلَى ثَلاثَةِ أَذْرُعٍ، أَمَّا إِنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ طَرَفَيْهَا خَمْسَةُ أَذْرُعٍ أَوْ سِتَّةٌ فَهَذَا خِلافُ السُّنَّةِ فَإِنْ لَمْ يَضَعْ سُتْرَةً يَقِلُّ الثَّوَابُ (ومدُّ الرجل إلى المصحف إذا كان) قريبًا (غيرَ مرتفعٍ) عنه على طاولة أو نحوها مِنْ مُحَرَّمَاتِ الرِّجْلِ مَدُّهَا إِلَى الْمُصْحَفِ إِذَا كَانَ غَيْرَ مُرْتَفِعٍ عَلَى شَىْءٍ لِأَنَّ فِى ذَلِكَ إِهَانَةً لَهُ أَمَّا إِذَا كَانَ مُرْتَفِعًا فَلَيْسَ حَرَامًا وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ بَعِيدًا، كَمَا يَحْرُمُ كَتْبُهُ بِنَجِسٍ وَمَسُّهُ بِعُضْوٍ مُتَنَجِّسٍ بِرَطْبٍ أَوْ بِجَافٍّ غَيْرِ مَعْفُوٍّ عَنْهُ.
وَمَا ذُكِرَ فِى بَعْضِ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ مِنْ جَوَازِ كَتْبِ الْفَاتِحَةِ بِالْبَوْلِ لِلِاسْتِشْفَاءِ إِنْ عُلِمَ فِيهِ الشِّفَاءُ فَهُوَ ضَلالٌ مُبِينٌ بَلْ كُفْرٌ، أَنَّى يَكُونُ فِى ذَلِكَ شِفَاءٌ وَكَيْفَ يَتَصَوَّرُ عَاقِلٌ ذَلِكَ كَيْفَ ذَلِكَ وَقَدْ نَصَّ الْفُقَهَاءُ عَلَى حُرْمَةِ تَقْلِيبِ أَوْرَاقِ الْمُصْحَفِ بِالإِصْبَعِ الْمَبْلُولَةِ بِالْبُصَاقِ، كَيْفَ وَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ عِلَّيْشٍ الْمَالِكِىُّ مُفْتِى الْمَالِكِيَّةِ فِى الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ فِى فَتَاوِيهِ بِأَنَّ ذَلِكَ رِدَّةٌ، وَإِنْ كَانَ إِطْلاقُ هَذَا الْقَوْلِ غَيْرَ سَدِيدٍ لَكِنْ تَحْرِيمُ ذَلِكَ لَيْسَ فِيهِ تَرَدُّدٌ بَلْ يَحْرُمُ كِتَابَةُ شَىْءٍ مِنَ الْقُرْءَانِ الْفَاتِحَةِ أَوْ غَيْرِهَا بِالدَّمِ بِدَمِ الشَّخْصِ نَفْسِهِ لِلِاسْتِشْفَاءِ وَغَيْرِهِ.
وَلا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ الْمَذْهَبُ الْحَنَفِىُّ بَرِيءٌ مِنْهُ، وَبَعْضُ مَنْ ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ قَالَ إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ غَيْرُ مَنْقُولٍ أَىْ لَيْسَ لَهُ مَصْدَرٌ عَنْ أَئِمَّةِ الْمَذْهَبِ الْحَنَفِىِّ، وَمَنْ نَسَبَهُ إِلَى الْمَذْهَبِ الْحَنَفِىِّ فَقَدْ تَقَوَّلَ عَلَيْهِ.
بَلِ الَّذِى ذَكَرَهُ ابْنُ عَابِدِينَ فِى ثَبْتِهِ عَنْ شَيْخِهِ الْعَقَّادِ أَنَّهُ قَالَ فِى كِتَابِهِ عُقُودُ اللآلِئِ «لا يَجُوزُ كِتَابَةُ الْقُرْءَانِ بِالدَّمِ» فَيُعْلَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ مَا يُنْسَبُ إِلَى ابْنِ عَابِدِينَ (مِمَّا ذُكِرَ فِى الْحَاشِيَةِ فِى كِتَابِ الطَّهَارَةِ) مِمَّا يُخَالِفُ هَذَا فَهُوَ كَذِبٌ مَدْسُوسٌ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْوُقُوفُ عَلَى سَجَّادَةِ الصَّلاةِ الَّتِى عَلَيْهَا صُورَةُ مَسْجِدٍ فَجَائِزٌ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ، الْكَعْبَةُ أَلَيْسَ يَجُوزُ الصُّعُودُ عَلَى سَطْحِهَا.
(وكلُّ مَشْىٍ إلى محرم) أي إلى معصية كالمشىِ إلى مكانٍ لشرب الخمر (وتخلفٍ عن واجبٍ) كالمشىِ الذى يحصل بسببه إخراجُ الصلاة عن وقتها. مِنْ مَعَاصِى الرِّجْلِ الْمَشْىُ بِهَا إِلَى مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى اخْتِلافِ أَنْوَاعِهِ، وَكَذَلِكَ الْمَشْىُ إِلَى مَا فِيهِ إِضَاعَةُ وَاجِبٍ كَأَنْ يَمْشِىَ مَشْيًا يَحْصُلُ بِهِ إِخْرَاجُ صَلاةٍ عَنْ وَقْتِهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ سُورَةَ الْمُنَافِقُون/9.
وَخَالَفَ فِى ذَلِكَ جَمَاعَةُ حِزْبِ التَّحْرِيرِ حَيْثُ قَالُوا إِنَّهُ لا يَحْرُمُ الْمَشْىُ بِقَصْدِ الزِّنَى بِامْرَأَةٍ أَوِ الْفُجُورِ بِغُلامٍ وَإِنَّمَا الْمَعْصِيَةُ فِى التَّطْبِيقِ بِالْفِعْلِ وَقَوْلُهُمْ هَذَا مُخَالِفٌ لِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ الَّذِى رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ وَغَيْرُهُ «إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ ءَادَمَ حَظَّهُ مِنَ الزِّنَى أَدْرَكَ ذَلِكَ لا مَحَالَةَ» وَفِيهِ «وَزِنَى الرِّجْلِ الْخُطَى» (فصلٌ) فى بيان معاصى
البدن (ومن معاصى البدن) وهى المعاصى التى لا تلزمُ جارحةً من الجوارح بخصوصها ليست مختصة بجارحة من الجوارح (عقوقُ الوالدين) أو أحدِهما وَإِنْ عَلا وَلَوْ مَعَ وُجُودِ أَقْرَبَ مِنْهُ بأنْ يؤذيَهما إيذاءً ليس بالهيّن عُرفًا قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ فِى ضَبْطِهِ هُوَ مَا يَتَأَذَّى بِهِ الْوَالِدَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا تَأَذِّيًا لَيْسَ بِالْهَيِّنِ فِى الْعُرْفِ وَمِنْ عُقُوقِ الْوَالِدَيْنِ الَّذِى هُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ تَرْكُ الشَّخْصِ النَّفَقَةَ الْوَاجِبَةَ عَلَيْهِمَا إِنْ كَانَا فَقِيرَيْنِ أَمَّا إِنْ كَانَا مُكْتَفِيَيْنِ فَلا يَجِبُ الإِنْفَاقُ عَلَيْهِمَا لَكِنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِمَا مِنْ بَابِ الْبِرِّ وَالإِحْسَانِ إِلَيْهِمَا فَيُسَنُّ لَهُ أَنْ يُعْطِيَهُمَا مَا يُحِبَّانِهِ بَلْ يُسَنُّ أَنْ يُطِيعَهُمَا فِى كُلِّ شَىْءٍ إِلَّا فِى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، حَتَّى فِى الْمَكْرُوهَاتِ إِذَا أَطَاعَ أَبَوَيْهِ يَكُونُ لَهُ ذَلِكَ رِفْعَةَ دَرَجَةٍ عِنْدَ اللَّهِ.
