فسَمْعُ موسى حادث، ومسموعُه الذي هو كلام الله الذاتيّ ليس بحادث (والمخالفةُ للحوادثِ) أى أنه لا يُشْبِهُ شيئًا من المخلوقات (فلما كانت هذه الصفاتُ) الثلاثَ عشرةَ (ذكرُها كثيرًا فى النصوص الشرعية) أى القرءان والحديثِ كما مَرَّ (قال العلماءُ تجب معرفتها وجوبًا عينيًا) على كلّ مكلف معناه يجب على كل مكلف بالغ عاقل أن يتعلمها ولا يجب عليه حفظ ألفاظها وقالوا (فلما ثبتت الأزليةُ لذات الله) بالدليل النقلىّ والدليل العقلىّ (وجب أن تكون صفاتُهُ أزليةً لأنَّ حدوثَ الصفة يستلزم حدوثَ الذاتِ) المتصفِ بها لأنّ معنى ذلك أنه يتغير من حالٍ إلى حالٍ والمتغيرُ محتاجٌ لمن يغيره والمحتاجُ لا يكون إلهًا أزليًا بل مخلوق حادث الذي يتغير من حال إلى حال معناه من حيث ذاته يجوز عليه كل من الحالين فلا يترجح اتصافه بأحدهما إلا بترجيح مرجح رجح اتصافه بحال منهما دون الآخر فاتصافه بأحد الحالين دل على أنه لا بد له من مخصص خصصه بأحدهما دون الآخر فدل ذلك على حدوث المتغير أي على كونه مخلوقا،
لذلك قالوا التغير أكبر علامات الحدوث فلما ثَبَتَ فى العقل قِدَمُ الله تعالى وأزليتُه ثبوتًا قطعيًا وجب أن تكون صفاته أزلية الذات المتصف بالصفات الحادثة لا بد أن يكون حادثا فيلزم من كون الصفة حادثةً أن يكون الذات حادثا لأن الذي تحدث في ذاته صفات لم يكن متصفا بها من حيث العقل يجوز عليه الاتصاف بها ويجوز عليه عدم الاتصاف بها لأنه لم يكن متصفا بها ثم اتصف بها فاحتاج إلى مرجح رجح اتصافه بها على عدم اتصافه بها واحتياجُه إلى المرجح دليل حدوثه ولا بد له من
مخصص خصصه بالاتصاف بها بدل عدم الاتصاف بها فدل ذلك على كونه مخلوقا محتاجا إذ التغير دليلُ الاحتياج والاحتياج دليل العجز والعجزُ ينافي الألوهية قال الإمام أبو حنيفة في الفقه الأكبر وصفاته في الأزل غيرُ محدثة ولا مخلوقة فمن قال إنها محدُثة أو مخلوقة أو وقف أو شك فيها فهو كافر بالله تعالى اهـ وبهذا أنهى المصنفُ الكلامَ على الشهادةِ الأولى والشَّرحَ لها ثم بدأ الكلامَ على الشهادة الثانيةِ فقال (ومعنى) الشهادةِ الثانيةِ وهى (أشهد أنَّ محمدًا رسول الله)
صلى الله عليه وسلم (أعلمُ وأعتقد) وأصدقُ وأذعنُ بقلبى (وأعترفُ) بلسانى (أنَّ محمدَ بنَ عبد الله بنِ عبد المطلب بنِ هاشمِ بنِ عبد منافِ) بنِ قُصَىِّ بنِ كِلابِ بن مُرةَ بن كَعبِ ابن لُؤَىِ بن غالبِ بن فِهْرِ بنِ مالكِ بن النَّضْرِ بنِ كِنانةَ بنِ خُزَيمةَ بنِ مُدْرِكَةَ بن إلياسَ بنِ مُضَرَ بن نزارِ بن مَعَدِّ بنِ عدنانَ (القرشىَّ) أى المنسوبَ إلى أشرف قبائل العرب قُريشٍ قبيلة قريش هي أشرفُ قبائل العرب أي أعلاها وأعظمُها لهم الصدارة بين العرب الشرف معناه العظمةُ إذا قيل وشَرَفِ اللهِ معناه وعظمةِ الله هو (عبدُ الله ورسولُهُ إلى جميع الخلق) من إنسٍ وجن قال عليه الصلاة والسلام «وكان النبيُّ يبعثُ إلى قومهِ خاصةً وبُعثتُ إلى الناس كافَّةً» رواه البخاريُّ وغيره أي كان النبي يُسَمَّى له قومُه خاصة وسُمِّي لي الناسُ كافَّة اهـ وليس معناه أن الأنبياء السابقين كانوا لا يأمرونَ بمعروفٍ ولا ينهون عن منكر إلا من كان من أممهم.
والسبيل إلى معرفة النبي المعجزة وهِيَ أمر خارق للعادة يظهر على يد مُدعي النبوَّةِ موافقٌ لدعواه سالم من المعارضة بالمثل ويكون صالحا للتحدى وقد كان نبيُّنا محمد صلى الله عليه وسلم أعظمَ الأنبياء وأكثرَهم معجزات إذْ رُوي عنه الآلافُ منها فمن هذه المعجزاتِ ما وقع إلينا بالتَّواتر ومنها ما لم يصلْ في الشهرةِ إلى ذلكَ الحد. والخبر المنقول بالتواتر يفيد علمًا قطعيًّا وليس من قبيل الأخبار التي تحتمل الصدق والكذب وتعريف الخبرِ المتواتر أنه ما نقله جمع عن جمع لا يُقبل اتفاقُهم على الكذب بحيث يكون مستندُه الحسّ ولا ينـزل الناقلون عن العدد الذي يفيد التواتر في أي طبقة من طبقات الرواة.
وبهذه الطريقةِ نُقل إليْنا القرءانُ الكريم ونبوعُ الماء من بين أصابع النبي صلى الله عليه وسلم وحنينُ الجذع فوجب التصديقُ بنبوةِ سيدِنا محمد صلى الله عليه وسلم والقَطعُ بها إذ لا يَرُدُّ الخبرَ المتواترَ إلا معاندٌ (ويتبع ذلك) أى يتبعُ الإيمانَ برسالةِ سيدِنا محمد صلى الله عليه وسلم (اعتقادُ أنه وُلد بمكةَ) أصلُ الشهادةِ الثانية الاعتقادُ والإقرار بأن سيدَنا محمدا صلى الله عليه وسلم هو عبد الله ورسوله ويتبع ذلك أمور لأن من آمن بأنَّ محمدا رسول الله يؤمن بما جاء به،
فمن علم أن النبيَّ أخبر بأمور فلم يصدقْه بها لا يكون مؤمنا به كمُنكرِ وجود الجنة والنار مع علمه بأن النبيَّ أخبر بوجودهما أما من لم يسمعْ بذلك فأنكر وجودَهما جهلا منه وكان مصدقا برسالة سيدِنا محمد معتقدا أنه صادق في كل ما أخبر به فهو مسلمٌ مؤمنٌ لأنه قد يؤمن الشخص بأنَّ محمدا رسول الله ولا يعرفُ أنه أخبر بوجود الجنة أو النار فلا يعتقدُ بوجود الجنة أو النار لجهلهِ بأن النبيَّ أخبر بذلك لأن ذلك لا يستقلُّ العقلُ بمعرفته ومع ذلك يكون مؤمنا لأنه آمن بأنَّ
محمدا رسول الله وأنه صادق في كل ما أخبر به وأُمُّهُ هى ءامنةُ بنتُ وَهْبٍ من بنى زُهْرَةَ من قريشٍ بعض العلماء قال والدا النبي ما ماتا كافرين وهو الإمام أبو حنيفة وبعضهم قال هما ناجيان لكونهما من أهل الفترة ومرة قال الشيخ والدة النبي كانت عارفةً بالله هي وليةٌ (وبُعث بها) أى نزل عليه الوحى بالنبوة وهو مستوطنٌ فيها وكان حينئذٍ فى غارِ حراءٍ غارُ حراء خارجٌ عن بيوتِ مَكَّة والمرادُ أنهُ نزَلَ عليه الوحيُ وَهُو مُسْتَوطنٌ في مَكَّةَ (وهاجر) أى فارق مكة (إلى المدينة) المنورة بأمر الله تبارك وتعالى ومات (ودُفن فيها) فى حجرة السيدة عائشة رضى الله تعالى عنها أي دفن صلى الله عليه وسلم حيثُ تُوفي وذلك لحديث النبي الأنبياءُ يُدفنونَ حيثُ يموتون (ويتضمن ذلك) أيضًا اعتقادَ (أنه صادقٌ فى جميع ما أخبر به وبَلَّغَهُ عن الله) ولا يخطئ فى ذلك أبدًا سواءٌ كان ذلك من أخبارِ من قَبْلَنَا من الأمم وبَدْءِ الخلق أم من التحليل والتحريم أم مما أخبر به مما يحدث فى المستقبل أمَّا ما أخبر به من أمور الدنيا بغير وحىٍ فكان يجوز عليه الخطأ فيه كحادَثَةِ تأبير النَّخْلِ فعن رَافِع بن خَدِيجٍ،
قَالَ قَدِمَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يُؤَبِّرُونَ النَّخْلَ يَقُولُ يُلَقِّحُونَ، قَالَ: فَقَالَ «مَا تَصْنَعُونَ؟»، فَقَالُوا: شَيْئًا كَانُوا يَصْنَعُونَهُ، فَقَالَ «لَوْ لَمْ تَفْعَلُوا كَانَ خَيْرًا»، فَتَرَكُوها فَنَفَضَتْ، أَوْ نَقَصَتْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ، إِذَا حَدَّثْتُكُمْ بِشَىءٍ مِنْ أَمْرِ دِينِكُمْ فَخُذُوا بِهِ، وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ بِشَىءٍ مِنْ دُنْيَاكُمْ، فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ»
رواه ابن حبان (فمن ذلك) أى فمما يجب الإيمان والتصديق به جزمًا مما أخبر به النبىُّ صلى الله عليه وسلم (عذابُ القبر) بالروح والجسد كعرض النار على الكافر كلَّ يوم مرتين مرةً أولَ النهار ومرةً ءاخرَ النهار يتعذب بنظره ورؤيته لمقعده الذى يقعُدُه فى الآخرة وكالانزعاج من ظُلمة القبر ووحشته (ونعيمُهُ) أى نعيمُ القبر كتوسيع القبر سبعين ذراعًا فى سبعينَ ذراعًا وكتنويره بنورٍ يشبه نورَ القمر ليلة البدر (وسؤالُ الملكين منكرٍ ونكير) فيُسْأَلُ المؤمنُ والكافرُ
من هذه الأمة أي ممن أرسل إليهم النبى فالمراد أمة الدعوة وهم من أرسل إليهم النبي قال رسول الله صلى الله عليه و سلم "صِنفانِ من أمتي ليس لَهما في الإسلامِ نصيبٌ المرجئة والقدرية" رواه الترمذي وغيره من أُمتي في هذا الحديث معناه من أمةِ الدعوةِ أي مَن أُرسلتُ إليهِم أما من أرسل إليهم النبى وءامنوا به فيقال فيهم أمة الإجابة عن اعتقاده الذى مات عليه فيجيب كلٌّ بحسب حاله فَالْكَافِرُ يُجيبُ مُخْبِرًا عَمَّا كانَ يَعْتَقِدُهُ في الْمَاضي قبلَ الْمَوْتِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَقِدَ الآنَ أنَّهُ حَقٌّ اهـ شرح الصراط ويُستثنى من هذا السؤالِ النبىُّ والطفلُ وهو الذى مات دون البلوغ وشهيدُ المعركة (والبعثُ) وهو خروج الموتى من القبور بعد إحيائهم (والحشرُ) وهو أن يُجمع الخلق ويُساقوا بعد بعثهم إلى المحشر أي المكان الذي يحشر فيه الناس،
وهو برُّ الشام وفي ذلك أقوالٌ، بعض العلماء قال أرض الشامِ هي المحشر وتُمدّ حتى تسع الناس، وبعضهم قال غيرَ هذا والشيخ على أنَّ أرضَ الشام تتسع فتسع الكلّ وعلى القول أنَّ صِفاتِها تُبَدَّل (وَ)الإيْمَانُ بيوم (القيامة) وأوله من خروج الناس من قبورهم إلى دخول أهلِ الجنةِ الجنةَ وأهلِ النارِ النارَ وتُطلق الآخرة على ذلك وعلى ما بعده إلى ما لا نهاية له وقد يُطلق يوم القيامة ويراد به الآخرة.
قال تعالى فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (والحسابُ) وهو عرضُ أعمالِ العبادِ عليهم فالله هو الذي يحاسب عباده يوم القيامة وهو أسرعُ الحاسبين ويكون ذلك بتكليمِهم أي بإسماعِهم كلامَهُ الذاتيَّ الأزليَّ الأبديَّ لا يكون بينه وبين عباده ترجمان قال رسول الله صلى الله عليه و سلم "ما منكُم من أحد إلا سيُكلِّمُهُ ربُّه" الحديث (والثوابُ) وهو الجزاءُ الذى يُجازاه المؤمنُ فى الآخرة على العمل الصالح مما يسره وهو بفضل من الله تعالى ليس واجبا
عليه أن يثيب الطائعينَ لكنَّه وعدَهَم بالثَّوابِ وَوَعْدُهُ حقٌّ ولا يُخلِف الله وعدَه (والعذابُ) وهو ما يسوء العبدَ ذلكَ اليومَ من دخول النار وما دون ذلك من العقوباتِ على المعاصى الله يعاقبُ من يشاءُ بعدلٍ منه وليس ظلما لأن الله لا يتصور منه ظلم قال تعالى وما ربك بظلام للعبيد والظلم هو مخالفة أمر ونهي من له الأمر والنهي وبعضهم قال هو التصرف فى ملك الغير بغير إذنه فلا يتصور من الله ظلم إذ لا ءامر له ولا ناه وكل ما سواه ملك له على الحقيقة (والميزانُ)
وهو ما توزن بهِ أعمال العباد يوم القيامة قال تعالى ﴿ وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون﴾ قال أبو حنيفة في الوصية والميزانُ حقٌ لقوله تعالى ﴿ونَضَعُ الموازينَ القِسْطَ ليومِ القيامة﴾ اهـ ويتولى وزنَ الأعمالِ جبريلُ وميكائيلُ عليهما السّلام والميزان جرمه كبير له قصبة وعمود وكفتان كفة للحسنات وكفة للسيئات فمن رجحت حسناته على سيئاته أو تساوت حسناته وسيئاته دخل الجنة بلا عذاب ومن رجحت سيئاته على
حسناته فهو تحت مشيئة الله إن شاء الله عذبه ثم أدخله الجنة وإن شاء عفا عنه وأدخله الجنة بلا عذاب وأما الكافر فتوضع سيئاته في كفة السيئات ولا يكون له في كفة الحسنات شىء منها (والنارُ) أى جهنمُ وهى الدار التى أعدها الله لتعذيبِ الكافرين وبعضِ عصاةِ المسلمين وهى مخلوقةٌ الآنَ قال تعالى ﴿أُعِدَّتْ للكافرين﴾ وَمِنْ شأَنِ الْمُعَدِّ أَيِ الْمُهَيَّأ أَنْ يَكُونَ مَوْجُودًا ولا تزال باقيةً إلى ما لا نهاية له قال تعالى ﴿خالدين فيها أبدا﴾ قال أبو حنيفة في الوصية
والجنة والنار حق وهما مخلوقتان لأهلهما لقوله تعالى في حق المؤمنين ﴿أُعِدَّت للمتقين﴾ وفي حق الكفرة ﴿أعدت للكافرين﴾ خلقهما الله للثواب والعقاب اهـ وقال في الفقه الأكبر والجنةُ والنارُ مخلوقتان اليوم لا تفنيان أبدًا اهـ (والصراطُ) وهو جسر يُمَدُّ على ظهر جهنم أي فوق جهنم فيرِدُه الناسُ وتَجرِى بهم أعمالهم أحدُ طرفيه فى الأرض المبدَّلَةِ والطرف الآخرُ فيما يلى الجنةَ بعد النار أَيْ قبلَ الْجَنَّةِ وَبَعْدَ النَّارِ (والحوضُ) وهو مكانٌ أعدَّ الله فيه شرابًا لأهل الجنة يشربون منه بعد عبور الصراط قبل دخول الجنة فلا يصيبهم بعد ذلك ظمأٌ قال صلى الله عليه وسلم «حوضي مسيرةُ شهرٍ ماؤهُ أبيضُ من اللبنِ وريحُهُ أطيب من المسك وكيزانه كنجوم السماءِ من شرب منها فلا يظمأُ أَبدًا» اهـ رواه البخاري (والشفاعةُ) فيطلب الشفعاء فى الآخرة من الله إسقاطَ العقاب عن بعض العصاة من المسلمين وهى لا تكون إلا للمسلمينَ قال تعالى ﴿ولا يشفعون إلا لمنِ ارْتَضَى﴾ الذين ارتضاهم بشهادةِ أن لا إله إلا الله اهـ رواه البيهقي عن ابن عباس اهـ والشفاعة الأخروية هي طلب إسقاط العقاب، إما كلِّه وإما جزءٍ منه.
قال الإمام أبو حنيفة في الفقه الأكبر وشفاعة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام حقٌّ وشفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم حق للمؤمنين المذنبين ولأهل الكبائر منهم المستوجبين العقاب حق ثابت اهـ وقد روى الحاكم في المستدرك في كتاب الإيمان أنه صلى الله عليه وسلم قال «شَفاعتي لأهل الكبائر من أمَّتي» اهـ (والجنةُ) وهى مكانٌ أعده الله لتنعيم المؤمنين وهى مخلوقة الآن ولا تزال باقيةً إلى ما لا نهاية له روى البخاري في صحيحه قولَه صلى الله عليه وسلم «يخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفي قلبهِ وزنُ ذرةٍ من خيرٍ» اهـ قال أبو عبد الله قال أبان حدثنا قتادة حدثنا أنس عن النبي صلى الله عليه و سلم (من إيمان) مكان (من خير) رواه في باب زيادة الإيمان ونُقصانه.
وفي الحديث القدسي «أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر» رواه البخاري في باب ما جاء في صفة الجنة وأنها مخلوقة. وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال «يُنَادِى مُنَادٍ إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلاَ تَسْقَمُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلاَ تَمُوتُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلاَ تَهْرَمُوا أَبَدًا وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلاَ تَبْتَئِسُوا أَبَدًا».
فَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾»اهـ رواه مسلم في باب دوام نعيم أهل الجنة.(والرؤيةُ لله تعالى) لِقَوْلِهِ تعالى ﴿وُجوهٌ يومئِذٍ ناضرةٌ إلى رَبِّها ناظِرَة﴾ وقَوْلُهُ هذا خاصٌ بالمؤمنين أما الكافرون فلا يرون الله لقوله تعالى ﴿كلاّ إنَّهُمْ عنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُون﴾ (بالعين فى الآخرة) أى بأنها حقٌّ وهذا خاصٌ بالمؤمنين يرونه وهم فى الجنة (بلا كيفٍ ولا مكانٍ ولا جهةٍ)
ولا تشبيهٍ كما نصَّ على ذلك الإمام أبو حنيفة رضى الله عنه (أى لا كما يُرى المخلوق) من قبل المخلوق لأنّ المرئي عندئذ يكون فى جهة من الرائى وَإنَّما يكون المؤمنونَ فى مكانهم فى الجنة فيرونَ اللهَ واللهُ موجودٌ بلا مكانٍ قال فى الفقه الأكبر «والله تعالى يُرى فى الآخرة ويراه المؤمنون وهم فى الجنة بأعين رؤوسهم بلا تشبيه ولا كيفية ولا كمية ولا يكون بينه وبين خلقه مسافة» اهـ (والخلودُ فيهما) أى الجنةِ والنارِ فيجب الإيمانُ أنَّ المؤمنين يخلدون فى الجنة والكافرين
يخلدون فى النار وأنه لا موتَ بعد ذلك قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم «يؤتى بالموتِ كهيئة كبش أملحَ فيُنادي منادٍ يا أهل الجنة فيشرئِبُّون وينظرونَ فيقولُ هل تعرفون هذا فيقولونَ نعم هذا الموتُ وكلُّهم قد رءاهُ ثم ينادي يا أهل النار فيشرئبونَ وينظرونَ فيقول هل تعرفونَ هذا فيقولون نعم هذا الموتُ وكلُّهم قد رءاهُ فَيُذْبَحُ ثم يقولُ يا أهل الجنةِ خلودٌ فلا موت ويا أهل النار خلودٌ فلا موت» (والإيمانُ بملائكةِ اللهِ) تعالى أى بوجودهم وأنهم عبادٌ مُكْرَمُونَ لا يعصونَ الله ما أمرهم ويفعلون ما يُؤمرون وهم ليسوا ذكورًا ولا إناثًا لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون ولا يتوالدون إبليسُ ليس من جنس الملائكة الدليل على ذلك قوله تعالى ﴿أفتَتَّخِذونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أولياءَ مِنْ دُوني﴾ الآية فدَلَّ على أنَّ لهُ ذُرَّيَّةً والملائكةُ لا يتوالدونَ اهـ قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في الفتح في باب ذكرِ الملائكة وقد جاء في صفة الملائكة وكثرتِهم أحاديثُ منها ما أخرجه مسلم عن عائشة مرفوعًا «خُلِقَتِ الملائكةُ من نور» الحديثَ.
ومنها ما أخرجه الترمذي وابن ماجه والبزار من حديث أبي ذر مرفوعًا «أَطَّتِ السماءُ وحُقَّ لها أن تَئِطَّ، ما فيها موضعُ أربعِ أصابعَ إلا وعليه ملكٌ ساجد» الحديثَ. ومنها ما أخرجه الطبراني من حديث جابر مرفوعًا «ما في السمواتِ السبعِ موضعُ قدمٍ ولا شبرٍ ولا كفٍ إلا وفيه ملكٌ قائمٌ أو راكع أو ساجد» وللطبراني نحوُه من حديث عائشةَ وذُكر في ربيع الأبرارِ عن سعيدِ بنِ المسيَّب قال الملائكةُ ليسوا ذكورًا ولا إناثًا ولا يأكلون ولا يشربون ولا يتناكحون ولا يتوالدونَ اهـ (ورسلِهِ) أى أنبيائه من كان رسولاً أُرسل بشرعٍ جديد ومن لم يكن كذلك والنبيُّ غيرُ الرسول هو إنسان أوحي إليه لا بشرع جديد بل باتباع شرع الرسول الذي قبله المقصود هنا بالرسلِ من أرسلهمُ الله سواءٌ من أُرسلَ بشرع جديد أم لا،
النبي الرسول والنبي غيرُ الرسول، كل هذا مشمول بقوله ورسلِهِ وأوَّلُ رُسُلِ الله هو سيدُنا ءادمُ عليه السلام وءاخرُهم سيدُنا محمدٌ صلى الله عليه وسلم قال ابن حجر في الفتح رسالة ءادمَ كانت إلى بنيه وهم موحِّدون ليعلّمَهم شريعتَه ونوحٌ كانت رسالتُه إلى قومٍ كفار يدعوهم إلى التوحيد اهـ قاله في باب صفة الجنةِ.
ويدل على نبوته من القرءان الكريم قوله تعالى ﴿إن الله اصطفى ءادمَ ونوحًا وءالَ إبراهيم وءالَ عمران على العالمين﴾ سورة ءال عمران (وكتبِهِ) وأشهرُها أربعةٌ القرءانُ والتوراةُ والإنجيلُ والزبورُ عدد الكتب السماوية مائةٌ وأربعةٌ كما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث أبي ذر قال قلت يا رسول الله كم كتابًا أنزله الله قالَ «مائةُ كتاب وأربعةُ كتبٍ أُنزل على شيثٍ خمسونَ صحيفةً وأُنزل على أَخْنُوخَ إدريس ثلاثون صحيفةً وأُنزل على إبراهيمَ عشر صحائف وأنزل على موسى قبل التوراة عشر صحائف وأنزل التوراة والإنجيل والزبور القرءان» اهـ الإنجيلُ والتَّوراةُ مُزِّقا وحُرِّفَا لا يُقالُ رُفِعَا ويوجد كُتبٌ رُفِعَتْ (و) يجب أيضًا الإيمان (بالقدر) أى الاعتقادُ بأنَّ كلَّ ما يحصل هو بتقدير الله تعالى مع الرضا بتقديره تعالى وعدمِ الاعتراض عليه فى تقديرِهِ الخيرَ والشرَّ والحلوَ والمرَّ فإنّ المقدورَ أيِ الْمَخْلوقَ (خيرَهُ وشرَّهُ) يحصل بتقدير الله وخلقه ومشيئته فما كان منه خيرًا نُحِبُّهُ وما كان منه شرًّا نكرهه.
وقد ورد في حديث جبريل المشهور وتؤمن بالقدر خيره وشره فالمراد بالقدر صفة الله وبخيره وشره المقدور أي المخلوق وهذا يقال له الاستخدام والاستخدام هو أن يراد بلفظ له معنيان أحدهما ثم بضميره معناه الآخر أو يراد بأحد ضميريه أحدهما وبالآخر الأخر فالأول كقول الشاعر" إذا نزل السماءُ بأرض قومٍ رعيناه وإنْ كانوا غِضابًا" أراد بالسماء الغيث وبضميرها النبت وكقول الله تعالى﴿فمنْ شَهِدَ منكم الشهرَ فليصمْه﴾ أي من شهد منكم الهلال فليصم رمضان.
قال أبو حنيفة في الفقه الأكبر والطاعةُ كلُّها ما كانت واجبةً بأمر الله تعالى ومحبتِهِ وبرضائِهِ وعلمه ومشيئته وقضائه وتقديره والمعاصي كلُّها بعلمه وقضائه وتقديره ومشيئته لا بِمحبته ولا برضائه ولا بأمره اهـ وقال في الوصيةِ والمعصية ليست بأمر الله تعالى ولكن بمشيئته لا بمحبته، وبقضائه لا برضاه، وبتقديره لا بتوفيقه، وبخِذلانه وعلمه وكتابته في اللوح المحفوظ اهـ (و) يتضمن الإيمانُ برسالةِ النبىّ صلى الله عليه وسلم أيضاً اعتقادَ (أنَّه صَلَّى اللهُ عليهِ وسلَّمَ خَاتَمُ النَّبِيين)
فلا نبىَّ بعده أي لا يجوزُ أن ينزلَ الوحي بالنبوة على شخصٍ بعد محمد لم يُنبَّأ قبلَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ولا ناسخَ لشريعته قال عليه الصلاة والسلام «وخُتم بي النبيُّون» رواه مسلم (وأنه سيدُ وَلَدِ ءادم أجمعين) فهوَ أفضلُ خلق الله وأعلاهُم رُتبةً ومنـزلةً عند الله وفي الحديث «أنا سيد ولد ءادم يوم القيامة ولا فخر» رواه الترمذي قال النووي في شرح مسلم بل صرح بنفي الفخر في غير مسلم في الحديث المشهور «أنا سيد ولد ءادم ولا فخرُ» وإنما قاله لوجهين
أحدُهما امتثالُ قولِه تعالى ﴿وأما بنعمة ربك فحدث﴾ اهـ كلمة فخر وردت بالضَّمِّ بالسَّندِ المنقولِ إلى رسول اللهِ ويُقالُ فَخْرَ بِالفَتحةَ لأَنَّ اللفظَةَ يجوزُ فيها الوجهانِ مِنْ حيثُ الإعرابُ لكن الرواية وردت بالضَّمِّ فنحنُ نَذْكُرُهَا كي لا يُفْقَدُ مِنْ بَيْننا ما هو منقول بالسند إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم (ويجب اعتقاد أنَّ كلَّ نبىٍّ من أنبياءِ اللهِ يجبُ أنْ يكونَ مُتَّصِفًا بالصِّدقِ) فيستحيل عليهم الكذبُ لأنَّ ذلك نقصٌ ينافى منصبَ النبوةِ
(و) تجب لهم (الأمانة) فيستحيل عليهم الخيانة فلا يغشّون الناسَ إن طلبوا منهم النصيحةَ ولا يأكلون أموال الناس بالباطل (و) تجب لهم (الفطانةُ) فكل الأنبياء أذكياءُ تستحيل عليهم الغباوةُ أى ضَعفُ الفهم لأنَّ الغباوةَ تنافى منصبهم لأنَّ الله أرسلهم ليبلغوا الرسالة ويقيموا الحجة على الكفار المعاندين (فيستحيل عليهم الكذب والخيانة) أى يستحيل عليهم الاتصاف بالكذبِ والخيانةِ كما يُعلم مما مضى (و) يستحيل عليهم أيضًا (الرذالة) وهى أخلاقُ الأسافلِ الدّونِ قال في
الصَّحَاح الرَذْلُ الدونُ الْخسيسُ اهـ فليس فى الأنبياء من هو رذيلٌ يختلسُ النظر إلى النساء الأجنبيات بشهوة مثلاً وليس فيهم من يسرقُ ولو حبةَ عِنَبٍ (و) يستحيلُ عليهم (السفاهةُ) وهى التصرفُ بخلاف الحكمةِ قال في المصباح المنير والسَّفَهُ نقصٌ في العقل وأصله الخِفة اهـ وفي تهذيب اللغة وقال بعض أهل اللّغة أصل السَّفَه الخفّة ومعنى السَّفِيه الخفيفُ العَقْلِ اهـ فليس فيهم من هو سفيهٌ يقول ألفاظًا شنيعةً تستقبحُها النفس كالذي يشتمُ يمينا وشمالا (و) يستحيل عليهم (البلادةُ) فليس فيهم من هو بليدُ الذهن عاجزٌ عن إقامة الحجة على من يعارضُهُ ولا ضعيفُ الفهم لا يفهم الكلام من المرة الأولى إلا بعد أن يُكَرَّرَ عليه عدةَ مرات قال في الصحاح والبَلادَةُ ضدُّ الذكاء اهـ قال في المصباح وبَلُدَ الرجلُ بالضمِ بلادةً فهو بَلَيدٌ أي غيرُ ذكي ولا فَطِن اهـ (و) يستحيل عليهم (الْجُبْنُ) قالَ في المصباحِ جبانٌ أي ضعيفُ القَلْبِ اهـ أما الخوف الطبيعىُّ فلا يستحيل عليهم كالنفور من الحية إذا تفاجأ بها الإنسان.
قال تعالى ﴿فَأَوْجَسَ فِىْ نَفْسِهِ خِيْفَةً مُوْسَى﴾ (سورة طه/67) قال القشيري في تفسيره قولُه ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُم لمَّا خِفْتُكُم﴾ يجوز حملُه على الظاهرِ وأنهُ خاف منهُم على نفسهِ والفرارُ عند عدم الطاقةِ غيرُ مذمومٍ عند كل أحدٍ اهـ لا يقالُ عنِ النَّبيِّ هَرَبَ لأَنَّ هذه الكلمة تُشعِرُ بِالجُبْنِ أما كلمة فَرَّ من إذى الكفار فلا تشعر بالجبن وقد قال الله تعالى مُخاطبًا نبيَّه موسى عليه السلام ﴿خُذْها ولا تَخَفْ﴾ سورة طه/ الآية ٢١. وقال تعالى ﴿فأَوْجَسَ في نَفْسِهِ خِيْفَةً موسى﴾ سورة طه/ الآية ٦٧ وكذلك يستحيل على الأنبياء سَبْقُ اللسان فى الشرعيات والعاديات لأنه لو كان يجوز عليهم سبق اللسان لفتح هذا بابا للكفار للطعن في كلامهم قد يقول أحدُهُم لعله عندما قال ذلك كان منه سبقَ لسان،
فكما أنهم معصومون من الكذب فهم معصومون من سبق اللسان وسبق اللسان يقال فيه أخو الكذب أي يُشبهُ الكذب من ناحية (و) يستحيل عليهم أيضًا (كلُّ ما ينفَّر عن قبول الدعوة منهم) كالأمراض المنفّرة وذلك كخروج الدود من الجسم قاعدةٌ عَصَمَ اللهُ تعالى الأنبياءَ عن كلِّ ما يُنَفِّرُ الناسَ عنهم عن كُلِّ ما يعزِلُهُم عن الناس اهـ (وتجب لهم العصمة) أى الحفظُ التامُّ بلا انخرامٍ بحيث لا يحصلُ منهم خلافُ ذلك ولو مَرَّةً واحدة بلا استثناء هذا معنى بلا انخرامٍ (من الكفر و)
الذنوب (الكبائر وصغائر الخسة) والدناءة (قبل النبوة وبعدها) فالأنبياء عليهم السلام معصومون من الوقوع فى الكفر والمعاصى الكبيرةِ ومن التلبس بالذنوب الصغيرة التى فيها خسةٌ ودناءةٌ كسَرقة حبة عِنب قبل النبوة وبعدها (ويجوز عليهم ما سوى ذلك من المعاصى) وهى الصغائرُ التى ليس فيها خسة ولا دناءة كما حَصَل مع سَيِّدِنا ءادمَ قال الطبريُّ وقوله ﴿وعصى ءادمُ ربَّه فغوى﴾ يقول وخالف أَمر ربهِ فتعدَّى ثم قال وقولُه ﴿ثم اجتباه ربهُ فتاب عليه وهدى﴾ يقولُ اصطفاه ربُه من بعد معصيتِهِ إيَّاه اهـ (لكن) إن حصل منهم شىء من ذلك (يُنَبَّهُونَ فورًا للتوبةِ قبل أن يقتدى بهم) أى بالأنبياء (فيها) أى فى تلك الصغيرة (غيرُهُم) من أممهم فيفعلَ مثل ما فعلوا لأنهم قدوةٌ للناس (فمن هنا يُعلم أنَّ النبوة لا تصحٌّ لإخوة يوسف) وهم العشرة لأن الحادي عشر هو بنيامين وهو لم يشاركهم،
لذلك قيل عشرة بنيامين المشهور عند المؤرِّخين أنه كان نبيا لكن لا يوجد نصٌّ على ذلِكَ (الذين فعلوا تلك الأفاعيل الخسيسة) من ضربهم يوسفَ عليه السلام ورميِهِمْ له فى البئر وتسفيههم أباهم يعقوبَ عليه السلام وهو كفرٌ أي التَّسْفِيهُ لأبيهِم كُفْرٌ أليس سفهوه قالوا إنك لفي ضلالك القديم يعني على حالك الذي هو مخالفٌ للحكمة، يعني ذمّوه ليس معنى ضلالِكَ اتهامَه بالكفر إنما هو ذم له إهانةٌ للنبيِّ هذه علَّةُ التَّكْفير (و) إخوةُ يوسفَ هؤلاءِ (هم مَنْ سوى بِنيامينَ) فهو لم يشاركْهم فيما فعلوه.
