قال أبو منصور البغدادي في أصول الدين أما التسمية بالإله والرحمن والخالق والقدُّوس والرزّاق والمحيي والمميت ومالك الملك وذي الجلال والإكرام فلا يليق بغير الله عز وجل ويجوز تسمية غيره بما خرج من معاني تلك الأسماء الخاصة اهـ وكالوصف برجاحة العقل هو مدح في حقّ الإنسان ولا يجوز أن يوصف الله بذلك قال البيهقي في الأسماء والصفات في تفسير الجبار من أسماء الله المصلح لأحوال عباده والجابر لها اهـ وقال في الاعتقاد الجبار هو الذي لا تناله الأيدي ولا يجري في ملكه
غير ما أراد وهو من الصفات التي يستحقها بذاته اهـ ثم قال وقيل هو الذي جبر مفاقر العباد وهو على هذا المعنى من صفات فعله اهـ (المنـزهُ عن كل نقص فى حقه) أى عن كل ما لا يليق به تعالى كالجهل والعجز واللون قال النووي في الروضة في بيان الردة نقلا عن المتولي من اعتقد قدمَ العالم أو حدوثَ الصانع أو نفى ما هو ثابت للقديم بالإجماع ككونه عالما قادرا أو أثبت ما هو منفي عنه بالإجماع كالألوان أو أثبت له الاتصال والانفصال كان كافرًا اهـ والحدّ والتحيز فى الجهة والمكان
وهو ما يشغله الحجم من الفراغ لأن ذلك كلَّه من صفات المخلوقين فهو سبحانه موجودٌ بلا مكان كما قال تعالى (﴿ليس كمثله شىء﴾) أى أنه تبارك وتعالى لا يشبه شيئًا من خلقه بأىّ وجه من الوجوه قال الشيخ عن هذه الآية هي الحاكمة أي التي تحكم في المتشابِه وهي المرجِع الذي يرجع إليه في المتشابِه وهي الأم وأم الكتاب وقال كفتنا المؤنة وقال علماء البيان النكرة إذا جاءت في سياق النفي او الاستفهام تفيد العموم وكذا عند علماء الأصول وقد قدم الله تعالى قولَهُ ﴿ليس كمثله شىء﴾
على قوله (﴿وهو السميع البصير﴾) الحكمة من ذلك حتى لا يَتوهَّمَ متوهمٌ أنّ سمعَ الله وبصرَه كسمع وبصر غيره قال العراقي في الغيث الهامع شرح جمع الجوامع في كتاب الاجتهاد وقوله ﴿ليس كمثله شىء﴾ تتمته في التنـزيل ﴿وهو السميع البصير﴾ فأول هذه الآية تنـزيه وءاخرها إثبات وصدرها رد على المجسمة وعجُزُها رد على المعطلة والنكتة في نفي التشبيه أولاً أنه لو بدأ بذكر السميع والبصير لأوهم التشبيه فاستفيد من الابتداء بنفي التشبيه أنه لا يشابهه في السمع والبصر غيره اهـ فإن الله تعالى مباين أى غيرُ مشابهٍ للمخلوقين كما قال ذو النونِ المصرىُّ رضى الله عنه ثوبان بن إبراهيم أبو الفيض المعروف بذى النون المصرى أصله من النوبة وكان من قرية من قرى صعيد مصر يقال لها إخميم فنَزَل مصر وكان حكيماً فصيحاً زاهداً وجه إليه جعفر المتوكل على الله فحمل إلى حضرته بسُر من رأى حتى رآه وسمع كلامه ثم انحدر إلى بغداد فأقام بها مديدة وعاد إلى مصر توفى سنة خمس وأربعين ومائتين وقيل من سنة ست وأربعين ومائتين مهما تصوّرت ببالك فالله بخلاف ذلك اهـ أي لا يشبه ذلك روى الحافظ ابن عساكر فى تاريخ دمشق بالإسناد عن يوسف بن الحسين عن ذى النون المصرى أنه قال ومهما تصور فى نفسك شئ فالله بخلافه هذا لفظ السلمىّ.
وفى رواية أبى حاتم وكل ما تصور فى وهمك فالله بخلاف ذلك اهـ (فهو القديم) الذى لا أول له (وما سواه) من العالمين "مِن" هنا بَيانية ليست للتبعيض الله تعالى قال ﴿فاجتنبوا الرِّجْسَ من الأوثان﴾ ليس معناه الأوثان منها ما هو رجس ومنها ما ليس رجسا إنما من هنا لبيان الجنس فليس المعنى أنَّ جزءا من العالم مخلوق لله وجزءا ليس مخلوقا لله (حادث) وُجِدَ بعد عدمٍ (وهو الخالق) لجميع الكائنات (وما سواه) أى كلُّ العالمين (مخلوق) له بداية فالعالم حادث بجنسه وأفراده، وخالف فى
القسم الأول ابن تيمية هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الحرانى الدمشقي. ولد بِحَرَّان سنة 661هـ ثم انتقل إلى دمشق. ظهرت منه بدع كثيرة حتى قال الحافظ أبو زرعة العراقى إنه خرق الإجماع فى أكثر من ستين مسئلة بعضها فى الأصول وبعضها فى الفروع وقال فيه علمه أكبر من عقله اهـ ردّ عليه علماء عصره وحبس بفتوى من قضاة المذاهب الأربعة سنة 726هـ بقلعة دمشق ومات فيها سنة 728هـ أي خالف ابن تيمية في جنس العالم فقال العالم أزلي النوع والجنس حادث الأفراد كما قال متأخرو
الفلاسفة من غير أن ينسب نفسه إلى اتباعهم بل نسب ذلك زورا وبهتانا إلى أئمة الحديث قال ابن تيمية في كتابه المسمى درء التعارض وأما أكثر أهل الحديث ومن وافقهم فإنهم لا يجعلون النوع حادثًا بل قديمًا اهـ وكذب في ذلك وهكذا يفعل فيما يميل إليه من الآراء الشاذة ينسبها إلى أهل الحديث ولا يسمي أحدًا منهم فقال كالفلاسفة إنَّ نوع العالم أزلىٌّ لا بداية لوجوده فكفّره المسلمون على ذلك نقل الإمام بدر الدين الزركشي في كتابه تشنيف المسامع الإجماعَ على كفر الفريقين
وقال وقد ضللهم المسلمونَ فى ذلك وكفَّروهم معناه أنَّ الفريقين كفار بالإجماع (فكل حادث دخل فى الوجود) سواء كان (من الأعيانِ) جمع عينٍ (و) هو كلُّ ما له حجمٌ أم كان من (الأعمال) الاختيارية أو غير الاختيارية فهو بخلق الله تعالى قال تعالى ﴿قل إنَّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ﴾الصلاة والنسك عملان اختياريان والمحيا والممات عملان اضطراريان وكلها ملك لله وخلق له وقال أيضا ﴿قال أتعبدون ما تنحِتون والله خلقكم وما تعملون﴾ المعتزلة يقولون ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾
ما هنا اسم موصول فيكون المعنى بزعمهم أن الله خلق الخشب الذي تنحتون منه الأصنام وليس عملكم وقال أهل السنة ما مصدرية تُسبك مع ما بعدها بمصدر فيكون المعنى والله خلقكم وعملَكم قال البيهقي في القضاء والقدر عند ذكر هذه الآية وما يعمله ابن ءادم ليس هو الصنم وإنما هو حركاته واكتساباته وقد حكم بأنه خَلَقَنا وخَلَقَ ما نعمله وهو حركاتنا واكتساباتنا اهـ قال الأشعري رحمه الله في اللُّمَع وليس يجوز أن يعملوا الخشب في الحقيقة فلم يجُز أن يكون الله تعالى رجع بقوله
﴿خلقكم وما تعملون﴾ إليها ووجب أن يرجع إلى الأعمال كما رجع بقوله ﴿جزاءً بما كانوا يعملون﴾ إلى الأعمال اهـ وقال في الاعتقاد في باب القول في خلق الأفعال ومعلوم أنَّ الأفعالَ أكثر من الأعيان فلو كان اللهُ خالقَ الأعيانِ والناسُ خالقي الأفعال لكان خلقُ الناس أكثر من خلقه ولكانوا أتمَّ قوة منه وأولى بصفة المدح من ربهم سبحانه ولأنَّ الله تعالى قال ﴿والله خلقكم وما تعملون﴾ فأخبر أن أعمالهم مخلوقة لله عز وجل اهـ فالأعيان كلُّها (من الذرة) وهى أصغر حجم نراه منفصلا عن غيره بالعين المجرَّدة وهي الهباء الذى يظهر عند دخول نور الشمس من الكَوَّةِ تفتح وتضم وهي الثقبة في الحائط كما في المصباح المنير أو ما كان أصغرَ منها (إلى العرش) الذى هو أكبر مخلوقات الله تعالى من حيث الحجم هى بخلق الله خلق الله تعالى العرش إظهارًا لقدرته لا ليجلس عليه فإن الجلوس لا يكون إلا للجسم المركب والتركيب من لوازم الحدوث والحدوث مناف للألوهية.
رُوى عن صباح التفريد ومصباح التوحيد سيدنا علىّ بن أبى طالب أنه قال "إن الله خلق العرش إظهارًا لقدرته ولم يتخذه مكانًا لذاته" اهـ (و) كذلك الأعمالُ الظاهرةُ (من كل حركةٍ للعباد وسكون و) الأعمالُ الباطنة من (النوايا) جمع نية وهى العزمُ هذا معنى النية العزم وهو التصميم المؤكَّد الذي ليس فيه تردد (والخواطرِ) جمع خاطر وهو ما يرد على القلب بلا إرادة (فهو) أى الحادثُ الداخلُ فى الوجود (بخلق الله لم يخلقه أحد سوى الله لا) خلقته (طبيعةٌ) وهى الصفة التى جعل اللهُ عليها الأجرامَ كالنار طبيعتُها الإحراقُ النار طبيعتها الإحراق أي صفتها ولا يصح أن تكون الطبيعة خالقة لشىء من الأشياء لأنه لا إرادة لها ولا مشيئة ولا اختيار و(لا) خلقته (علةٌ) وهى ما يوجد المعلولُ بوجوده ويُعدم بعدمه مثل حركة الإصبع الذى فيه خاتم علةٌ لحركة الخاتم العِلَّة شىء إذا وُجد وُجد شىء آخر وإذا عُدم عُدم الآخر مثل هذا يقال له علَّة إذا حركتَ الإصبع يتحرك الخاتم وإذا ثبّتّ الإصبع لا يتحرك الخاتم فيقال حركة الإصبع علة لحركة الخاتم وهذه العلة كلام الناس فيها مختلف الفلاسفة يجعلون العلة هي الموجدة عندهم كلام فاسد،
يقولون العلة هي التي تُوجد ويقولون وجود الله علة لوجود العالم قالوا وجود الله يقتضي وجود العالم لا باختياره أما أهل السنة فيقولون هذه العلل علامات وإنما وجود المعلول بإيجاد الله له ويوجد اختلاف بين أهل السنة والمعتزلة أيضا فأهل السنة إذا قالوا علة تحريم الخمر الإسكار يعنون أن الإسكار علامة تدل على الخمر المحرمة أما التحريم فلا يلزم عقلا من الإسكار الخمرة لو لم يحرمها الله علينا لما كانت محرمة أما المعتزلة فيقولون إذا وُجدت العلة وُجد التحريم على زعمهم يقولون بمجرد العقل أي أن العقل يقضي بحرمة ذلك لمجرد وجود العلة فيعتبرون أنه يلزم عقلا من الإسكار التحريم ونحن نقول الله تعالى يفعل ما يشاء يحرم ما يشاء ويحل ما يشاء التحليل والتحريم بالشرع لا بالعقل لا يستقل العقل بتحريم ولا بتحليل ما حرمه الشرع فهو الحرام وما أحله فهو الحلال فلو أن الله أحل لنا قتل أولادنا لما كان ذلك حراما علينا التحليل والتحريم بالشرع فما أوجبه الله فهو واجب لإيجاب الله له وما حرمه فهو حرام لتحريم الله له عقولنا لا تستقل بتحريم ولا بتحليل لأجل هذا نقول ما حسّنه الشرع فهو الحسن وما قبّحه الشرع فهو القبيح فلا يقل أحد لأن هذا الأمر لو لم يأت الشرع بتحريمه العقل يحكم بذلك هذا عند المعتزلة أما عند أهل السنة والجماعة لو أن الشرع لم يأت بتحريم أمر فلا يكون هذا الأمر حراما نعم العقل يشهد بصحة الشرع هذا شىء آخر.
أيام سيدنا آدم كان يجوز للأخ من البطن الأول أن يتزوج أخته من البطن الثاني أي غير توأمته أما بعد ءادم ما عاد ذلك جائزا فلا نقول العقل يقضي بحرمة ذلك, لأنه كان جائزا في شرع ءادم فالعبرة بالتحليل والتحريم بما ورد في الشرع حله أو حرمته مثال ءاخر لو أن واحدا قال لآخر إن لم تأكل هذا الأكل أقتلك وكان قادرا على تنفيذ ذلك وهذا الأكل ليس للآخر ليس مالكا له وهدده بالقتل مع قدرته على تنفيذه على أن يأكل من هذا الطعام بغير إذن صاحبه يجوز له أن يأكل الله أجاز له أن يأكل وإن أكرهه على أن يقتل مسلما فليس له أن يقتله ما أحله الشرع فهو الحلال وما حرّمه الشرع فهو الحرام فنحن عبيد والله يفعل ما يشاء وإلا فالذين يقولون العقل يدل على التحريم فعلى زعمهم الله ليس له أن يفعل غير هذا ولكن بعض الناس لا يفهمون هذا.
وأما السبب فهو حادث يُتوصل به إلى حادث ءاخر وقد يتخلف مُسَبَّبُهُ عنه وقد قال ركن الإسلام عليٌّ السغديُّ الحنفيُّ من سمى الله سببا أو علة كفر (بل دخوله فى الوجود بمشيئة الله وقدرته بتقديره وعلمه الأزلىّ لقول الله تعالى) فى سورة الفرقان (﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَىْءٍ﴾ أى أحدثه من العدم إلى الوجود فلا خلق بهذا المعنى) أى الإبرازِ من العدم إلى الوجود (لغير الله، قال الله تعالى) فى سورة فاطر (﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللهِ﴾) أى لا خالق إلا الله وخالف فى ذلك المعتزلة فقالوا العبد يخلق فعله الاختياريّ فكفرهم المسلمون على ذلك .
وقد (قال) أبو حفص عمرُ (النسفىّ) رحمه الله تعالى النسفيون عدّة فحتى يُعرفَ أيُّ نسفي هو المراد ذُكرَ اسمُه وإلا فقد شهر بالنسفيّ عدةٌ فصاحبُ تفسير النسفي غيرُ صاحب العقائد فى كتابه المشهور العقيدة النسفية ما معناه (فإذا ضرب إنسان زجاجًا بحجر فكسره فالضرب) وهو فعل العبد بالحجر أي بوسطة الحجر وقد يحصل منه انكسار وقد لا يحصل (والكسرُ) وهو فعل العبد الذى فعله فى الزجاج بواسطة الرمى بالحجر (والانكسارُ) وهو الأثر الحاصل فى الزجاج من تشققٍ وتناثرٍ ونحوِ ذلك (بخلق الله تعالى) لا بخلق العبد (فليس للعبد) من فعله هذا (إلا الكسبُ) وهو توجيه العبدِ قصدَهُ وإرادته نحو العمل فيخلقُهُ الله عند ذلك هذا معنى كلامِ النسفيِ ونصُّه وما يوجد من الألم في المضروب عَقِيب ضرب إنسان والانكسار في الزجاج عقيب كسر إنسان وما أشبهه كل ذلك مخلوق لله (وفي نسخة مخلوق الله) تعالى لا صُنْعَ للعبد في تخليقه اهـ والكسب هو توجيه العبد قصده وإرادته نحو العمل مع خلق الله له، مع بروز العمل من العدم إلى الوجود مع كون العمل برز من العدم إلى الوجود، وقد يوجه العبد قصده وإرادته نحو العمل ولا يعمله فلا يكون مكتسبا للعمل الذي لم يعمله.
فائدة التردد في المعاصي البدنية غير الكفر العبد معفى عن المؤاخذة به ما لم يصل إلى العزم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إنّ الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم رواه البخاري وفى حديث ءاخر عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِذَا هَمَّ عَبْدِى بِسَيِّئَةٍ فَلاَ تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا سَيِّئَةً وَإِذَا هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا حَسَنَةً فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا عَشْرًا» فالهم بالمعصية لا يؤاخذ به العبد والهم هو التردد في الفعل أفعل أو لا أفعل أما العزم فهو الجزم على الفعل.
قال العلماء الهم هو أن يميل إلى المعصية من غير أن يعزم فإن عزم استحق المؤاخذة والعقوبة في الآخرة وفي الدليل القويم أما حكم المعاصي غير الكفر فمن هم بشىء منها ولم يعمل ولم يتكلم لم يؤاخذ بذلك قال العلماء الهم هو أن يقصد المعصية من غير أن يعزم (وأمّا الخلقُ فليسَ لغيرِ الله قال الله تعالى) فى سورة البقرة (﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾) أى للنفس جزاءُ ما كسبته من الخير أى تنتفع بذلك (﴿وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾) أى وعليها وَبَالُ ما اكتسبته من عمل الشر أى يضرُّها
ذلك فالعبد إنما يتصف بالكسب لا بالخلق وهو يحاسب على كسبه قال الله تعالى ﴿وما رميتَ إذ رميتَ ولكنَّ اللهَ رمى﴾ فأثبت الله تعالى الخلقَ لنفسه وتمدَّح بذلك لأنه شىء يختـص به وأثبت للعبد الكسب وقال أبو حنيفة في الفقه الأكبر وجميع أفعال العباد من الحركة والسكون كسبُهم على الحقيقة والله تعالى خالقُها وهي كلها بمشيئته وعلمه وقضائه وقدره اهـ قال البيهقي في الاعتقاد في باب القول في خلق الأفعال ولأنه قال﴿فلمْ تقتلوهم ولكنَّ اللهَ قتلهم﴾﴿وما رميت إذ رميت ولكنَّ الله رمى﴾ وقال ﴿أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون﴾ فسلب عنهم فعل القتل والرمي والزرع مع مباشرتهم إياه وأثبت فعلَها لنفسه ليدل بذلك على أن المعنى المؤثر في وجودها بعد عدمها هو إيجاده وخلقه وإنما وجدت من عباده مباشرةُ تلك الأفعال بقدرة حادثة أحدثها خالقُنا عز وجل على ما أراد فهي من الله سبحانه خلقٌ على معنى أنه هو الذي اخترعها بقدرته القديمة وهي من عباده كسب على معنى تعلقِ قدرةٍ حادثةٍ بمباشرتهم التي هي أكسابهم اهـ (و) لْيُعْلَمْ أن (كلامه) سبحانه وتعالى صفة من صفاتِهِ الثابتةِ لذاته الأزلىّ الأبدىّ يقال ذاته الأزلي،
ولو قيل ذاته الأزلية لا يحرم لأن التأنيث هنا للفظ لكن الأحسن أن يقال الذات الأزلي وهو أى الكلامُ (قديمٌ) أزلىٌ لا ابتداء له ولا يُبتدأ ولا يُختتم ولذلك لا يقال عن الله ناطق لأن النطق لا يكون إلا بحرف وصوت والله لا يتكلم بحرف وصوت بل يقال متكلم لأنه يتكلم بكلام ليس بحرف وصوت قال أبو حنيفة في الفقه الأكبر ونحن نتكلم بالآلات والحروف والله تعالى يتكلم بلا ءالة أي بلا مخارج الحروف ولا حروف والحروف مخلوقة وكلام الله تعالى غير مخلوق اهـ وقال الباقلاني في
الإنصاف ويجب أن يعلم أن الله تعالى لا يتصف كلامه القديم بالحروف والأصوات ولا شىء من صفات الخلق وأنه تعالى لا يفتقر في كلامه إلى مخارج وأدوات بل يتقدس عن جميـع ذلك اهـ (كسائر) أى باقى (صفاته) تعالى من الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر فإنها قديمةٌ وذلك لأن الذاتَ الأزلىَّ لا تقوم به صفة حادثة المشبهة هنا يتخبطون لأنهم مع أنهم يقولون حياة الله قديمة ولا يقبلون أن يقال حياة الله شىء يحصل دفعة بعد دفعة وهذا صحيح ومع أنهم يقولون علم الله قديم ولا يقبلون أن يقولوا شىء يحصل دفعة بعد دفعة وهذا صحيح أيضا يقولون بخلاف ذلك في كلام الله الأزلي فيقولون كلام الله حروف وأصوات تحصل دفعة بعد دفعة تحدث ثم تنقضي ثم تحدث ثم تنقضي ،
فيقال لهم إذا قلتم الله يتكلم بحروف وأصوات، الحروف يلزم منها الكلام الذي يتكلم به البشر وكلام البشر يلزم منه الحدوث فإذًا وصفتم الله بصفة حادثة وليس لهم مهرب إلا العناد، ويقال لهم إذا قلتم الله يتكلم بحرف وصوت إما أنكم تقولون الله ينطق بهذه الحروف دفعة واحدة وهم لا يقولون ذلك وإما أنكم تقولون حرفا بعد حرف على ترتيب المصحف فإذا قلتم حرفا بعد حرف فقد نسبتم الحدوث إلى الله وهذا كفر، ليس لهم مخلص من هذا، لأجل هذا كان شيخنا رحمه الله دائما يقول كما أن
حياة الله قديمة أزلية فكلامه قديم أزلي فربنا عز وجل لا يوصف بصفة حادثة فيعلم من ذلك أنَّ كلام الله ليس حرفًا ولا صوتًا ولا لغةً ولا يُبتدأ ولا يُختتم وأما اللفظ المنـزَّلُ فهو عبارةٌ عن ذلك الكلام الأزلىّ ولذلك يطلق عليه أنه كلام الله لا لأن اللفظ المنزل قائم بالذات الأزلي بل لأنه عبارة عن الكلام الأزلي يقال له كلام الله ولأنه ليس من تأليف ملك ولا بشر بل هو وحي من الله تعالى قال الله تعالى ﴿وما ينطق عن الهوى إنْ هو إلا وحيٌ يوحى﴾ وقال أيضا ﴿وإنْ أحدٌ من المشركين استجارك فَأَجِرْهُ حتى يسمعَ كلامَ الله ﴾
والمراد اللفظ المنزل وذلك (لأنه سبحانه مباينٌ) أى غيرُ مشابِهٍ (لجميع المخلوقات فى الذاتِ) أى ذاتُهُ لا يشبه ذواتِ المخلوقات وذات الله معناه حقيقة الله الذي لا يشبه الحقائق (والصفاتِ) أى صفاتُهُ لا تشبه صفاتِ المخلوقات (والأفعال) أى فعله لا يشبه فعل المخلوقات وفعل الله تعالى تخليقه وقال الإمام أبو حنيفة والبخاري رحمهما الله فعله تعالى صفة له في الأزل والمفعول حادث (سبحانه وتعالى) أى تقدّس وتنـزه (عما يقول الظالمون) أى الكافرون من المشركين والمشبهة مِنْ وصفِ الله بما لا يليقُ به قال الرازي في تفسيره والتأويل السادس ﴿والكافرون هم الظَّالمون﴾ أي الكاملون في الظلم البالغون المبلغ العظيم فيه كما يقال العلماء هم المتكلمون أي هم الكاملون في العلم فكذا ههنا اهـ في لغة العرب يؤتى بأل للدلالة على الذي بلغ الغاية في الصفة المنسوبة إليه كما في قوله تعالى ﴿والكافرون هم الظالمون﴾ أي الذين بلغوا الغاية في الظلم (علوًّا كبيرًا) أى تَنَـزُّهًا كاملاً (فيتلخَّصُ من معنى ما مضى إثباتُ ثلاث عشرة صفةً لله تعالى تكرر ذكرها فى القرءان) والحديث (إما لفظًا وإما معنًى) تكرُّرًا (كثيرًا) وذلك أن النبىَّ صلى الله عليه وسلم كان يحرص على أن يَتَعَلَّمَها كلُّ أحدٍ (و) هذه الصفات (هى الوجودُ) أى أن الله تعالى موجود لا شك فى وجوده فائدة.
ذكر العلماء أنه يجب على كل مكلف معرفة الدليل العقلي الإجمالي على وجود الله تعالى كأن يقول الشخص في نفسه الكتابة لا بد لها من فاعل والبناء لا بد له من فاعل والكتابة والبناء جزء من هذا العالم فهذا العالم بالأولى لا بد له من خالق خَلَقَهُ لا يشبهه بوجه من الوجوه أو يقولَ في نفسه أنا كنت بعد أن لم أكن وما كان بعد أن لم يكن لا بد له من مكوِّن فإذًا أنا لا بد لي من مكوِّن كَوَّنَني موجودٍ لا يشبه شيئًا وهكذا سائر أفراد العالم لا بد لها من مكون كونها لا
يشبهها بحال (والوحدانيةُ) أى أنه واحد لا شريك له وبرهان وحدانيته هو أنه لا بد للصانع من أن يكون حياً قادراً عالماً مريداً مختاراً فإذا ثبت وصف الصانع بما ذكرناه قلنا لو كان للعالم صانعان وجب أن يكون كل واحد منهما حياً قادراً عالماً مريداً مختاراً والمختاران يجوز اختلافهما في الاختيار لأن كل واحد منهما غير مجبر على موافقة الآخر في اختياره وإلا لكانا مجبورين والمجبور لا يكون إلهاً فإذا صح هذا فلو أراد أحدهما خلاف مراد الآخر في شيء كأن أراد أحدهما حياة
شخص وأراد الآخر موته لم يخْل من أن يتم مرادهما أو لا يتم مرادهما أو يتم مراد أحدهما ولا يتم مراد الآخر ومحال تمام مراديهما لتضادهما أي إن أراد أحدهما حياة شخص وأراد الآخر موته يستحيل أن يكون هذا الشخص حياً وميتاً في ءان واحد وإن لم يتم مرادهما فهما عاجزان والعاجز لا يكون إلهاً وإن تم مراد أحدهما ولم يتم مراد الآخر فإن الذي لم يتم مراده عاجز ولا يكون العاجز إلهاً ولا قديماً وهذه الدلالة معروفة عند الموحدين تسمى بدلالة التمانع (والقِدَمُ أى الأزلية) أى أن الله تعالى لا ابتداء لوجوده (والبقاءُ) أى أنه لا نهاية لوجودِهِ لا يموت ولا يَهلِكُ ولا يتغير (وقيامُهُ بنفسه) أى أنه مستغنٍ عن كلّ ما سواه وكلُّ ما سواه محتاجٌ إليه (والقدرةُ) أى أنّ الله قادر على كل شىء أى على كل ممكنٍ عقلىٍّ وهو ما يجوزُ عقلاً وجودُهُ تارةً وعدمُهُ تارةً أخرى هذا قول الأشاعرة أما الماتريدية فيقولون الله يبرز من العدم إلى الوجود بتخليقه، بصفة التخليق.
والشيخ رحمه الله كان يميل إلى مذهب الماتريدية في هذا ولكن وضع المعنى على حسب ما قال الأشاعرة لسهولة فهمه على الطالب. ولا يُذكرُ للطالب الجديد هذا الاختلاف بين الماتريدية والأشاعرة إلا بعد أن يصير من أهل التمييز حتى لا يتشوش . وقدرة الله لا تتعلق بالواجب العقلي لأنه لا يقبل العدم ولا تتعلق بالمستحيل العقلي لأنه لا يقبل الوجود، ووظيفة القدرة إيجاد الممكن وإعدامه، بها يوجد ويعدم وبها يحيي ويميت فلا تتعلق لا بالواجب العقلي ولا بالمستحيل العقلي لذلك لا
يقال الله قادر على كذا من المستحيلات العقلية ولا يقال غير قادر ولو تعلقت القدرة بالواجب لما كان واجب الوجود ولو تعلقت بالمستحيل لكان ممكنا وفي ذلك قلب للحقائق (والإرادةُ) أى المشيئةُ وهى تخصيص الممكن العقلىّ ببعضِ ما يجوز عليه من الصفات دون بعضٍ وبوقتٍ دون ءاخر (والعلمُ) أى أنَّ الله يعلم كلَّ شىء بعلمه الأزلىّ يعلم ذاته وصفاته وما يحدثه من مخلوقاته بعلم واحد شامل لكل المعلومات لا يتجدد ولا يتغير ولا ينقص ولا يزيد أما مايوهم ظاهره من الآيات تجدد علم
لله تعالى فلا يجوز حمله على الظاهر إنما يحمل على معنى يليق بالله تعالى فقول الله تعالى ﴿الآن خفَّفَ اللهُ عنْكُمْ وعَلِمَ أنَّ فيكُمْ ضَعْفًا﴾ معناه الله علم بعلمه الأزلي أن فيكم ضعفا فخفف عنكم الآن وليس معناه أن الله علم أنَّ فيكم ضعفًا بعد أنْ لم يكنْ عالما بذلك (والسمعُ) أى أنَّ الله يسمع بسمعه الأزلىّ الذى ليس كسمع غيره فسمعُ اللهِ قديمٌ وسمعُ غيرِهِ حادثٌ يسمع اللهُ بسمعه كل المسموعات من غير حاجة إلى أذن أما الحديث "لَلَّهُ أَشَدُّ أَذَنًا إِلَى الرَّجُلِ حَسَنِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ مِنْ صَاحِبِ الْقَيْنَةِ إِلَى قَيْنَتِه" رواه أحمدُ وابنُ حِبَّان والبيهقيُّ معناه الله أشد استماعا لا يغيب عن سمعه مسموع ولا ءالة أخرى الذي يقال الله يسمع كل المسموعات بسمعه الأزلي ولا يقال يسمع كل المسموعات في الأزل لأن معنى ذلك أن كل المسموعات أزلية وهذا فاسد (والبصرُ) أى أن الله يرى برؤيته التى ليست كرؤية غيره فبصر الله قديم وبصر غيره حادث، يرى رَبُّنا ببصره كلَّ المبْصَرَاتِ فيرى ذاته ومخلوقاته من غير حاجة إلى حدقة ولا ءالة أخرى الذي يقال الله يرى كل المبصرات ببصره الأزلي ولا يقال يرى كل المبصرات في الأزل لأن معنى ذلك أن كل المبصرات أزلية وهذا فاسد.
تنبيه. لايقال إنَّه تعالى رأى العالم في الأزل لأننا لو قلنا إنَّه رأى العالم في الأزل لاقتضى وجود العالم في الأزل وهو محال وعندما نقول يرى كل المبصرات يعني يرى ذاته ويرى مخلوقاته لأن الله يُرى أليس يراه المؤمنون؟ بلى فيرى ذاته ويرى مخلوقاته (والحياةُ) أى أن الله تعالى حى بحياة أزلية أبدية لا تشبه حياتنا ليست بروح ولحم ودم وعصب ومخ المخ هو هذا الذي يكون داخل العظم هذا الذي يقال له المخ (والكلامُ) أى أنه سبحانه وتعالى متكلم بكلام واحد أزلى أبدى لا يبتدأ ولا يختتم ليس حرفًا ولا صوتًا ولا لغة قال أبو حنيفة فى الفقه الأكبر «ونحن نتكلم بالآلات والحروف والله تعالى يتكلم بلا ءالة ولا حروف والحروف مخلوقة وكلام الله تعالى غير مخلوق» اهـ إطلاق الكلام على اللفظ المنزل شىء سائغ لغة وشرعا أما في اللغة فإن عادة العرب هكذا يقولون مثلا كتبتُ ماء أو كتبتُ كذا ولا يريدون أن هذه الحروف التي كتبوها هي عين الماء،
الله قال إخبارا عن إبراهيم أنه قال لولده أنَّي أذبحك، هذا مع أن ابراهيم ما كان يتكلم بالعربية فهذا عبارة عما قاله ابراهيم عن المعنى الذي كان قام في نفس إبراهيم وليس نفس اللفظ الذي تلفظ به، وفي الشرع هذا وارد الله تعالى قال يريدون أن يبدلوا كلام الله ومعلوم أنهم أرادوا تبديل اللفظ لا صفة الله تعالى، وهذا الذي يقتضيه حكم العقل،
أما المشبهة فيريدون أن يقولوا إن هذه الألفاظ العربية هي عين صفة الله تبارك وتعالى وماذا يقولون في ألفاظ التوراة التى هي باللغة العبرية وفي ألفاظ الإنجيل التي هي باللغة السريانية هل يقولون هي عين صفة الله إذا قالوا ذلك فعلى زعمهم هذا الله تارة ينطق بالعربية وتارة بالعبرية وتارة بالسريانية جعلوه عربيا عبرانيا سريانيا والعياذ بالله تعالى قال أبو حيان الأندلسي في البحر المحيط ﴿وكلَّمَ اللهُ موسى تكليمًا﴾ هذا إخبارٌ بأن الله شرّف موسى بكلامه وأُكّد بالمصدر دلالةً على وقوع الفعل على حقيقته لا على مجازه اهـ والمعنى أن الله أزال عن سمع موسى الحجاب المعنوي المانع من سماع كلام الله فسَمِعَ موسى كلام الله الذاتي الذي ليس بحرف ولا صوت.
