لا يَجِبُ الصَّوْمُ أَيْضًا عَلَى مَنْ لا يُطِيقُهُ حِسًّا لِكِبَرٍ أَوْ مَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُهُ، وَكَذَلِكَ الْمَرِيضُ الَّذِى يُرْجَى بُرْؤُهُ (ولا يصح) الصيام (من حائضٍ ونفساءَ) ولا يجوز (ويجب عليهما القضاء) للأيام التى أفطرتا فيها. الحائض والنفساء لا يجب عليهما وجوبَ أداء بل يجب عليهما وجوب قضاء ويحرم الإِمساك عليهما بنيّة الصيام ولا يجب عليهما تعاطي مُفطّر وَلَوْ رَأَتِ الصَّائِمَةُ الدَّمَ فِى وَقْتِ الْحَيْضِ فَلَهَا أَنْ تَأْكُلَ فِى حَالِ نُزُولِ الدَّمِ وَلا تُفْطِرُ لِمُجَرَّدِ رُؤْيَةِ مَشْحَةِ دَمٍ انْقَطَعَ.

وَلَوْ نَامَتِ الْحَائِضُ ثُمَّ اسْتَيْقَظَتْ بَعْدَ الْفَجْرِ وَدَمُ الْحَيْضِ مُنْقَطِعٌ فَإِنَّهَا لا تَصُومُ ذَلِكَ الْيَوْمَ لَكِنْ إِنْ شَاءَتْ تَكُفُّ عَنِ الأَكْلِ وَإِنْ أَكَلَتْ كَانَ جَائِزًا وَإِذَا ظَنَّتِ الْحَائِضُ أَنَّ الدَّمَ سَيَنْقَطِعُ قَبْلَ الْفَجْرِ عَلَى حَسَبِ عَادَتِهَا فَنَوَتِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ وَنَامَتْ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَتْ بَعْدَ الْفَجْرِ وَجَدَتْ أَنَّ الدَّمَ انْقَطَعَ صَحَّ صِيَامُهَا (ويجوز الفطر لمسافرٍ سفرَ قصرٍ) بأن كان السفرُ طويلاً وفارق عُمران البلد قبل الفجر (وإن لم يشقَّ عليه الصوم) إلا أن إتمام الصيام له إن لم يشقَّ عليه أفضلُ من الفطر وأما من أنشأ سفره بعد الفجر فلا يجوز له أن يفطر فى هذا اليوم.

السَّفَرُ إِلَى مَسَافَةِ قَصْرٍ وَهِىَ مَرْحَلَتَانِ هذا يعدُّ سفرًا طويلًا أَىْ سَفَرًا يَجُوزُ فِيهِ قَصْرُ الصَّلاةِ الرُّبَاعِيَّةِ إِلَى رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ السَّفَرُ الَّذِى لَيْسَ فِيهِ عِصْيَانٌ لِلَّهِ وَسَفَرُ الطَّاعَةِ كَزِيَارَةٍ لِصِلَةِ الرَّحِمِ وَالسَّفَرُ الْمُبَاحُ كَالسَّفَرِ لِلتِّجَارَةِ وَلا هُوَ قَصِيرٌ بِأَنْ يَكُونَ أَقَلَّ مِنْ مَرْحَلَتَيْنِ وَهِىَ مَسَافَةُ ثَمَانِيَةٍ وَأَرْبَعِينَ مِيلًا، وَالْمِيلُ سِتَّةُ ءَالافِ ذِرَاعٍ بِذِرَاعِ الْيَدِ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.

فَإِذَا كَانَ السَّفَرُ إِلَى مَرْحَلَتَيْنِ أَىْ بِسَيْرِ الأَثْقَالِ وَدَبِيبِ الأَقْدَامِ يَجُوزُ الْفِطْرُ لَوْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ، لَكِنْ إِنْ لَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ فَالْمُثَابَرَةُ عَلَى الصِّيَامِ أَفْضَلُ مِنْ أَنْ يُفْطِرَ وَشَرْطُ السَّفَرِ الَّذِى يُبِيحُ الإِفْطَارَ أَنْ يَكُونَ حَدَثَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَمَنْ خَرَجَ مُسَافِرًا بَعْدَ الْفَجْرِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الإِفْطَارُ فِى ذَلِكَ الْيَوْمِ عِنْدَ الإِمَامِ الشَّافِعِىِّ

وَأَبِى حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ أَمَّا عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ بنِ حَنْبَلٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ الإِفْطَارُ لَوْ خَرَجَ بَعْدَ الظُّهْرِ إِذَا فَارَقَ الْعُمْرَانَ (و)يجوز أيضًا (لمريضٍ وحاملٍ ومرضعٍ يَشُقُّ) الصوم (عليهم مشقة لا تُحتمل) وهى التى تبيحُ التيمم (الفطرُ) كأن يطول مرضه أو يتلف عضو من أعضائه فإن كان يحصل له مثل هذا بصومه يجوز له الفطر فمن أصابه مَرَضٌ وكَانَ فِيهِ مَشَقَّةٌ مَعَ الصَّوْمِ تُبِيحُ التَّيَمُّمَ أَىْ كَانَ فِى الْمُثَابَرَةِ

عَلَى الصَّوْمِ مَعَ هَذَا الْمَرَضِ مَشَقَّةٌ كَمَشَقَّةِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لِلطُّهْرِ فَعِنْدَئِذٍ يَجُوزُ لَهُ الإِفْطَارُ كَمَا أَنَّ الَّذِى يَشُقُّ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ لِلْوُضُوءِ أَوْ لِلِاغْتِسَالِ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ مِنْ أَجْلِ الْمَشَقَّةِ (ويجب عليهم القضاء) للأيام التى أفطروا فيها كما يجب القضاء على من أفطر لغيرِ عذرٍ أيضًا إلا من أفطر لِكبَرٍ أو مرض لا يُرجى بُرؤه فليس عليه إلا الفدية وَقَدْرُ الْفِدْيَةِ مُدٌّ عَنْ

كُلِّ يَوْمٍ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ (ويجب) فى صيام الفرض (التبييتُ) للنية بأن يوقعها ليلاً بعد غروب الشمس وقبل الفجر (والتعيينُ فى النية) بأنه من رمضان أو عن نذرٍ أو كفارة ولو لم يُبيّن سببها ولا بد من تبييت النية (لكل يوم) لِحَدِيثِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ عَنْ حَفْصَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ «مَنْ لَمْ يُبَيِّتِ الصِّيَامَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلا صِيَامَ لَهُ» فلا يكفى أن ينوىَ أولَ الشهر عن الشهر كله وَقَالَ مَالِكٌ بِأَنَّهُ يَكْفِى أَنْ يَنْوِىَ فِى لَيْلَةِ الْيَوْمِ الأَوَّلِ مِنْ رَمَضَانَ عَنْ كُلِّ رَمَضَانَ أَىْ فَيَقُولَ بِقَلْبِهِ نَوَيْتُ صِيَامَ ثَلاثِينَ يَوْمًا عَنْ شَهْرِ رَمَضَانِ هَذِهِ السَّنَةِ أَمَّا إِنْ لَمْ يَنْوِ فِى اللَّيْلَةِ الأُولَى مِنْهُ فَلا بُدَّ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ أَنْ يَنْوِىَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ فَإِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ عَلَى الصَّائِمِ فَنَوَى قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ صَوْمَ الْيَوْمِ التَّالِى مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ لَمْ يُعِدْ هَذِهِ النِّيَّةَ كَفَتْهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يُعِيدَ النِّيَّةَ بَعْدَ أَكْلِ السَّحُورِ.

وَكَذَلِكَ الصَّوْمُ الْمَنْذُورُ يَجِبُ فِيهِ تَبْيِيتُ النِّيَّةِ لَيْلًا وَكَذَلِكَ مَنْ يَقْضِى الْفَرْضَ. وَلَوْ نَوَى صَوْمَ الْقَضَاءِ فِى اللَّيْلِ ثُمَّ غَيَّرَ نِيَّتَهُ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِثْمٌ إِنْ كَانَ قَضَاؤُهُ لِمَا فَاتَهُ بِعُذْرٍ. أَمَّا صَوْمُ النَّفْلِ فَتُجْزِئُ فِيهِ النِّيَّةُ قَبْلَ زَوَالِ الشَّمْسِ. قَالَ الْعُلَمَاءُ كَمَالُ النِّيَّةِ فِى رَمَضَانَ نَوَيْتُ صَوْمَ غَدٍ عَنْ أَدَاءِ فَرْضِ رَمَضَانِ هَذِهِ السَّنَة إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا لِلَّهِ تَعَالَى، وَالِاحْتِسَابُ هُوَ طَلَبُ الأَجْرِ (و)يجب (الإمساكُ عن) المفطّرات ومنها (الجماع) فى فرج ولو دبرًا من ءادمىٍّ أو غيره مع العلم والتعمد والاختيار فهو مفسد لصيام الواطئ والموطوءة وَسَوَاءٌ جَامَعَ مَعَ حَائِلٍ أَوْ بِغَيْرِ حَائِلٍ فَمَنْ فَعَلَ مَعَ الْعِلْمِ وَالتَّعَمُّدِ وَالِاخْتِيَارِ أَفْطَرَ،

أَمَّا إِذَا كَانَ لَمْ يَعْلَمْ حُرْمَةَ الْجِمَاعِ فِى الصَّوْمِ لِكَوْنِهِ قَرِيبَ عَهْدٍ بِإِسْلامٍ أَوْ كَوْنِهِ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَوْ نَسِىَ أَنَّهُ صَائِمٌ أَوْ جَامَعَ مُكْرَهًا أَىْ مُهَدَّدًا بِالْقَتْلِ وَنَحْوِهِ فَإِنَّهُ لا يُفْطِرُ وَإِنَّمَا يَخْتَلِفُ الْحُكْمُ فِى الْوَاطِئِ وَالْمَوْطُوءَةِ فِى كَفَّارَةِ الإِفْسَادِ بِالْجِمَاعِ فَالْكَفَّارَةُ عَلَى الْوَاطِئِ أَىِ الرَّجُلِ لَيْسَ عَلَى الْمَرْأَةِ الْمَوْطُوءَةِ (و)منها (الاستمناء وهو استخراجُ المنىِّ) من غير جماع (بنحو اليد) سواءٌ كان بيده هو أم بيد زوجته أم غيرِها فإنه مفسدٌ للصيام مع العلم والتعمد والاختيار الِاسْتِمْنَاء وَهُوَ إِخْرَاجُ الْمَنِىِّ بِغَيْرِ الْجِمَاعِ مُفَطِّرٌ سَوَاءٌ كَانَ بِيَدِ نَفْسِهِ أَم بِيَدِ زَوْجَتِهِ أَمْ بِسَبَبِ الْقُبْلَةِ أَوِ الْمُضَاجَعَةِ بِلا حَائِلٍ فَإِنَّهُ يُفْطِرُ بِهِ مَعَ الْعِلْمِ وَالتَّعَمُّدِ وَالِاخْتِيَارِ،

وَسَوَاءٌ قَصَدَ بِذَلِكَ الإِنْزَالَ أَو لَمْ يَقْصِدْ فَالْقُبْلَةُ لا تُفَطِّرُ الصَّائِمَ إِنْ لَمْ يُنْزِلْ فَقَدْ رَوَى مَالِكٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَيُقَبِّلُ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ وَهُوَ صَائِمٌ ثُمَّ تَضْحَكُ.

لَكِنْ إِنْ كَانَ اللَّمْسُ لِلزَّوْجَةِ يُحَرِّكُ شَهْوَةَ الصَّائِمِ فَحَرَامٌ عَلَيْهِ إِنْ خَشِىَ الإِنْزَالَ وَإِلَّا فَتَرْكُهُ أَوْلَى (و)منها (الاستقاءة) مع العلم بحرمتها وتذكر الصوم والاختيار وَذَلِكَ لِحَدِيثِ التِّرْمِذِىِّ وَالنَّسَائِىِّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ ذَرَعَهُ الْقَىْءُ أَىْ غَلَبَهُ فَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَمَنِ اسْتَقَاءَ فَعَلَيْهِ قَضَاءٌ» والاستقاءةُ هى طلبُ القيء عمدًا بنحو إدخال إصبعه إلى فمه فإنه يُفَطّر أي إذا وصل الخارج إلى مخرج الحاء ولو لم يبلع شيئًا من القيء (و) يجب الإمساك (عن الردة) أي عن قطع الإسلام والعياذُ بالله تعالى منها جميع النَّهار فمن ارتدَّ ولو لحظةً من النَّهار بطل صومه كالصَّلاة سواء كان كفره بالقول أو الفعل أو الاعتقاد فمن ارتد ولو لحظة فى النهار بطل صومه (و) الإمساكُ (عن دخول عينٍ) من منفذ مفتوحٍ كالفم والأنف ولو كانت العين قليلة كحبةِ سِمْسِمٍ أو غيرَ مأكولةٍ كحصاة (جوفًا) كباطن الحلق وهو ما جاوز مخرج الحاء.

والبطن والأمعاء وباطن الرأس سواءٌ كان يُحيل الغذاءَ أي يحوّله من حال إلى حال كالمعدة أم لا كالإحليل وهو الذكر مع العلم بالتحريم ومع تذكر الصوم والاختيار وحد الظاهر على الراجح مخرج الحاء فما جاوز من الفم إلى ما بعد مخرج الحاء مفطّر وكذلك ما جاوزَ الخيشومَ والخيشومُ منتهى الأنف. ولا يفطِّر ما لم يجاوز الخيشوم. ولا يضرُّ دخول ما سوى العين كرائحة البَخُور ولو تعمّده إِلا أنّ شُرْبَ السيكارة وابتلاعَ ما ينحلّ من التّنباك يفطِّر لأن السيكارة ينفصل منها أجزاءٌ لطيفةٌ تدخل الجوف.

والدواء الذي يستعمله من أصيب بالربو مفطر لأنه وإن احتاج إليه ينفصل منه عين تصل إلى الجوف مع سهولة الاحتراز عن ذلك. فمن أكل أو شرب وهو ناسٍ لم يفسد صيامه وَأَمَّا مَنْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ وَهُوَ نَاسٍ وَلَوْ فِى صِيَامِ النَّفْلِ فَلا يَفْسُدُ صَوْمُهُ وَذَلِكَ لِحَدِيثِ الْبُخَارِىِّ وَمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهُ ﷺ «مَنْ نَسِىَ وَهُوَ صَائِمٌ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللَّهُ وَسَقَاهُ» (إلا) أنَّ من ابتلع (ريقَهُ الخالصَ الطاهر من مَعْدِنِهِ) فلا يُفْطِرُ أى ما لم ينفصل الريقُ عن الفم قبل ابتلاعه ولا بد أن يكون خالصًا طاهرًا فمن ابتلع ريقَهُ المختلطَ بغيره من الطاهرات أو ريقَهُ المتنجسَ أفطر ولا يُفْسِدُ الصيامَ شمُّ العطر أو البَخور من غير تشديد الخاء لأنه ليس عينًا (و) يُشترط لصحة الصوم (أن لا يُجَنَّ) الصائمُ فمن كان صائمًا ثم جُنَّ (ولو) كان جنونُهُ (لحظةً) بطل صيامه (و)يشترط أيضًا (أن لا يُغمى عليه) أى الصائمِ (كلَّ اليومِ) فإن لم يستغرق إغماؤُهُ كلَّ النهار صح صيامه وإلا بأن أُغمِىَ عليه من الفجر إلى المغرب لم يصح.

يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الصَّوْمِ أَنْ لا يَطْرَأَ عَلَى الصَّائِمِ جُنُونٌ فِى جُزْءٍ مِنَ النَّهَارِ فَمَنْ جُنَّ فِى بَعْضِ النَّهَارِ وَلَوْ لَحْظَةً فَإِنَّه يُفْطِرُ وَلَوْ كَانَ سَبَبُ جُنُونِهِ أَنَّهُ شَرِبَ قَبْلَ الْفَجْرِ شَيْئًا مُجَنِّنًا وَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ. وَمِنْ شُرُوطِهِ أَيْضًا أَنْ لا يَحْصُلَ لَهُ إِغْمَاءٌ يَسْتَغْرِقُ كُلَّ النَّهَارِ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَغْرِقْ كُلَّ النَّهَارِ فَلا يَضُرُّ وَإِلَّا فَسَدَ صَوْمُهُ وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِى وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ (ولا يصح) ولا يجوز (صومُ) يَوْمَىِ (العيدينِ) الفطر والأضحى وهما اليومُ الأولُ من شوالٍ واليومُ العاشرُ من ذى الحجة (و)لا يصح أيضًا صيام (أيام التشريق) وهى ثلاثة أيام بعد يوم عيد الأضحى ولو كان ذلك الصَّومُ لفدية التمتّع (وكذا) لا يصح صوم (النصف الأخير من) شهر (شعبان) لورود النهي عن صومه في حديث أبي داود مرفوعًا «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا» (و)لا (يومِ الشك) ولو بنيّة الاحتياط وذلك لقول النبيّ صلى الله عليه وسلم «لا تَقدَّموا رمضان بيوم أو يومين صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غُمَّ عليكم فأَكْمِلُوا عِدّةَ شعبانَ ثلاثين» رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن وغيرهم وروى البيهقي عن عمار بن ياسرٍ رضي الله عنه أنه قال «من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم» يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وهو يومُ الثلاثين من شعبان إذا تحدث الناس الذين لا يثبت الصيام بشهادتهم كالصبيان والفساق أنهم رَأَوُا الهلالَ يَوْمُ الشَّكِّ هُوَ يَوْمُ الثَّلاثِينِ مِنْ شَعْبَانَ الَّذِى يَتَحَدَّثُ النَّاسُ الَّذِينَ لا يَثْبُتُ الصِّيَامُ بِشَهَادَتِهِمْ كَالصِّبْيَانِ وَنَحْوِهِمْ كَالْفَسَقَةِ وَالْعَبِيدِ وَالنِّسَاءِ أَنَّهُمْ رَأَوْا هِلالَ رَمَضَانَ فِى لَيْلَتِهِ فَلا يَجُوزُ أَنْ يُصَامَ مِنْ رَمَضَانَ (إلا أن يَصِلَهُ) أى يصلَ النصفَ الأخير من شعبان (بما قبله) بأن صام الخامس عشر منه ووصله بما بعده فهذا يجوز إذا صام اليوم الخامس عشر والسادس عشر والسابع عشر والثامن عشر هذا يجوز فإن أفطر في اليوم التاسع عشر ليس له أن يصوم يوم العشرين لأنه لا يعتبر وصله بما قبله إلا إذا صامه لقضاء أو نذر أو ورد فيجوز (أو) كان صومُهُ للنصف الأخير من شعبان (لقضاءِ) أيامٍ فَاتَتْهُ فيصح بلا إثمٍ (أو) كان صومَ (نذرٍ أو وِرْدٍ) وهو ما يُعتاد صومه تطوعًا (كمن اعتاد صوم الاثنين والخميس) أو صومَ يومٍ وإفطارَ يومٍ فيجوز له الصيامُ فى هذه الحال.

وَإِنَّمَا يُحْرُمُ صَوْمُ يَوْمِ الشَّكِّ وَصَوْمُ مَا بَعْدَ نِصْفِ شَعْبَانَ لِمَنْ لَمْ يُوَافِقْ عَادَةً لَهُ وَأَمَّا مَنْ وَافَقَ عَادَةً لَهُ كَأَنْ كَانَ يَصُومُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ ءَاخِرِ كُلِّ شَهْرٍ فَصَامَ فَلا يَضُرُّهُ وَلَكِنْ لا يَصُومُهُ بِنِيَّةِ رَمَضَانَ، وَلا يَحْرُمُ لِمَنْ وَصَلَ مَا بَعْدَ النِّصْفِ بِمَا قَبْلَهُ (ومن أفسد صومَ يومٍ من رمضانَ ولا رخصةَ له فى فطره) وكان إفسادُهُ للصيام (بجماعٍ فعليه الإثم والقضاء) بعد العيد (فورًا) إن تمكن (وكفارةُ ظهار وهى عتق رقبة) مؤمنة سليمة عما يُخِلّ بالكسب والعمل أما إن كان فيها علةٌ لا تخل بالكسب والعمل فلا يؤثر ذلك في إجزاء هذه الرقبة عن الكفارة ومثال العلة التي لا تخل بالعمل والكسب أن يتساقط شعرها مثلا (فإن لم يستطع) أن يُعْتِقَ (فصيام شهرين متتابعين) وينقطع التتابع بإفطارِ يومٍ ولو لعذر (فإن لم يستطع) أن يصوم (فإطعام ستين مسكينًا) أو فقيرًا (أى تمليكُ كلِّ واحدٍ منهم مُدًّا) مما يصحّ دفعه عن زكاة الفطرة (من) قمح أو غيره مما هو (غالبُ قوتِ البلد والمدُّ هو ملء الكفين المعتدلتين) كما تقدم.

وَتَتَكَرَّرُ هَذِهِ الْكَفَّارَةُ بِتَكَرُّرِ الأَيَّامِ وَلا تَجِبُ عَلَى الْمَوْطُوءَةِ وَكَذَلِكَ الْوَاطِئُ إِنْ كَانَ نَاسِيًا لِلصَّوْمِ أَوْ جَاهِلًا مَعْذُورًا كَأَنْ يَكُونَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِالإِسْلامِ أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ، وَكَذَلِكَ إِنْ جَامَعَ مُكْرَهًا فَلا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ كَمَا لا يَفْسُدُ صَوْمُهُ. تَنْبِيهٌ الْغِيبَةُ لا تُفَطِّرُ الصَّائِمَ قَالَ الشَّيْخُ مَرْعِىٌّ الْحَنْبَلِىُّ مَا نَصُّهُ «قَالَ أَحْمَدُ يَتَعَاهَدُ صَوْمَهُ مِنْ لِسَانِهِ وَلا يُمَارِى وَيَصُونُ صَوْمَهُ، وَأَسْقَطَ أَبُو الْفَرَجِ ثَوَابَهُ بِغِيبَةٍ وَنَحْوِهَا وَلا فِطْرَ، قَالَ أَحْمَدُ لَوْ كَانَتِ الْغِيبَةُ تُفَطِّرُ مَا كَانَ لَنَا صَوْمٌ».

وَأَمَّا حَدِيثُ خَمْسٌ يُفَطِّرْنَ الصَّائِمَ الْقُبْلَةُ وَالْغِيبَةُ وَالنَّمِيمَةُ وَالنَّظَرُ بِشَهْوَةٍ وَالْكَذِبُ فَقَدْ حَكَمَ عَلَيْهِ الْحَافِظُ ابْنُ الْجَوْزِىِّ بِالْوَضْعِ أَىْ هُوَ مَكْذُوبٌ. وَمِنْ أَهَمِّ الْمُهِمَّاتِ فِى الصِّيَامِ أَنْ يَحْفَظَ الإِنْسَانُ نَفْسَهُ مِنَ الْكَلامِ الْفَاحِشِ لِأَنَّ الْكَلامَ الْفَاحِشَ الَّذِى هُوَ كَشَهَادَةِ الزُّورِ أَوِ الطَّعْنِ فِى الْمُسْلِمِ ظُلْمًا وَالْغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ يُذْهِبُ ثَوَابَ الصِّيَامِ فَيَنْبَغِى لِلصَّائِمِ أَنْ يَحْفَظَ لِسَانَهُ مَهْمَا غَضِبَ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ فَلْيَقُلْ إِنِّى صَائِمٌ، مَعْنَاهُ أَنَا صَائِمٌ فَلا أُقَابِلُكَ بِالشَّتْمِ.

وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِىُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِىِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهُ ﷺ «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ وَالْجَهْلَ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ». أَىْ لا يُحِبُّ هَذَا الصِّيَامَ أَىْ لَيْسَ لَهُ ثَوَابٌ وَيُسَنُّ لِلصَّائِمِ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ فِطْرِهِ اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ وَعَلَى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ وَثَبَتَ الأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ رَوَاهُمَا أَبُو دَاوُدَ فِى سُنَنِهِ.

وَلا بُدَّ قَبْلَ الإِفْطَارِ مِنَ التَّحَقُّقِ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَلا يَكْفِى الِاعْتِمَادُ عَلَى أَذَانِ بَعْضِ الإِذَاعَاتِ فَقَطْ فَإِنَّهُ قَدْ يَحْصُلُ تَسَرُّعٌ فِى إِعْلانِ الأَذَانِ قَبْلَ وَقْتِهِ فِيهَا كَمَا حَصَلَ فِى الْمَاضِى. وَيُسَنُّ تَأْخِيرُ السَّحُورِ إِلَى ءَاخِرِ اللَّيْلِ وَقَبْلَ الْفَجْرِ وَلَوْ بِجَرْعَةِ مَاءٍ فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِىُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بنِ مَالِكٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا «تَسَحَّرُوا فَإِنَّ فِى السَّحُورِ بَرَكَةً»اهـ وَوَقْتُ السُّحُورِ يَبْدَأُ مِنْ بَعْدِ مُنْتَصَفِ اللَّيْلِ.

وَيُسَنُّ لِمَنْ أَفْطَرَ عِنْدَ شَخْصٍ أَنْ يَقُولَ لَهُ «أَفْطَرَ عِنْدَكُمُ الصَّائِمُونَ وَأَكَلَ طَعَامَكُمُ الأَبْرَارُ وَصَلَّتْ عَلَيْكُمُ الْمَلائِكَةُ» كَمَا رَوَى ذَلِكَ أَبُو دَاوُدَ فِى سُنَنِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِىِّ ﷺ. فَائِدَةٌ مُهِمَّةٌ اعْلَمْ رَحِمَكَ اللَّهُ أَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ شَهْرُ تَصْفِيَةِ الرُّوحِ وَلَيْسَ شَهْرَ التَّنَعُّمِ كَمَا يَفْعَلُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، فَالَّذِى يَكُونُ هَمُّهُ الأَكْلَ وَالشُّرْبَ وَاللِّبَاسَ لا يَكُونُ فِى الآخِرَةِ مِنْ أَهْلِ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى.

وَيَدْخُلُ فِى الْعَمَلِ بِالْعِلْمِ تَرْكُ التَّعَلُّقِ بِالْمُسْتَلَذَّاتِ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِمُعَاذِ ابنِ جَبَلٍ حينَ أَرسَلَهُ إلى اليَمَنِ «إِيَّاكَ وَالتَّنَعُّمَ فَإِنَّ عِبَادَ اللَّهِ لَيْسُوا بِالْمُتَنَعِّمِينَ» أَىْ إِنَّ عِبَادَ اللَّهِ الْكَامِلِينَ يَتْركُونَ التَّنَعُّمَ الْجَائِزَ. كتابُ (الحجِّ) بعد أن أنهى المؤلف رحمه الله الكلام على الصيام شرع فى الكلام على الحج وهو قصد الكعبة بأفعالٍ مخصوصةٍ وعلى العمرة وهي زيارة الكعبة بأفعال معلومة فقال (فصلٌ) فى بيان أحكام الحج والعمرة.

قَالَ تَعَالَى ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ وَرَوَى الْبُخَارِىُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ «الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ» وفي شرح الروض الحجُّ بفتح الحاءِ وكسرِها لغةً القصدُ وشرعًا قصدُ الكعبة للنُّسكِ الآتي بيانُه والعُمرةُ بضم العينِ مع ضم الميمِ وإسكانِها وبفتح العَين وإسكانِ الميمِ لغةً الزيارةُ وقيل القصدُ إلى مكانٍ عامرٍ وشرعًا قصدُ الكعبةِ للنُّسكِ الآتي بيانُه اهـ (يجب الحج) وهو قصد الكعبة بالأفعال المعلومة (والعمرة) وهي زيارة الكعبة للأفعال المعهودة وجوبًا موسعًا إلى الموت (فى العمر مرة) واحدة.

الْحَجُّ فَرْضٌ بِالإِجْمَاعِ عَلَى الْمُسْتَطِيعِ وَمَنْ أَنْكَرَ وُجُوبَهُ كَفَرَ وَأَمَّا مُجَرَّدُ تَرْكِهِ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ مَعَ اعْتِقَادِ وُجُوبِهِ وَفَرْضِيَّتِهِ فَلا يَكُونُ كُفْرًا وَإِنَّمَا هُوَ مِنَ الْكَبَائِرِ وَأَمَّا الْعُمْرَةُ فَقَدِ اخْتُلِفَ فِيهَا فَذَهَبَ بَعْضُ الأَئِمَّةِ مِنْهُمُ الإِمَامُ الشَّافِعِىُّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ إِلَى أَنَّهَا فَرْضٌ كَالْحَجِّ وَذَهَبَ بَعْضٌ إِلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ لَيْسَتْ فَرْضًا.

وقوله وجوبًا موسعًا كما لو قيل صلاة الظهر تجب وجوبا موسعا أي إلى آخر وقتها، كذلك الحج يجب وجوبا موسعا إلى ءاخر وقته وآخر وقت الحج الموت، فإذا لم يصلّ الظهر حتى خرج وقتها يأثم بذلك كذلك إن تعمّد ترك الحج مع الاستطاعة حتى فات وقته بالموت وقع في ذنب كبير وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِلْحَجِّ مَزِيَّةً لَيْسَتْ لِلصَّلاةِ وَلا لِلصِّيَامِ وَلا لِلزَّكَاةِ وَهِىَ أَنَّهُ يُكَفِّرُ الْكَبَائِرَ وَالصَّغَائِرَ لِقَوْلِهِ ﷺ «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ» رَوَاهُ الْبُخَارِىُّ بِخِلافِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ فَإِنَّهَا لا تُكَفِّرُ الْكَبَائِرَ وَمَعَ ذَلِكَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ مَرْتَبَتُهَا فِى الدِّينِ أَعْلَى مِنْ مَرْتَبَةِ الْحَجِّ.

فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْمَزِيَّةَ لا تَقْتَضِى التَّفْضِيلَ أَىْ أَنَّ الْحَجَّ وَإِنْ كَانَ يُكَفِّرُ الْكَبَائِرَ وَالصَّغَائِرَ بِخِلافِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَالصِّيَامِ وَالزَّكَاةِ فَلَيْسَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْحَجَّ أَفْضَلُ مِنَ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ.

وَقَوْلُهُ ﷺ «فَلَمْ يَرْفُثْ» أَىْ كَفَّ نَفْسَهُ عَنِ الْجِمَاعِ مَا دَامَ فِى الإِحْرَامِ (على المسلم) فلا يجبان على الكافر الأصلىِّ وجوب مطالبة فى الدنيا (الحرِّ) فلا يجبان على من فيه رِقٌّ (المكلفِ) أى البالغ العاقل فلا يجبان على الصبىّ والمجنون شَرْطُ الصِّحَّةِ هُوَ الإِسْلامُ فَيَصِحُّ الْحَجُّ مِنَ الْمُسْلِمِ الْبَالِغِ الْمُسْتَطِيعِ وَغَيْرِ الْمُسْتَطِيعِ وَمِنَ الصَّبِىِّ فَيَصِحُّ مِنَ الْمُمَيِّزِ بِمُبَاشَرَةِ الأَعْمَالِ بِنَفْسِهِ كَالْبَالِغِ وَلا بُدَّ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ وَلِيُّهُ، وَمِنْ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ بِطَرِيقِ وَلِيِّهِ، الْوَلِىُّ يَقُولُ بِقَلْبِهِ جَعَلْتُ ابْنِى هَذَا مُحْرِمًا فِى حُضُورِ الصَّبِىِّ أَوْ فِى غَيْبَتِهِ فَيَكُونُ انْعَقَدَ الْحَجُّ لَهُ،

لَكِنْ لا بُدَّ أَنْ يَأْخُذَهُ لِلطَّوَافِ وَلِعَرَفَةَ وَلِلسَّعْىِ إِمَّا يَحْمِلُهُ وَإِمَّا يُوَكِّلُ شَخْصًا بِحَمْلِهِ يَكُونُ مَعَهُ فَلَوْ كَانَ ابْنَ سَنَةٍ أَوْ أَقَلَّ يَصِحُّ وَيُكْتَبُ الأَجْرُ لِلْغُلامِ وَيَكُونُ لِلأَبِ ثَوَابُ السَّبَبِيَّةِ، فَإِذَا أَحْرَمَ وَلِىُّ الصَّبِىِّ الَّذِى لَيْسَ مُمِيِّزًا أَىْ نَوَى جَعْلَهُ مُحْرِمًا وَلَوْ كَانَ الصَّبِىُّ غَيْرَ حَاضِرٍ عِنْدَ إِحْرَامِ الْوَلِىِّ عَنْهُ ثُمَّ أَحْضَرَهُ وَلِيُّهُ الْمَشَاهِدَ أَىْ طَافَ بِهِ الْكَعْبَةَ وَسَعَى بِهِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَأَشْهَدَهُ عَرَفَةَ صَحَّ لِهَذَا الطِّفْلِ حَجُّهُ لِحَدِيثِ الْمَرْأَةِ الَّتِى أَتَتْ بِوَلَدٍ تَحْمِلُهُ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلِهَذَا حَجٌّ قَالَ «نَعَمْ وَلَكِ أَجْرٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، فَإِذَا جَعَلَهُ وَلِيُّهُ مُحْرِمًا يَفْعَلُ عَنْهُ مَا لا يَتَأَتَّى مِنَ الطِّفْلِ غَيْرِ الْمُمَيِّزِ مِثْلَ رَكْعَتَىِ الطَّوَافِ وَيَلْزَمُهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنَ الْمَحْظُورَاتِ.

وَنِيَّةُ الْوَلِىِّ عَنْ طِفْلِهِ تَكُونُ بِأَنْ يَقُولَ جَعَلْتُ ابْنِى هَذَا مُحْرِمًا بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ. وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُحْرِمَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ طِفْلِهِ الصَّغِيرِ فِى ءَانٍ وَاحِدٍ. أَمَّا صِحَّةُ الْمُبَاشَرَةِ فَشَرْطُهَا التَّمْيِيزُ وَإِذْنُ الْوَلِىِّ لِلصَّبِىِّ كَمَا تَقَدَّمَ. (المستطيعِ بما يوصله) إلى مكةَ (ويردُّهُ إلى وطنه) مِنْ زادٍ وما يتبعه وأن يكون ذلك (فاضلاً عن دَيْنِهِ) ولو مؤجَّلاً (ومسكنه) ولو كان بالأجرة (وكسوته اللائقين به و)أن يكون فاضلاً عن (مؤنةِ مَنْ) تجب (عليه مؤنتُهُ) من زوجةٍ أو أبٍ أو أمٍ فقيرين ونحوِهم (مدةَ ذهابه) للحج والعمرة (وإيابه) وإقامته هناك.

وَالِاسْتِطَاعَةُ نَوْعَانِ اسْتِطَاعَةٌ حِسِّيَّةٌ وَاسْتِطَاعَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ. فَالِاسْتِطَاعَةُ الْحِسِّيَّةُ أَنْ يَجِدَ الشَّخْصُ مَا يُوصِلُهُ إِلَى مَكَّةَ وَيَرُدُّهُ إِلَى وَطَنِهِ مِنْ زَادٍ وَمَا يَتْبَعُ ذَلِكَ فَاضِلًا عَنْ دَيْنِهِ وَمَسْكَنِهِ وَكِسْوَتِهِ اللَّائِقَيْنِ بِهِ وَمُؤْنَةِ مَنْ عَلَيْهِ مُؤْنَتُهُ مُدَّةَ ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ مَعَ الأَمْنِ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ.

وَأَمَّا الِاسْتِطَاعَةُ الْمَعْنَوِيَّةُ أَىِ الِاسْتِطَاعَةُ الْحُكْمِيَّةُ فَمِنْهَا أَنْ تَجِدَ الْمَرْأَةُ مَحْرَمًا يَحُجُّ مَعَهَا أَوْ نِسْوَةً ثِقَاتٍ بَالِغَاتٍ أَوْ مُرَاهِقَاتٍ، قَالَ بَعْضُهُمْ لَوْ وَجَدَتْ ثِقَةً وَاحِدَةً يَكْفِى لِحُصُولِ الِاسْتِطَاعَةِ، فَإِنْ كَانَ مَحْرَمُهَا لا يُسَافِرُ مَعَهَا لِلْحَجِّ إِلَّا بِالأُجْرَةِ فَيُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ وَاجِدَةً لِهَذِهِ الأُجْرَةِ أَىْ قَادِرَةً عَلَيْهَا، فَلا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَحُجَّ إِلَّا بِهَذَا الشَّرْطِ فَإِنْ لَمْ تَحْصُلْ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ جَازَ لَهَا أَنْ تَخْرُجَ لِحَجِّ الْفَرْضِ وَحْدَهَا، أَمَّا لِغَيْرِ الْحَجِّ الْوَاجِبِ وَهُوَ النَّفْلُ فَلا يَجُوزُ لَهَا السَّفَرُ مِنْ أَجْلِهِ وَحْدَهَا وَلا مَعَ النِّسْوَةِ الثِّقَاتِ،

وَيَشْمَلُ هَذَا الْحُكْمُ سَفَرَهَا لِزِيَارَةِ الأَوْلِيَاءِ أَوْ لِزِيَارَةِ قَبْرِ الرَّسُولِ ﷺ فَلا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تُسَافِرَ لِغَيْرِ الْفَرْضِ مِنْ حَجٍّ أَوْ غَيْرِهِ إِلَّا مَعَ مَحْرَمٍ وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﷺ «لا تُسَافِرُ الْمَرْأَةُ مَسِيرَةَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِىُّ وَفِى رِوَايَةٍ «مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِىُّ وَفِى رِوَايَةٍ «بَرِيدًا» أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ فِى سُنَنِهِ، وَالْبَرِيدُ هُوَ مَسَافَةُ نِصْفِ النَّهَارِ «إِلَّا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ» وَكُلُّ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ صَحِيحَةُ الإِسْنَادِ وُقُوعُ الْحَجِّ عَنْ فَرْضِ الإِسْلامِ بِحَيْثُ لا يَجِبُ إِعَادَتُهُ فِى الْعُمُرِ مَرَّةً أُخْرَى شَرْطُهُ مَعَ التَّكْلِيفِ الْحُرِّيَّةُ التَّامَّةُ فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لا يَجِبَانِ إِلَّا عَلَى الْمُسْلِمِ الْحُرِّ الْكَامِلِ الْحُرِّيَّةِ الْمُكَلَّفِ الْمُسْتَطِيعِ،

فَلا يُطَالَبُ الْكَافِرُ الأَصْلِىُّ بِأَدَائِهِمَا حَتَّى لَوْ زَالَتْ عَنْهُ الِاسْتِطَاعَةُ ثُمَّ أَسْلَمَ لا يَجِبَانِ عَلَيْهِ لِأَنَّ اسْتِطَاعَتَهُ فِى حَالِ كُفْرِهِ كَلا اسْتِطَاعَةٍ لَكِنَّ الْكَافِرَ يُخَاطَبُ بِهِمَا خِطَابَ عِقَابٍ فِى الآخِرَةِ.