وقال مثلَه في الأذكار فَبَعْدَ هَذَا كَيْفَ يَقُولُ بَعْضُهُمْ إِنَّ زِيَارَةَ قَبْرِ النَّبِىِّ لِلتَّبَرُّكِ بِهِ وَالتَّوَسُّلِ بِهِ زِيَارَةٌ شِرْكِيَّةٌ فَمَا أَبْعَدَ هَؤُلاءِ عَنِ الْحَقِّ، ثُمَّ يَتَوَسَّلُ بِالْمُصْطَفَى فِى نَفْسِهِ وَيَتَشَفَّعُ بِهِ إِلَى رَبِّهِ التَّوَسُّلُ هُوَ طَلَبُ حُصُولِ مَنْفَعَةٍ أَوِ انْدِفَاعِ مَضَرَّةٍ مِنَ اللَّهِ بِذِكْرِ اسْمِ نَبِىٍّ أَوْ وَلِىٍّ إِكْرَامًا لِلْمُتَوَسَّلِ بِهِ، وَاللَّهُ تَعَالَى جَعَلَ أُمُورَ الدُّنْيَا عَلَى الأَسْبَابِ وَالْمُسَبَّبَاتِ مَعَ أَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُعْطِيَنَا الثَّوَابَ مِنْ غَيْرِ أَنْ نَقُومَ بِالأَعْمَالِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ وَقَالَ ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ أَىْ اطْلُبوا كُلَّ شَىْءٍ يُقَرِّبُكُمْ إِلَيْهِ يَعْنِى هَذِهِ الأَسْبَابَ اعْمَلُوا الأَسْبَابَ فَنُحَقِّقَ لَكُمُ الْمُسَبَّبَاتِ نُحَقِّقَ لَكُمْ مَطَالِبَكُمْ بِهَذِهِ الأَسْبَابِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى تَحْقِيقِهَا بِدُونِ هَذِهِ الأَسْبَابِ.
وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مِنَ الأَسْبَابِ الْمُعِينَةِ لَنَا لِتَحْقِيقِ مَطَالِبَ لَنَا التَّوَسُّلَ بِالأَنْبِيَاءِ وَالأَوْلِيَاءِ فِى حَالِ حَيَاتِهِمْ وَبَعْدَ مَمَاتِهِمْ فَنَحْنُ نَسْأَلُ اللَّهَ بِهِمْ رَجَاءَ تَحْقِيقِ مَطَالِبِنَا فَنَقُولُ اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ بِجَاهِ رَسُولِ اللَّهِ أَوْ بِحُرْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ أَنْ تَقْضِىَ حَاجَتِى وَتُفَرِّجَ كَرْبِى أَوْ نَقُولُ اللَّهُمَّ بِجَاهِ عَبْدِ الْقَادِرِ الْجِيلانِىِّ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ وَإِنَّمَا حَرَّمَ ذَلِكَ الْوَهَّابِيَّةُ فَشَذُّوا بِذَلِكَ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ.
فَالتَّوَسُّلُ بِالأَنْبِيَاءِ وَالأَوْلِيَاءِ جَائِزٌ فِى حَالِ حَضْرَتِهِمْ وَفِى حَالِ غَيْبَتِهِمْ وَمُنَادَاتُهُمْ جَائِزَةٌ فِى حَالِ غَيْبَتِهِمْ وَفِى حَالِ حَضْرَتِهِمْ كَمَا دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ فَلَيْسَ مَعْنَى الْعِبَادَةِ مُجَرَّدَ نِدَاءِ حَىٍّ أَوْ مَيِّتٍ فِى حَالِ غَيْبَتِهِ كَمَا قَالَتِ الْوَهَّابِيَّةُ بَلْ لَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ عُلَمَاءِ اللُّغَةِ فِى تَفْسِيرِهِمْ لِمَعْنَى الْعِبَادَةِ بَلْ قَالَ إِمَامُ اللُّغَوِيِّينَ الَّذِينَ أَلَّفُوا فِى لُغَةِ الْعَرَبِ الْفَرَّاءُ الْعِبَادَةُ الطَّاعَةُ مَعَ الْخُضُوعِ وَبِهَذَا فَسَّرُوا قَوْلَهُ تَعَالَى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ أَىْ نُطِيعُكَ الطَّاعَةَ الَّتِى مَعَهَا الْخُضُوعُ وَالْخُضُوعُ مَعْنَاهُ التَّذَلُّلُ ثُمَّ يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَيَدْعُو لِنَفْسِهِ وَلِمَنْ شَاءَ، وَإِنْ أَوْصَاهُ أَحَدٌ بِالسَّلامِ فَلْيَقُلْ السَّلامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ فُلانٍ أَوْ يَقُولُ فُلانٌ يُسَلِّمُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.
وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ فِى الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ حَدِيثِ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ قَالَ «لَيَهْبِطَنَّ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عدْلًا وإمامًا مُقْسِطًا وَلَيَسْلُكَنَّ فَجًّا حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا أو بِنِيَّتِهِما وَلَيَأْتِيَنَّ قَبْرِى حَتَّى يُسَلِّمَ عَلَىَّ وَلَأَرُدَنَّ عَلَيْهِ» صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَوَافَقَهُ الذَّهَبِىُّ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِىُّ بِلَفْظِ «لَيَسْلُكَنَّ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ فَجَّ الرَّوْحَاءِ».
وَلَيْسَ لِلْمَانِعِينَ مِنَ السَّفَرِ لِزِيَارَةِ قَبْرِهِ ﷺ مُتَمَسَّكٌ فِى حَدِيثِ «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى وَمَسْجِدِى هَذَا» أَخْرَجَهُ ابنُ حبانَ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مَخْصُوصٌ بِالْمَسَاجِدِ أَىْ لا مَزِيَّةَ فِى السَّفَرِ إِلَى مَسْجِدٍ لِلصَّلاةِ فِيهِ إِلَّا فِى السَّفَرِ إِلَى أَحَدِ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ الثَّلاثَةِ لِأَنَّ تِلْكَ الْمُضَاعَفَةَ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ، وَأَلْفٍ، وَخَمْسِمِائَةٍ خَاصَّةٌ بِهَا، فَمَنْ سَافَرَ لِلصَّلاةِ إِلَى أَحَدِهَا حَصَلَ عَلَى الْمُضَاعَفَةِ الَّتِى لا تَحْصُلُ فِى مَسْجِدِ بَلَدِهِ،
فَلا مَزِيَّةَ فِى السَّفَرِ إِلَى ذَلِكَ الْمَسْجِدِ كَمَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ الإِمَامِ أَحْمَدَ فِى مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ شَهْرِ بنِ حَوْشَب أَنَّهُ قَالَ ذَكَرْتُ عِنْدَ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ الصَّلاةَ فِى الطُّورِ فَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «لا يَنْبَغِى لِلْمَطِىِّ أَنْ تُعْمَلَ إِلَى مَسْجِدٍ تُبْتَغَى فِيهِ الصَّلاةُ غَيْرِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْمَسْجِدِ الأَقْصَى وَمَسْجِدِى» فَبِهَذَا الْحَدِيثِ يُفَسَّرُ حَدِيثُ «لا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلاثَةِ مَسَاجِدَ» لا بِقَوْلِ ابْنِ تَيْمِيَةَ فَإِنَّهُ احْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى تَحْرِيمِ السَّفَرِ لِزِيَارَةِ قَبْرِ النَّبِىِّ ﷺ، قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ وَهِىَ مِنْ أَبْشَعِ الْمَسَائِلِ الْمَنْقُولَةِ عَنِ ابْنِ تَيْمِيَةَ اهـ وَخَيْرُ مَا يُفَسَّرُ بِهِ الْحَدِيثُ الْحَدِيثُ قَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِىُّ فِى أَلْفِيَّتِهِ وَخَيْرُ مَا فَسَّرَتَهُ بِالْوَارِدِ.
وَأَمَّا قَوْلُ مَالِكٍ أَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ زُرْتُ قَبْرَ النَّبِىِّ فَقَدْ حَمَلَهُ أَصْحَابُهُ أَىْ أَهْلُ مَذْهَبِهِ عَلَى أَنَّهُ كَرِهَ هَذَا اللَّفْظَ أَدَبًا، فَلا حُجَّةَ فِيهِ لِابْنِ تَيْمِيَةَ لِأَنَّ مَالِكًا رَأَى أَنَّ قَوْلَ الزَّائِرِ زُرْتُ النَّبِىَّ أَوْلَى بِالأَدَبِ مِنْ أَنْ يَقُولَ زُرْتُ قَبْرَ النَّبِىِّ ﷺ وَهَذَا تَوْجِيهٌ وَجِيهٌ.
فائدةٌ: يُسَنُّ لِلْحَاجِّ شُرْبُ مَاءِ زَمْزَمَ وَأَنْ يَتَضَلَّعَ مِنْهُ أَىْ يَمْتَلِئَ مِنْهُ شِبَعًا وَرِيًّا وَأَنْ يَسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةَ عِنْدَ شُرْبِهِ وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِىُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ « يَرْحَمُ اللَّهُ أُمَّ إِسْمَاعِيلَ، لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَمَ أَوْ قَالَ لَوْ لَمْ تَغْرِفْ مِنَ المَاءِ، لَكَانَتْ زَمْزَمُ عَيْنًا مَعِينًا » أَخْرَجَهُ الْبُخَارِىُّ. وَمَنْ أَرَادَ شُرْبَ مَاءِ زَمْزَمَ فَلْيَقُلْ عِنْدَ شُرْبِهِ اللَّهُمَّ إِنَّهُ بَلَغَنِى أَنَّ نَبِيَّكَ قَالَ «مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ» وَإِنِّى أَشْرَبُهُ مُسْتَشْفِيًا بِهِ فَاشْفِنِى وَاغْفِرْ لِى اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا وَرِزْقًا وَاسِعًا وَشِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الدُّعَاءِ بِالْخَيْرِ.
فَائِدَةٌ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِىُّ فِى الدَّعَوَاتِ وَاللَّفْظُ لَهُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا اشْتَكَى الإِنْسَانُ الشَّىْءَ مِنْهُ أَوْ كَانَتْ بِهِ قُرْحَةٌ أَوْ جُرْحٌ قَالَ النَّبِىُّ ﷺ بِإِصْبَعِهِ هَكَذَا وَوَضَعَ أَبُو بَكْرٍ سَبَّابَتَهُ بِالأَرْضِ ثُمَّ رَفَعَهَا «بِسْمِ اللَّهِ تُرْبَةُ أَرْضِنَا بريقةِ بَعْضِنَا تَشْفِى سَقِيمَنَا بِإِذْنِ رَبِّنَا» وَعِنْدَ الطَّبَرَانِىِّ في كتاب الدعاءِ له «عن عائشةَ رضيَ اللهُ عنها أنَّ النبيَّ كان إذا رأى مريضًا أَخَذَ تُرَابًا فَجَعَلَ فِيهِ مِنْ رِيقِهِ ثُمَّ جَعَلَهُ عَلَيْهِ ثم قال تُرْبَةُ أرضِنا بريقَةِ بعضِنا يشفى سقيمنا بإذن ربنا» وَهَذَا نَافِعٌ بِإِذْنِ اللَّهِ حَتَّى إِنَّهُ يَنْفَعُ لِلَسْعَةِ الْحَيَّةِ وَلَدْغَةِ الْعَقْرَبِ وَهَذِهِ الْخُصُوصِيَّةُ لِتُرَابِ الْمَدِينَةِ أَمَّا تُرَابُ مَكَّةَ فَلَمْ يَرِدْ فِيهِ ذَلِكَ لَكِنْ تُرَابُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ لا يَجُوزُ إِخْرَاجُهُمَا مِنْهُمَا إِلَّا مَا كَانَ مِنَ الْحَصَى عَنْ قَبْرِ حَمْزَةَ لِلصُّدَاعِ وَصُهَيْبٍ لِلْحُمَّى.
(كتاب المعاملات) بعد أن أنهى المؤلف الكلام على كتاب الحج شرع فى الكلام على المعاملات فقال رحمه الله (فصلٌ) فى بيان أهمية مراعاة الحلال وترك الحرام ومعرفة بعض أحكام البيع وغيره من المعاملات. ليعلم أنه (يجب على كل مسلم مكلف) أى بالغ عاقل (أن لا يدخل فى شيء حتى يعلم ما أحل الله تعالى منه وما حرم لأن الله سبحانه وتعالى تَعَبَّدَنا أى كلفنا) وأمرنا (بأشياءَ) ونهانا عن أشياءَ (فلا بدَّ من مراعاة ما تَعَبَّدَنا) اللهُ تعالى به فعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يُطِيعَ خَالِقَهُ بِأَدَاءِ مَا أَمَرَ بِهِ وَاجْتِنَابِ مَا نَهَى عَنْهُ لِأَنَّهُ أَهْلٌ لِأَنْ يُطَاعَ، وَسَوَاءٌ فِى ذَلِكَ مَا عُقِلَتِ الْحِكْمَةُ فِيهِ وَمَا لَمْ تُعْقَلِ الْحِكْمَةُ فِيهِ لِأَنَّ بَعْضَ مَا تَعَبَّدَنَا بِهِ مَعْقُولُ الْمَعْنَى لَنَا وَبَعْضًا غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى لَنَا،
وَذَلِكَ ابْتِلاءٌ مِنْهُ لِعِبَادِهِ وَاخْتِبَارٌ لِأَنَّهُ مَنْ سَلَّمَ لِلَّهِ فِى كُلِّ شَىْءٍ فَهُوَ الْعَبْدُ الْمُطِيعُ الْمُسْرِعُ فِى الطَّاعَةِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلَيْسَ كَامِلَ الطَّاعَةِ وذلك يكون بتعلم علم الدين الضرورى وأداء الواجبات كلها واجتناب المحرمات كلها (وقد أحلَّ) الله (البيع وحرم الربا) فوجب علينا مراعاةُ ذلك رَوَى الْبَزَّارُ فِى مُسْنَدِهِ عَنْ رِفَاعَةَ بنِ رَافِعٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِىَّ ﷺ سُئِلَ
أَىُّ الْكَسْبِ أَطْيَبُ قَالَ «عَمَلُ الرَّجُلِ بِيَدِهِ وَكُلُّ بَيْعٍ مَبْرُورٍ» وَالْبَيْعُ لُغَةً مُقَابَلَةُ شَىْءٍ بِشَىْءٍ (وقد قَيَّدَ الشرعُ هذا البيعَ) الذى وصفه بالحلِّ (بآلة التعريف) أى ألْ التى يُراد منها العهدُ إشارةً إلى أن البيع الذى أحله الله هو البيع المعهود فى الشرع حلُّهُ كما فى قوله تعالى﴿وَأَحَلَّ اللهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الرِّبا﴾ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ فِى كِتَابِهِ الْبَيْعَ الَّذِى أَحَلَّهُ وَعَرَّفَهُ بِأَدَاةِ التَّعْرِيفِ وَهِىَ أَلِ الْعَهْدِيَّةُ أَىِ الَّتِى تُفِيدُ أَنَّ الْبَيْعَ الَّذِى أَحَلَّهُ هُوَ الْبَيْعُ الْمَعْهُودُ فِى شَرْعِهِ بِالْحِلِّ وَجَبَ عَلَى مُتَعَاطِى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ مَعْرِفَةُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ بِدُونِ هَذِهِ الْمَعْرِفَةِ لا يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الْوُقُوعِ فِى الْبَيْعِ الَّذِى لَمْ يُحِلَّهُ اللَّهُ وهذا ليس الراجح في تفسير الآية إنما الراجح كما قال الشيخ رحمه الله أن البيع هنا للعموم ليست أل العهدية، وهذا قول من أقوال الشافعي وله أربعة أقوال في تفسير هذه الآية، أحدها أن أل للعهد.
قال السيوطي في الإتقان وقال الماورديُّ للشافعي في هذه الآية يعني ءايةَ ﴿وأحلَّ اللهُ البيعَ﴾ أربعةُ أقوالٍ أحدُها أنَّها عامَّةٌ فإنَّ لفظَها لفظُ عمومٍ يتناولُ كلَّ بيعٍ ويقتضي إباحةَ جميعِها إلا ما خصَّهُ الدليلُ وهذا القولُ أصحُّها عند الشافعِيِّ وأصحابِه اهـ ثم قال والقولُ الرابعُ إنَّها تناولت بيعًا معهودًا ونـزلت بعد أنْ أحلَّ النبيُّ صلى اللهُ عليه وسلَّمَ بُيُوعًا وحرَّمَ بُيُوعًا فاللَّامُ للعهدِ اهـ و(لأنَّه لا يحِلُّ كلُّ بيعٍ إلَّا ما) أى بيعًا (استوفى الشروطَ والأرْكانَ فلا بُدَّ من مراعاتِها) حتى لا يقعَ الشَّخْصُ فى معصيةِ اللهِ (فعلى منْ أرادَ البيعَ والشراءَ) وغيرَهما من المعاملاتِ (أنْ يتعلَّمَ ذلك) أى أركانَه وشروطَه (وإلَّا أكَل الرِّبا) أى وقعَ فيه (شاءَ أمْ أَبَى) قصَدَ الوقوعَ فيه أمْ لمْ يقصدْ فَالْبَيْعُ الْجَائِزُ هُوَ مَا كَانَ الْعِوَضَانِ أَىِ الْمَبِيعُ وَالثَّمَنُ مُبَاحَيْنِ فِى الشَّرْعِ،
فَلا يَجُوزُ بَيْعُ الْمُحَرَّمِ الْمُتَّفَقِ عَلَى حُرْمَتِهِ عِنْدَ جَمِيعِ الأَئِمَّةِ وَأَمَّا الْمُخْتَلَفُ فِى إِبَاحَتِهِ فَيَجُوزُ عِنْدَ الإِمَامِ الَّذِى يُبِيحُهُ وَإِنْ كَانَ مَمْنُوعًا عِنْدَ غَيْرِهِ، فَلا يَجُوزُ بَيْعُ نَجِسِ الْعَيْنِ كَالدَّمِ وَلَحْمِ الْمَيْتَةِ وَسَائِرِ أَجْزَائِهَا مِنْ عَظْمٍ وَشَعَرٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ إِلَّا أَنَّهُ عِنْدَ بَعْضِ الأَئِمَّةِ يَجُوزُ بَيْعُ عَظْمِ الْمَيْتَةِ كَنَابِ الْفِيلِ لِأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ لَيْسَ بِنَجِسٍ.
وَمِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْبَيْعِ الطَّهَارَةُ فِى الثَّمَنِ وَالْمُثْمَنِ. وَالثَّمَنُ مَا يَدْفَعُهُ الْمُشْتَرِى مِنَ الْمَالِ وَالْمُثْمَنُ مَا قَابَلَهُ بِالثَّمَنِ وَهُوَ الشَّىْءُ الَّذِى يَشْتَرِيهِ. وَأَنْ يَكُونَ الْبَيْعُ غَيْرَ مُوَقَّتٍ أَوْ مُعَلَّقٍ فَلا يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ لَهُ بِعْتُكَ هَذَا الْغَرَضَ لِسَنَةٍ أَوْ أَنْ يَقُولَ لَهُ إِنْ جَاءَ أَبِى مِنْ سَفَرِهِ فَقَدْ بِعْتُكَ هَذَا الْكِتَابَ. وَيُشْتَرَطُ فِى الْمَبِيعِ أَنْ يَكُونَ مُنْتَفَعًا بِهِ، وَأَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا، وَأَنْ يَكُونَ الْبَائِعُ قَادِرًا عَلَى تَسْلِيمِهِ، وَأَنْ لا يَكُونَ مَعْدُومًا كَبِنَاءٍ لَمْ يُبْنَ بَعْدُ وَهُنَاكَ طَرِيقَةٌ لا بَأْسَ بِهَا وَهِىَ أَنْ يَشْتَرِىَ مُرِيدُ الْبَيْتِ الَّذِى لَمْ يُبْنَ بَعْدُ جُزْءًا مِنَ الأَرْضِ الَّتِى يُقَامُ عَلَيْهَا الْبَيْتُ مُشَاعًا أَىْ بِدُونِ تَحْدِيدِ جُزْءٍ مُعَيَّنٍ مِنْهَا كَأَنْ يَقُولَ اشْتَرَيْتُ عُشْرَهَا ثُمَّ عِنْدَمَا يُنْجَزُ الْبِنَاءُ يَقُولُ لَهُ اشْتَرَيْتُ مِنْكَ هَذَا الْبَيْتَ بِحِصَّتِى مِنْ هَذِهِ الأَرْضِ.
وَاسْتُثْنِىَ مِنْ حُرْمَةِ بَيْعِ الْمَعْدُومِ وَمَا لا يَمْلِكُ السَّلَمُ الَّذِى هُوَ بَيْعُ شَىْءٍ مَوْصُوفٍ مُلْتَزَمٍ فِى الذِّمَّةِ بِلَفْظٍ خَاصٍّ مَعَ دَفْعِ رَأْسِ الْمَالِ قَبْلَ تَفَرُّقِ الْعَاقِدَيْنِ وَإِنْ كَانَ لا يَمْلِكُ ذَلِكَ الشَّىْءَ فِى الْحَالِ بِشُرُوطِهِ الْمُقَرَّرَةِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ. (وقد قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم "التاجر الصدوق) وهو الذى يراعِى حكم الله فى تجارته فيتجنب الخيانة والغِش والتدليس وغيرها مما حرم الله (يحشر يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء") اهـ رواه الترمذي (وما ذاك) الفضلُ الذى ذكره النبىّ صلى الله عليه وسلم للتاجر الصدوق (إلا لأجل ما يلقاه من مجاهدة نفسِهِ وهواه وقهرها) أى النفس (على إجراء العقود على الطريق الشرعىِّ وإلَّا) بأن لم يكن كذلك فى بيعه وشرائه (فلا يخفى ما تَوَعَّدَ اللهُ من تَعَدَّى) أى جاوز (الحدودَ) من العذاب الأليم.
وفِى قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ «التَّاجِرُ الصَّدُوقُ يُحْشَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ» بِشَارَةٌ لِمَنْ تَعَاطَى التِّجَارَةَ وَاتَّقَى اللَّهَ بِتَجَنُّبِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَنْوَاعِ التِّجَارَاتِ الْمُحَرَّمَةِ وَالْخِيَانَةِ وَالْغِشِّ وَالتَّدْلِيسِ بِأَنْ يُوهِمَ الْمُشْتَرِىَ خِلافَ الْحَقِيقَةِ، وَالْتَزَمَ الصِّدْقَ فِى وَصْفِهِ لِبِضَاعَتِهِ وَسِلْعَتِهِ وَفِى إِخْبَارِهِ بِالثَّمَنِ بِأَنَّهُ مِنَ الَّذِينَ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، وَأَعْلَمَنَا بِذَلِكَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهُوَ مُسْتَحِقٌّ لِلْعَذَابِ الأَلِيمِ.
وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا فَقَالَ «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطَّعَامِ» قَالَ أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «أَفَلا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَىْ يَرَاهُ النَّاسُ، مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّى» أَىْ لَيْسَ مُتَّبِعًا سُنَتِّى كَمَا يَجِبُ وَمَنِ اشْتَرَى شَيْئًا وَقَبَضَهُ وَفَارَقَ الْمَجْلِسَ ثُمَّ أَرَادَ رَدَّهُ فَرَدَّهُ لَهُ الْبَائِعُ فَلِهَذَا الْبَائِعِ أَجْرٌ بِذَلِكَ فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِى هُرَيْرَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «مَنْ أَقَالَ مُسْلِمًا بَيْعَتَهُ أَقَالَ اللَّهُ عَثْرَتَهُ» أَىْ أَنَّ اللَّهَ يُقِيلُهُ مِنْ عَثَرَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (ثم إن بقيةَ العقود من الإجارة) وهي تمليك منفعة مباحة بعوض مع بقاء العين على وجه خاص والمراد بالمنفعةِ هنا المنفعةُ المعتبرةُ حِسًا وشرعًا.
وتشترط فيها الصيغة عند الإمام الشافعي وَالصِّيغَةُ عِنْدَه رضي الله عنه كَأَنْ يَقُولَ «ءَاجَرْتُكَ هَذَا بِكَذَا» وَ«ءَاجَرْتُكَ نَفْسِى لِعَمَلِ كَذَا بِكَذَا» وَيَقُولَ الْمُسْتَأْجِرُ «اسْتَأْجَرْتُ مِنْكَ ذَلِكَ بِذَلِكَ» أَىْ بِتِلْكَ الأُجْرَةِ أَوِ «اسْتَأْجَرْتُكَ بِتِلْكَ الأُجْرَةِ». وَاخْتَارَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِىِّ صِحَّةَ الْمُعَاطَاةِ فِى الْبَيْعِ وَفِى الإِجَارَةِ وَنَحْوِهِمَا أَىِ التَّعَاقُدِ بِلا لَفْظٍ مِنَ الْجَانِبَيْنِ أَوْ بِلَفْظٍ مِنْ جَانِبٍ وَيُسَمَّى ذَلِكَ التَّعَاطِىَ أَيْضًا وأن تكون معلومة لا مجهولة بأن يكون كل من الأجرةِ والعملِ معلومًا وَيَكُونُ الِاسْتِئْجَارُ بِالْمُدَّةِ أَوْ بِالْعَمَلِ أَمَّا اشْتِرَاطُ الْمُدَّةِ وَالْعَمَلِ مَعًا فِى الإِجَارَةِ فَلا يَصِحُّ كَأَنْ يَقُولَ لَهُ اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَحْرُثَ هَذِهِ الأَرْضَ فِى سِتِّ سَاعَاتٍ مَثَلًا وهناك شروط أخرى تطلب من المبسوطات. (والقِراضِ) وهو تفويض الشخص وإذنه لشخص أن يعمل في ماله في نوع أو أنواع من التجارة على أن يكون الربح مشتركا وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ الْمُتَعَاقِدَانِ بِالِغَيْنِ عَاقِلَيْنَ كَمَا يُشْتَرَطُ فِى الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالإِجَارَةِ.
وَأَنْ لا يُوَقَّتَ بِمُدَّةٍ مُعَيَّنَةٍ كَسَنَةٍ كَأَنْ يَقُولَ لَهُ اتْجَرْ لِى بِهَذَا الْمَالِ إِلَى سَنَةٍ. وَأَنْ يَكُونَ مَالُ الْقِرَاضِ نَقْدًا أَىْ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً عِنْدَ الإِمَامِ الشَّافِعِىِّ وَيَجُوزُ عِنْدَ بَعْضِ الأَئِمَّةِ وَهُوَ الإِمَامُ التَّابِعِىُّ الْمُجْتَهِدُ عَبْدُ الرَّحْمٰنِ ابنُ أَبِى لَيْلَى الْقِرَاضُ عَلَى الْفُلُوسِ أَىْ قِطَعِ الْعُمْلَةِ النُّحَاسِيَّةِ، وَمِثْلُهَا عِنْدَهُ مَا أَشْبَهَهَا فِى الْجَوَازِ.
فَالْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ الْمُقَرَّرُ فِى الْمَذَاهِبِ الأَرْبَعَةِ أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا دَفَعَ مَالَهُ إِلَى شَخْصٍ لِيَتْجُرَ فِيهِ عَلَى أَنْ يَتَقَاسَمَا الرِّبْحَ مُنَاصَفَةً أَوْ أَحَدُهُمَا لَهُ الثُّلُثُ وَالآخَرُ لَهُ الثُّلُثَانِ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ (والرَّهْنِ) وهو جعل عين مالية وثيقة بدين يستوفى منها الدين عند تعذر الوفاء معناه أن يستمسكَ الدائنُ بشىءٍ من مالِ المدينِ ليستوفيَ من هذا حَقَّهُ إذا تعذّرَ عليه الإيفاءُ، الرَّهْنُ هُوَ جَعْلُ عَيْنٍ مَالِيَّةٍ وَثِيقَةً بِدَيْنٍ أَىْ لا يَتَصَرَّفُ بِهَا صَاحِبُهَا حَتَّى يُوَفِّىَ الدَّيْنَ يُسْتَوْفَى مِنْهَا الدَّيْنُ عِنْدَ تَعَذُّرِ الْوَفَاءِ، فَإِذَا قَالَ لَهُ رَهَنْتُكَ هَذَا بِدَيْنِكَ الَّذِى لَكَ عَلَىَّ وَأَقْبَضَهُ الرَّهْنَ فَهَذَا الشَّىْءُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهُ فِى حَيَاتِهِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَدْفَعَ الدَّيْنَ أَوْ يَأْذَنَ لَهُ صَاحِبُ الدَّيْنِ.
وَمِثْلُ ذَلِكَ إِذَا قَالَ لَهُ رَهَنْتُكَ هَذِهِ الدَّارَ بِالْمَبْلَغِ الَّذِى لَكَ عَلَىَّ. وَيُشْتَرَطُ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ فِى الْبَيْعِ مِنْ كَوْنِ الْعَاقِدِ بَالِغًا عَاقِلًا. وَأَنْ يَكُونَ عَيْنًا يَصِحُّ بَيْعُهُ فَلا يَصِحُّ رَهْنُ الدَّيْنِ. وَيُشْتَرَطُ فِى الْمَرْهُونِ بِهِ كَوْنُهُ دَيْنًا. وَيَجُوزُ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِالرَّهْنِ بِغَيْرِ الْبَيْعِ وَالْهِبَةِ ويكون الاستيفاء بطريق الحاكم. وأمّا ما يسمِّيه بعض الناس استرهانًا
وهو أن يدفع الشخص شيئا يملكه لمن أقرضه مبلغًا من المال على أن ينتفع به المقرض مجانًا إلى أن يوفِّيَه دَينَه أو يشرِطَ عليه أُجْرَةً مخفّفة له من أجل الدَّين فذلك حرام بالإجماع وهو نوع من أنواع الرِّبا وَلا يَصِحُّ أَيْضًا مَا يَفْعَلُهُ بَعْضُ النَّاسِ مِنْ أَنَّهُمْ يَقْتَرِضُونَ مِنْ شَخْصٍ شَيْئًا ثُمَّ يَطْلُبُ مِنْهُمْ صَاحِبُ الدَّيْنِ الرَّهْنَ فَيُعْطِيهِ شَيْئًا مِنْ عِنْدِهِ عَلَى أَنَّهُ إِنْ لَمْ يَرُدَّ دَيْنَهُ بِتَارِيخِ كَذَا فَهُوَ لِلْمُرْتَهِنِ أَىْ لِصَاحِبِ الدَّيْنِ لا يَعُودُ إِلَى مَالِكِهِ (والوَكالة) وهي تفويض شخص إلى غيره تصرفا على وجه خاص ليفعله حال حياته فقَوْلُ الْمُؤَلِّفِ وَالْوَكَالَةِ يُرِيدُ بِهِ أَنَّهُ يَجِبُ مَعْرِفَةُ أَحْكَامِ الْوَكَالَةِ عَلَى مَنْ أَرَادَ تَعَاطِيَهَا وَهِىَ تَفْوِيضُ شَخْصٍ إِلَى غَيْرِهِ تَصَرُّفًا عَلَى وَجْهٍ خَاصٍّ لِيَفْعَلَهُ حَالَ حَيَاتِهِ.
وَمِمَّا يُشْتَرَطُ فِى الْوَكَالَةِ أَنْ يَصِحَّ مُبَاشَرَةُ الْمُوَكَّلِ التَّصَرُّفَ فِيهِ أَىْ لَيْسَ شَيْئًا مَحْجُورًا أَوْ مَرْهُونًا أَوْ مُغْتَصَبًا. وَأَنْ يَكُونَ الْمُوَكَّلُ فِيهِ مَعْلُومًا وَلَوْ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ كَأَنْ يَقُولَ لَهُ وَكَّلْتُكَ بِبَيْعِ أَمْوَالِى وَلا يَصِحُّ أَنْ يَقُولَ وَكَّلْتُكَ فِى كُلِّ أُمُورِى. وَلَفْظٌ يُشْعِرُ بِرِضَاهُ كَقَوْلِهِ وَكَّلْتُكَ بِكَذَا أَوْ بِعْ كَذَا. وَلا يَضْمَنُ الْوَكِيلُ إِلَّا بِالتَّفْرِيطِ فِيمَا وُكِّلَ فِيهِ.
وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا فَسْخُ الْوَكَالَةِ مَتَى شَاءَ. وَتَنْفَسِخُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا أَوْ جُنُونِهِ وَبِالْعَزْلِ. وَكُلُّ مَا جَازَ لِلإِنْسَانِ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِنَفْسِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ فِيهِ غَيْرَهُ أَوْ يَتَوَكَّلَ فِيهِ عَنْ غَيْرِهِ فَلا يَصِحُّ مِنْ صَبِىٍّ أَوْ مَجْنُونٍ أَنْ يَكُونَ مُوَكّلًا وَلا وَكِيلًا. وَلا يَجُوزُ لِلْوَكِيلِ وَكَالَةً مُطْلَقَةً أَنْ يَبِيعَ وَيَشْتَرِىَ إِلَّا بِثَلاثَةِ شَرَائِطَ أَحَدُهَا أَنْ يَبِيعَ بِثَمَنِ الْمِثْلِ لا بِدُونِهِ، وَأَنْ يَكُونَ ثَمَنُ الْمِثْلِ نَقْدًا فَلا يَبِيعُ نَسِيئَةً أَىْ لِأَجَلٍ، وَالثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ النَّقْدُ بِنَقْدِ الْبَلَدِ.
وَلا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ الْوَكِيلُ نَفْسَهُ (والوديعة) وهي ما يوضع عند غير مالكه لحفظه يَجِبُ مَعْرِفَةُ أَحْكَامِ الْوَدِيعَةِ عَلَى مَنْ أَرَادَ تَعَاطِيَهَا. وَالْوَدِيعَةُ هِىَ مَا يُوضَعُ عِنْدَ غَيْرِ مَالِكِهِ لِحِفْظِهِ وَيَجُوزُ أَخْذُ الأُجْرَةِ عَلَى حِفْظِ الْوَدِيعَةِ وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الإِجَارَةِ. وَمِنْ شُرُوطِهَ أَنْ تَكُونَ الْوَدِيعَةُ مُحْتَرَمَةً أَىْ مُنْتَفَعًا بِهَا شَرْعًا فَلا يَجُوزُ وَدِيعَةُ ءَالَةِ لَهْوٍ مُحَرَّمَةٍ وَصَنَمٍ وَلا إِيدَاعُ كَافِرٍ مُصْحَفًا لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِحِفْظِهِ وَلَفْظٌ كَاسْتَوْدَعْتُكَ هَذَا أَوْ أَمْسِكْ لِى هَذَا أَوِ احْفَظْ لِى هَذَا.
وَلا يُشْتَرَطُ فِيهَا وَفِى الْوَكَالَةِ الْقَبُولُ مِنَ الْجَانِبِ الآخَرِ أَىْ لا يُشْتَرَطُ أَنْ يَقُولَ لَهُ قَبِلْتُ بِاللَّفْظِ.ولا يجوز قبول الوديعة ممن يعلم من نفسه أنّه لا يستطيع حفظها، وتستحبّ لمن وثق بأمانة نفسه مع القدرة على حفظها (والعارية) وهي إباحة الانتفاع بشىء مجانا مع بقاء عينه الْعَارِيَّةُ هِىَ إِبَاحَةُ الِانْتِفَاعِ بِشَىْءٍ مَجَّانًا مَعَ بَقَاءِ عَيْنِهِ، وَهِىَ مُسْتَحَبَّةٌ.
وَتَجُوزُ الْعَارِيَّةُ مُطْلَقَةً مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِمُدَّةٍ وَمُقَيَّدَةً بِمُدَّةٍ أَىْ بِوَقْتٍ كَأَعَرْتُكَ هَذَا الثَّوْبَ شَهْرًا. وَلِلْمُعِيرِ الرُّجُوعُ فِى كُلٍّ مِنْهُمَا مَتَى شَاءَ. وَمِنْ شُرُوطِهَا أَنْ تَكُونَ مُعَيَّنَةً وَأَنْ يَكُونَ الْمُسْتَعِيرُ مُعَيَّنًا وَمُطْلَقَ التَّصَرُّفِ أَىْ بَالِغًا عَاقِلًا غَيْرَ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ وَلَفْظٌ يُشْعِرُ بِالإِذْنِ فِى الِانْتِفَاعِ مِنْ أَحَدِهِمَا مَعَ لَفْظِ الْجَانِبِ الآخَرِ أَوْ فِعْلِهِ وَيُشْتَرَطُ فِى الْمُعِيرِ أَنْ يَكُونَ مُخْتَارًا أَىْ غَيْرَ مُكْرَهٍ وَأَنْ يَكُونَ صَحِيحَ التَّبَرُّعِ أَىْ نَافِذَ التَّصَرُّفِ فَلا يَصِحُّ مِنْ صَبِىٍّ وَنَحْوِهِ كَالْمَجْنُونِ وَأَنْ يَكُونَ مَالِكَ الْمَنْفَعَةِ ويشترط في المعار أن يمكن الانتفاع به انتفاعًا مباحًا مع بقاء عينه فلا يصح إعارة مطعوم للأكل أو الشمعة للوقود.
فَإِنْ تَلِفَ الْمُعَارُ بِاسْتِعْمَالٍ غَيْرِ مَأْذُونٍ فِيهِ وَلَوْ بِلا تَقْصِيرٍ ضَمِنَهُ أَمَّا إِنْ تَلِفَ بِالِاسْتِعْمَالِ الْمَأْذُونِ فِيهِ كَإِعَارَةِ ثَوْبٍ لِلُبْسِهِ فَانْسَحَقَ أَوِ انْمَحَقَ بِالِاسْتِعْمَالِ فَلا ضَمَانَ وليس للمستعيرِ أن يُعيرَ غيره ما استعاره بدون إذن المعير (والشَّركة) وهي عقد يتضمن ثبوت الحق في شىء لاثنين فأكثر على جهة الشيوع أَىْ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ حِصَّةِ كُلٍّ مِنْهُمَا فِى هَذَا الشَّىْءِ وَالصَّحِيحَةُ فِى مَذْهَبِ الإِمَامِ الشَّافِعِىِّ مَا كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى خَلْطِ مَالَيْنِ لِاثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ.
