ويشترط في المهر أن يكون مما يصح جعله مبيعًا أو ما يصح أن يكون منفعة مقصودة كتعليم القرءانِ أو سورةٍ منه فيصح جعل المهر تعليم أقصر سورة من القرءان أو تعليم حرفةٍ كخياطة (و)يجب (عليه) أى الزوجِ (لها) أى لزوجته (متعةٌ) وهو مقدار من المال وليست مقدارًا معيَّنًا ولكن يستحب أن تكون للمتوسط ثلاثين درهمًا وأن لا تبلغ نصف مهر المثل، ويجزئ ما يتراضيان عليه ولو أقلَّ مُتَمَوَّلٍ فإن تنازعا قدَّرها القاضي باجتهاده معتبرًا حالهما. يدفعه لها (إنْ وقَعَ الفِراقُ بينهما بغيرِ سببٍ منها) ولم يجب لها نصف المهر كأن طلقها لسوء خلقها وأما السببُ منها فكأن ارتدتْ وبقيتْ على الردة إلى انقضاء العدة طالما أن الفرقة ليست بسببها يدفع لها متعة،

فإذا هو طلقها فهذا بسببه، ليس معنى بسببها أنها أتعبته فطلّقها والمتعة أن يعطيها شيئا من المال لتطييب خاطرها مرة واحدة لأنه بسببه وقعت الفرقة بينهما (و)يجب (على مالك العبيدِ) والإماءِ (والبَهائِمِ نَفَقَتُهُمْ) من طعام وكسوة ونحو ذلك روى مالك في الموطإ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «للمملوك طعامُهُ وكسوتُهُ بالمعروفِ ولا يُكَلَّفُ منَ العملِ إلا ما يُطيقُ» بالمعروفِ أي بلا إسراف ولا تقتير (وأن لا يُكَلِّفَهم من العمل ما لا يُطيقونَهُ و)أنْ (لا يضربَهم بغير حق).

النبي عليه الصلاة والسلام قال عمن كان تحت يديه عبد مملوك "فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ" (ويجب على الزوجة طاعتُه) أى طاعةُ زوجِها (فى نفسها) من الوطء والاستمتاع حتى لو طلب منها أن تتزين له وجب عليها ذلك وأن تترك ما يُعَكِّرُ عليه الاستمتاعَ من الروائح الكريهة كرائحة الثوم والبصل والسيجارة إن كان يتأذى بها (إلا فى ما لا يحِلُّ) فلا تطيعه كالوطء فى حال الحيض والنفاس (و)يجب عليها (أن لا تصومَ النفل) وهو حاضرٌ أى فى البلد إلا بإذنه (و)يجب عليها أن (لا تخرجَ من بيته) لغير ضرورةٍ (إلا بإذنه) الضرورة كأن تخاف انهدام البيت عليها أو اقتحام فجرة عليها هذا مثال للضرورة،

وأما إن كان البيت لها فتخرج متى شاءت وإن كان البيت لهما ففيه تفصيل ينظر فإن كانت حصته من البيت تكفي لتكون مسكنا لها على حسب ما جاء في الشرع فله أن يمنعها فلا تخرج إلا بإذنه لأنه يكون بذلك مهيئا لها مسكنا فلا تخرج منه إلا بإذنه ويجب عليها أن لا تأذن لأحد في دخول بيته إلا بإذنه.

الواجبات القلبية بعدما تكلم المصنف رحمه الله تعالى على المعاملات ومنها النكاح والنفقة الواجبة شرع فى الكلام على واجبات القلب فقال (فصل) فى بيان الواجبات القلبية وهى ما يجب على المكلف من أعمال القلوب (من الواجبات القلبية الإيمان بالله) أى الإيمان الجازم بوجوده تعالى على ما يليق به وهو إثباتُ وجودِه بلا كيفيّةٍ والكيفية كُلُ ما كان من صفات المخلوقين هذا يُقالُ لهُ كيفية فاللهُ تعالى هو خالِقُ الكيفيات فلا يوصفُ بالكيفية، ولا كميّةٍ فاللهُ تعالى خالقُ الكميات يعني الأحجام فلا يوصفُ بالكمية، ولا مكانٍ وهو ما يشغله الحجم من الفراغ.

وهو مع الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم الآتى ذِكْرُهُ أصلُ الواجبات (و)الإيمانُ (بما جاء عن الله) من الأوامر والنواهى والأخبار بأنها حقٌّ (والإيمانُ برسول الله) صلى الله عليه وسلم أنه رسول الله حقًا (وبما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم) من الأحكام والأخبار ووجوبُ هذا لِمَنْ بَلَغَتْهُ الدّعوةُ مِما اتُفِقَ علَيه بلا خلافٍ فإذا إنسان بلغهُ أنهُ لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسولُ الله هذا صار مُكلفًا عليه أن يؤمِنَ فورًا أنهُ لا إله إلا الله وأن محمدًا رسولُ اللهِ وأن يَنْطِقَ بالشهادتين للدخولِ في الإسلام إن بلغتْهُ الدعوة بهذه اللفظ أو بما يُعطي معناه، مثلاً سمِعَ أنَّ الله أرسل نبيًا اسمهُ محمد لدعوةِ الناسِ إلى عبادةِ الله وحده لو لم يسمع لفظَ لا إله إلا الله محمدٌ رسولُ الله هذا الكلام بمعناهُ صار مُكلفًا عليه أن يدخُلَ فورًا في دين الإسلام إن كان بالغًا عاقلًا،

فإن صار مُكلفًا ولم يدخُل في الإسلام فمات يَخْلُدُ في نارِ جهنم والعياذُ باللهِ تعالى (والإخلاصُ وهو العمل بالطاعة لله وحده) أى أن يُخلص النية من أن يقصد بها عند العمل الصالح محمدةَ الناس والنظرَ إليه بعين الاحترام الإخلاص عمل قلبي شىءٌ مُتعلِقٌ بالقلب والقلب سريعُ التقلب، فلذلك يَجْدُرُ للواحِدِ مِنَّا أن يُراقِبَ تقلُبَ قلبِهُ حتى يُخْلِصَ في أعمالِهِ الصالحةِ كُلِها حتى يكونَ ناجيًا في الآخرة وإلا إن لم يفعل ذلك فترك نفسهُ على هواها النفسُ تُورِدُهُ المهالِك الله يُنجينا من ذلك.

وأحيانًا الواحد يفعل العمل الصالح لا طلبا للثواب ولا طلبًا لمحمدةِ الناس، لا لأن الله أمر بهِ ولا لمحمدَةِ الناس هذا لا يكونُ عليه ذنب ولا يكونُ لهُ ثواب طَلَعَ من الثواب خاليًا لكن لم يقع بالذنب لأنهُ هو لا يُريدُ محمدةَ الناس. قال تعالى﴿فَمَن كَانَ يَرْجُواْ لِقَآءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ ففي الآية نَهْيٌ عن الرياء لأنّه الشِركُ الأصْغر وهو العمل بالطاعة ابتغاء محمدة الناس. وقد روى الحاكم في المستدرَك أن النبي صلى الله عليه وسلَّم قال «اتقوا الرِّياءَ فإنَّه الشِّركُ الأَصْغَرُ» صحَّحَه الحاكم فالشِركُ شِركان أكبر يُخْرِجُ من الإسلام وأصغر لا يُخرجُ من الإسلام وهو الرياء مِنْ عِظَمِ ذنبِ الرياء اللهُ سماهُ شِركًا والنبي سماهُ شِركًا أصغر (والندم على المعاصي) أى أن يستشعر فى قلبه الندم لأنه عصى الله وهذا واجب فى المعاصى كلها سواء كانت المعصية صغيرة أم كبيرة، تجب التّوبةُ منَ المعَاصِي إن كانت كبيرةً وإن كانت صغيرةً وركنها الأكبر النّدم قال عليه الصلاة والسلام الندم توبة ويجبُ أن يكونَ النّدمُ لأجلِ أنه عصَى ربَّه فإنه لو كانَ نَدَمُهُ لأجل الفضِيحَة بينَ الناسِ لم يكنْ ذلكَ تَوبةً.

(والتوكلُ) أى الاعتماد (على الله) وَحْدَهُ قال الله تعالى ﴿وَعَلَى اللهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾. فالتّوكلُ هو الاعتمادُ فيجبُ على العَبْد أن يكونَ اعتمادُه على الله لأنّه خالقُ كلّ شَيء منَ المنَافِع والمضَارّ وسائِر ما يَدخُل في الوجُودِ فلاَ ضَارَّ ولا نافعَ على الحقيقةِ إلا الله فإذا اعتقَد العبدُ ذلكَ ووَطَّنَ قلبَه علَيه كانَ اعتمادُه على الله في أمُورِ الرّزْقِ والسّلامةِ منَ المضَارّ فجملةُ التوكّل تفويضُ الأمر إلى الله تعالى والثّقةُ به أي ثقة القلب بالله تعالى إذ لا خالق لشىء من المنافع ولا من المضار إلا الله فعلى العبد أن لا يعتمد الاعتماد الحقيقي إلا على ربِّه عز وجل مع ما قُدّرَ للعبد من التّسَبُّب أي مباشرة الأسباب.

(والمراقبة لله) وهى استدامة خوف الله تعالى بالقلب بحيث يحمله ذلك على أداء ما أوجب الله وتركِ ما حَرَّمَهُ ولذلكَ يجبُ على المكلّفِ أوّلَ ما يَدخلُ في التكليفِ أن ينوِيَ ويَعزِمَ أنْ يأتيَ بكلّ ما فَرضَ الله عليه مِنْ أداءِ الواجباتِ واجتنابِ المُحرّماتِ فمن واجبات القلب المراقبةُ لله، الواحِدُ منَّا يتيقنُ في قلبِهِ أنَّ الله تعالى عالمٌ به أن الله تعالى يراه من داوم على استحضار هذا في قلبِهِ يُورِثُهُ في قلبِهِ خشيةً من الله عز وجل تؤدي بهِ إلى تركِ المعاصي فيجبُ المُراقبةُ لله بأن يكُفَّ نفسهُ عن المعصية خوفًا من اللهِ تبارك وتعالى سهلُ بنُ عبدِ الله التُّستُري كان لهُ خال من الأولياء الكبار هذا خاُلهُ اعتنى بهِ من الصِغر كان يوجِهُهُ ويُربيه لمَّا كان بعدُ صغيرًا جدًا قال لهُ كُلَّ يوم قل اللهُ عالمٌ بي اللهُ يراني، هذا سهلٌ صار يُردِدُ هذه الكلمات كُلَّ يوم بعد سنة قال لهُ خالُهُ يا سهلُ الذي يعلمُ أنَّ الله عالمٌ به ويعلمُ أنَّ اللهَ يراه هل يعصيه؟

سهلٌ فَهِمَ ذلك بعد هذا صار من أكابر الأولياء الصالحين لأنهُ راقبَ الله تبارك وتعالى في أوقاتِهِ كُلِها يعني دائمًا يستحضِرُ في قلبِهِ أنهُ لا يعصي الله تبارك وتعالى خوفًا من الله إجلالاً لله طاعةً لله لأنَّ اللهَ عالمٌ به لأنَّ الله يراه اهـ (والرضا عن) تقدير (الله بمعنى التسليم له وترك الاعتراض) عليه فى شىء مما قدّره وقضاه أي وخَلَقَه فيجبُ علينا الرضا بقضاءِ اللهِ وقدرِه وأن لا نعترض على الله تعالى لا بالقلب ولا باللسان ولا بالفعل لأن الله تبارك وتعالى يملِكُنا وما نَمْلِك، كُلُّ شىء مِلكٌ لله تبارك وتعالى وهو حكيم يفعلُ في مِلكِهِ ما يشاء، الله شاء في الأزل أن يكون قسم من الناس طائعين وأن يكونَ قسم من الناس غيرَ طائعين فكان كذلك،

اللهُ شاء في الأزل أن يكون قسمٌ من الناس مُنعَّمين وأن يكون قسم غير مُنعَّمين فكان كذلك، اللهُ يفعلُ ما يشاء ولا يُعترضُ عليه بشىءٍ سُبحانه. الله تبارك وتعالى لهُ ما أعطى ولهُ ما أخذ، حتى يدي التي هي جزءٌ مني لستُ أنا الذي أملِكُها الله مالِكُها، أنا أنتفع بهذه اليد لكنني لا أملِكُها، حتى المال الذي أملِكُهُ المِلكُ الحقيقيُ لهذا المال هو لله تعالى، نحنُ وما نمْلِك مِلكٌ لله واللهُ يفعلُ في مُلكِهِ ما يشاء فعلينا أن نرضى بقضاءِ الله تبارك وتعالى معناهُ أن لا نعترِضَ على الله تبارك وتعالى فيما قضى لا بالقلب ولا باللسان ولا بالجوارح لأنَّ الذي يعترِضُ على الله تبارك وتعالى يكفر.

ما معنى الاعتراض على الله؟ الاعتراضُ على الله معناهُ نِسبةُ الظُلم إلى الله معناهُ نِسبةُ عدمِ الحِكمةِ إلى الله وهذا كفر. إبليس ما هو أول كفر كفرهُ؟ اعترض على الله قال تعالى ﴿ وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا ﴾ يعني يا رب كيف تأمُرني أن اسجُد له أنا خيرٌ منهُ كيف تأمُرني أن اسجُد له فاعترض على الله فكان هذا أول كُفرٍ كفرهُ إبليس. فعلينا أن نرضى بقضاءِ الله تبارك وتعالى ونُسلم تسليما لأن الله تعالى مالِكُ كُلِّ شيء يفعلُ في مُلكِهِ ما يشاء عرفنا الحكمة أو لم نعرف علينا أن نُسلِم لله تبارك وتعالى سواءٌ كان حلوًا أم مرًا،

من المخلوقات نوعٌ نرضى بهِ ونُحِبُهُ ونوعٌ نكرهُهُ ولا نُحِبُهُ، الإيمان الله خلقهُ نرضى به ونحبه، والكفر الله خلقهُ لا نرضى به ولا نُحِبُهُ لأنَّ الله لا يرضى به ولا يحبه، والطاعة نرضى بها ونُحِبُها، وأما المعصية فلا نرضى بها ولا نُحِبُها لكن لا نَعترِضُ على الله في تقديرِه للمعصية كما لا نَعْتَرِضُ على الله في تقديرِهِ للطاعة.

يعني تقديرُ الله الذي هو صِفةُ اللهِ تعالى هذا نقولُ فيه تقديرُ اللهِ حسن لا يُعترضُ عليه، أما ما يحصُلُ بتقدير الله، المخلوقُ الذي يُوجدُ بتقديِر الله الذي منهُ ما هو خير ومنهُ ما هو شر هذا نرضى بالخيرِ منهُ ولا نرضى بالشرِ منه. جاء في الحديث حديثِ جبريل " وتؤمن بالقدر خيرِهِ وشرِهِ " ما معنى بالقدر خيرهِ وشرِهِ؟ صفة الله لا يُقال عنها إنَّ منها ما هو خير ومنها ما هو شر، فإذًا القدر الذي منهُ ما هو خير ومنه ما هو شر ليس تقديرَ الله الذي هو صِفَتُهُ، إنما هو المقدور المخلوق الذي حصل بتقدير الله، الطاعة التي تحصُلُ بتقدير الله هذه خير، المعصية التي تحصُلُ بتقدير الله هذه شر، اللهُ هو الذي قَدَّرَ حصولَ الخير من قسم من العباد وهو الذي قدر حصولَ الشر من قسم من العباد،

الخير بمشيئتِهِ ومحبتِهِ ورضاهُ وأمرِه، الشر بمشيئتِهِ لكن ليس بمحبتِهِ ولا برضاه ولا بأمره. لماذا قلنا بمشيئتِهِ؟ لأنهُ لو كان يحصُلُ بغيرِ مشيئةِ الله لكان اللهُ مغلوبًا عاجزًا تعالى اللهُ عن ذلك لا يحصُلُ في مِلْكِ الله إلا ما أراد سُبحانه ما شاء اللهُ كان وما لم يشأ لم يكُن فالخيرُ والشر كِلاهُما بتقديرِ الله كِلاهُما بتخليقِ الله كِلاهُما بمشيئةِ الله لكن الخير بمحبةِ الله وأمرِهِ ورضاه، أما الشر فليس بمحبةِ الله ولا بأمرِهِ ولا برضاه.

يجبُ علينا أن نرضى بتقدير الله للخير والشر ولا يجبُ علينا الرضا بالشر (وتعظيم شعائر الله) بأن ينـزِلها المنـزلة التى أمر الله بها لا دونها ولا يستهين بها بإنزالها دون المنزلة التي أمر الله بها، وشعائر الله هي معالمُ الدين يقول الله تبارك وتعالى﴿ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ فيحرم الإخلال بذلك والاستِهانَةُ بها ومن شعائر الله المساجد، وتبخيرُها من تعظيمها. قال أبو يعلى في مسنده حدثنا عبيد الله حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن عبد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن عمر كان يجـمِّر مسجد رسول الله صلى الله عليـه وسلـم كلَّ جمعة (والشكر على نِعَمِ الله) الشكرَ الواجب (بمعنى عدم استعمالها فى معصية) المنعِم فالشكرُ الواجبُ هو ما علَى العبدِ من العملِ الذي يَدُلّ على تَعظيمِ المُنعم الذي أَنعمَ عليه وعلى غيره وذلك بتَرك العِصْيان لله تباركَ وتَعالى في ذلكَ هذا هو الشكرُ المفرُوض على العَبدِ،

فمَنْ حفِظَ قلبَه وجَوارحَه وما أَنعمَ الله به علَيه من استِعمال شَىءٍ منْ ذلكَ في مَعصِيةِ الله فهوَ العَبدُ الشّاكرُ، ثم إذا تَمكَّن في ذلك سُمّيَ عَبدًا شكُورًا، قالَ الله تعالى ﴿وَقَلِيلٌ مِّنْ عِبَادِي الشَّكُورُ﴾ فالشكورُ أقلُ وجُودًا منَ الشّاكِر الذي هو دُونَه (والصبرُ) وهو حبسُ النفسِ وقهرُها على مكروهٍ تتحمله أو لذيذٍ تفارقه وواجبه ثلاثةُ أقسامٌ أولها الصبر (على أداء ما أوجب الله) كالصلاة (و) ثانيها (الصبرُ عما حرَّم اللهُ تعالى) كالصبر عن النظر إلى ما حرم الله النظر إليه وعن الزنى (و)ثالثها (الصبر على ما ابتلاك الله به) من المصائب والبلايا بمعنى عدم الاعتراض على الله أو الدخول فى ما حرمه الله بسبب ذلك (وبغضُ الشيطان) أى كراهيته لأنّ الله تعالى حَذَّرنا في كِتابهِ منه تَحذيرًا بالغًا قال الله تعالى ﴿فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ والشيطان هو الكافر من الجن وقد يطلق ويراد به أبوهم الأكبر إبليس (وبغض المعاصي) لأنَّ اللهَ ذمَّها وحرَّم علينا فِعْلَها ،

فيجبُ كراهِية المَعاصِي وإنكارُها بالقَلب مِن نَفسِه أو مِن غَيرِه (ومحبةُ الله) بتعظيمِهِ التعظيمَ الواجبَ والتذللِ له غايةَ التذللِ (ومحبةُ كلامه) أى القرءان بالإيمان به (و)محبةُ (رسوله) محمدٍ صلى الله عليه وسلم بتعظيمِهِ التعظيمَ اللازمَ ومحبةُ سائر إخوانه النبيين عليهم الصلاة والسلام وكمال هذه المحبة يكون بالانقياد لشرع الله تعالى باتباع أوامره واجتناب نواهيه قال الله تعالى ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ﴾

(و)محبةُ (الصحابة) من حيث الإجمالُ بمعنى تعظيمهم فإنهم أنصار دين الله ولا سيما السابقون الأولون منهم والصحابة جمع صحابي وهو من اجتمع مؤمنا بالنبي صلى الله عليه وسلم من طريق العادة ومات على ذلك (و)محبةُ (الآل) وهم أزواجه وأقرباؤه المؤمنون وذلك لما خُصُّوا به من الفضلِ وقرابةِ أفضلِ خلقِ الله صلى الله عليه وسلم وقد قال الله تعالى ﴿إنما يريدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عنكمُ الرِّجْسَ أهلَ البيتِ ويُطَهِّرَكُمْ تطهيرًا﴾ وإنْ أُريدَ به مُطلَقُ أتباعِ النّبيّ الأتقياءِ فتَجِبُ مَحبَّتُهم لأنهم أحباب الله تبارك وتعالى لما لهم من القُرب إليه بطاعته الكاملة والرجس بعض العلماء قال معناهُ الشرك وبعضُهُم قال غيرَ ذلك،

في كُلِّ حال أهل البيت لهُم مزية يجبُ علينا محبتُهُم لقرابتِهِم لرسولِ الله، قال عليه الصلاة والسلام " إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلَ وَاصْطَفَى مِنْ بَنِي إِسْمَاعِيلَ كِنَانَةَ وَاصْطَفَى مِنْ بَنِي كِنَانَةَ قُرَيْشًا وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِم" يعني لهُم مزية كما جاء في حديث رسول اللهفنُحِبُهُم لأجلِ ذلك.

والمرادُ بالآل آلُ عليٍّ أي عليِ بنِ أبي طالب وذُريتِهِ وآلُ عقيل بن أبي طالب أي عقيلِ بنِ أبي طالب وذُريتِهِ وآلُ جعفر بن أبي طالب أي جعفرِ بنِ أبي طالب وذُريتِهِ وآلُ العباس أي عمِّ النبي وذُريتِهِ هؤلاءِ الذين يُرادون عندما يقالُ آلُ الرسول ويُقصدُ بذلك أقارِبُهُ المؤمنون. وقد يُرادُ بالآل خُصوصُ بني هاشم وبني المُطلب متى هذا؟ إذا كان الكلام في مقامِ الزكاة، إذا كان الشخصُ يتكلمُ عن الزكاة وقال تحرُمُ الزكاةُ على آلِ النبي يعني بني هاشم وبني المطلب هؤلاءِ يحرمُ عليهم أكلُ الزكاة.

هاشم والمطلب أخوان وكان لهُما أخوانِ ءاخران والأربعة أولاد عبدِ مناف بنو هاشم وبنو المطلب لهُم خصوصية لأن الرسول قال:" إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد هكذا وشبك بين أصابعه وقال:" إنَّهم لم يُفارقونا في جاهليةٍ ولا إسلام" لأجلِ ذلك الإمامُ الشافعي قال:" بنو المطلب تحرُمُ عليهِمُ الزكاة كما تحرُمُ على بني هاشم لأن رسول الله قال:" إنما نحنُ وبنو المطلب كشيءٍ واحد لم يُفارقونا في جاهليةٍ ولا إسلام " فإذا قيل تحرُمُ الزكاةُ على آل النبي هنا يُرادُ بالآل بنو هاشم وبنو المطلب.تلخص معنا أن الآل يُطلقُ على ثلاثةِ معان يُطلق الآل بمعنى الأتباع الأتقياء، ويطلقُ الآل بمعنى الأزواج والأقارب أي المؤمنون، ويطلق الآل بمعنى بني هاشم وبني المطلب.

(و)محبةُ (الصالحين) لأنهم أحبابُ الله لما لهم من القرب إليه بطاعته الكاملة. الصالحون تِجبُ محبتُهُم فعلينا أن نَعْقِدَ قلوبَنا على محبةِ الصالحين ولا نُعاديَ أحدًا منهُم، كثيرٌ من عبادِ الله الصالحين الناسُ لا يعرفونهُم:" رُبَّ أشعثَ أغبر مدفوعٍ بالأبوابِ لو أقسم على اللهِ لَأَبرَّه " يعني أحيانًا يكونُ الإنسانُ فقيرًا من شدةِ فقرِهِ ما عندهُ ما يُرجِّلُ بهِ شعرَه ما عندهُ ثوبٌ غير الذي على بدنه ليُغير ثوبَهُ ثيابُهُ يكون فيها غبَرَةٌ ويكون أشعثَ شعرُه لا يكون مهذَّبًا ولا مُرجَّلًا لو جاء إلى مكان الناس لا يُدخلونَهُ يُبقونهُ خارجًا ويكون عند الله ذا مقام عالٍ، كثير من الصالحين من أهلِ الخفاء ليسوا مشهورين،

نحنُ علينا أن نَعْقِدَ قُلوبَنا على محبَّتهِم كُلِّهِم من عرفنا منهُم ومن لم نعرف. والعبد الصالح هو من قام بحقوق الله وبحقوق العباد ليس الذي يأتي إلى المسجد ويصلي فيه فقط مع أنَّ هذا لهُ مزية، الصالح ليس الذي يؤدي الصلوات الخمس فقط مع أن هذا لهُ مزية، الصالح ليس معناهُ الذي عندهُ علمٌ واسع فقط مع أن هذا لهُ مزية، إنما الصالح هو الذي عَمِلَ الواجباتِ كُلَها واجتنب المحرماتِ كُلَّها، ولا سبيل ليعمل الواجبات ويجتنبَ المحرمات إلا بالعلم لذلك لا يكونُ صالحًا من لم يتعلم الفرضَ العيني من علم الدين، إنما الصالح من تعلم العلم الضروري وعَمِلَ بذلك، فالصالح من أدى الواجبات واجتنب المحرمات هنا البطولة البطل من يمنعُ نفسهُ من الوقوعِ في معصيةِ الله ويَحْمِلُ نفسهُ على أداءِ ما أوجبَ الله تبارك وتعالى الله يجعلنا منهم.

(معاصي القَلْبِ والجَوارحِ) بعد أن أنهى المؤلف رحمه الله الكلامَ على الواجبات القلبية شرع فى الكلام على المعاصى القلبية وبدأ بمعاصى القلب قبل باقى المعاصى لأن القلب أمير الجوارح فقال (فصل) فى بيان معاصى القلب (ومن معاصى القلب الرياءُ بأعمال البر) أى الحسناتِ كالزكاةِ والصَّومِ وقراءةِ القرءانِ (وهو العملُ) بالطاعة (لأجل الناس أى ليمدحوه ويُحبِطُ) الرياءُ (ثوابها) أى ثوابَ الطاعة التى قارنها (وهو من الكبائر) حفظنا الله منه قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلَّم «إِنَّ الله لا يقبَلُ منَ العَملِ إلا ما كان خالِصًا له وابتُغِيَ به وجْهُه» قال الشيخ رحمه الله الرياء من آخر ما يتخلص منه الرجل الصالح يأتيه ثم يداوي قلبه منه وهكذا حتى يخلص منه (والعُجْبُ بطاعة الله وهو شهود العبادةِ) والأعمالِ الحسنةِ التى يفعلُها (صادرةً من النفس غائبًا عن المنة) أى غافلاً عن تَذَكُّرِ أنّ ذلك من فضل الله عليه ونعمته (والشكُّ فى) وجود (الله) أو فى قدرته أو علمه أو وحدانيته أو فى غير ذلك من صفات الله الثلاث عشرة التى تقدم ذكرها عند شرح معنى شهادة لا إله إلا الله وهو كفرٌ قال الله تعالى ﴿إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ ءَامَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ دلَّت الآيةُ على أنَّ مَنْ شكَّ في وجودِ الله أو قُدرتِه أو نحوِ ذلك ليسَ بمؤمن وأنَّ الإيمانَ لا يَحصُل إلا بالجَزْمِ وأنّ التردّد ينافيه.

(والأمنُ من مكر الله) وهو الاسترسالُ فى المعاصى مع الاتكالِ على رحمة الله، (والقنوطُ من رحمة الله) وهو أن يسيء العبد الظن بربه فيظن أنّ الله لا يغفر له وأنّ الله لا محالة سيعذبه لكثرة ذنوبه، وطريقُ النجاة الذي ينبغي أن يكونَ عليه المؤمن أن يكون خائفًا راجيًا يخافُ عقابَ الله على ذنوبه ويرجُو رحمةَ الله أمّا عند الموتِ فيُغلّبُ الرجاءَ على الخوف (والتكبر على عباده) أى على عباد الله (وهو) نوعان الأولُ (ردُّ الحق على قائله) لكونه صغير السنّ مثلاً مع

العلم بأنّ الصواب معه (و)ثانيهما (استحقارُ الناس) أى ازدراؤهم لكونِهِ أكثرَ منهم مالاً أو جاهًا ونحوِ ذلك البخاري كان سِنُّهُ نحوَ عشرةٍ وكان في مجلس محدِّث من المحدّثين فذكر المحدّث حديثا وذكر إسناده فقال له البخاري فلان لم يرو عن فلان وقال له أي البخاري ما عليك أن تراجع أصلك يعني لو تتأكد فهذا المحدّث ما تكبّر ما قال له اسكت إنما رجع إلى أصله دخل إلى البيت فوجد أنه كما قال البخاري فقال أصلحوه كما قال (والحقدُ وهو إضمار العداوة) للمسلم (إذا عمل بمقتضاه ولم يكرهه)

وذلك بأن يعزمَ فى قلبه على إيذائه أو يقولَ قولاً يؤذيه أو يفعلَ فعلاً يؤذيه بغير حقّ إذا أضمر العداوة لمسلم في قلبه وعزم في قلبه على إيذائه يكون عمل بمقتضى ما أضمره في قلبه من العداوة لأن العزم عمل قلبي فيكون عمل بمقتضى ذلك وإن أضمر العداوة لمسلم في قلبه وءاذاه بقول قاله بلسانه يكون عمل بمقتضى ما أضمره من العداوة للمسلم في قلبه لأنه عمل بمقتضى ذلك بلسانه وكذا لو أضمر العداوة لمسلم في قلبه وءاذاه بفعل فعله بجوارحه يكون عمل بمقتضى ذلك فمن أضمر العداوة في قلبه لمسلم وصمم في قلبه على إيذائه أو تكلم بلسانه بما يؤذيه أو فعل ما يؤذيه مما أضمره من العداوة في قلبه بجوارحه فقد عمِل بمقتضى ذلك وينبغي للمسلم أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه قال عليه الصلاةُ والسلامُ « فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُزَحْزَحَ عَنِ النَّارِ وَيُدْخَلَ الْجَنَّةَ فَلْتَأْتِهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَلْيَأْتِ إِلَى النَّاسِ الَّذِى يُحِبُّ أَنْ يُؤْتَى إِلَيْهِ » رواه مسلم (والحسدُ وهو كراهيةُ النعمة للمسلم واستثقالُها) عليه (وعَمَلٌ بمقتضاه) تصميمًا أو قولاً أو فعلاً قال الله تعالى ﴿ومن شرِّ حاسدٍ إذا حَسَدَ﴾ أي أستجير بالله من شر الحاسد إذا أظهره أما إذا لم يُظْهِر الحسدَ فلا يتأذى به إلا الحاسد لاغتمامه بنعمة غيره.

والحسد هو أن يكره الشّخصُ النّعمةَ التي أنعم الله بها على المسلم دينيّةً كانت أو دنيويّةً ويتمنى زوالَها ويستثقلها له، وإنما يكونُ معصَيةً إذا عمل بمقتضاه تصميمًا أو قولاً أو فعلاً أما إذا لم يقترن به العمل فليس فيه معصيةٌ (والمنُّ بالصدقة) وهو أن يُعَدِّدَ نعمته على ءاخذها حتى يكسر له قلبه أو يَذْكُرَها لمن لا يحب الآخذ اطّلاعَهُ عليها فينكسر قلبه بذلك (ويُبْطِلُ) أى يحبط المنُّ (ثوابها) أى الصدقةِ (كأن يقول لمن تصدق عليه ألم أعطك كذا) من المال (يومَ كذا وكذا)

حين كنتَ محتاجًا ليكسر قلبه أو نحوَ ذلك من الكلام المؤذِى وإنَّما عدَّها من مَعاصي القَلْبِ لأنَّ المنَّ يكون أصْلاً في القلبِ لأنَّ المانَّ يقصِدُ إيذاءَ الشّخصِ فيتفَرَّعُ من ذلكَ العمَلُ البَدنيُّ وهو ذِكرُ إنْعامِه على الشَّخصِ بلِسَانهِ (والإصرارُ على الذنب) وهو أن تغلِبَ سيئاتُهُ طاعاتِهِ فيصيرَ عددُها أكبرَ من عدد طاعاته بالنسبة لما مضى أي لكل ما مضى ليس ليوم أو لشهر وبهذا يُعَدُّ واقعًا فى الكبيرة وأمّا مُجَرّدُ تكرارِ الذّنب الذي هو منْ نَوع الصّغائِر والمداوَمَةِ علَيه فليسَ بكَبِيرة إذا لم يَغلبْ ذلكَ الذنبُ طاعاتهِ (وسوءُ الظنِّ بالله) وهو مثلُ القنوطِ من رحمة الله المارِّ ذكرُهُ (و)سوء الظن (بعباد الله) بغيرِ قرينةٍ معتبرةٍ كأن يُسْرَقَ له مالٌ فيظن أن السارق فلان بغير قرينةٍ تدلّ على ذلك فهذا لا يجوز وقد روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال «إياكمْ والظنَّ فإن الظنَّ أكذبُ الحديث» فالظن الذي ذمه رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الظن بلا قرينة معتبرة (والتكذيب بالقدر) وهو من معاصى القلب المعدودةِ من جملة المكفّرات وذلك كأن يعتقدَ أن شيئًا أو أكثر قد حصل بغير تقدير الله (والفرحُ بالمعصية) الصادرةِ (منه أو من غيره) ولو لم يشهدها كأن سمع بالمعصية ففرح بها وأما الفرَحُ بكفر الغير فهو كفرٌ.