(و)أما (الأسباطُ الذين) ذكرَ الله تعالى فى القرءان أنه (أُنزل عليهم الوَحْىُ) فليس المرادُ بهم هؤلاء الذين ءَاذَوْهُ بل (هم من نُبّئ) أى أوحى إليهم بالنبوةِ (من ذريتهم) لأن ذريتَهم منهم من أُوتى النبوة قال تعالى ﴿قُولُوا ءَامَنَّا بِاللهِ وَمَا أُنزلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمـٰعِيلَ وَإِسْحَـٰقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُم وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾.
والسبط فى اللغة يطلق على الولد وولد الولد. (باب الردّة) وبعد أن أنهى المؤلف الكلام على ضروريات الاعتقاد شرع رحمه الله فى الكلام على الردة وقيل فى تعريفها هى قطع الإسلام بكفرٍ قولىٍّ أو فعلىٍّ أو اعتقادىٍّ.(يجب على كل مسلم) مكلف (حفظُ إسلامِهِ وصونُهُ عما يفسده ويبطله ويقطعه وهو الردة والعياذ بالله تعالى) وذلك لأن الكفر هو أعظم الذنوب وهو الذنب الذى لا يغفره الله لمن مات عليه ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء. (قال) الحافظُ يحيى بنُ شرَفٍ (النووىُّ) المتوفى سنة ستِّمائة وستٍ وسبعين وهو يحيى بن شرف النووى الشيخ محيى الدين أبو زكريا النووى ولد فى المحرم سنة إحدى وثلاثين وستمائة بنوى.
مات ببلده نوى بعدما زار القدس والخليل فى رجب سنة ست وسبعين وستمائة ودفن بها (وغيرُهُ) من العلماء (الردة أفحش) أى أقبح (أنواع الكفر) ذكره في روضة الطالبين في كتاب الردة فقال هي أفحش أنواع الكفر وأغلظها حكمًا اهـ أي من حيث إنها تُحْبِطُ كلَّ الحسناتِ تُذهِبُ كل الحسنات قال تعالى ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله﴾ سورة المائدة/الآية٥ قال الشافعي في الأم لأن الله عز وجل أحبط بالشرك بعد الإيمان كل عمل صالح قدمه قبل شركه اهـ ومن حيث كونُها انتقالاً من الحقّ إلى الباطل لذلك قالوا الردة أفحش أنواع الكفر، أقبح من هذه الحيثية من حيث إنها تحبط كل الحسنات ومن حيث كونها انتقالا من الحق إلى الباطل كما تقدّم وليس المراد أنها أشدُّ الكفر فى كلّ الأحوال.
أشد أنواع الكفر التعطيل وهو قول الملحد "لا إله والحياة مادة" وقول أهل الوحدة إنّ الله هو جملة العالم وعقيدة الحلول أي أن الله يَحُلُّ في غيره كاليشرطية القائلين بأن الله يدخل في كل شخص ذكرٍ أو أنثى (وقد كثر فى هذا الزمان) عند الجهال من الناس (التساهلُ فى الكلام حتى إنه يخرج من بعضهم ألفاظٌ) كفريةٌ (تخرجهم عن) دين (الإسلام ولا يرون ذلك) الكلامَ الكفرىَّ (ذنبًا فضلاً عن كونه كفرًا) فيظنون أنهم ما زالوا مسلمين وهذا الكلام قاله صاحب سلم التوفيق قبل 200 سنة ويزيد فكيف في زماننا، واحد كان في القرن التاسع الهجري قال قضاة زماننا مثل حديثي عهد بإسلام وهو ابن حجر الهيتمي في كتابه الزواجر (وذلك مصداقُ) أى وتحقيقُ (قولِهِ صلى الله عليه وسلم) هذا يدل على صدق قوله وأيضا هو تحقيق لقوله يعني حصل كما قال (إنَّ العبد ليتكلم بالكلمة) أى من الكفر (لا يرى بها بأسًا) أى لا يظنها ضارّةً له (يهوى بها) أى بسببها (فى النار سبعين خريفًا أى مسافة سبعين عامًا فى النـزول وذلك منتهى) قعر (جهنمَ وهو خاصٌّ بالكفار) كما دَلَّتْ على ذلك النصوصُ الشرعية وقد علم أن المسافة التي توصل إلى قعر جهنم هي هذه من الحديث الذي فيه أنه بينما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مع بعض أصحابه إذ سمعوا وجبة أي صوتا فقال رسول الله تدرون ما هذا؟
قالوا الله ورسوله أعلم قال هذا حجر رمي به في النار منذ سبعين خريفا فهو يهوي في النار الآن حتى انتهى إلى قعرها رواه مسلم قال تعالى ﴿إنَّ المنافقين في الدَّرْك الأسفلِ من النَّارِ﴾ (و) هذا (الحديث رواه الترمذى) فى جامعه (وحسَّنه وفى معناه حديثٌ رواه) الشيخان (البخارىُّ ومسلم) ونصه إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يَزِلُّ بها فى النار أبعدَ مما بين المشرق والمغرب اهـ وحديث الترمذىّ مُفَسِّرٌ له. وفي رواية «وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها في جهنم» رواها البخاري.
قال ابن حجر العسقلاني في فتح الباري في باب حفظ اللسان في قوله «لا يلقي لها بالاً» أي لا يتأملها بخاطره ولا يتفكر في عاقبتها ولا يظن أنها تؤثر شيئًا وهو من نحو قوله تعالى ﴿وتحسَبونَه هينًا وهو عند الله عظيم﴾ اهـ (وهذا الحديث دليلٌ على أنه لا يُشترط فى الوقوع فى الكفر معرفةُ الحكم) لأنَّ النبىَّ صلى الله عليه وسلم حكم على قائل الكلمة الكفرية بالعذاب فى قعر النار مع كونه غيرَ عالمٍ بالحكم لأنه لا يظن فيها ضررًا كما جاء فى الحديث، فَيُعْلَمُ من هنا أن من قال كلامًا كفريًا وهو يفهم معنى اللفظ كَفَرَ سواءٌ عرف أن كلامه كفرىٌّ أم لم يعرف (ولا) يُشترط أيضًا للوقوع فى الكفر (انشراحُ الصدر) فمن قال كلامًا كفريًا كَفَرَ ولو كان غير منشرح الصدر (ولا) يُشترط (اعتقادُ معنى اللفظ) قال تاج الدين السبكي في طبقات الشافعية الكبرى ولا خلاف عند الأشعري وأصحابه بل وسائر المسلمين أن من تلفظ بالكفر أو فعل أفعال الكفار أنه كافر بالله العظيم مخلد في النار وإن عرف بقلبه اهـ فمن قال الكلامَ الكفرىَّ بإرادته كَفَرَ ولو كان لا يعتقد معنى الكلامِ الذى قاله كمن يقول يا ابنَ اللهِ والعياذُ بالله وهو لا يعتقد لله ابنًا.
وخالف فيما ذكرنا سيد سابق المصرىُّ وهو من مواليد محافظة المنوفية مركز الباجور قرية اسطها قدم للمحاكمة فى قضية مقتل النقراشى باشا حيث اتهم فى ذلك الوقت أنه هو الذى أفتى الشاب القاتل عبد المجيد حسن بجواز قتله عقوبة على حل الإخوان وكانت الصحف تلقبه فى ذلك الوقت بمفتى الدماء ثم خلّت المحكمة سبيله لكنه اعتقل مع من اعتقل من الإخوان فى سنة 1949م واقتيد إلى معتقل الطور ثم أفرج عنه وعمل بعد ذلك فى وزارة الأوقاف مدة من الزمن. انتقل فى السنين الأخيرة من عمره إلى (جامعة أم القرى) بمكة المكرمة.
وتوفى سنة 1420هـ عن عمر يناهز 85 سنة ودفن بمدافن عائلته بقرية اسطها حيث مسقط رأسه. له تآليف فيها ما يخالف الدين فلتحذر ومنها كتابه المسمى فقه السنة. (كما يقول) فى (كتاب) له سماه (فقهَ السنةِ) إنَّ المسلم لا يُعتبر خارجًا عن الإسلام ولا يُحكم عليه بالردة إلا إذا انشرح صدرُهُ بالكفر واطمأنَّ قلبُهُ به ودخل فى دينٍ غيرِ الإسلامِ بالفعلِ اهـ ويكفى فى الردّ عليه حديثُ الترمذىّ المذكورُ ءانفًا لأنَّ فيه "لا يرى بها بأسا" وهو على خلاف ما يقوله سيد سابق (وكذلك لا يُشْتَرطُ فى الوقوعِ فى الكفرِ عدمُ الغضبِ كما أشارَ إلى ذلك) الحافظ (النَّوَوِىُّ) حيث (قال لو غضِبَ رجلٌ على ولدِهِ أو غلامِهِ) أى عبدِهِ (فضربَهُ ضَرْبًا شَديدًا فقالَ لهُ رجلٌ) كيف تضرب ولدك أو غلامك هذا الضربَ المبَرِّحَ المحرّمَ (ألستَ مسلمًا فقال لا) لستُ مسلمًا (متعمدًا) أى لا على وجه سبق اللسان (كفر) لأنه قال ذلك الكلامَ الكفرىَّ بإرادته.
(و) هذا الحكم أى أنه لا يشترط للوقوع فى الكفر عدمُ الغضب (قاله غيره) أى غيرُ النووى من العلماء (من حنفيةٍ وغيرهم والردةُ ثلاثةُ أقسامٍ كما قسَّمها) علماء المذاهب الأربعة مثلُ (النووىِّ وغيرِهِ من شافعيةٍ وحنفيةٍ وغيرهم) من العلماء القسم الأول (اعتقاداتٌ) محلُّها القلبُ (و) القسمُ الثانى (أفعالٌ) محلُّها الجوارح (و)
القسم الثالث (أقوالٌ) محلُّها اللسان (وكلُّ) قسم من الأقسام الثلاثة (يتشعب) أى يتفرع (شعبًا) أى فروعًا (كثيرةً) جدًا (فمن) الأمثلة على القسم (الأول) أى الكفر الاعتقادىّ (الشك فى) وجود (الله) قال في لسان العرب الشك نقيض اليقين أو فى وحدانيته أو مخالفته للحوادث (أو) الشكُّ (فى) صدق (رسوله) محمدٍ صلى الله عليه وسلم أو رسالتِهِ كأن شكَّ هل هو رسول الله أو لا (أو) الشك فى (القرءان) هل هو من عند الله أو من عند محمد صلى الله عليه وسلم (أو) الشك فى (اليوم الآخر) وهو يوم القيامة هل يكون أو لا (أو) الشك فى (الجنة أو النار) أى فى وجودهما فى الآخرة (أو) الشك فى (الثواب أو العقاب) أى فى وجودهما فى الآخرة (أو نحوِ ذلك مما هو مجمعٌ عليه) عند المسلمين أو نحو ذلك مما هو مجمع عليه عند المسلمين أي مجمع عليه إجماعا ظاهرا للجاهل والعالم يعني ما كان معلوما للعالم والجاهل،
لأنه ليس كل مجمع عليه معلوما من الدين بالضرورة، ليس كل ما هو مجمع عليه إنكاره كفر (أو اعتقادُ قِدَمِ العالم وأزليته بجنسه وتركيبه) أى أفراده كما قال بعض الفلاسفة (أو بجنسه فقط) كما قال بعض الفلاسفة الآخرين وتبعهم فى هذه الضلالة أحمد ابن تيمية (أو نفىُ صفة) واحدة أو أكثرَ (من صفات الله) الثلاث عشرة (الواجبةِ له إجماعًا ككونه عالمًا) ولو كان قريب عهد بإسلام أو قادرًا أو سميعًا أو بصيرًا أو حيًا أو مريدًا (أو نسبةُ ما يجب تنـزيهه عنه إجماعًا كالجسم) سواء كان جاهلا أم غير جاهل أى كأن يَعتقد أنّ الله جسمٌ له طولٌ وعرضٌ وعمقٌ وكل جسم حجم وليس كل حجم جسما، لأن بعض الأحجام ليس لها طول وعرض ويسمى الجوهر الفرد وهو أصغر الأجرام ويقال عنه الجزء الذي لايتجزأ الجسم هو ما له طول وعرض وعمق وقد قال الإمام الشافعي المجسم كافر نقله عنه السيوطي في الأشباه والنظائر اهـ وقد أطلق النووي في المجموع تكفير المجسمة وذلك في كتاب الصلاة باب صفة الأئمة اهـ وقال ابن حجر في المنهج القويم واعلم أن القرافي وغيره حكوا عن الشافعي ومالك وأحمد وأبي حنيفة رضي الله عنهم القول بكفر القائلين بالجهة والتجسيم وهم حقيقون بذلك اهـ بل نص ابن تيمية على تكفير المجسم فقال بل أكثر أهل السنة من أصحابنا وغيرهم يكفرون المشبهة والمجسمة ذكر ذلك في رسالته المسماة رسالة الفتوى الحموية الكبرى.
فبهذا يكون شهد على نفسه بالتكفير حيث إنه من رؤوس المشبهة المجسمة وهذا من جملة تناقضاته وكذا نسبةُ العجز والجهل والموت لربّ العزة لما فى ذلك من التكذيب للشرع (أو تحليلُ محرم بالإجماع معلوم من الدين بالضرورة) أنه حرامٌ بأن اشتهر ذلك بين العلماء والعامة وكان ذلك الأمر المحرَّمُ (مما لا يخفى عليه) حكمُ تحريمِهِ فى الشرع (كالزنى واللواط والقتلِ) بغير حق (والسرقة والغصب) أما إن كان قريب عهد بالإسلام ولم يعلم تحريم المسلمين لذلك فقال عنه إنه حلال فلا يكفر إذا كان لا يعرف أنه حرام بل يظنّ لجهله أنّه جائز في الشرع فلا يكفر فالأمر الواجب والمندوب و المحرم والمكروه والمباح هذه أشياء لا يستقل العقل بمعرفتها إنما لا بد فيها من الخبر،
فلا تعرف هذه الأحكام إلا بالخبر فإن جهل شيئا من هذه الأشياء التي هي غير متعلقة بأصل معنى الشهادتين لا يعدّ غير عارف بالله أو برسوله، إنما جهل حرمة شىء هو حرام فظن العكس وقال العكس فلا يكفّر لأنه لا سبيل له إلى معرفة ذلك إلا بالسماع وهو توهّم غير ذلك ظن أن الدين غير هذا، في بعض النواحي التي كانت تحت الحكم الشيوعي كانت معدودة من ضمن الاتحاد السوفياتي السابق بعض الناس كانوا يظنون أنه لا يجوز للشخص أن يتزوج بنت عمه الذي هو أخو أبيه ظنوا هكذا الشرع سُئل الشيخ فقال لا يكفّرون اهـ ظنوا أن هذا دين الله هكذا يعرفون، مع أن هذا الأمر مجمع عليه معلوم من الدين بالضرورة لكن هؤلاء نشؤوا هكذا يسمعون، لأجل ذلك قال الشيخ مما لا يخفى عليه حرمته.
و في زمان سيدنا عمر شخص كان يظن أن الزنا يجوز فسيدنا عمر ما كفّره لأنّ ذاك ما سمع قط أن الزنا حرام كان بعيدا عن المسلمين فقال عمر علّموه. إذًا الأمر مربوط في أنه هل سمع أم لم يسمع، وأما بالعقل وحده فلا يتوصل الإنسان إلى معرفة الأحكام، فربنا عز وجل أمر سيدنا إبراهيم عليه السلام أن يذبح ولده وولده كان مسلما طائعا وتنفيذه لأمر ربه لا يقال عنه حرام إنما هو حلال يثاب عليه ويؤجر، فما أحله الله فهو الحلال وما حرّمه فهو الحرام (أو تحريم حلال ظاهر كذلك) أى معلومٍ من الدين بالضرورة ولم يَخْفَ عليه (كالبيع والنكاح) فمن حَرَّمَهُما فقد كفر (أو نَفْىُ وجوبِ مجمعٍ عليه كذلك) بأن كان وجوبُهُ ظاهرًا معروفًا بين المسلمين عالمهم وجاهلهم (كالصلوات الخمس أو سجدة منها و) وجوبِ (الزكاةِ والصومِ) فى رمضان (والحجِ والوضوءِ) فمن اعتقد عدمَ وجوبِ أمرٍ من هذه الأمور فقد كفر (أو إيجابُ ما لم يجب إجماعًا كذلك) كمن أوجب زيادةَ ركعةٍ على ركعتى فرض الصبح (أو نفىُ مشروعيةِ مجمعٍ عليه كذلك) أى معلوم من الدين بالضرورة أنه مشروعٌ وهو ما حث الشرع على فعله كرواتب الفرائض والوتر،
(أو عَزَمَ على الكفر فى المستقبل) بأن عزم على أن يكفر غدًا مثلاً أو بعد شهر أو سنة أو أكثر فهذا كَفَرَ فى الحال لأنَّ قلبه الآن ليس معقودا على الإيمان (أو) عزم (على فعلِ شىءٍ مما ذُكر) من المكفِّرات (أو تردد فيه) بأن قال فى قلبه أفعلُ أو لا أفعلُ فإنه يكفر فى الحال (لا خطورُهُ فى البال بدون إرادة) فإنه لا يُبْطِلُ إيمانَهُ لأنه لم يورث شكا ولا تردّدا والشك هو التردد في القلب كأن خطر له شىء ينافى وجود الله مجردَ خطورٍ بلا إرادةٍ وهو معتقدٌ الحقَّ اعتقادًا جازمًا فلا يكفر لأنَّ الخاطر لا يناقض الجزمَ يتميز الشك عن الخاطر أن الخاطر يكون بلا إرادة فلا ينافي الجزم بالقلب أما الشك فينافيه لأن معناه التردد في القلب.
الشك في أصول الدين مطلق التردد ونص الرملي في غاية البيان على أن النووي قال الشك في معظم أبواب الفقه التردد اهـ وأما في أصول الفقه فتعريفه تجويز أمرين لا مزية لأحدهما على الآخر (أو أنكر صحبة سيدنا أبى بكر رضى الله عنه) لتكذيبه القرءانَ لأنّ الله نصّ على صحبته فى القرءان قال الله تعالى ﴿إذْ يقولُ لصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللهَ مَعَنا﴾ قال الفخر الرازي في تفسيره ولا شك أن المراد من هذه المعيّة المعيةُ بالحفظ والنصرة والحراسة والمعونة ثم قال دلت الآية
على أن أبا بكر كان الله معه وكل من كان الله معه فإنه يكون من المتقين المحسنين لقوله تعالى ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسـنون﴾ اهـ (أو) أنكر (رسالةَ واحدٍ من الرسل المجمعِ على رسالته) عند المسلمين كآدم وموسى وعيسى ومحمدٍ صلواتُ ربى وسلامه عليهم (أو جَحَدَ حرفًا مجمعًا عليه) أى على ثبوت أنه (من القرءان) فأنكره مع علمه بأنه منه (أو زاد حرفًا فيه) أى القرءان (مجمعًا على نفيه) أى أجمع المسلمون على أنه ليس منه (معتقدًا أنه منه عنادًا) بخلاف من زاده معتقدًا أنه منه جهلاً فلا يكفّر (أو كَذَّبَ رسولاً أو نَقَصَهُ) بأن نسب إليه ما لا يليق به نقَصه بدون تشديد يعني نسب إليه نقصا ويقال نقَّصه أيضا وهي صيغة مبالغة (أو صَغَّرَ اسمه) كأن قال عن نبي الله موسى مويسى (بقصد تحقيره) أى إهانته أما إذا لم يكن بقصد التحقير فلا يكفر كأن صغر اسم نبي بقصد التحبّب إليه فليس ذلك كفرا إنما هو حرام (أو جَوَّزَ نبوةَ أحدٍ بعد نبينا محمدٍ صلى الله عليه وسلم) بأن اعتقد أنه يجوز أن ينـزل الوحىُ بالنبوة على شخصٍ لم يُنَبَّأْ قبل محمد صلى الله عليه وسلم مثل القاديانية جماعة غلام أحمد القادياني الذي ادعى النبوة بعد نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وتسمى جماعته القاديانية نسبة إلى ناحية في الهند يقال لها قاديان ويسمون الأحمديّة أيضا نسبة إلى زعيمهم غلام أحمد.
تارة يقولون نبوته نبوة مستقلة كنبوة سيدنا محمد وتارة يقولون نبوته ظلية ليست مستقلة أنما هي تحت ظل محمد وكلا القولين كفر والعياذ بالله (والقسمُ الثانى) من أقسامِ الردةِ (الأفعالُ) وذلك (كسجودٍ لصنمٍ) وهو ما اتُّخِذَ ليعبد من دون الله سواء كان من حجر أم خشب أم غير ذلك (أو شمس أو قمر) مطلقًا أى إن قصد عبادتهما أو لم يقصد فهذا كُفْرٌ وردةٌ من سجد لشمس أو لصنم أو سجد لشيطان أو لنار هذا فعل فعلا أجمع المسلمون على أنه لا يصدر إلا من كافر فيكفر، القاعدة من فعل فعلا اتفق المسلمون أنه لا يصدر إلا من كافر فقد كفر نقل النووي عن القاضي عياض قوله وكذا أي يكفر من فعل فعلاً أجمع المسلمون على أنه لا يصدر إلا من كافر وإن كان صاحبه مصرِّحًا بالإسلام مع فعله كالسجود للصليب والنار والمشي إلى الكنائس مع أهلها بزيهم من الزنانير وغيرها اهـ (وكالسجود لإنسانٍ) إنْ كان (على وجهِ العبادةِ له) كسجودِ بعض الجهلة لبعض المشايخ المتصوفين أى إذا كان سجودهم على وجه العبادة لهم فإنه يكون عندئذٍ كفرًا وإن لم يكن على وجه العبادة لهم كأن سجدوا لهم للتحية فقط فإنه لم يكن ذلك كفرًا لكنه حرامٌ فى شرع سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وكان جائزًا فى الشرائع السابقة.
(والقسمُ الثالثُ) من أقسام الردة (الأقوالُ وهى كثيرةٌ جدًا لا تنحصر منها أن يقول) شخص (لمسلم يا كافرُ أو يا يهودىُّ) إذا قال لمسلم يا يهودي ومراده أن دينه دين اليهود وهو يعرفه مسلما كفر لأنه سمى الإسلام كفرًا (أو يا نصرانِىُّ أو يا عديمَ الدينِ) حالَ كون القائل (مريدًا بذلك) القولِ (أنَّ الذى عليه المخاطَبُ من الدين كفرٌ أو يهوديةٌ أو نصرانيةٌ أو ليس بدينٍ) فهذا ردةٌ وكفرٌ (لا) أي لا يكفر إذا كان متأولاً بذلك أي بقوله هذه العبارة كأن قال له يا كافر (على قصدِ التشبيهِ) ومراده أنك تشبه الكفار فى خساسة أفعالك أو أنَّك تعامل المسلمين معاملةَ الكفارِ لهم فلا يكفر لكن هذا حرامٌ يفسق قائله أما إذا قال لمسلم يا كافر يريد بذلك يا شبيه الكافر،
أي أعمالك تشبه أعمال الكافر فلا يكفر لكنه وقع في ذنب عظيم يفسق به (وكالسخريةِ باسمٍ من أسمائه تعالى أو وَعْدِهِ) بالجنة وما أَعَدَّهُ اللهُ فيها من النعيم وذلك كأن يقول شخص الجنة ليس لها قدر فقد استخف بالجنة وكذب القرءان، ومن ذلك قول بعض الناس الجنة خشخاشة الصبيان أو لعبة الصبيان فإنّ هذا استخفاف بالجنة وهو كفر ومن الاستخفاف بالجنة قول شخص عن حديقة من حدائق الدنيا هذه هي الجنة ويريد بذلك أنّ جنة الآخرة ليست كهذه الحديقة بل هي دونها فهذا من جملة الاستخفاف
بالجنة أيضا (أو وعيده) بالنار والعذاب (ممن) أى من إنسانٍ (لا يخفى عليه نسبة ذلك) أى إضافةُ ذلك الاسمِ أو الوعدِ أو الوعيدِ الذى سَخِرَ به (إليه سبحانه) وذلك كقول بعض السفهاء غدًا نتدفأ بنارِ جهنمَ لما فى ذلك من الاستهزاء بالدين وتكذيب القرءان (وكأن يقول) الشخص مستخفًّا بأمر الله (لو أمرنى الله بكذا لم أفعله أو) قال مستخفًّا بالقبلة (لو صارت القبلة فى جهة كذا ما صليت إليها أو) قال (لو أعطانى الله الجنة ما دخلتها مستخفًا) لأنّ الاستخفاف بالجنة كفر كما تقدم (أو مظهرًا للعناد) أى مظهرًا لمعاندة الشريعة والعناد هو عدم الاستسلام للشريعة ورد الحق مع العلم بأنه حق (فى الكلِّ) وأما إن لم يكن على وجه الاستخفاف والعناد وتكذيب الشرع فليس كفرًا أما الذي يستعمل هذه العبارة وهي لو أعطاني الله الجنة ما دخلتها ولا يفهم منها الاستخفاف بالجنة إنما ما يفهمه منها أن قلبه راض عن الله مُسلّم لله ولو لم يدخل الجنة قلبه راض عن الله أو نحو هذا من المعاني التي ليس فيها استخفاف بالدين ولا بالجنة فإذا كان هذا فهمه فلا يكفّر.
فلو أراد بقوله لو أعطاني الله الجنة أكون راضيا عن الله ولو لم أدخلها لا يكفّر وكذلك لو قيل لشخص صلّ الله أمرك بالصلاة فقال لا أصلي ولا يريد الاستخفاف بأمر الله إنما يريد لا أريد أن أصلي لأجل قول هذا الشخص لي صل فهذا لا يكفر. (وكأن يقول) شخصٌ فى حال مرضه بعد أن أمره ءاخر بالصلاة (لو ءاخذنى الله) أى لو عاقبنى (بترك الصلاة) أى على تركها (مع ما أنا فيه من المرض ظلمنى) فإنه يكفر لأنّه نسب الظلم إلى الله تعالى والظلم وضع الشىء في غير محله والتصرف في ملك الغير بغير إذنه ومخالفة أمر ونهي من له الأمر والنهي والظلم مستحيل على الله فهو صفة نقص في حقه تعالى فلا يجوز وصفه بها وقد نزه الله نفسه عن الظلم فقال عز وجل وما ربك بظلاّم للعبيد وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل أنه قال يا عبادي إني حرّمت الظلم على نفسي أي نزهت نفسي عن الظلم وجعلته بينكم محرّما فلا تظالموا اهـ (أو قال لفعلٍ حدث هذا) الشىءُ أى حصل (بغير تقدير الله) سواءٌ كان ذلك الشىءُ خيرًا أم شرًا وهذه عبارة النووي ذكرها في الروضة ويدل ذلك على أن ما ذكره في كتاب المجموع من أن الصلاة خلف المعتزلي تصح أراد به المعتزلي الذي لم يصل إلى حد الكفر ولم يرد به المعتزلي الذي يقول إنّ مشيئة العبد تغلب مشيئة الله وإنّ العبد يخلق أفعاله لأنّه هو الذي أورد هذه العبارة من قال لشىء حصل هذا بغير تقدير الله فهو كافر في كتاب الروضة كما مر.
(أو) قال (لو شهد عندى الأنبياء أو الملائكة أو جميع المسلمين بكذا ما قبلتهم) أى ما صدقتهم فيما يقولون فهو كافر لما فيه من تكذيب نصوص الدين المعروفة قال القاضي عياض في الشفا وكذا نقطع بكلّ قول يُتوصل به إلى تضليل الأمة أنه كفر اهـ (أو قال) بعد أن أَمَرَهُ شخص بفعل سنة من السنن كالاستياك (لا أفعل كذا وإن كان سنة) أى إذا قال ذلك (بقصد الاستهزاء) بسنة النبي صلى الله عليه وسلم فإنه يكفر بخلاف من قال ذلك ولم يقصد الاستخفاف بالسنة فلا يكفر (أو) قال عن عدو
له مثلاً (لو كان فلان نبيًا ما ءامنتُ به) فإنه يكفر لما فى ذلك من الاستهزاء بمنصب النبوة لأن معنى كلام هذا القائل أن منصب النبوة ليس له شأن عنده (أو أعطاه عالمٌ فتوى فقال أيشٍ) أى أىّ شىءٍ (هذا الشرعُ مريدًا) بهذا القولِ (الاستخفافَ بحكم الشرع) الإسلامىِّ والاعتراضَ عليه فهو كافرٌ بخلاف ما لو أعطاه فتوى يراها باطلةً غيرَ موافقةٍ للشرع فقال له ذلك مريدًا الإنكارَ عليه كأنه يقول له أيشٍ هذا الكلامُ الذى تَزْعُمُ أنه شرعُ الله وليس شرعَ الله فلا يكفر
كأن أعطاه عالم فتوى يظنها باطلة فقال ما هذا الشرع يعني الذي تزعمه شرعا مريدا الإنكار عليه يعني الذي تزعمه شرع الله وهو ليس بشرع الله فلا يكفر (أو قال لعنةُ الله على كل عالمٍ مريدًا الاستغراقَ الشاملَ) أى تعميم اللعن لكل العلماء فهو كافر (أما من لم يُرِدِ الاستغراقَ الشاملَ لجميع العلماء بل أراد لعن علماء زمانه وكانت هناك قرينةٌ تدلُّ على ذلك) كأن كان ذَكَرَ علماء ناحيةٍ ما فاسدين فقال بَعْدَهَا لعنةُ الله على كل عالم وهو يقصد هؤلاء وكان ذلك منه يعني
كان صدور هذه العبارة منه بالنسبة لعلماء هذه الناحية (لما يُظَنُّ بهم من فساد أحوالهم فإنه لا يكفر وإن كان كلامه لا يخلو من المعصية) أى وإن كان كلامه لا يخرج عن كونه حرامًا وأما من لم يكن فى كلامه قرينةٌ القرينة من حيث العموم معناها الدليل تدل على التخصيص فإنه يكفر ولو قال أنا قصدتُ علماءَ زمانى (أو قال أنا برىء من الله أو من الملائكة أو من النبىِّ) مريدًا سيدنا محمدًا أو غيره من الأنبياء (أو من الشريعة) التى أنزلها الله على نبيّه (أو من الإسلام) فهو
كافر (أو قال) بعد أن قال له شخصٌ لِمَ فعلتَ هذا الحرام ألا تعرف الحكم (لا أعرفُ الحكم مستهزئًا بحكم الله) فهو كافرٌ مرتدٌ لأن معنى كلامه أنّ هذا الحكم الشرعي ليس له عندي اعتبار (أو قال وقد ملأ وعاء) بشراب (﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾) بقصد الاستخفاف أو التكذيب بما وعد الله به المؤمنين فى الجنة من الكأس الممتلئة شرابًا هنيئًا فقد كفر إذا ملأ واحد شرابا فقال وكأسا دهاقا وأراد بذلك أن الشراب الهنيء هو هذا وليس الذي وعد الله به المؤمنين في الجنة كفر (أو أفرغ شرابًا)
بأن صَبَّهُ من الإناء (فقال) مستخفًّا بالآية (﴿فَكَانَتْ سَرَابًا﴾) فإنه يكفر (أو) قال (عند وزنٍ أو كيلٍ ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أو وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾) بقصد الاستخفاف بالآية كأن أراد أنا لا منـزلة فى قلبى لقولِ الله ووعيدِهِ فهو كافر (أو) قال (عند رؤية جمعٍ) أى جماعة من الناس (﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ بقصد الاستخفاف فى الكل بمعنى هذه الآيات) الأربعة فهو كافر (وكذا كل موضع استعملَ) شخصٌ (فيه) ءاياتِ (القرءانِ بذلك القصد)
أى بقصد الاستخفاف بالقرءان فإنه يكفر (فإن كان بغير ذلك القصد) بأن أوردها فى هذه المواضع لا بقصد الاستخفاف (فلا يكفر لكن) هذا حرامٌ فقد (قال الشيخُ أحمدُ بنُ حجرٍ) الهيتمىُّ (لا تَبْعُدُ حُرمتُهُ) أى أنَّ القول بأنه حرامٌ قريبٌ أى راجحٌ لأن فيه إساءةَ أدبٍ مع القرءان قال أحمد ابن حجر إذا قلنا حرام ليس بعيدا معنى ذلك أنّ تحريمه هو الراجح إن لم يكن بقصد الاستخفاف لأنه أورد الآية في غير موضعها (وكذا يكفر من شتم نبيًا أو ملكًا) كجبريلَ أو عزرائيلَ وهو
يعرف أن جبريل ملك وأن عزرائيل ملك أو منكرٍ أو نكيرٍ أو غيرِهم من ملائكة الله المكرمين ويدل لذلك قوله تعالى ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ سورة البقرة/ الآية ٩٨ (أو قال أكون قوادًا إن صليتُ) فإنه يكون مستخفًا بالصلاة ومنقصا لها والقوادُ هو الذى يجلب الزبائنَ للزانيات كفر لأنه جعل الصلاة بمنزلة القيادة (أو) قال (ما أصبتُ خيرًا منذ صليت) لأن فيه استخفافًا بالصلاة (أو) قال بعد أن أمره شخص مثلاً بالصلاة (الصلاةُ لا تصلح لى بقصد الاستهزاء) بخلاف ما لو قالت امرأةٌ حائضٌ ذلك بقصد أنَّ الصلاة لا تصحُّ منى وأنا حائض فلا تكفر (أو قال لمسلم أنا عدوك وعدو نبيك) لما فيه من الاستخفاف بالنبى صلى الله عليه وسلم ويدل لذلك قوله تعالى ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ﴾ سورة البقرة/ الآية ٩٨.
