(وإيواءُ الظالم) لمناصرته على ظلمه (ومنعه ممن يريد أخذَ الحقِّ منه) كأن قتل مسلمًا ظلمًا فآواه ليحول بينه وبين طالبى الحق وقَد ورد في ذلكَ حَديثُ عليٍّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم وفيه «لَعنَ الله مَنْ ءاوى مُحْدِثًا» رواه مسلم أي مَنَعَ الظالمَ مِمّن يُريد استيفاءَ الحقّ منه أي حمى الظالم ممن يريد أخذ الحق منه والمحدِثُ هنا معناهُ الجَاني الذي ظَلَم (وترويع المسلمين) أى تخويفهم وإرعابهم كأن يشير إليهم بنحو حديدة أو سلاح ليخيفهم روى مسلمٌ وابنُ حبان

أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال «مَنْ أَشَارَ إِلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ فَإِنَّ الْمَلاَئِكَةَ تَلْعَنُهُ حَتَّى يَدَعَهُ وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لأَبِيهِ وَأُمِّهِ» (وقطع الطريق) ولو لم يقتلْ أو يأخذِ المالَ قالَ تعالى ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلاَفٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ في الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ الآيةَ وفي ذلك إشْعارٌ بعِظَمِ ذَنبِ قَطْع الطّريقِ على المؤمنين (ويُحَدُّ) قاطع الطريق (بحسب جنايته إما بتعزير) كضرب وحبس وذلك إذا أخاف المارين فقط (أو بقطع يد ورجل من خلافٍ) بأن تقطع يده اليمنى ورجله اليسرى فإن عاد فيده اليسرى ورجله اليمنى وذلك (إن) أخذ مالاً قيمتُهُ ربعُ دينارٍ ذهبًا أو أكثر و(لم يَقتل أو بقتلٍ وصلب أى إن قتل) وأخذ المال أو بقتل من غير صلب إذا قتل ولم يأخذ المال الصلب تعليقه على خشبة معترضة إذًا يَتَرَتَّبُ عَلَى قطع الطريق أَحْكَامٌ فَإِنْ كَانَتْ جِنَايَتُهُ إِخَافَةَ السَّبِيلِ فَقَطْ فَيُعَزَّرُ بِحَبْسٍ أَوْ تَغْرِيبٍ أَوْ ضَرْبٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَرَاهُ الإِمَامُ.

وَإِنْ كَانَتْ جِنَايَتُهُ بِأَخْذِ الْمَالِ مَعَ الإِخَافَةِ بِلا قَتْلٍ وَلا جَرْحٍ فَبِقَطْعِ يَدٍ وَرِجْلٍ مِنْ خِلافٍ بِأَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ الْيُمْنَى وَرِجْلُهُ الْيُسْرَى فَإِنْ عَادَ فَيَدُهُ الْيُسْرَى وَرِجْلُهُ الْيُمْنَى بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَالُ الَّذِى يَأْخُذُهُ نِصَابَ سَرِقَةٍ أَىْ رُبْعَ دِينَارٍ ذَهَبٍ. وَإِنْ كَانَتْ جِنَايَتُهُ بِأَخْذِ الْمَالِ وَالْقَتْلِ فَعُقُوبَتُهُ بِالْقَتْلِ وَالصَّلْبِ وَكَيْفِيَّةُ ذَلِكَ أَنْ يُقْتَلَ وَيُغَسَّلَ وَيُكَفَّنَ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصْلَبَ أَىْ يُعَلَّقَ عَلَى خَشَبَةٍ مُعْتَرِضَةٍ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ وَإِلَّا أُنْزِلَ،

وَقِيلَ يُصْلَبُ حَيًّا ثُمَّ يُطْعَنُ حَتَّى يَمُوتَ ثُمَّ يُدْفَنُ. وَإِنْ كَانَتْ جِنَايَتُهُ الْقَتْلَ بِلا أَخْذِ مَالٍ فَعُقُوبَتُهُ بِالْقَتْلِ بِلا صَلْبٍ وَلا يَسْقُطُ هَذَا الْقَتْلُ بِعَفْوِ الْوَلِىِّ.وأمّا أَعوانُ القُطّاع فيُعزَّرون كما هو حكمُ مَنْ فَعلَ معصيةً ليسَ فيها حَدٌّ فيَفعَلُ الإمامُ بهم ما يَرى منَ التّعزير إما بحبسٍ وإما بضربٍ وإما بغيرِ ذلكَ (ومنها) أى ومن معاصى البدن (عدم الوفاء بالنذر) الذى اكتملت شروطه وشرطُ النذر الذي يَجبُ الوفاءُ به هو أن يكونَ المنذُور قُربةً غيرَ واجبةٍ فلا ينعَقِدُ نَذرُ القُربة الواجِبة كالصّلواتِ الخمس ولا نَذرُ تَركِ المعصَية كشُرب الخَمر ولا نذرُ مباحٍ أي ما يستوي فعلُهُ وتركُهُ فلا يلزم الوفاءُ به لأنه ليس قربة.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «من نذر أن يطيعَ الله فليُطِعْهُ ومن نذر أن يعصيَهُ فلا يَعْصِهْ» رواه البخاري (والوصال فى الصوم وهو أن يصوم) شخصٌ (يومين) متتاليين (فأكثرَ بلا تناولِ مفطرٍ) عمدًا بلا عذر وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ فَإِنَّهُ كَانَ يَجُوزُ لَهُ الْوِصَالُ فِى الصَّوْمِ لِحَدِيثِ الْبُخَارِىِّ وَمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْوِصَالِ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ "وَأَيُّكُمْ مِثْلِى أَبِيتُ يُطْعِمُنِى رَبِّى وَيَسْقِينِى" مَعْنَاهُ يُجْعَلُ فِىَّ قُوَّةَ الطَّاعِمِ الشَّارِبِ مِنْ غَيْرِ أَنْ ءَاكُلَ وَهَذَا مُؤَقَّتٌ لِأَنَّهُ كَانَ يَجُوعُ أَلَيْسَ شَدَّ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِهِ مِنَ الْجُوعِ فِى بَعْضِ الْحَالاتِ (وأخذُ مجلس غيره) فى مسجدٍ أو نحوه أما في المكان المملوك لإنسان معين فعلى حسب رغبة صاحب المكان يفعل فيه ما يشاء إن أقام واحدا وأقعده في محل آخر يجوز له ذلك، أما كلامنا هنا في نحو المسجد الذي هو ليس مملوكا لإنسان بعينه فليس للشخص أن يأخذ مجلس غيره فيه فائدةٌ.

رَوى مسلم في الصّحيحِ «مَنْ قامَ مِنْ مَجْلِسه ثم رجَعَ إليه فهوَ أحقُّ به» فعُلِمَ من ذلك أن السّابقَ لمحلٍّ من المسجدِ ونحوِه لصلاةٍ أحقُّ به حتى يُفارقَه وهذا الحكم في المسجد ونحوه لا في مكان مملوك لإنسان كبيته فإنه يُقعِد فيه من يشاء حيث يشاء كما بينَّا فإنْ فارقَه لعُذر كتَجْديد وضُوء وإجابةِ داعٍ وقضاءِ حَاجة ونَوى العَودَة لم يَبْطُل حَقُّه (أو زحمتُهُ المؤذيةُ) له (أو أخذ نوبته) أى نوبة غيره فى استقاءٍ ونحوه فلا يجوز لأحدٍ الاستيلاءُ على نوبةِ ذي النوبةِ لأنه ظلم مثل البئر المحفور في الأرض الموات يأتي واحد ليأخذ حاجته ويأتي آخر وآخر فهؤلاء يمشون على حسب النوبة على حسب الدور وكذا في السقاية بماء النهر يوجد نوبات إذا لم يكف للكل دفعة واحدة يوجد نوبات وهكذا.

(التوبة) بعد أن أنهى المؤلفُ رحمه الله بيانَ المعاصى ذَكَرَ كيفية خلاص العاصى منها حتى يسلم من المؤاخذة عليها فى الآخرة فقال (فصل) فى بيان أحكام التوبة (تجب التوبة من الذنوب) كلِّها (فورًا) كبيرًا كان الذنب أم صغيرًا مع أنَّ الصغائرَ تُمحَى بفعل الحسنات لكن لا يعلمُ الإنسانُ العمل الذي عمله قُبِلَ أم لم يُقبل (على كلِّ مكلف) التَّوْبَةُ مَعْنَاهَا الرُّجُوعُ وَهِىَ فِى الْغَالِبِ تَكُونُ مِنْ ذَنْبٍ سَبَقَ لِلْخَلاصِ مِنَ الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ فِى الآخِرَةِ وَقَدْ تُطْلَقُ التَّوْبَةُ لِغَيْرِ ذَلِكَ وَذَلِكَ كَحَدِيثِ " إِنِّى لَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِى الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ " أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِى سُنَنِهِ وَكَذَلِكَ الِاسْتِغْفَارُ فِى الْغَالِبِ يَكُونُ مِنَ الذَّنْبِ الَّذِى وَقَعَ لِلْخَلاصِ مِنَ الْمُؤَاخَذَةِ بِهِ فِى الآخِرَةِ وَقَدْ يَكُونُ لِغَيْرِ ذَلِكَ،

وَقَدْ وَرَدَ ذِكْرُ الِاسْتِغْفَارِ فِى الْقُرْءَانِ بِمَعْنَى طَلَبِ مَحْوِ الذَّنْبِ بِالإِسْلامِ وَذَلِكَ كَالَّذِى ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِى الْقُرْءَانِ عَنْ نُوحٍ ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ سُورَةَ نُوح/10 فَإِنَّ قَوْمَهُ الَّذِينَ خَاطَبَهُمْ بِقَوْلِهِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ مُشْرِكُونَ فَمَعْنَاهُ اطْلُبُوا مِنْ رَبِّكُمُ الْمَغْفِرَةَ بِتَرْكِ الْكُفْرِ الَّذِى أَنْتُمْ عَلَيْهِ بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ فِى اسْتِحْقَاقِ الأُلُوهِيَّةِ وَالإِيمَانِ بِنُوحٍ أَنَّهُ نَبِىُّ اللَّهِ وَرَسُولُهُ إِلَيْكُمْ.

ثُمَّ هِىَ وَاجِبَةٌ عَيْنًا مِنَ الْكَبِيرَةِ وَمِنَ الصَّغِيرَةِ فَوْرًا (و)أركان التوبة (هى الندمُ) أسفًا على عصيانه لأمر الله فَالرُّكْنُ الَّذِى لا بُدَّ مِنْهُ فِى النَّوْعَيْنِ أَىْ نَوْعِ الْمَعْصِيَةِ الَّتِى لا تَعَلُّقَ لَهَا بِحُقُوقِ بَنِى ءَادَمَ أَىْ تَبِعَتِهِمْ وَلا هِىَ بِتَرْكِ فَرْضٍ وَالنَّوْعِ الَّذِى لَهُ تَعَلُّقٌ بِحُقُوقِ بَنِى ءَادَمَ النَّدَمُ أَسَفًا عَلَى تَرْكِ رِعَايَةِ حَقِّ اللَّهِ، فَالنَّدَمُ لِحَظٍّ دُنْيَوِىٍّ كَعَارٍ أَوْ ضَيَاعِ مَالٍ أَوْ تَعَبِ بَدَنٍ أَوْ لِكَوْنِ مَقْتُولِهِ وَلَدَهُ لا يُعْتَبَرُ،

فَالنَّدَمُ وَهُوَ الرُّكْنُ الأَعْظَمُ لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْقَلْبِ وَالْجَوَارِحُ تَبَعٌ لَهُ (والإقلاعُ) عن المعصيةِ حالاً أي تركُها في الحال (والعزم على أن لا يعود إليها) فَهَذِهِ الثَّلاثَةُ هِىَ التَّوْبَةُ الْمُجْزِئَةُ (وإن كان الذنب ترك فرض) كصلاة أو صيامٍ واجبين أتى بما مَرَّ و(قضاه) فورًا فَإِنْ كَانَ الْمَتْرُوكُ صَلاةً أَوْ نَحْوَهَا قَضَى فَوْرًا وَإِنْ كَانَ تَرَكَ نَحْوَ زَكَاةٍ وَكَفَّارَةٍ وَنَذْرٍ مَعَ الإِمْكَانِ تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ تَوْبَتِهِ عَلَى إِيصَالِهِ لِمُسْتَحِقِّيهِ أَىْ فَيُخْرِجُ الزَّكَاةَ وَالْكَفَّارَةَ وَيَفِى بِالنَّذْرِ (أو) كان الذنب (تبعة لآدمىٍّ) كأن غصب له ماله أتى بما مَرّ و(قضاه) له بأن يردّ له عينه إن كان باقيًا وإلا ردّ بَدَلَهُ (أو استرضاه) فإن ءاذاه بالكلام أتى بما مرَّ وطلب منه المسامحة.

فَإِنْ أَعْسَرَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ نَوَى الْغُرْمَ إِذَا قَدَرَ أَوِ اسْتَرْضَاهُ أَىْ يَطْلُبُ مِنْهُ الْبَرَاءَةَ مِنْهُ فَتَصِحُّ لَوْ كَانَتِ الْبَرَاءَةُ مَجْهُولَةً عِنْدَ أَبِى حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ. أَمَّا عِنْدَ الشَّافِعِىِّ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْتَسْمِحَهُ يَذْكُرُ لَهُ فَيَقُولُ سَامِحْنِى مِنْ كَذَا وَكَذَا. قَالَ بَعْضُهُمْ وَمِنْ ذَلِكَ الْغِيبَةُ فَلا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ اللَّفْظِ الْوَاقِعِ مِنْهُ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ لِلْغِيبَةِ إِنْ كَانَتْ بَلَغَتِ الْمُغْتَابَ أَىْ يَقُولُ لَهُ قُلْتُ فِيكَ كَذَا فَسَامِحْنِى لِأَنَّهُ قَدْ يَظُنُّ شَيْئًا هَيِّنًا فَيُسَامِحُ وَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ قَدْ لا يُسَامِحُ هَذَا إِذَا لَمْ يَخْشَ حُدُوثَ فِتْنَةٍ إِنْ أَخْبَرَهُ بِهَا وَإِلَّا فَلا حَاجَةَ لِلإِخْبَارِ وروى البخاري في الصحيح مرفوعًا «من كانت له مَظْلَمةٌ لأَحَدٍ مِنْ عِرْضِهِ أو شىءٌ فليتَحَلَّلْهُ منهُ اليومَ قبلَ أنْ لا يكونَ دينارٌ ولا دِرْهَمٌ إنْ كانَ لهُ عمَلٌ صالحٌ أخذ منه بقدْرِ مَظْلَمَتِهِ وإنْ لم تكنْ لهُ حسناتٌ أخذ من سيئاتِ صاحبِهِ فحمل عليه» فإنَّه إنْ كان له عَمَلٌ أُخِذَ منه يوم القيامة بقدر مظلمته وإلا أُخِذ من سيئات صاحبه فَحُمِل عليه إلا أن يوفى الله عنه من خزائنه.

فائدة. لا يُشتَرطُ الاستغفارُ اللِسانيُ أي قَولُ أستَغفِرُ اللهَ للتّوبة وقَولُ بعضٍ بأنّه شرطٌ غَلَطٌ فاحشٌ سَواءٌ جَعلَ ذلكَ مُطلقًا أو جَعلَه خَاصًّا ببعض الذّنوب. تم بحمد الله تعالى القولُ الجلىُّ فى حلِّ ألفاظِ مختصر عبد الله الهررى الكافلِ بعلم الدين الضرورى وسبحان الله وبحمده والحمد لله رب العالمين.