بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرَّحِيم

الحمد لله ربّ العالمين، له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، والصلاة والسلام على محمد سيد الأنبياء والمرسلين، وعلى آله الطاهرين وصحابته الطيبين.

معنى "بسم الله" أبتدئ باسم الله. ولفظ الجلالة "الله" عَلَمٌ للذات المقدّس، أي اسم دالّ على الذات المستحق لنهاية التعظيم وغاية الخضوع. ومعنى هذا الاسم من له الإلهيّة، وهي القدرة على الاختراع، أي اختراع الأجسام وصفاتِها، أي المُخرِجُ لها من العدم إلى الوجود.

والرحمن اسم للذات المقدس المتصف بالرحمة، ومعناه الكثير الرحمة للمؤمنين والكافرين في الدنيا وللمؤمنين خاصّة في الآخرة.

وأما الرحيم فهو أيضًا اسم للذات المقدس ومعناه الكثير الرحمة للمؤمنين.

الصّراط المستقيم

عُنوان هذا الكتاب "الصراط المستقيم"، والصّراط الطريق، والمستقيم معناه القويم، والمراد أن هذا الكتاب يبيّن الطريق الحقّ الذي لا اعوجاج فيه.

الحمد لله

أي الثناء باللسان على الجميل الاختياري على جهة التبجيل والتعظيم مُسْتَحَقٌّ لله تعالى. ومعنى الجميل الاختياري النعم التي أنعم الله بها على عباده من غير وجوبٍ عليه، فالله عزّ وجلّ يستحقّ أن يُثْنَى عليه على نِعَمِهِ التي لا تُحصى، الظاهرة منها والباطنة ممّا تفضّل به على عباده من غير أن يكون ذلك واجبًا عليه سبحانه وتعالى.

والصّلاة والسّلام على رسول الله.

الصّلاة هنا معناها التعظيم، والسلام معناه الأمان، والمعنى أنّا نطلب من الله أن يزيد سيّدنا محمدًا شرفًا وتعظيمًا، ونطلب منه عز وجل الأمان لرسوله ممّا يخافه على أمته. وعليه فإن جملة المتنِ المذكورةَ خبريّة لفظًا دعائية معنًى.

قال الله تعالى {يا أيّها الذين آمنوا اتّقُوا الله ولَتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لغد} سورة الحشر/1.

أي يحب على المؤمن أن يتقي الله عزّ وجلّ، وأن يُراقِبَهُ سبحانه وتعالى باستدامة خوفٍ يحمله على أداء الواجبات واجتناب المحرمات، وينبغي أن يحاسِبَ نفسه قبل أن يُحاسَبَ، وأن يتفكّر في ما يُعِدُّ ويُقدِّمُ لآخرته التي ينفع فيها العمل الصّالح.

وقال سيدنا عليٌّ رضي الله عنه وكرّم وجهه: "اليومَ العَمَلُ وغدًا الحساب"، رواه البخاريّ في كتاب الرّقاق.

تمام الرواية التي رُويت عن سيدنا عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: "ارتحلت الدنيا وهي مدبرة وارتحلت الآخرة وهي مقبلة ولكل واحدة منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا. اليومَ العمل ولا حسابَ وغدًا الحسابُ ولا عَمَل" رواه البخاريّ في الرقاق، وهو كتاب مخصوص في أواخر الجامع المُسنِد للبخاريّ.

والمعنى أن الدنيا ارتحلَتْ أي سارت مدبرةً إلى الزَّوال، وأما الآخرة فهي سائرةٌ مُقبِلَةٌ، ولكلّ واحدةٍ منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، واليوم أيّ الدنيا العملُ ولا حساب وغدًا أي في الآخرة الحسابُ أي الجزاءُ ولا عَمَلَ. فالدنيا ليست دارًا للحساب والآخرةُ ليست دارًا للتكليف بالعمل.

أعْظَمُ حُقُوقِ الله عَلَى عِبادِهِ

اعلم أنّ أعظم حقوق الله تعالى على عباده هو توحيده تعالى وأنْ لا يُشْرَكَ به شيء، لأن الإشراك بالله هو أكبر ذنب يقترفه العبد، وهو الذنب الذي لا يغفره الله ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، قال تعالى: {إنّ الله لا يغفر أنْ يُشْرَك به ويغفِرُ ما دون ذلك لمن يشاء} سورة النساء/48.

أعظم الفرائض التي أمر الله بها توحيده تعالى وعدمُ الإشراك به، لأن الإشراك بالله أكبرُ ذنب يقترفه العبد، وهو الذنب الذي لا يغفره الله لمن مات عليه ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء بدليل قوله تعالى: {إنّ الله لا يغفِرُ أن يُشرَك به} أي لمن مات بلا توبة من الشرك {ويغفِرُ ما دون ذلك لمن يشاء}.

وممّا يدل على ذلك أيضًا قوله عليه الصلاة والسلام: "إنّ الله لَيَغْفِرُ لِعَبْدِهِ ما لم يقع الحجابٌ" قالوا: "وما وقوع الحجاب يا رسول الله؟" قال "أن تموت النفس وهي مشركة". رواه أحمد في مسنده وابن حبان في صحيحه وصحّحه.

وكذلك جميع أنواع الكفر لا يغفرها الله لقوله تعالى: {إنّ الذين كفروا وصَدُّوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفّار فلن يغفِرَ الله لهم} سورة محمد/23.

الكفر نوعان: كفر شِرْك وكفر غير شرك، وجميع أنواع الكفر لا يغفرها الله تعالى لمن مات عليها، بدليل قوله تعالى {إنّ الذين كفروا وصدّوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفّار فلن يغفر الله لهم}، فهذه الآية نصَّتْ على أنّ من مات كافرًا لا يغفر الله له، سواءٌ كان الكفر شركًا أم غيره، وسواءٌ كان الكافر ممّن يمنع غيره عن الدخول في الإسلام أم لم يكن كذلك، فإنه إذا مات على الكفر محروم من مغفرة الله ورحمته، فمَنْعُ الناس من الدخول في الإسلام ليس شرطًا للحرمان من المغفرة، بل الكافر محروم منها إن مَنَعَ الناس من الإسلام أم لم يمنع، بل ولو ساعد المسلمين في إدخال الناس في دينهم، لكنّ الكافر الذي يصُدُّ الناس من الإسلام أشدّ ذنبًا من الكافر الذي يكفُر بنفسه ولا يَصُدّ غيره عن الإيمان.

وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من شَهِدَ أنْ لا إله إلّا الله وحده لا شريك له وأنّ محمّدًا عبده ورسولُه وأنّ عيسى عبد الله ورسولُه وكلمتُه ألقاها إلى مريم وروح منه والجنّة حقّ والنّار حقّ أدخلَهُ الله الجنّة على ما كان من العمل" رواه البخاريّ ومسلم.

هذا الحديث الصحيح اتفق على إخراجه البخاريّ ومسلم في كتابَيْهما المعروفَيْن بين الأمّة الإسلامية، ومعناه يتضمّن أن الإنسان إذا مات وهو يشهد أن لا إله إلا الله وتجنّب عبادة غيره، وأن محمدًا عبده ورسوله، ويشهد أن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه، ويشهد أن الجنة حق وأن النار حق يدخله الله الجنة على ما كان من العمل، أي لا بدّ أن يدخل الجنة ولو كان من أهل الكبائر ومات من غير توبة. وقال بعضهم معنى الحديث أن الله يوفق من داومَ على قول هذه الشهادة بتمامها كلَّ يوم إلى العمل الصالح بحيث يَحْسُن حالُه وخِتامُه فيدخلُ الجنة بغير عذاب.

ومعنى "كلمته ألقاها إلى مريم" أن المسيح بشارة الله لمريم التي بَشّرتها بها الملائكةُ بأمر الله قبل أن تُنْفَخَ فيها روح سيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام، وهذه البشارة هي المذكورة في قوله تعالى في سورة آل عمران {إذ قالت الملائكةُ يا مريم إنّ الله يبشّركِ بكَلِمَةٍ منه اسمُه المسيحُ عيسى ابنُ مريم}.

وقوله صلى الله عليه وسلم "وروح منه" معناه أن روح سيدنا عيسى روح مشرّف كريم على الله صادر منه خلقًا وتكوينًا، وليس المعنى أنّ المسيح عيسى جزء من الله، وقوله صلى الله عليه وسلم: "والجنة حقّ" معناه أنّ الجنة دار نعيم موجودةٌ الآن وباقية إلى ما لا نهاية له، و"والنار حقّ" معناه أن النار دار عقاب موجودةٌ الآن وباقية إلة ما لا نهاية له، فالجنة دار حزاء للمؤمنين والنار دار جزاتء للكافرين.

وفي حديث آخر: "فإنّ الله حرّم على النّار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله"، رواه البخاريّ.

المعنى أنّ الله تعالى حرّم على النار أي الدوام فيها إلى الأبد مَنْ قال لا إله إلا الله محمّد رسول الله يبتغي بذلك القرب إلى الله سبحانه وتعالى لا نفاقًا ولا مراءاةً للناس من غير اعتقاد، فإنه من قال ذلك منافقًا ليُرضيَ المسلمين وهو في قلبه غيرٌ راضٍ بالإسلام ويموت على ذلك يستحق الدوامَ في النار إلى الأبد.

ويجب قَرْنٌ الإيمانِ برسالة محمّد بشهادة أنْ لا إله إلا الله، وذلك أقلّ شيء يحصل به النجاة من الخلود الأبديّ في النار.

الجمع بين الشهادتين ضروريّ لصحة الإيمان والإسلام، والنّطقُ بهما مع اعتقاد معناهُما أقلّ شيء يحصل به النجاة من الخلود الأبديّ في النار كما يشير إليه قولُ الله تعالى في سورة الأعراف {فآمنوا بالله ورسوله} في سورة الفتح {ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنّا أعتدنا للكافرين سعيرا}.

فالمراد بالحديث المذكور وما أشبهه من الأحاديث التي لم تُذكَر فيها الشهادة الثانية ما يشملُ الأولى، لأن ذِكْرَ الشهادة الأولى في هذا المقام ملحوظ فيه في عُرف الشرع الشهادةُ الثانية. فليس المعنيُّ بهذا الحديث وشِبْهِهِ أن الاقتصار على شهادة أن لا إله إلا الله بدون الشهادة الثاني يكفي للنجاة من الخلود الأبدي في النار، ومن توهم ذلك فهو لِقُصور فهمِهِ وشدةِ جهله.

معنى الشّهادتين

هذا بيان معنى الشهادتين.

فمعنى شهادة أن لا إله إلا الله إجمالًا أعترف بلساني وأعتقد بقلبي أنّ المعبود بحقّ هو الله تعالى فقط.

معنى شهادة أن لا إله إلا الله من غير تفصيل أعترف بلساني وأعتقد بجناني وأذعِنُ أي ترضى نفسي بما عَرَفْتُهُ بقلبي أن المعبود بحقّ أي المستحقَّ لنهاية التذلل وغايةِ التعظيم هو الله تعالى فقط.

ومعنى شهادةِ أنّ محمًدًا رسولُ الله أعترف بلساني وأذعن بقلبي أنّ سيدنا محمّدًا صلى الله عليه وسلم مرسَ من عند الله إلى كافّة العالمين من إنسٍ وجنٍّ.

معنى شهادة أن محمّدًا رسول الله أعترف بلساني وأذعن بقلبي أنّ سيدنا محمّدَ بنَ عبد الله بنِ عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشيّ صلى الله عليه وسلم مرسَل من عند الله إلى كافة العالمين من إنسٍ أي بَشَرٍ من العرب وغيرهم، وجنِّ ليبلغ عن الله عزّ وجلّ ويُبشّر من أطاع فآمن بالثواب العظيم، ويُنذِرَ من أعرض فكفّر بالعذاب الأليم، كما قال ربُّنا عزّ وجلّ في سورة الفُرقان {ليكون للعالمين نذيرا}، فالمراد بالعالمين في هذه الآية الإنس والجنّ. ولا دخول للملائكة فيهم لأنهم لا يعصون الله أبدًا، ولا يختارون إلا الطاعة فلا يحتاجون إلى الإنذار.

ويُفهَمُ ممّا تقدّم أن المعرفة وحدها لا تكفي، لأن الله تعالى أخبر عن اليهود أنهم كانوا يعرفون محمّدًا أنه نبيّ فقال تعالى: {يعرفونه كما يعرفون أبناءهم} من سورة البقرة/146، لكن لم تُذعِنْ نفوسُهم، ولذا كانوا يكذبونه بألسنتهم مع عِلْمِهم بأنه نبيّ مرسَل من عند الله لأن التوراة التي أنزِلت على سيدنا موسى فيها الإخبار بأن محمّدًا رسول الله لكن التوراة حُرِّفَت لفظًا بعد أن حُرفت معنًى كالإنجيل.

صادق في كلّ ما يبلغه عن الله تعالى ليؤمنوا بشريعته ويتّبعوه.

يجب الإيمان بأنّ سيدنا محمدًا صادق في كلّ ما يبلغه عن الله تعالى للثقلين سواءٌ كان من الأمور التي ستحدق في المستقبل أم من أخبار الأمم الماضية أم من التحليل أو التحريم، وقد بَعَثَهُ الله إليهم ليؤمنوا أي ليأمرهم بالإيمان بشريعته ويتبعوه في ما جاء به كلِّهِ صلى الله عليه وسلم فإنه لا يخطئ في شيء من ذلك كما ثبت من قوله صلى الله عليه وسلم "كلٌّ يُؤخذ من قوله ويُدَعُ غير نبيّ الله" صلى الله عليه وسلم، رواه الطبراني في المعجم الكبير، فمن عرف بثبوت حكم من الأحكام في الشريعة المحمدية ثم رَدَّه فهو كافر مهما كان هذا الحكمُ، لأن ردّه تكذيب لله وللنبيّ صلى الله عليه وسلم، وكفى بذلك كفرًا.

والمراد بالشهادتين نَفْيُ الألوهية عمّا سوى الله وإثباتُها لله تعالى مع الإقرار برسالة محمّدٍ صلى الله عليه وسلم.

المراد بالشهادتين نفيُ أن يكون شيءٌ سوى الله يستحقّ العبادة، والإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم. والعبادة هي نهاية التذلل أو غاية الخشوع والخضوع، وهذا ما تدلّ عليه النصوص وتَعْرفُهُ العربُ في تخاطُبِهِم وهو ما ذكره أئمة اللغة والدين، وأما ما ابتدعَتْه الوهابية حيث قالوا إن العبادة هي الاستعانة والاستغاثة والنداء والرجاء واتخذوا ذلك بابًا ليكفِّروا من قال من الأمة: يا رسول الله أو يا محمد فهو افتراءٌ ظاهر ودعوى بلا دليل.

قال الله تعالى {ومن لم يؤمن بالله ورسوله فإنّا أعتدنا للكافرين سعيرًا} سورة الفتح/12. فهذه الآية صريحة في تكفير من لم يؤمن بمحمد صلى الله عليه وسلم، فمن نازع في هذا الموضوع يكون قد عاند القرآن، ومن عاند القرآن كَفَر.

هذه الآية دلت على أنّ مَن لم يؤمن بالله ورسوله محمّدٍ كافرٌ، ومعنى {فإنّا أعتدنا للكافرين سعيرًا} أي هيّأنا لهم نار جهنَّمَ لكفرهم، والإيمانُ بالنبيّ محمد صلى الله عليه وسلم شرطٌ لا بد منه ليكون العبد عند الله مسلمًا مؤمنًا، فمن لم يؤمن برسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ثم زعم أنه مؤمن أو مسلم فزَعْمُه باطل مردود عليه لتكذيبه القرآن، كما أنه من كان في زمان عيسى أو زمان موسى أو غيرهما من الأنبياء إذا كذّبَ أحدًا منهم واعترف بوجود الله ولم يعبد غيره فهو كافر، لأن الله أرسَلَ الأنبياء لِيُصَدَّقُوا ويُتَّبَعُوا، فتكذيبُهم تكذيب لله.

وأجمع الفقهاء الإسلاميون على تكفير من دان بغير الإسلام، وعلى تكفير من لم يكفّره أو شكَّ أو توقّف، كأن يقول: أنا لا أقول إنه كافر أو غير كافر.

من اتخذ لنفسه دينًا غير دين الإسلام فهو كافر بإجماع الفقهاء الإسلاميين، وكذلك من لم يكفره أو شك في كفره أو توقف أي لم يحكمْ عليه بالكفر ولا بالإيمان كأن يقول: أنا لا أقول إنه كافر أو غير كافرٍ، لأنه بذلك يَرُدُّ قوله تعالى في سورة آل عمران {ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يُقبَلَ منه}.

واعلَمْ باستيقانٍ أنه لا يصح الإيمانُ والإسلامُ ولا تُقبَلُ الأعمال الصالحة بدون الشهادتين بلفظ أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنّ محمدًا رسوله الله أو ما في معناهُما، ولو بغير اللغة العربية.

أي اعلَمْ جازمًا بلا شكٍّ أنه لا يصح الإيمانُ والإسلامُ من الكافر، ولا تُقْبَلُ الأعمال الصالحة منه بدون النطق بالشهادتين بلفظ أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله أو ما في معناهما كأن يقول: لا إله إلا الله أبو القاسم رسول الله، أو لا إله إلا الرحمنُ محمد نبيّ الله، أو لا خالق إلا الله أحمد رسول الله. ولا يشترط لفظ أشهد بل يكفي لا إله إلا الله محمد رسول الله ونحوُهُ، وإن كان لفظ أشهد أقوى لتضمنّه معنى العِلم والاعتقاد والاعتراف، وكذلك لو نطق بما يعطي معناهُما بغير اللغة العربية صح إيمانه وإسلامه.

ويكفي لصحة الإسلام النطقُ مرةً في العُمُر ويبقى وجوبُها في كل صلاة لصحة الصلاة، هذا فيمن كان على غير الإسلام ثم أراد الدخول في الإسلام.

يكفي لصحة الإسلام النطق مرة في العمر بالشهادتين، ويبقى وجوبها بعد ذلك في كل صلاة لصحة الصلاة. واشتراطُ النطق بهما لصحة الإسلام، محله في من كان على غير الإسلام ثم أراد الدخول في الإسلام، لا في وَلَدِ المسلم.

وليُحتَرَزْ عند النطق بالشهادتين من إبدال "أنّ" المشدّدة بأنْ المخففة، بأن يقول: "أشهد أنّ" بتشديد النون من "أنْ" لأن المعنى لا يتمُّ عندئذٍ، ولا يعود فيه إقرارٌ بانفراد الله تعالى بالألوهية.

وممّا يدل على اشتراط النطق بالشهادتين لصحة الإيمان والإسلام حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أُمِرْتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئتُ به"، رواه ابن حبان. والمراد بقوله صلى الله عليه وسلم "حتى يقولوا لا إله إلا الله: أي ويقولوا أيضًا محمد رسول الله كما تدل عليه الروايات الأخرى. وإنما ذُكِرَتْ الشهادةُ الأولى فقط لِمَا عُلِمَ من أنّ ذِكْرَها يتضمَّنُ في عُرف الشرع ذِكْرَ الثانية أيضًا كما تقدم.

وكذلك ما أخرجه الشيخان عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حينَ بعثه إلى اليمن: إنك ستأتي قومًا أهل كتابٍ، فإذا جئتَهم فادعُهُم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا رسول الله، الحديث، قال الحافظ ابن حجر في الفتح: "واستُدِلّ به على أنه لا يكفي في الإسلام الاقتصار على شهادة أن لا إله إلا الله حتى يُضيفَ إليها الشهادة لمحمد صلى الله عليه وسلم بالرسالة".

وأما من أراد الدخول حالًا في الإسلام فعجَزَ عن النطق لِفَجأة موتٍ أو علّةٍ فإنه يكون مؤمنًا عند الله تعالى ولو لم ينطق لقول الله تعالى في سورة البقرة {لا يكلّف الله نفسًا إلّا وُسْعَها}.

وأمّا من نشأ على الإسلام وكان يعتقد الشهادتين فلا يشترط في حقّه النطقُ، بهما، بل هو مسلم لو لم ينطق.

مَن وُلِدَ لمُسلمٍ نشأ على الإسلام وكان يعتقد معنى الشهادتين عندما صار مكلّفًا، فلا يشترط في حقّه النطق بهما عندئذٍ، بل هو مسلم مؤمن ولو لم ينطق بهما إلى أن مات، وذلك لأنه قبل البلوغ حُكِمَ له بالإسلام بالتبعية لوالده فلما بلغ لم يحصل منه ما يناقض ذلك، فلا يخرج من الإسلام، بل يستمرُّ محكومًا عليه بالإسلام ولو لم يتشهد بلسانه، لكنه يأثم بترك التشهد إثمًا كبيرًا.

وقال صلى الله عليه وسلم: "قال الله تعالى: وما تقرّب إليّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مما افترضتُ عليه"، حديث قدسيّ رواه البخاريّ. وأفضل وأول فرضٍ هو الإيمان بالله ورسوله.

هذا الحديث القدسيّ يدل على أن الفرض أفضل وأولى وأهمّ من النفل، ولذا قال بعض الأفاضل الأكابر: "من شغله الفرضُ عن النفل فهو معذور، ومن شغله النفلُ عن الفرض فهو مغرور" ذكره الحافظ ابن حجر في شرح البخاري. فالعمل بالفرض يقرّب إلى الله أكثر من العمل بالنوافل، فعليكم بتقديم الفرض على النفل عملًا بالقاعدة المذكورة.

وأفضل الأعمال على الإطلاق الإيمان بالله ورسوله لحديث البخاري حين سُئِلً النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن أفضل الأعمال فقال "الإيمان بالله ورسوله".

واعتقاد أنْ لا إله إلا الله فقط لا يكفي ما لم يُقرَنْ باعتقاد أنّ محمدًا رسول الله، قال تعالى: {قل أطيعوا الله والرسول فإنّ تَوَلَّوْا فإنّ الله لا يحبُّ الكافرين}، سورة آل عمران/32. أي لا يحبّ اللهُ من تولى عن الإيمان بالله والرسول لكفرهم، والمراد بطاعة الله والرسول في هذه الآية الإيمانُ بهما.

قوله تعالى: {قل} معناه قل يا محمّد {أطيعوا الله والرسول} أي بالإيمان بهما {فإنْ تَوَلَّوْا} أي أعرضوا عن ذلك {فإنّ الله لا يحبّ الكافرين} أي فهم كفّار لا يحبهم الله، ولو أحبَّهم لرزقَهم الإيمان بالله ورسوله محمّد صلى الله عليه وسلم لقوله صلى الله عليه وسلم: "إنّ الله يعطي المال لمن يحبّ ولمن لا يحبّ ولا يعطي الإيمان إلا لمن يحبّ" رواه الحاكم في المستدرك. والمراد بطاعة الله والرسول في الآية السابقة الإيمان بهما، نصّ على ذلك الطبريُّ والبغويُّ وأبو حيّان وغيرُهم من المفسرين.

فهذا دليل على أن من لم يؤمن بالله ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم فهو كافر وأنّ الله تعالى لا يحبه فكره، فمن قال إنّ الله يحب المؤمنين والكافرين لأنه خلق الجميع فقد كذّب القرآن، فيقال له: الله خلق الجميع لكن لا يحبّ الكلَّ.

قوله تعالى: {فإن تَوَلَّوا فإنّ الله لا يحبّ الكافرين} دليل على أنّ من لم يؤمن بالله ورسوله فهو كافر وأن الله لا يحبه لكفره، فمن قال: إن الله يحب المؤمنين والكافرين لأنه خلق الجميع فقد كذّب القرآن وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد روى ابن حبان مرفوعًا: "والذي نفسي بيده إنّ الذي يدهدهُه" أي يُدَحْرِجُه "الجُعَلُ بأنفه خير من هؤلاء الكافرين"، والجُعَل دُويْبَة سوداءُ تُدحرِجُ القذر، فالله تعالى خلق المسلمين والكافرين لكنه لا يحبّ سوى المسلمين.