قالت اليهود للرسول صلى الله عليه وسلم" "صِف لنا ربَّك". قد كان سؤالهم تعنُّتًا (أي عنادًا) لا حبًّا للعلم واسترشادًا به، فأنزل الله سورة الإخلاص {قل هو الله أحد} أي الذي لا يقبل التعدُّدَ والكثرة وليس له شريك في الذّات أو الصّفات أو الأفعال، وليس لأحدٍ صفة كصفاته، بل قدرتُه تعالى قدرة واحدة يقدِرُ بها على كلّ شيء، وعِلمُه واحد يعلَمُ به كلّ شيء.

روى البيهقيّ في الأسماء والصفات عن ابن عبّاس أنّ اليهود قالت للرسول صلى الله عليه وسلّم: يا محمّد صف لنا ربّك الذي تعبده، ولم يكن سؤالهم للتعلّم بل للعناد، فأنزل الله تعالى سورة الإخلاص، وفي آخر هذا الحديث أنّ النبي(31)، ومعنى {قل هو الله أحد} أنّ الله لا يقبل التعدُّد وأنّه عزّ وجلّ واحدٌ ذاتًا وصفاتٍ وأفعالًا، فل يوجد ذات يشبه ذات الله، وليس لأحدٍ صفة كصفاته، كما أنّه ليس لأحدٍ فعلٌ كفعلِهِ عزّ وجلّ، فقدرته تعالى – مثلًا – قدرة أزليّة أبديّةً، ليس متعدّدة بتعدِّد الأشياء بل قدرة واحدة، وكذلك عِلمُ الله ليس كعلم غيره، فهو عِلم واحد ليس حادثًا دفعةً بعد دفعة، وهو علم أزليّ أبديّ يعلم به كلّ شيء، يعلم به الأزليَّ أي ذاته وصفاته، ويعلم به الحادث أيضًا، لأنّ علم الله شامل للأزليّ والحادث، وأمّا قدرته فإنّها شاملة للحادث، وأما الأزليّ فلا تتعلق به القدرة كما تقدم بيانه.

قوله تعالى: {الله الصمد} أي الذي تفتقر إليه جميع المخلوقات مع استغنائه عن كلِّ موجود، والذي يُقصد عند الشدّة بجميع أنواعها، ولا يجتلب بخلقه نفعًا لنفسه ولا يدفع بهم عن نفسه ضَرًّا.

معنى قوله تعلى {الله الصمد} أنّه تعالى مستغنٍ عن كل شيء، وكلُّ شيءٍ يحتاج إليه فيقصده العباد عند الشدّة، والله تعالى لا ينتفع بخلقه ولا يجتلب نفعًا منهم لنفسه، ولا يدفع ضررًا بهم عن نفسه، فهم لا ينفعونه ولا يضرّونه كما قال تعالى في سورى الذاريات {ما أُريدُ منهم من رِزْقٍ وما أريدُ أن يُطعِمُون} 57، إنّ الله هو الرزّاق ذو القوّة المتين} 58.

قوله تعالى: {لم يَلِدْ ولم يُولَدْ} نفيٌ للمادّية والانحلال وهو أن ينحلَّ منه شيءٌ أو أن يحُلَّ هو في شيء.

قول الله عزّ وجلّ {لم يلد ولم يولد} نفيٌ للمادية والانحلال، فليس هو سبحانه مادّةً لغيره ولا أصلًا أو أبًا، وليس فرعًا لغيره أو ولدًا، أي إنّه سبحانه منزّهٌ عن أن ينحلَّ منه شيء كما ينفصل الولد عن والده أو أن يَحُلَّ هو في شيء كما يَحُلُّ الولدُ في رَحِمِ من يَلِدُهُ.

وما ورد في كتاب "مولد العروس" من أنّ الله تعالى قبضَ قبضةً من نور وجهه فقال لها: كوني محمّدًا، فكانت محمّدًا، فهذه من الأباطيل المدسوسة، وحكم من يعتقد أنّ محمّدًا صلى الله عليه وسلم جزءٌ من الله تعالى التكفيرُ قطعًا، وكذلك الذي يعتقد في المسيح أنّه جزءٌ من الله.

هذا المذكور في "مولد العروس" ضلال مبين وخروج عن عقيدة الإسلام، لأنّ الله منزّه عن أن يكون له جزء ينحَلُّ منه، فالذي يعتقد أنّ محمّدًا جزء من الله أو يعتقد أنّ المسيح جزء من الله يكفر بلا شك، فلا فرق بين هذين الاعتقادين في نسبة الأجزاء إلى الرّبّ تعالى، فمن اعتقد أيًّا منهما فهو داخل تحت الذمّ المفهوم من قوله تعالى في سورة الزخرف {وجَعَلوا له من عبادِهِ جزءًا}، وكم ضلَّ أناس بسبب كتاب "مولد العروس" هذا.

يس هذا الكتاب لابن الجوزيّ رحمه الله، ولم ينسُبه إليه إلا المستشرق بروكلمان.

كتاب "مولد العروس" ليس من تأليف ابن الجوزيّ كما يزعُم من طبع هذا الكتاب، فإنّ مؤلفات ابن الجوزيّ رحمه الله كثيرة ذكَرَها من ترجموه من علماء المسلمين ولم يذكروا من بينها هذا الكتاب، ولم يَنْسُبْه إليه إلا المستشرق الألمانيّ بروكلمان من غير تحقيق فهذا الكتاب مُلصَقٌ به، وبروكلمان ينسُبها إلى أناس من غير تحقيق، وأمّا ابن الجوزيّ فقد كان محدّثًا فقيهًا مفسِرًا أعطيَ باعًا قويًّا في الوعظ، فقد كان من قوّة وَعْظِهِ إذا تكلّم يحرّك القلوب، وأسلم على يده بسبب دروسه ومواعظه مائةُ ألف.

قوله تعالى: {ولم يكن له كُفوًا أحدٌ} أي لا نظير له بوجهٍ من الوجوه.

معنى قوله تعالى {ولم يكن له كُفُوًا أحد} أنّ الله لا يشبه شيئًا بوجهٍ من الوجوه.

الآيات المحكمات والمتشابهات

لفهم هذا الموضوع كما ينبغي يجب معرفة أنّ القرآن تُوجد فيه آيات محكمات وآيات متشابهات، قال تعالى {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكماتٌ هنّ أمُّ الكتاب وأُخَرٌ متشابهاتٌ فأمّا الذين في قلوبهم زيغُ فيتّبعون ما تشابَهَ منه ابتغاءَ الفتنة وابتغاءِ تأويلِهِ وما يعلم تأويله إلّا اللهُ والرّاسخون في العلم يقولون آمنّا به كلٌّ من عند ربّنا وما يذكَّرُ إلّا أولوا الألباب} سورة آل عمران، 7.

القرآن فيه آيات محكمات يتّضح معناها بمجرّد قراءتها، وآيات أخَرُ متشابهات يُرجَعُ لفَهْمِها على وجهها إلى الآيات المحكمات، فالمحكماتُ هنّ أمّ الكتاب أي أمّ القرآن، أي أصل الكتاب وأساسُه، والمتشابهات من الآيات ما يُحتاج إلى ردّه إلى الآيات المحكمات لنتّضح دلالتُها، والذين في قلوبهم زيغٌ يتبعون ما تشابه من الآيات ابتغاء إيقاع الفتنةِ وابتغاء تأويله أي معرفةِ وقت حصول هذا المتشابه، وهذا المعنى يلائم قراءة الوقف على لفظ الجلالة، عند قوله تعالى {إلا الله}، إذ القرآن فيه آيات متشابهاتٍ تتعلق بأمور لم يُطْلِع اللهُ الخلقَ على وقت حصول ما ذُكِر فيها تعيينًا كوَجْبة القيامة وخروج الدجّال، فيعمَدُ الذين في قلوبهم زيغ وضلال إلى محاولة تعيين وقت حصولها كما فعَلَ اليهود إذ استعملوا حساب الجُمل في الحروف المقطّعة في أوائل السُّور لتعيين وقت قيام الساعة، ولا يعلم ذلك في الحقيقة إلا الله، وأمّا الراسخون في العلم فيقولون آمنا بالقرآن كلِّه محكَمِهِ ومتشابِهِه، إذ كلٌّ من المُحكَم والمتشابه وَحْيٌ من عند الله.

وأمّا على القراءة الثانية بالوقف على لفظ {العِلْم} فيكون المعنى إنّ أهل الزيغ والضّلال يتتبعون الآيات المتشابهات ليَحْمِلوها على ما يخالف المحكمَ ولا يوافق الشّريعة، ولا يعلم تأويل هذه الآيات الصحيح أي معناها المراد إلا ربُّنا تبارك وتعالى ومن أطلعَهُ على ذلك من الراسخين في العِلم فإنّهم أي الراسخين يقولون آمنّا بالكتاب كلِّه المحكمِ منه والمتشابه، إذ كلاهما من عند الله.

فإذا نظرنا إلى القراءتين معًا اتّضح أنّ المتشابه نوعان: نوع يجوز أن يعلمه الخلق ونوعٌ لا سبيل للخلق إلى معرفته، فالنوع الأوّل أطلع اللهُ تعالى الرساخين في العلم عليه فعَلِموه كما رُوي عن ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّه كان يقول: "أنا من الراسخين في العِلم" نقله الحافظ الزّبيديّ عن أبي نصر القشيري في الإتحاف. ومعنى قول ابن عباس أنّ الله أطلعه على معناه، والنوع الثاني من المتشابه لم يُطلع اللهُ أحدًا من الخلق على تأويله، أي على معرفة وقت حصوله، فلم يدَّع أحد من أهل العلم معرفته بذلك.

وليعلم أن تقسيم الآيات إلى محكم ومتشابه لا يخالف قولَهُ تعالى {كتابٌ أحكِمَتْ آياتُه} سورة هود، 1، وقولَهُ تعالى {كتابًا متشابهًا} سورة الزُّمر، 23، لأنّ المراد بإحكامه إتقانُه وعدمخُ تطرّقِ النّقص والاختلاف إليه، وبتشابُهِهِ كونُه يُشبِهُ بعضُه بعضًا في الحقّ والصّدقِ والإعجاز.

الآياتُ المحكَمةُ هي ما لا يَحتملُ من التّأويل بحسَب وَضْع اللغة إلّا وجهًا واحدًا، أو ما عُرِفَ المرادُ به بوضوح كقوله تعالى {ليس كمثله شيءٌ} وقوله {ولم يكن له كُفُوًا أحدٌ} وقوله {هل تعلم له سَمِيّا} سورة مريم، 65.

أغلب الآيات القرآنية مُحكَمة، والآيات المحكمة هي التي دلالتها على المراد واضحة جليّة، ويقال هي ما لا يحتمل من التأويل بحسب اللغة العربيّة إلّا وجهًا واحدًا كقوله تعالى في سورة الشورى {ليس كمثله شيء} وقوله في سورة الإخلاص {ولم يكن له كُفُوًا أحد} وقوله في سورة مريم {هل تعلَمُ له سمِيًّا} أي مِثْلًا، أي ليس له مثيل ولا شبيه.

فهذه كلُّها آيات محكمة لا يجوز إخراجُها عن معناها المتبادر، لأنّ اللغة لا تحتملُ لها معانيَ أخرى تُحمَلُ عليها إذا وُحِدَ دليل يقتضي ذلك.

والمتشابهُ هو ما لم تتَّضِحْ دلالتُه أو يحتمِلُ أوجهًا عديدةً واحتاجَ إلى النّظر لِحَمْلِهِ على الوجه المطابِقِ كقوله تعالى }الرّحمنُ على العرش استوى} سورة طه، 5.

المتشابِهُ هو الذي دلالتُه على المراد غيرُ واضحة، أو كان يحتمل بحسب وضع اللغة العربيّة أوجهًا عديدةً، واحتيج لمعرفة المعنى المراد منه لنظر أهل النظر والفهم الذين لهم دراية بالنّصوص ومعانيها، ولهم دراية بلغة العرب فلا تخفى عليهم هذه المعاني، وذلك لحمل المتشابه على الوجه المطابِقِ الذي لا يتعارض مع معاني المحكم، مثال ذلك قوله تعالى في سورة طه {الرّحمن على العرش استوى} فقد دلَّ الدليل العقليّ والنقليّ كما سبق تقرير ذلك على أنّ الله تعالى لا يجوز عليه الجلوس أو الاستقرار أو الكون في جهةٍ أو مكانٍ، فوجب لذلك إخراجُ كلمة "استوى" عن المعنى الظاهر المقتضي لصفاتِ المخلوقاتِ لكي لا يكون تعارُض بين الأدلة وتنافٍ بين النّصوص.

وقوله تعالى: {إلأيه يَصْعَدُ الكَلِمُ الطّيِّبُ(32) والعملُ الصّالِحُ يَرفَعُهُ(33)} سورة فاطر، 10، أي أنّ الكلِمَ الطيّب كلا إله إلا الله يَصعَدُ إلى محلّ كرامتِهِ وهو السّماء، والعملُ الصّالحُ يرفَعُه، أي الكلِمُ الطيّبُ يرفَعُ العمل الصّالح، وهذا منطبِقٌ ومنسجِمٌ مع الآية المحكمةِ {ليس كمثله شيء}.

كذلك لا بد من تأويل قوله تعالى في سورة فاطر {إليه يصعَدُ الكلِمُ الطّيّب والعَمَلُ الصّالحُ يرفَعُه} لأنّ ظاهر لفظ {إليه} يقتضي كونه الله تعالى في جهة فوق، لكنّ الأدلّة القطعيّة تردُّ ذلك، فوجب إخراج اللفظ عن ظاهره بحيث يوافق معنى هذه الآية الأدلة القطعيّة، فيُحمَلُ لفظ {إليه} على أن المراد به المحلُّ المكرّمُ عند الله، فمعنى الآية أنّ الكلم الطّيّب أي كلمة التوحيد هي الأصل والأساس لرفع الأعمال الصّالحة أي لقبولها عند الله، والعمل الصّالح يشمَلُ كلَّ عملٍ صالحٍ يُتَقرَّبُ به إلى الله نحو الصّلاة والصّدقة وصلة الرّحم.

فتفسير الآيات المتشابهة يجب أن يُردُّ إلى الآيات المحكمة، هذا في المتشابهُ الذي يجوز للعلماء أن يعلَمُوه.

أي مَن أراد أن يفسّر المتشابه يجب أن يكون موافقًا للآيات المحكمات كتفسير الاستواء في قوله تعالى {الرحمن على العرش استوى} بالقهر، وتفسير {إليه} في قوله تعالى {إليه يصعَدُ الكَلِمُ الطيّبُ} بمحلّ كرامته عزّ وجلّ، فهذا موافق للآيات المحكمات. وما ذُكِر إنما هو من المتشابه الذي يعلَمُه الراسخون في العلم.

وأمّا المتشابه الذي أُريدَ بقوله {وما يعلَمُ تأويلَهُ إلّا اللهُ} سورة آل عمران، 7، على قراءة الوقف على لفظ الجلالة فهو ما كان مثل وَجْبَةِ القيامةِ وخروج الدّجّال على التّحديد فليس من قبيل آية الاستواء.

المتشابه الذي أريدَ بقوله تعالى {وما يعلم تأويله إلّا الله} على قراءة الوقف على لفظ الجلالة فهو ما كان مثلَ وَجْبَةِ القيامة أي الوقتِ المُحدَّد الذي تقع فيه القيامة، ومثلَ خروج الدجّال، فهذان لا يعلَمُهما على التحديد إلّا الله، لا يعلَمُهما أحد من الخلق، لا الرساخون في العلم ولا غيرهم.

وليس التأويل الذي لا سبيل لمخلوق إلى معرفته هو من قبيل تأويل آية الاستواء، بل لا بدّ فيها من تأويلٍ إجماليّ أو تفصيليّ على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.

فالأمر كما سبق بيانه أنّ المتشابه قسمان:

1 – قِسم لا يعلمه إلا الله مثلُ وجبة القيامة وخروج الدجّال على التّحديد.

2 – وقسم يعلَمُه بعضُ من علّمه الله من عباده وهو مثل قوله تعالى {الرحمن على العرش استوى}.

والمذمومون الذين ذمَّهُم الله في القرآن بقوله تعالى {فأمّا الذين في قلوبهم زيغُ فيتّبعون ما تشابه منه ابتغاءَ الفتنة وابتغاء تأويلِهِ} هم الذين يحاولون تحديد وقت قيام الساعة وخروج الدجال والذين يحاولون تفسير القسم الآخر من المتشابه على وجهٍ فاسدٍ يؤدي إلى التشبيه، فكلا الفريقين مذموم، والتأويل إذا كان على وجه السائغ شرعًا لا يُذَمُّ فاعِلُه بل يُمدَح. وإطلاق الوهابيّة قولهم: "التأويل تعطيل وزيغ" كلام باطل، كيف وقد ثبت التأويل عن السّلف الصالح كأحمد بن حنبل الذي تعثّر به الوهابية مع أنهم مخالفون له في الاعتقاد وفي الأحكام، فقد ثبت عنه أنّه أوّل قوله تعالى {وجاء ربُّك} بمجيئ القدرة – كما في البداية والنهاية – أي آثارِ قدرة الله العظيمة ممّا يظهر يوم القيامة كخروج عنقٍ من جهنّم – وهو متّصل بجهنم من غير أن ينفصل عنها – وذلك ليراه الكفار فيفزعوا برؤيته وهم في موقف القيامة – كما في مسند أحمد.

وقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم: "اعمَلُوا بمُحكَمِهِ وآمِنُوا بمتشابِهِه" ضعيف ضعفًا خفيفًا.

معنى قوله صلى الله عليه وسلم: "اعمَلُوا بمُحكَمِهِ" اعمَلُوا بمحكم آيات القرآن، و"آمنوا بمتشابهه" آمنوا من غير أن تتوهّموا أنّ معانِيَها من معاني الأجسام. وهذا الحديث رواه ابن حبّان في صحيحه مرفوعًا وفيه ضعف خفيف. وبمعناه ما رواه البيهقيّ في الاعتقاد عن عددٍ من أكابر أئمة السّلف أنّهم قالوا في المتشابهات: "أمِرُّوها كما جاءت بلا كيفيّة: أي آمنوا بها لورودها في القرآن وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وسلّم مع اعتقاد أنّ لها معانيَ تليق بالله غيرَ المعاني الظاهرة التي فيها تشبيه للخالق بالمخلوق.

وقد بيّنَ أبو نصر القشيريّ – رحمه الله – الشناعة التي تلزَمُ نفاةَ التأويل، وأبو نصر القشيريّ هو الذي وصفه الحافظ عبد الرزّاق الطّبْسِيُّ بإمام الأئمّة كما نقل ذلك الحافظ ابنُ عساكر في كتابه "تبيين كذب المفتري".

بيّن الإمام ابنُ أبي القاسم أبو نصر القشيريّ رحمه الله البشاعة التي تلزم مذهب نفاة التأويل، وأبو نصر القشيريّ إمام الأئمة في زمانه كما نقل ذلك الحافظ ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري" عن الحافظ عبد الرزّاق الطّبْسيّ.

قال المحدّث اللغوي الفقيه الحنفيّ مرتضى الزبيديّ في شرحه المسمّى "إتحاف السادة المتقين" نقلًا عن كتاب "التذكرة الشرقيّة" لأبي نصر القشيريّ ما نصّه: وأمّا قول الله عزّ وجلّ {وما يعلم تأويلَهُ إلّا الله} سورة آل عمران، 7، إنّما يريدُ به وقت قيام الساعة، فإنّ المشركين سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن الساعة أيّان مُرساها ومتى وقوعُها.

معنى كلام القشيريّ أنّ المتشابه المشار إليه في قوله تعالى {وما يعلم تأويله إلّا الله} بقراءة الوقف على لفظ الجلالة يراد به المتشابه الذي لا يعلمه إلّا الله كوقت قيام الساعة، وقد سأل المشركون النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فلم يعطهم جوابًا لأنّ العلم بذلك مما استأثر الله بعلمه فلا يعلمه إلّا هو، وكان جوابه صلى الله عليه وسلم لسيّدنا جبريل حين سأله عن وقت الساعة أي القيامة: "ما المسؤول عنها بأعلم من السائل" رواه الشيخان، وإذا كان جبريل وسيدنا محمّد صلى الله عليه وسلم لا يعلمان ذلك فغيرهما أولى بأن لا يعلم.

فالمتشابه إشارة إلى عِلم الغيب، فليس يعلَمُ عواقبَ الأمور إلا الله عزّ وجلّ، ولهذا قال {هل ينظرون إلّا تأويلَهُ يومَ يأتي تأويلُه} سورة الأعراف، 53. أي هل ينظرون إلّا قيام الساعة.

المراد من قوله تعالى {وما يعلَمُ تأويلَهُ إلّا الله} وقتُ قيام القيامة، فهذا من عِلم الغيب فلا يعلمه إلا الخالق عزّ وجلّ، ومثل ذلك قوله تعالى {هل ينظرون إلّا تأويلَهُ يومَ يأتي تأويلُه}.

والمعنى هل ينتظر هؤلاء المشركون الذين يكذبون بآيات الله وينكرون يوم القيامة إلّا تأويلَهُ، أي يوم القيامة، يوم ما يؤول إليه أمرُهم من العذاب، فتأويله هو يومُ القيامة لما فيه من العاقبة المنتظرة من الوعد والوعيد، ولا يعلم متى يأتي هذا اليومُ إلّا الله عزّ وجلّ.

وكيف يسوغ لقائل أن يقول في كتاب الله تعالى ما لا سبيل لمخلوق إلى معرفته ولا يَعلَمُ تأويله إلّا الله، أليس هذا من أعظم القدم في النبوّات؟! وأنّ النبيّ ما عرف تأويل ما ورد في صفات الله تعالى ودعا الخلق إلى عِلْم ما لا يُعلمُ.

لا يجوز حمل قوله تعالى {وما يعلم تأويله إلّا الله} على معنى مَنْع تأويل الآيات الواردة في الصفات(34) كما فعلت المشبّهة، لأنّ هذا الحمل والادّعاء فيه أنّ في القرآن آياتٍ لا يعلم تفسيرها إلّا الله، وأنْ ليس لمخلوق حتى الأنبياء إلى معرفته، وهذا غير لائق بمنصب الأنبياء، فلا يليق أن يقول قائل: يوجد في القرآن ما لا سبيل لمخلوق إلى معرفته ولا يعلم تأويله إلّا الله، فإنّ هذا جرحًا في أمور النبوّات، لأنّ فيه ما يتضمّن أنّ النبيّ ما عرف تأويل ما ورد في صفات الله تعالى ودعا الخلق إلى عِلم ما لا يُعلَمُ، أي أنّه هو نفسُه لا يعرف ودعا النّاس إلى معرفة ما لا يُعلَم!

أليس الله يقول: {بلسانٍ عربيّ مبينٍ} سورة الشعراء، 195، فإذًا على زعمهم يجب أن يقولوا كذب حيث قال {بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ} إذا لم يكن معلومًا عندهم، وإلّا فأين هذا البيان.

مَنْعُ المشبهة تأويل الآيات الواردة في الصفات مستدلّين – على زعمهم – بقوله تعالى {وما يعلم تأويلهُ إلّا الله} يؤدّي إلى القول بأنّ القرآن لم يكن مُبينًا أي ظاهرَ المعنى، وهذا مخالف لقوله تعالى {بلسانٍ عربيٍّ مُبين} لأنه يوجد – بحسب مقتضى كلامهم – في القرآن ما لا سبيل لأحدٍ إلى معرفته. وكان المشركين الذين جاء النبيّ عليه الصلاة والسلام ليدعوهم إلى الإيمان بالقرآن سيقولون حينئذٍ عن سيدنا محمد إنّه كذَبَ حيث أخبَرَ بأنّ القرآن أنزلَ بلسان عربيّ مبين، أي ظاهر المعنى إذ لم يكن معلومًا عندهم وإلّا فأين هذا البيان، أي لكانوا قالوا قوله {مُبينٍ} كذبٌ إذ كيف يكون بلسانِ عربيّ ظاهرٍ ثم نحن لا نعرف معناه ولا هو! فكيف صار مبينًا إن كان لا يُعلمُ تأويل هذه الآيات.

وكانوا سيقولون أيضًا: وإذا كان بلغة العرب فكيف يدّعي أنّه ممّا لا تعلَمُه العربُ لمّا كان ذلك الشيءُ عربيًّا، فما قولٌ في مقالٍ مآلُهُ إلى تكذيب الرّبّ سبحانه.

أي ولقال هؤلاء المشركون: إذا كان بلغة العرب كما يزعم محمّد فكيف يدّعي أنّه ممّا لا تعلمه العرب. ثم قال القشيريّ رحمه الله: فما قولٌ في مقالٍ مآله إلى تكذيب الرّبّ سبحانه، أي فماذا يقال في قولٍ، أي فهل يصحّ قولٌ مؤدّاه إلى تكذيب الله عزّ وجلّ!

ثم كان النبيّ صلى الله عليه وسلم يدعو النّاس إلى عبادة الله تعالى، فلو كان في كلامه وفيما يلقيه إلى أمّته شيء لا يعلَمُ تأويلَهُ إلّا الله تعالى لكان لِلقوم أنْ يقولوا: بيّن لنا أوّلًا من تدعونا إليه وما الذي تقول، فإنّ الإيمان بما لا يُعلَمُ أصلُه غيرُ متأتٍّ.

أي لو كان في كلام النبيّ صلى الله عليه وسلم وفيما يلقيه إلى أمّته شيءٌ لا يَعلَمُ تأويله أي معناه إلّ اللهُ لقال له الناسُ الذين أرسِلَ إليهم: بيّن لنا من تدعونا إليه وما الذي تقول حتى نقدِر على الإيمان به، فإن الإيمان بما لا يُعلَمُ أصله غير ممكن.

ونسبةُ النبيّ صلى الله عليه وسلّم إلى أنّه دعا إلى ربٍّ موصوفٍ بصفاتٍ لا تُعقَلُ أمرٌ عظيمٌ لا يتخيّلُهُ مسلمٌ، فإنّ الجهل بالصّفات يؤدّي إلى الجهل بالموصوف.

أي لا يصح (لا يُعقَلُ) أن يدعو الرسولُ إلى الإيمان بربٍّ لا تُعقل صفاتُه أي لا تُفهَمُ معاني صفاته عزّ وجلّ، ونسبة الرسول إلى ذلك أمرٌ لا يقول به مسلم فإنّ الجهل بالصّفات يقتضي عدم معرفة من هو الموصوف.

والغرض أن يستبين من معه مُسكَةٌ من العقل أنّ قول من يقول: "استواؤه صفة ذاتيّة لا يُعقَلُ معناها واليد صفة ذاتيّة لا يُعقل معناها والقدّمُ صفة ذاتيّة لا يعقل معناها" تمويه ضِمنَه تكييف وتشبيه ودُعاء إلى الجهل، وقد وَضَحَ الحقّ لذي عينَيْنِ.

المراد أن يتّضح لمن عنده شيء من العقل أن قول المشبّه: استواؤه صفة ذاتية لا يعقل معناها، أي لا يُعلَم المقصود من كلمة "استوى"، ويقول: اليد صفة ذاتية لا يعقل معناها تمويه وخداع ضِمنَهُ تكييف وتشبيه، إذ أنّ المشبّهة يتخذون هذه الألفاظ سبيلًا لإبعاد الناس عن معاني هذه العبارات من اليد والاستواء والقدَم ممّا يوافق الشريعة واللغة ويصرِفُ معانيها عن التشبيه والتحديد والتكييف بقولهم: إن هذه التفاسير مردودة لأن الاستواء واليد والقدَمَ بزعمهم لا يُعقل معناها، فيسهُل عليهم بعد ذلك جرُّ النّاس إلى اعتقاد أنها جوارح وكيفيّات نجهَلُ حجمَها ومقاديرَها وأحوالَها، فلذلك كان كلامهم تمويهًا يتضمّن تشبيهًا، وهو أيضًا دعاء إلى الجهل لأنّ من يقول لك: آمِنْ بما لا يُتعَقَّلُ وصَدِّقْ بما لا يُعرَف لا يكون في الحقيقة قد دعاك إلى عِلْمٍ، بل دعاك إلى أن تجهَل معاني ما يُلقَى إليك، وبهذا البيان يتضح الحقّ لذي عينين بصيرتين.

وليت شعري(35) هذا الذي يُنكر التأويل يَطْرُدُ هذا الإنكار في كلّ شيء ولي كلّ آية أم يقنَعْ بترك التأويل في صفات الله تعالى.

معناه هذا الذي ينكر التأويل، هل هو يُجري إنكاره في كلّ آيةٍ أم في صفات الله فقط يمنع وينفي، هل هو يعمّم هذا الإنكار أم في مواضع يراها هو فقط، فيخُصُّ المنعَ من التأويل بها من غير دليل.

فإن امتنع من التأويل أصلًا فقد أبطل الشّريعة والعلوم، إذ ما مِن آيةٍ وخبرٍ إلا ويحتاج إلى تأويل وتصرُّف في الكلام، لأنّ ثمَّ أشياء لا بُدّ من تأويلها لا خلاف بين العقلاء فيه إلا المُلحِدة الذين قصدُهم التعطيل للشرائع، والاعتقادُ لهذا يؤدّي إلى إبطال ما هو عليه من التمسّك بالشرع.

إن امتنع من التأويل على الإطلاق في الصّفات وفي غير الصّفات فقد أبطل الشريعة والعلوم، إذ ما من آيةٍ وخبرٍ إلّا ويحتاج إلى تأويل وتصرُّفٍ في الكلام بتخصيصٍ أو تقييد أو إضمار أو نحو ذلك إلا آياتٍ لا تحتاج إلى شيء من ذلك(36) من نحو قوله تعالى في سورة الحديد {وهو بكلِّ شيءٍ عليمٌ} حيث أفادت كلمةُ "كلّ" العموم بلا لإخراج شيءٍ لأنه هناك أشياءٌ لا بدّ من تأويلها أو تخصيصها أو تقييدها أو تقدير(37) إضمارٍ فيها، لا يختلف في ذلك العقلاء، إلا الذين يريدون تعطيل أحكام الشريعة.

فقول الله تعالى في سورة المائدة {وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ} مثلًا لا بُدَّ من تخصيص الشيء بالممكن لأنّ القدرة لا تتعلّق إلا بالممكن كما تقدّم بيانُه وقوله تعالى في سورة البقرة {الحجُّ أشهرٌ معلوماتٌ} لا بدّ من التقدير فيه فيكون المعنى: وقتُ الحجّ أشهر معلومات، وقولُ النبيّ صلى الله عليه وسلّم الذي رواه الشيخان "إنما الأعمال بالنّيات" مثلًا لا بدّ فيه من تقدير إنّما الأعمال تكون معتبرةً في الشرع إذا اقترنت بالنيات الصحيحة، وقولُه عليه الصلاة والسلام الذي رواه ابن حبّان "لا نكاحَ إلّا بوليِّ وشاهدي عدلٍ" مثلًا لا بد فيه من تقديرِ لا نكاح صحيحٌ إلّا بوليّ وشاهدَيْنِ، فالزعم ببطلان التأويل على الإطلاق والتمسّكُ بالظاهر من غير أيّ تصرُّفٍ في الكلام مهما كان،

والاعتقادُ لهذا المنهج يؤدّي إلى وقوع صاحبه في التناقض وإبطال ما هو عليه من التمسك بالشرع بزعمه، فإنه إذا أراد التمسك بما جاء في الشرع اعتقد أنّ الريح التي أرسلها الله على قوم عادٍ لم تدمّر الجبال ولا السموات ولا الأرض ولا الجنّة لكن إذا زعم في الوقت عينِهِ أن التأويل بأنواعه ممتنع اقتضى ذلك أن يفسّر قول الله تعالى في سورة الأحقاف {تدمِّرُ كلَّ شيءٍ بأمرِ ربِّها} بأن تلك الريح دمَّرَتْ ما تقدّم ذكرُه، وهذا عكس ما جاء في الشّرع فإنّها إنما دمّرَتْ ما اعتادوا أن يعيشوا فيه، فكان لا بدّ للتمسّك بالشرع من تَرْكِ الظاهر واللجوء إلى التأويل في كثير من الآيات والأحاديث.

وإن قال يجوز التأويل على الجُمْلَةِ إلّا فيما يتعلَّقُ بالله وبصفاته فلا تأويلَ فيه، فهذا مصيرٌ منه إلى أنّ ما يتعلق بغير الله تعالى يجب أن يُعلَمَ وما يتعلّقُ بالصّانع وصفاتِهِ يجب التقاصي عنه، وهذا لا يرضى به مسلم.

معنى قول القشيريّ أنّ المشبّه إن قال يجوز التأويل حيث يُحتاجُ إليه إلّا فيما يتعلّق بالله وصفاتِه فلا تأويل فيه، فهذا يؤدّي إلى القول بأنّ ما يتعلق بغير الله تعالى يجب أن يُعلَمَ معناه، وما يتعلّق بالخالق عزّ وجلّ وصفاتِهِ يجب البُعدُ عنه، وهذا لا يرضى به مسلم، فإنّ العِلم بالله تعالى وصفاته أجلُّ، وقد تمدَّحَ النبيّ صلى الله عليه وسلّم بأنّه أعلَمُ من غيره من النّاس به عزّ وجلّ، وذلك فيما رواه البخاري وغيره.

وسِرُّ الأمرِ أنّ هؤلاء الذين يمتنعون عن التأويل معتقدون حقيقة التشبيه غير أنّهم يدلّسون ويقولون: له يدٌ لا كالأيدي وقدمٌ لا كالأقدام واستواء بالات لا كما نعقِلُ فيما بيننا، فليَقُلِ المحقِّقُ: هذا كلامٌ لا بدّ من استِبيانٍ، قولُكم: نُجرِي الأمر على الظاهر ولا يُعقَلُ معناه تناقضٌ(38).

حقيقة الأمر أنّ هؤلاء الممتنعين عن التأويل يعتقدون التشبيه، إلّا أنّهم يدلّسون، أي يموّهون على النّاس ولا يصرّحون باعتقادهم كي لا يُصَدُّوا فورًا فيتدرّجون في خداع الذي يسهل خداعه من العوامّ لجلبه إلى اعتقادهم، فيقولون باللسان: لله يد لا كالأيدي وقدم لا كالأقدام واستواءٌ بالذات لا كما نَعْقِلُ فيما بيننا، فليقُل المحقِّقُ من أهل الفهم إذا سمع ما يدَّعُون: هذا كلام يحتاج إلى استِبيانٍ فإن فيه إشكالًا، إذ قولكم نُجري الأمر على الظاهر ولا يُعقَل معناه تناقضٌ، لأنّ الإجراء على الظاهر معناه اعتقاد الجسميّة في حقّ الله وقولُكم "لا يُعقَلُ معناه" معناه لا يُعلَمُ المقصود منه فظاهره نفيُ الأخذِ بالظاهر، وما هذا إلّا تناقضُ، إذ كيف يجتمع الأخذ بالظاهر وتَرْكُ الأخذِ بالظاهر!، لكن سرُّ الأمر أي حقيقته كما قال القشيريّ أنّ نفاة التأويل معتقدون حقيقة التشبيه، وأنّ قولهم "لا يُعقَلُ معناه" ليس إلا تمويهًا وتدليسًا.

إنْ أجريت على الظاهر فظاهر السياق في قوله تعالى: {يوم يُكشَفُ عن ساقٍ} سورة القلم، 42، هو العضو المشتمِلُ على الجلد واللحم والعظم والعصَب والمُخّ، فإن أخذت بهذا الظاهر والتزمت بالإقرار بهذه الأعضاء فهو الكفر.

أي إن حملت قوله تعالى {يوم يُكشَفُ عن ساقٍ} على الظاهر فقد أثبتَ لله هذا العضو الذي نعرفه من أنفسنا، أي العضو الذي يشتمِلُ على الجلد واللحم والعظم والعصَب والمُخّ أي السائل الذي يحويه العَظمُ وأخذتَ بهذا الظاهر فهو الكفر بدون شك وقعتً فيه.

ومعنى قوله تعالى في سورة القلم {يومَ يُكشَفُ عن ساقٍ ويَدْعُونَ إلى السُّجود فلا يستطيعون}42، أنّه يُكشفُ يوم القيامة عن شِدّةٍ شديدةٍ وهول شديد، أي عن أمرٍ شديدٍ بالغٍ في الصُّعوبة، أمّا المشبّهة فيقولون معنى {عن ساق} أي يكشِف الله عن ساقه والعياذ بالله عزّ وجلّ. والمراد بقوله تعالى {ويُدْعَوْنَ إلى السّجود} السّجود الذي هو سجود امتحانٍ حتى يتميّزَ المؤمنون الذين كانوا يسجدون لله تعالى عن نيّةٍ وإخلاصٍ من المنافقين الذين كانوا يتظاهرون بالإسلام ولم يكونوا مسلمين، إنما كانوا يسجدون في الدنيا مع المسلمين أحيانًا نفاقًا، أي حتى ينكشِف أمرُ هؤلاء وينفضِحوا يأمرُ الله الناس بالسّجود، فالمؤمنون يسجدون وأمّا المنافقون فلا يستطيعون لأنّ ظهورهم لا تطاوِعُهُم على السّجود فيفتضحون.

وأمّا قوله تعالى {والتفّت السّاقُ بالسّاق} سورة القيامة، 29، فمعناه أنه تلتَفُّ ساقُ العباد بعضِهم ببعضٍ يوم القيامة من شدّة الرَّحْمَة.

وإنْ لم يُمكِنْك الأخذُ بها فأين الأخذُ بالظّاهر(39)، ألست قد تركتَ الظاهر وعَلِمتَ تقدُّسَ الرّبّ تعالى عمّا يوهم الظاهر، فكيف يكونُ أخذًا بالظّاهر.

قولُ نفاةِ التأويل "نُجري الأمر على الظاهر ولا نعقِلُ معناه"، إن أرادوا بالظّاهر معانيَ الجسميّة فهو الكفر بلا شكٍ كما تقدّم، وإن ادّعى أحدُهم أنه لا يمكِنُه الأخذُ بالظّاهر أي أنّه لا يقول بالأخذ بالظاهر فلا يَنْسُبُ إلى الله معانيَ الجسميّة وصفاتِ المخلوقين، فما معنى الأخذِ بالظاهر الذي زعَمَ التزامه؟! فيقال له: ألستَ ادّعيت قولًا تَرْكَ الظاهر برفضك نسبة صفاتِ المخلوقين إلى الله وعَلِمتَ تنزُّه الله عن ذلك، ومع ذلك تقول: "نُجري الأمر على الظاهر" فكيف يكون تَرْكُكَ للظاهر أخذًا بالظاهر، أليس هذا تناقُضًا؟!

وإن قال الخصم: "هذه الظواهر لا معنَى لها أصلًا"، فهو حُكم بأنّها مُلغاة، وما كان في إبلاغها إلينا فائدةٌ وهي هَدَرٌ، وهذا محال.

إن قال الخصم مدلِّسًا للتّهرب من إقامة الحجّة عليه قولي: "نأخذ بالظّاهر" معناه أنّ هذه العبارات لا معنى لها أصلًا، أي ليس معناها الجوارح والأعضاء التي هي المعنى المتبادر ولا أيّ معنًى آخر معروفٌ لها في اللغة، فهو منه حُكم بأنّها ملغاة، إذ زعَمَ أنّه ليس لها معنًى بحسَب اللغة يُعرَفُ، وزَعْمٌ منه بأنّه ما كان في إبلاغها إلينا فائدة، وهي هدرٌ أي لا قيمة لها واعتبار، وهذا محال لأنها تكون والحالة هذه لغوًا، والقرآنُ منزّهٌ عن اللغو بلا رَيْب.

وفي لغة العرب ما شئت من التجوّز والتوسّع في الخطاب، وكانوا يعرفون مواردَ الكلام ويفهمون المقاصد، فمن تجافى عن التأويل فذلك لقِلَّةِ فهمِهِ بالعربيّة، ومن أحاطَ بطُرُقٍ من العربيّة هان عليه مَدْرَكُ الحقائق.

في لغة العرب الكثير من استعمال المجاز والتوسّع في الخطاب، وكان العرب القدماء الذين يُحتَجُّ بكلامهم في اللغة العربيّة في زمن البعثة وما يسبقه وما يليه يعرفون موارد الكلام أي في أيِّ معنًى يرِدُ، ويفهمون المقاصد أي ما يُقصَدُ من معاني الألفاظ، فمن ابتعد عن التأويل حيث ينبغي التأويلُ فذلك لعدم فهمِه اللغة العربيّة، ومن هنا دخل الضّلال على كثير من أهل البدع لا سيّما المشبّهة فتركوا التأويل التفصيليَّ والإجماليَّ وتمسّكوا بالظاهر فهلكوا وخرجوا عن عقيدة المسلمين.

ومَن وَسِعَتْ معرفتُه بلغة العرب الفصحاء هان عليه إدراكُ الحقائق وميّزَ في كلام العرب ونصوص الشّريعة بين الحقيقة والمجاز وما أُريدَ منه المعنى الظاهر المتبادِرُ لِلَّفظ وما أريد منه معنًى آخرُ دلَّ الدليلُ على أنّه المراد، فيقول هذه الآيات المتشابهات لا أحملها على الظواهر، بل لها معانٍ (لا أعلَمُها) تليق بالله غير هذه الظواهر، فمثلًا استواء الله على العرش له معنًى غيرُ استواءِ المخلوقين، أي غير الجلوس والاستقرار، استواءٌ يليق به عزّ وجلّ، فهذا سَلِمَ، أو يقول: استواءُ الله على العرش قهرُهُ للعرش، فذاك تأويل إجماليّ وهذا تأويل تفصيليّ وسيأتي الكلام عنهما مفصّلًا إن شاء الله.

وقد قيل {وما يعلَمُ تأويلَهُ إلّا الله والرّاسخون في العلم} فكأنّه قال والراسخون في العلم أيضًا يعلمونه ويقولون آمنا به. فإنّ الإيمان بالشيء إنّما يُتصَوَّرُ بعد العلم، أمّا ما لا يُعلَم فالإيمان به غير متأتٍّ، ولهذا قال ابن عباس: "أنا من الراسخين في العلم"، انتهى كلامُ الحافظ الزبيديّ ممّا نقله عن أبي نصر القشيريّ رحمه الله.

قُرِئ في بعض القراءات في سورة آل عمران {وما يعلَمُ تأويلَهُ إلّا اللهُ والرّاسخون في العلم} بالوقف على لفظ "العِلم" كما رواه الطبريّ وغيرُه في تفسيره عن مجاهد، فيصير المعنى: والراسخون في العِلم أيضًا يعلمون معنى المتشابه الذي ليس عِلمُه خاصًّا بالله تعالى، ويقول الراسخون في العِلم أي المتمكِنون فيه آمنا به كلّ من عند ربّنا}، أي إنّ المحكمات من عند الله والمتشابهات من عند الله، ونحن نُؤمِنُ بذلك كلّه، فإنّ الإيمان بالشيء إنما يُتصَوَّرُ بعد العلم به، إمّا ما لا يُعلم بوجه من الوجوه فالإيمان به غير ممكن، فمن عَلِمَ مثلًا أنّ قول الله تعالى في سورة طه {الرّحمنُ على العرش استوى} لا يراد به الجلوس أو الاستقرارُ أو العلوُّ بالمسافة،

بل هو معنًى من المعاني التي جاءت بها لغةُ العرب للاستواء يليقُ بالله ليس كمعاني المخلوقين من غير تعيينه، يكون قد حصَّلَ نوعًا من العِلم بمعنى هذه الآية، فيقال عنه: عَلِمَ [هذا المعنى] وآمن [به]، ومثله الذي يؤوّل الاستواء بالقهر فإنّه عَلِمَ هذا التأويل التفصيليَّ وآمنَ بهذا المتشابه أنّه حقٌّ من عند الله، وأمّا إذا قيل الله أرسل النبيَّ ليكلّمَ الناس بما لا يفهمون له أيَّ معنًى بالمرة فهو زعمٌ بأنّ الله أرسلّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم إلى الخَلْقِ بما لا تقوم به عليهم حجّة، وهو كلام في غاية التّهافت(40) وفيه ردُّ الشريعة وتكذيبٌ للدّين، أي لو قيل:

الخلقُ لا يعلمون معنى قوله تعالى {الرحمن على العرش استوى} فما أشبه ذلك لا يعلَمُه إلّا الله، فهذا معناه أنّ القرآن نزل بما لا يعلَمُه القومُ الذين أُرسِلَ النبيُّ إليهم، فيكون معنى ذلك أن الله أنزل على النبيّ ما لا سبيل إلى عِلمِهِ، وهذا لا يليق بالنبيّ، بل يكفُر قائلُ مثل هذا الكلام لأنّ الحجّة تقوم عليهم إذا بلَغَهُم الرسولُ ما يُمكِنُ أن يعلمون، ولأنّ المتشابه من نحو {الرّحمن على العرش استوى}لا يخفى العِلمُ بمعناه على الرّاسخين في العِلم قال ابن عبّاس رضي الله عنهما فيما رواه الطبريّ وغيرُه: "أنا من الراسخين في العِلم"، وبهذا النقل ينتهي كلام القشيري الذي نقله عنه الحافظ مرتضى الزّبيديّ.

فهنا مسلكانِ كلٌّ منهما صحيحٌ: الأوّل مسلَك السَّلف وهم أهلُ القرونِ الثلاثةِ الأولى أي أكثرهم، فإنّهم يؤوّلونها تأويلًا إجماليًّا بالإيمان بها واعتقاد أنّها ليست من صفات الجسم، بل أنّها لها معنًى يليق بجلال الله وعظمتِهِ بلا تعيين، بل ردّوا تلك الآيات إلى الآيات المحكمة كقوله تعالى {ليس كمثله شيء} سورة الشورى، 11.

السّلف هم أهل القرون الثلاثة الأولى بعد الهجرة، أي قرنُ الصحابة وهو قرن الرسول، وقرنُ التابعين وقرن أتباع التابعين، فهي الثلاثُمائة سنةٍ الأولى التي بعد الهجرة كما فسّرها الحافظ ابن عساكر بذلك، فهؤلاء يُسَمَّوْن السّلف، ومن جاؤوا بعدهم يسمَّون الخلف. فالغالب على السّلف أنّهم لا يؤولون الآيات المتشابهة تأويلًا تفصيليًّا، فهم لم يحتاجوا إلى ذلك احتياجَ من جاء بعدّهم لقلّة انتشار البدع في تلك الأزمان، بل يؤولونها تأويلًا إجماليًّا وذلك بالإيمان بها واعتقاد أنّ لها معنًى يليق بالله عزّ وجلّ، فيثبتون اللفظ الوارد وينفُون أن يكون له معنًى كمعاني الخلق بلا تعيين للمعنى المراد، بل ردّوا الآيات المتشابهات إلى الآيات المحكمات،

أي من حيث الاعتقاد ردّثوا نحو قوله تعالى {الرحمن على العرش استوى} وقوله تعالى {إليه يصعَدُ الكلِمُ الطيّبُ} وحديثِ النزولِ إلى الآيات المحكمات كقوله تعالى {ليس كمثله شيء} فقالوا استوى بلا كيفٍ أو على ما يليق بالله من غير أن يكون بهيئةٍ كالجلوس والاستقرار والجوارح والطول والعرش والعُمق والحركة والسكون والانفعال ممّا هو من الصّفات الحادثة، فتركوا تعيين معنًى معيَّنٍ لها مع نفي تشبيه الله بخلقه.

وهو كما قال الإمام الشّافعيّ رضي الله عنه: "آمنتُ بما جاء عن الله على مراد الله وبما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم على مراد رسول الله"، يعني رضي الله عنه لا على ما قد تذهب إليه الأوهام والظنون من المعاني الحسِّيّة الجِسميّة التي لا تجوز في حقّ الله تعالى.

كلام الشافعيّ يؤيّد ما ذهب إليه أغلب السّلف من حَمْلِ الآيات والأحاديث المتشابهات على معاني تليق بالله عزّ وجلّ دون تعيين هذه المعاني، وعلماء السّلف والخلف متّفقون على اجتناب معاني التجسيم في حق الله تعالى، ولذا قال الإمام الحافظ ابن حجر العسقلاني في "فتح الباري": "فمعتقدُ سلفِ الأئمة وعلماءِ السنة من الخلف أنّ الله منزّه عن الحركة والسّكون والتّحوّل والحلول، ليس كمثله شيء".

ثم نَفْيُ التأويل التفصيليّ عن السّلف كما زعمَ بعضٌ مردودٌ بما في صحيح البخاري في كتاب تفسير القرآن، وعبارتُه هناك: "سورة القصص {كلُّ شيءٍ هالكٌ إلا وجهَهُ} 88 إلّا ملكَهُ، ويقال ما يُتقرّبُ به إليه" اهـ، فمُلك الله صفة من صفاته الأزليّة ليس كالمُلك الذي يعطيه للمخلوقين.

لم يُرِدِ السّلفُ بما ذهبوا إليه مَنْعَ التأويل التفصيليّ، ولا سلكوا كلُّهم مسلك تركِهِ والابتعادِ عنه، بل نفيُ التأويل التفصيليّ عنهم مردود بما ورد في صحيح البخاريّ في كتاب تفسير القرآن من أنّ البخاريّ أوّل الوجه في قوله تعالى {كلُّ شيءٍ هالِكٌ إلّا وجهه} بالمُلك، فقال: إلّا مُلكَهُ أي إلّا سلطانَهُ فإنّ مُلك الله أي سلطانُه صفة من صفاته الأزليّة الأبديّة التي لا يطرأ عليها الفناء، والمُلك إذا أضيفَ إلى الله يكون بمعنى أنّ الله عزّ وجلّ التّصرّف المطلق، ومُلك الله صفة مأخوذةٌ من اسمه: المَلِك، ولذا نقول: "مُلكُه عزّ وجلّ أي سلطانُه أزليّ أبديّ.

ويضاف المُلك أيضًا إلى البشر فيحقّ من عنده التصرّف في شؤون الناس على العموم، ولكن مُلك البشر يفنَى كما فنيَ مُلْك أعداء الله من ملوك الكفّار كالنّمرود وفرعون، وكما فنيَ مُلك أحباب الله كسليمان وذي القرنين عليهما السّلام.

ومعنى قول البخاري: "ويقال ما يُتقرَّبُ به إليه" أنّه جوّز أيضًا تأويل الوجه بما يُتقرَّبُ به إليه عزّ وجلّ، أي الأعمال الصالحة فإنّها تبقى كما قال تعالى {والباقيات الصّالحاتُ خيرٌ عند ربّك ثوابًا} سورة مريم، 76. وليعلم أنّ هذا التأويل قال به قبل البخاريّ سفيانُ الثوريّ في تفسيره "تفسير القرآن الكريم".

فائدة: الجاري في اصطلاح الفقهاء أن يقال "المِلْكُ" بالكسر إذا أريدَ به ما يَحِقُّ للشخص أن يتصرف فيه دون غيره، وأمّا بالضّمَ فقد تقدّم بيان معناه.

وفيه غيرُ هذا الموضع كتأويل الضَّحِك الواردِ في الحديث بالرّحمة.

أي في البخاري غيرُ هذا الموضع من التأويل التفصيليّ، فقد قال الخطّابيّ: إنّ البخاريّ رحمه الله أوّل الضّحك الوارد في الحديث المرويّ عن أبي هريرة رضي الله عنه من أمر الرجل الأنصاريّ وزوجِهِ وضيفِهما، وفيه "ضحِكَ الله الليلة" الحديث، وذلك بالرحمة الخاصّة أو بالرّضا. نقل ذلك عن الخطابيّ الحافظ ابن حجر في فتح الباري شرح صحيح البخاريّ.

وصحّ أيضًا التأويل التفصيليُّ عن الإمام أحمد، وهو من السّلف، فقد ثبت عنه أنّه قال في قوله تعالى {وجاء ربُّك} سورة الفجر، 22، إنّما جاءت قدرتّه. صحّح سندَهُ الحافظ البيهقيّ الذي قال فيه الحافظ صلاحُ الدين العلائيُّ: "لم يأتِ بعد البيهقيّ والدارقطنيّ مثلُهما ولا مَن يقارِبُهما".

صحَّ أيضًا التأويلُ التفصيليُّ عن الإمام أحمد بن حنبل، وهو من السّلف إذ توفّي سنة خمسٍ وأربعين ومائتين (235هـ)، فقد ثبت عنه أنّه أوّل قوله تعالى في سورة الفجر {وجاء ربُّك والملك صفًّا صفًّا} بمجيء آثار القدرة، قال: إنّما جاءت قدرتُه، أي آثار قدرته عزّ وجلّ من الأمور العظيمة التي تظهر يوم القيامة كحضور الملائكة صفوفًا في ذلك اليوم حتى يحيطوا بالإنس والجنّ، فلا يستطيع أحد أن يخرج من هذا المكان إلا بإذنِ من الله، وكذلك جَرُّ الملائكة عنقًا من جهنم أي جزءًا كبيرًا منها بسبعين ألف زمام، كلُّ زمام يجرُّه سبعون ألف ملكٍ حتى يرى الناسُ ذلك العنقَ وهم في الموقف، ثم يُرَدُّ إلى مكانه، وهذا الأثر عن الإمام أحمد صحّح سندَهُ الحافظ البيهقي(41) الذي قال فيه الحافظ صلاح الدين العلائي: "لم يأتِ بعد البيهقيّ والدارقطني مثلُهما ولا مَن يقارِبُهما"، أي في الحديث وعلومه، فالبيهقيّ رحمه الله كان معروفًا بجلالته في علم الحديث ورسوخ قدمِهِ في معرفة الأحكام الشرعيّة والزّهد والورع، بل كان محدّث عصره رحمه الله رحمةً واسعة.

أمّا قول البيهقيّ ذلك ففي كتاب مناقب أحمد، وأما قول الحافظ أبي سعيد العلائيّ في البيهقيّ والدارقطني فذلك في كتابه "الوَشْيُ المُعْلَم" وأمّا الحافظ أبو سعيد فهو الذي يقول فيه الحافظ ابن حجرٍ: "شيخُ مشايخِنا"، وكان من أهل القرن الثّامن الهجريّ.

ذَكَر الإمامُ البيهقيُّ تصحيحَهُ لهذا الأثر المنقولِ عن الإمام أحمد في كتابه "مناقب أحمد"، وقد نقله عن البيهقيُّ ابن كثير في البداية والنهاية.

وأمّا قول الحافظ أبي سعيد بن كَيْكَلَدِي العلائيّ في البيهقيّ والدارقطنيّ فقد ذكره في كتابه "الوَشْيُ المُعْلَم". وأمّا الحافظ أبو سعيد فقد قال عنه الحافظ ابن حجر العسقلانيّ: "شيخُ مشايخنا"، فإنّ الحافظ أبا سعيد من مشايخ الحافظ زين الدّين العراقيّ الذي تخرّج به الحافظ ابن حجر في علوم الحديث، وكان من أهل القرن الثامن الهجريّ.

وهناك خَلْقٌ كثير من العلماء ذَكَروا في تآليفِهم أنّ أحمد أوّلَ، منهم الحافظ عبدُ الرحمن بنُ الجوزيّ الذي هو أحدُ أساطينِ المذهبِ الحنبليّ لكثرة اطلاعِهِ على نصوص المذهب وأحوالِ أحمد.

ذكر كثير من العلماء في مؤلّفاتهم أنّ الإمام أحمد أوَّلَ، منهم الحافظ الفقيه المفسِّر عبدُ الرحمن بن الجوزيّ الحنبليّ، من أهل القرن السادس، وهو من أعمدة المذهب الحنبليّ لسعة اطلاعه على هذا المذهب وأحوالِ الإمام أحمد، وقد ألّف في مناقب الإمام أحمد وفي الأصول والفروع على حسب مذهبه، ونقل رحمه الله في كتابه "دفع شبه التشبيه بأكّف التّنزيه" أنّ الإمام أحمد رضي الله عنه أوّل قوله تعالى في سورة البقرة {أنْ يأتيَهُمُ اللهُ}، قال المراد به قدرتُه وأمرُه، وقد بيَّنَهُ في قوله تعالى في سورة النّحل {أوْ يأتيَ أمرُ ربِّكَ}، ومثل هذا في سورة الفجر {وجاء ربُّك} قال: إنّما هي قدرتُه.

الثاني مسلك الخلف، وهم يؤولونها تفصيلًا بتعيين معانٍ لها ممّا تقتضيه لغةُ العرب ولا يحمِلُونها على ظواهرها أيضًا كالسّلف.

الخلف هم من جاؤوا بعد القرون الثلاثة الأولى من علماء أهل السنة والجماعة، وهم يؤوّلون الآيات المتشابهات تأويلًا تفصيليًّا بتعيين معانٍ لها موافقةٍ للغة العرب، ولا يكتفون بالتأويل الإجماليّ كقول إنّ لها معنًى يليق بالله تعالى لا كمعاني المخلوقين، ولا يحملونها على ظواهرها أيضًا كالسّلف، بل يحمِلُونها على معنًى يوافق الآيات المحكمة كما يوافق لغة العرب، السّلف والخلف متفقان على عدم حمل الآيات والأحاديث المتشابهات على ظواهرها كآية الاستواء، فهؤلاء لم يعيّنوا معنًى مكتفين بقولهم: استوى بلا كيفٍ استواءً لا يشبه المخلوقين، وهؤلاء قالوا: استوى بمعنى قهر أو استولى(42)، وكلا الفريقين لا يحمل الاستواء على الظاهر.

ولا بأس بسلوكه ولا سيّما عند الخوف من تزلزل العقيدة حِفْظًا من التشبيه، مثلُ قوله تعالى في توبيخ إبليس {ما منَعَكَ أن تسجُدَ لِمَا خلقتُ بيديَّ} سورة ص، 57، فيجوز أن يقال: المراد باليدين العنايةُ والحِفظ.

لا حرجَ بسلوك مسلك الخلف لا سيّما عند الخوف من تزلزل العقيدة عند إيراد المشبهة شُبَهَهم على العوامّ حفظًا لهم من التشبيه، مثل قوله تعالى في توبيخ إبليس في سورة ص {ما منعَكَ أن تسجُدَ لما خلقتُ بيديَّ}، إذا أوردَهُ مشبّه ليوهم أن الله تعالى متّصف بجارحتين كأيدينا، فيجوز أن يقال: المراد باليدين العنايةُ والحِفظ، أي ما منعَكَ يا إبليس أن تسجُدَ لما خلقتُ بعنايتي وحفظي، أي لمن أكرمتُه وأردتُ له المقام العاليَ والخيرَ العظيم. كما أنّه يجوز أن يقال: المراد باليدَيْنِ معنًى يليق بالله ليس كمعاني المخلوقين ويُقتَصَرُ على ذلك أخذًا بمذهب السلف.


(31) صلى الله عليه وسلم قال: هذه صفة ربّي عزّ وجلّ.

(32) أي إلى محلّ كرامتِهِ إلى السماء يصعَدُ الكَلِمُ الطّيّب، أي يتقبّلُ الله الإيمان، كلمة التوحيد ممّن آمن.

(33) العمل الصالحُ يرفَعُه أي العملُ الصالح يرفعُه الكلمُ الطيّبُ، أي الكلمّ الطيّب يرفَعُ العمل الصالح، أي الإيمنان شرط لقبول الأعمال الصالحة.

(34) من الآيات الواردة في الصفات ممّا لا يُحمل على ظاهره قوله تعالى {تجري بأعيُننا} فإن المعنى بحِفْظِنا ومِثلُه {ولِتُصْنَعَ على عيني} أي على حِفظي، فالعين هنا بمعنى الحِفظ، والحِفظ من صفات الله عزّ وجلّ وقد ورد في تعداد أسماء الله تعالى الحفيظ. وكذلك من آيات الصفات {والسماء بنيناها بأيدٍ} فاليد هنا بمعنى القدرة، والقدرة هي القوة، والقوة أو القدرة من صفات الله وقد ورد في تعداد أسماء الله القويّ القدير.

(35) أتعجَّبُ وليتني أعلَمُ.

(36) إلا المُحكَمَ نحو {وهو بكل شيءٍ عليم} ممّا ورد في صفات الله، وقوله تعالى {حُرِّمَتْ عليكم المَيْتَةُ والدّمُ ولحمُ الخنزير} ممّا ورد في الأحكام.

(37) (إنما الأعمال بالنيات) قدر بعضهم صحةُ الأعمال وآخرون كمالُ الأعمال.

(38) قول المشبهة: لله يد لا كالأيدي وقدم لا كالأقدام واستواء لا كما نعقل، ظاهره نفيُ الأخذِ بالظاهر، وقولُهم "نجري الأمر على الظاهر" يريدون به إجراء الآيات والأحاديث المتشابهة على ظاهرها، وهذا تناقض، لأن الإجراء على الظاهر معناه اعتقاد الجسمية في حق الله، وقولهم "لا كما نعقل" ظاهره نفي الأخذ بالظاهر، فهذا تناقض. وحقيقة الأمر أن قولهم "لله يد لا كالأيدي" إلى آخره تمويه وتدليس لأنهم في الحقيقة يعتقدون التشبيه لأنهم يقولون مثلًا في قوله تعالى {تجري بأعيُننا} إنّ له عينًا لا كما نعقل وهم يريدون أن لله جارحةً لا كجوارحنا، أي يقولون لله جارحة لا نعقلُ معناها أي لا تُعرف هيئتُها، فهم في الحقيقة مشبّهون لا منزِّهون ولذا كان كلامُهم "لا كما نعقل" تمويهًا وخِداعًا.

(39) إن ادعى المشبّه – نافي التأويل – أنّه لا يمكنه الأخذ بهذه الأعضاء، أي لا يمكنه الأخذ بالظاهر، فلا ينسُبُ إلى الله معاني الجسميّة، يعني لمّا يقال له: ظاهر اليد في {والسماء بنيناها بأيد} هذه الجارحة المؤلَّفة من اللحم والعصب والمُخّ، فيقول: أنا لا آخذ بهذا الظاهر، وفي الوقت نفسه يقول: "نجري الأمر على الظاهر"، يقال له: ما معنى إجرلاء الأمر على الظاهر؟ أليس في قولك تناقض؟ ألستَ ادّعيت بلسانك: تَرْكَ الأخذ بالظاهر وأنك علِمتَ تنزّه الله عن ذلك، ومع ذلك تقول: "نجري الأمر على الظاهر" فكيف يكون تركُك للظاهر الذين ادَعيتَه أخذًا بالظاهر الذي التزمته؟ أليس هذا تناقضًا؟! المعنى الظاهر والمتبادِرُ من اليد هي هذه الجارحة المؤلّفةُ من اللحم والعصب والدم، فإن قيل للمشبه الذي ينفي التأويل: أليس ظاهر {والسماء بنيناه بأيد} هو هذه اليد المؤلفة من اللحم والعصب والدم، فالظاهر هنا أنّ السماء بُنِيت بهذه الجارحة، فإنه يقول: أنا لا آخذ بهذا الظاهر، فيقال له: أنت تقول لا آخذ بهذا الظاهر وفي الوقت نفسه تقول: نجري الأمر على الظاهر، فكيف يجتمع تركُك للظاهر – كما ادّعيت – مع أخذك بالظاهر؟ كيف يكون تركُك للظاهر أخذًا بالظاهر؟ هذان متناقضان. وفي واقع الأمر أن المشبه، نافيَ التأويل، حين يقول: لا آخذ بالظاهر يريد أنّه لا يعيّن كيفيّة ما، بل يقول لله يد لا كما نعقل مريدًا كيفيّة لا نعقِلُها، أي لا تُعرَفُ هيئتُها.

(40) أي التساقط.

(41) نقل ذلك ابن كثير في "البداية والنهاية" وعزاه للبيهقيّ في مناقب أحمد.

(42) قهر واستولى بمعنى واحد.