(فائدة مهمّة)
حكم من يأتي بإحدى أنواع هذه الكفريّات هو أن تَحْبَطَ أعمالُه الصالحة وحسناتُه جميعُها، فلا تُحسَب له ذرّةٌ من حسنةٍ كان سَبَقَ له أن عَمِلَها من صدقة أو حجّ أو صيام أو صلاة ونحوها. إنّما تُحسَبُ له الحسنات الجديدة التي يقوم بها بعد تجديد إيمانه، قال تعالى: {ومن يكفرُ بالإيمان فقد حَبِطَ عمله} سورة المائدة، الآية 5.
حُكم من يأتي بإحدى أنواع هذه الكفريّات الاعتقاديّة أو الفعليّة أو القولية هو أن تذهب أعماله الصّالحة ويخسر حسناتِهِ جميعَها، ولا يكون له حسنةٌ بما يعمل من الصّدقات وغيرها من الأمور المستحسنة في أثناء ردّته، إنما تحسبَبُ له الحسنات الجديدة التي يقوم بها بعد تجديد إيمانه، أي بعد دخوله في الإسلام من جديد بالنّطق بالشهادتين، وذلك بدليل قوله تعالى {ومن يكفُر بالإيمان فقد حَبِطَ عملُه} سورة المائدة/5، فلا ترجع له حسناتُه التي خسرها بعد رجوعه إلى الإسلام، وأمّا الكافر الأصليّ فإنّ ذنوبه تمحى بإسلامه، أي أنّ الإسلام يمحو كلّ ذنوبه التي كُتِبَتْ عليه قبل أن يُسلِم لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الإسلام يَهْدِمُ ما قبله" أخرجه مسلم في صحيحه، وفي رواية "الإسلام يجُبُّ ما قبله" رواها أحمد، أي يمحو ما كان قبله من السّيّئات.
وإذا قال: "أستغفر الله" قبل أن يُجَدِّد إيمانه بقوله "أشهد أن لا إله إلّا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله" وهو على حالته هذه، فلا يزيده قوله: "أستغفر الله" إلّا إثمًا وكفرًا، لأنّه يكذّب قوله تعالى: {إنّ الذين كفروا وصدُّوا عن سبيل الله ثمّ ماتوا وهم كفّار فلن يغفر الله لهم} سورة محمد/34، وقوله تعالى: {إنّ الذين كفروا وظلموا لم يكن اللهُ لِيغفِرَ لهم ولا ليَهدِيَهم طريقا، (168) إلّا طريق جهنّم خالدين فيها أبدا} سورة النساء/169.
مَن كفر ثم قال: "أستغفر الله" قبل أن يرجع إلى الإسلام بالشهادتين لا ينفَعُه ذلك شيئًا، بل يزداد إثمًا وكفرًا لأنه يطلب المغفرة وهو على الكفر، فهو مكذِّب لقوله تعالى فيكون معنى كلام هذا الكافر الذي قال "أستغفر الله": يا رب اغفر لي ذنبي من غير أن أرجع إلى الإسلام مع أنك أخبرت في كتابك أنّك لا تغفِرُهُ في هذه الحال، فكأنه يقول: "يا ربّ كذّب نفسَك" والعياذ بالله تعالى، ولذلك لم يُعَلِّمْ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الصحابة الاستغفار حين كان على الكفر، بل علّمَهُ أن يقول غير ذلك، ثم لمّا أسلمَ علّمه أن يستغفر كما في الحديث الآتي بيانه.
روى ابن حبّان عن عِمران بن الحُصَيْن أتى رسول الله رجلٌ فقال: "يا محمّدُ عبد المطّلب خيرٌ لقومه منك، كان يطعمِهُم الكبدَ والسنام وأنت تنحرُهم" فقال رسول الله ما شاء الله، فلمّا أراد أن ينصرف قال: "ما أقول؟" قال: "قل اللهمّ قِني شرّ نفسي واعزِم لي على أرشد أمري"، فانطلق الرّجل ولم يكن أسلم، ثم قال لرسول الله: "إني أتيتُك فقلتُ علّمني، فقلت: قل اللهمّ قني شرّ نفسي واعزم لاي على أرشدِ أمري"(10)، فما أقول الآن حين أسلمتُ، قال: "قل اللهمّ قني شر نفسي واعزم لي على أرشد أمرين، اللهمّ اغفر لي ما أسررت وما أعلنتُ، وما عمدتُ وما أخطأت وما جَهلتُ".
قوله "أتى رسول الله رجلٌ" أي رجل من المشركين، وأمّا السَّنام فهو سَنَام الإبل، وهو طعام فاخر عند العرب، وقوله "أنت تنحرهم" معناه أنك تقتلهم في الجهاد، وقوله: "فقال رسول الله ما شاء الله" معناه أنّ الرسول ردّ عليه بما شاء الله له من الكلام.
فهذا الحديث صحيح دليل على أنّ الكافر لا يجوز له أن يقول: "اللهمّ اغفر لي ذنبي" لأنّه لو كان ذلك جائزًا لكان الرسول علّمه من الأوّل الاستغفار ولكن لم يعلمه إيّاه إلّا بعد أن أسلم.
ومن أحكام الرّدّة أنّ المرتدّ يفسُد صيامُه وتيمُمه ونكاحه قبل الدّخول وكذا بعده إن لم يرجع إلى الإسلام في العِدّة، ولا يصحّ عقد نكاحه لا على مسلمةٍ ولا كافرةٍ ولو مرتدّةً مثلَهُ.
يترتّب على الردّة أحكام عديدة منها أنّ المرتدّ:
يفسد صيامُه فور وقوعه في الكفر، وكذا تيمُّمُه، وأما الوضوء فلا ينتقض بالردّة.
ومن ذلك أن نكاحه يبطل بمجرّد الردّة من أحد الزوجين قبل الدخول بالزوجة، فالردّة قبل الدخول تبطلُ وتقطع عقد النكاح، فلا تحلّ له ولو عاد إلى الإسلام أو عادت هي إلى الإسلام، إلّا بعقد نكاح جديد.
وأمّا إذا كانت الردّة بعد الدخول فلا يجوز لهما الاستمرار في المعاشرة كالزوجين، بل يكون نكاحهما موقوفًا.
ويبدأ وقت العدّة من حين الردّة، فإن عاد إلى الإسلام قبل انتهاء العدّة، وهي كعدّة الطلاق ثلاثة أطهار لذوات الحيض وثلاثة أشهر لمن لا تحيض وللحامل حتى تضع حملها تبيّن بقاءُ عقد النكاح بينهما بلا تجديد.
وإن انتهت العدّة قبل عود الذي ارتدّ منهما إلى الإسلام تبيّن انقطاع عقدِ النكاح من حين الردّة، ولا يعود إلى بعقد جديد بعد الرجوع إلى الإسلام.
طهر حيض طهر حيض طهر هنا تنقضي العدّة، حيض.
حيض طهر حيض طهر حيض طهر هنا تنقضي العدة، حيض.
وإن جامع الزوج المسلمُ زوجته المرتدّة وهو لا يعلم بردّتها فلا إثم عليه ويُنسَبُ الولد المنعقد من هذا الوطء إلى الزوج، وأمّا إن كان المرتد هو الزوج وجامع زوجته المسلمة من غير أن تعرف بردّته فلا إثم عليها والولد ينسب لها دونه.
ومن أحكام المرتدّ أيضًا أنه لا يصحّ عقد نكاحه على مرتدّة مثله، ولا مسلمةٍ أو يهوديّة أو نصرانيّة أو وثنيّة.
وكذلك تحرم ذبيحته، فلو ذبح ذبيحةُ فهي ميتة يحرم أكلها.
ومنها أنه لا يرث قريبه المسلم إذا مات بالإجماع، ولا يرثه قريبُهُ المسلمُ إذا مات هذا المرتد.
ولا تجوز الصلاة عليه إن مات، ولا يجب غسله فلو غُسِّل لم يكن في ذلك إثم، ولا يجب تكفينه، ولو كفِّن لم يحرم، ولا يجوز دفنه في مقابر المسلمين، لخروجه عنهم بالردّة.
ويكون ماله بعد موته بقتلٍ أو غير فيئًا، أي لمصالح المسلمين، يُوضَع في بيت المال إن كان بيتُ مال مستقيمٌ فإن لم يكن تولّى رجلٌ صالح صرفه في مصالح المسلمين.
وأمّا الكفّار الأصليّون فإن نكاحهم في ما بينهم نكاح، يثبت به نسب الولد، وزناهم زنًى، ألا ترى أنّه يقال عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وسعد بن أبي وقّاص وأبو عبيدة بن الجرّاح، فينسَبُون إلى آبائهم مع أنّهم كلّهم قد وُلِدُوا من نكاح الجاهليّة.
عودٌ إلى تقسيم الكفر لزيادةِ فائدة
أي عَوْد إلى تقسيم الكفر بطريقة أخرى لزيادة فائدة.
واعلَمْ أنّ الكفر ثلاثة أبواب: إمّا تشبيه أو تكذيب أو تعطيل.
أبواب الكفر ثلاثة: تشبيه أي تشبيه الله بخلقه، وتكذيب أي تكذيب لله ولرسوله وشرعِهِ، وتعطيل أي نفيٌ لوجود الخالق عزّ وجلّ، فهذه ثلاثة أبواب لا تخرج المكفِّرات عنها.
أحدها التّشبيه: أي تشبيه الله بخلقه كمن يصفه بالحدوث أو الفناء أو الجسم أو اللون أو الشكل أو الكميّة أي مقدار الحجم، أمّا ما ورد في الحديث "إنّ الله جميل" فليس معناه جميل الشكل، وإنما معناه جميل الصّفات أو مُحسنٌ.
أحد هذه الأبواب الثلاثة التشبيه، أي تشبيهُ الله بخلقه كمن يصفه تعالى بحدوث الذات أو حدوث الصفات القائمة بذاته عزّ وجلّ، وكذا من ادّعى قيام الحوادث به سبحانه وتعالى أو يزعُمُ طروء الفناء عليه، أو يصفه بالجسميّة أو بصفات الجسم كالصورة أو اللون أو الشّكل أو الكميّة أي مقدار الحجم، أو الحدّ فكلّ ذلك تشبيه للخالق بالمخلوق وتكذيب لقوله تعالى في سورة الشورى {ليس كمثله شيء}.
أمّا ما ورد في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه "إنّ الله جميل يحبّ الجمال" فمعناه جميل الصّفات أي صفاته كاملة ليس فيها نقصٌ، أو مُجْمِلٌ أي محسِنٌ لعباده ومتكرِّمٌ عليهم بنِعَمِهِ، ومعنى "يحبّ الجمال" أنّه يحب نظافة الخُلُقِ والبدنِ والثّوبِ، ونظافةُ الخُلُقِ أحبُّ إليه. وكذا ما رُوِيَ في حديث الترمذي: "إنّ الله نظيف يحبّ النّظافة" فمعناه إنّه سبحانه منزّه عن السّوء والنقص ويحبّ لعباجه نظافة الخُلُق والعمل والثوب والبدن.
ثانيها التّكذيب: أي تكذيب ما ورد في القرآن الكريم أو ما جاء به الرّسول صلى الله عليه وسلم على وجه ثابت وكان ممّا عُلِمَ من الدين بالضّرورة.
ثاني هذه الأبواب التّكذيب، ويكون بتكذيب ما جاء به القرآن أو الرسولُ صلى الله عليه وسلّم على وجه ثابت وكان معلومًا من الدين بالضرورة بحيث يعرفه الجاهل والعالم أنه ممّا جاء به الدّين من غير حاجة إلى تفكيرٍ واستدلالٍ. فمَن ردَّ أمرًا من نحو هذه الأمور بعدما كان بلغه قول المسلمين فيه فقد كفر، بخلاف ما لو كان حديث عهد بإسلام أو نحوهُ فاختلط عليه الأمر لذلك، ولم يعلم أنّ ما يقوله مخالف للدّين فلا يكفر، كأن سَمِع حديثًا يوهِمُ ظاهرُهُ أن لله جوارح فأنكره جهلًا منه فإنه لا يكفر، مثاله أنه سَمِع حديث "ولا يزال عبدي يتقرّب إليّ بالنّوافل حتى أحبه، فإذا أحببتُه كنتُ سمعه الذي يسمع به وبصرهُ الذي يبصر به ويدَهُ التي يبطِش بها ورجلَهُ التي يمشي بها" أخرجه البخاريّ في صحيحه، فأنكره ظنًّا منه أنه مفترى على الرسول وأن فيه إثبات الجوارح لله فإنه لا يكفر. ومعنى الحديث أنّ! الله يحفظ له سمعه وبصره ويده ورجله، وقال بعضهم: إنّ الله يعطيه قوّة غريبة في سمعه وبصره ويده ورجله.
كاعتقاد فناء الجنّة والنار.
من كفر التّكذيب اعتقاد فناء الجنة والنار أو إحداهُما، وهو كفر بالإجماع، لأنّه تكذيب لقول الله تعالى في سورتي النساء والتوبة {خالدين فيها أبدًا} ولحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم "أنّ الموت يُذبَح في الآخرة ثم يُنادِي منادٍ: يا أهل الجنّة خلود فلا موت ويا أهل النّار خلود فلا موت" رواه البخاريّ.
قيل: أو أنّ الجنّة لذّات غيرُ حسّيّةٍ، وأنّ النار آلامٌ معنويّة.
وكذلك من كفر التكذيب من يعتقد أنّ الجنّة لذّاتها معنويّة فقط، أو أنّ النار ليس فيها آلامٌ حسّيّة، لأن هذا إنكار لنصوص الشّرع الصّريحة المتواترة المعروفة بين المسلمين، العلماء والعوامّ. ومن الدليل على أنّ الجنة فيها لذات حسّيّة آيات منها قوله تعالى: {كُلُوا واشربوا هنيئًا بما أسلفتم في الأيّام الخالية} سورة الحاقّة/24، ومن الدليل على أنّ النّار فيها آلام حسّيّة آيات منها قوله تعالى: {كلّما نَضِجَت جلُودُهم بدّلناهم جلودًا غيرَها ليذوقوا العذاب} سورة النّساء/56.
أو إنكار بَعْث الأجساد والأرواح معًا.
من التكذيب للشرع إنكارُ بعث الأرواح والأجساد معًا، فإن اعتقد معتقِدٌ أنّ الأرواح تُبعَثُ فقط دون الأجساد فإنه يكفر والعياذ بالله تعالى، والنّصوص الصّريحة ببعث الأجساد كثيرة، منها قوله تعالى: {كما بَدَأنا أوّل خَلْقٍ نعيدُهُ} سورة الأنبياء/104، وهذا الأمر معلوم عند الجاهل والعالم من المسلمين.
أو إنكار وجوبِ الصّلاة أو الصّيام أو الزّكاة.
من كفر التكذيب أيضًا إنكار أيِّ أمرٍ معلومٍ من الدين بالضرورة كإنكار وجوب الصلوات الخمس أو صيام رمضان أو الزكاة عند اكتمال شروط وجوبها، وقد نقل القاضي عياضٌ في "الشفا بتعريف حقوق المصطفى" الإجماع على تكفير من أنكر وجوبَ الصلوات الخمس وعدد ركعاتها وسجداتها.
أو اعتقادِ تحريم الطلاق.
كذا يكفر من يعتقد تحريمَ الطلاق على الإطلاق، أو تحريمه بغير رضى المرأة، فإنه تكذيب لقول الله تعالى {يا أيّها النّبيُّ إذا طلّقتم النّساء فطلِّقُوهنّ لِعدّتِهِنّ} سورة الطلاق.
أو تحليل الخمر.
من كفر التكذيب تحليل شرب الخمر، فقد أجمع على تحريمها الأئمةُ من عهد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أيّامنا هذه، وانتشر هذا الحكم وشُهِرَ حتى بين من يشربها من الأمّة، ولذلك جزم العلماء بتكفير من أحلّ شربها، وخالف في هذا رَعاعٌ شاذّون مرادهم هدمُ الدين وإفساد الشرع وإشاعة الفواحش والرذائل، فزعموا أن ليس في القرآن نُصوص على تحريم الخمر قائلين: غاية ما جاء فيه قوله تعالى عن الخمر والميسر والأنصاب والأزلام {فاجتنبوه}، وغرضهم بهذا الكلام المُمَوَّه التوصّل إلى إباحة الخمر والعياذ بالله، وقد قال الله تعالى:
{يا أيّها الذين آمنوا إنّما الخمرُ والمَيْسِرُ والأنصابُ والأزلام رِجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلّكم تفلِحُون}(90)، {إنّما يريد الشّيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسِرِ ويصُدُّكم عن ذِكر الله وعن الصّلاة فهل أنتم منتهون(91)} سورة المائدة.
فقوله تعالى: {فاجتنبوه} مع قوله {فهل أنتم منتهُون} يُفهِمان التحريم الشديد، ولهذا قال سيدنا عمر لمّا سمعها: "انتهينا" رواه الترمذي في سننه وأبو داود في سننه، فأراق المسلمون الخمر لمّا نزلت آيةُ التحريم حتى جَرَت في شوارع المدينة.
وغير ذلك ممّا ثبت بالقطع وظهر بين المسلمين.
أي غير ما ذُكِرَ ممّا يكذّب ما ثبت بالقطع وظهر بين المسلمين كاعتقاد أنّ أحكام الشّرع أو بعضها كان صالحًا للناس في زمن النبي صلى الله عليه وسلم لكنه لا يصلح للناس في أيامنا، فإنّه تكذيب لقول الله تعالى في سورة الإسراء {إنّ هذا القرآن يهدي للّتي هي أقوَمُ}.
وهذا بخلاف من يعتقد بوجوب الصّلاة عليه مثلًا، لكنّه لا يصلي، فإنّه يكون عاصيًا لا كافرًا كمن يعتقد عدم وجوبها عليه.
هذا مذهب أهل السنة والجماعة، أنّ مرتكب الكبيرة لا يكفر ما لم يستَحِلَّها. ومثل ذلك من يعتقد حرمة الخمر لكنه يشربها، أو البنتُ التي تعتقد أن لها نصفَ ما لأخيها من تركة والدهما لكنّها تأخذ أكثر من ذلك بحكم القانون الوضعيّ، ومثله الحاكم الذي لا يفضّل الحُكْمَ بما يخالف الشرع على الحكم الشرعيّ، فلا يعتقد أنّه أفضل وأحسن، لكنه يحكم بغير حكم الله لرشوة أو قرابةٍ أو غير ذلك، فهؤلاء مسلمون عصاة لا كفّار.
ثالثها التّعطيل، أي نفيٌ وجود الله وهو أشدّ الكفر.
ثالث الأبواب التّعطيل أي نَفْيُ وجود الله، وهذا أشدّ الكفر على الإطلاق، وذلك لأنّ الكفر مراتب، بعضه أشدّ من بعضٍ، وأشدّه على الإطلاق كفر التّعطيل، ومن أشدّ أنواع الكفر كفر الحلول، أي اعتقادُ حلول الخالق عزّ وجلّ في المخلوقات أو في بعضها، وكفرُ الوحدة المطلقة أي اعتقادُ أنّ الله تعالى والعالَمَ واحد، وبعبارة أخرى اعتقاد أنّ الله هو العالم وأفرادَهُ أجزاءٌ منه سبحانه.
وحُكم من يشبّه الله تعالى بخلقه التكفير قطعًا.
من يشبه الله تعالى بخلقه كافر من غير شك، لأنه لم يعرف الله تعالى ولم يعبده، بل عبد صورة توهّمَها وشيئًا تخيَّله بخياله، ومَنْ عَبَدَ غير الله لا يكون مسلمًا.
والسّبيل إلى صرف التشبيه اتّباع هذه القاعدة القاطعة: "مهما تصورتَ ببالك فالله بخلاف ذلك"، وهي مجمع عليها عند أهل الحقّ وهي مأخوذة من قوله تعالى: {ليس كمثله شيء} سورة الشورى/11.
السّبيل لصرف التشبيه والمحافظة على التنزيه هو اتّباع قول ذي النّون المصريّ: "مهما تصورت ببالك فالله بخلاف ذلك"، لأن ما يتصوّره الإنسان بباله خيالٌ ومِثالٌ، والله منزّه عن ذلك، فهذه قاعدة مجمع عليها عند أهل الحقّ مأخوذة من قول الله تعالى: {ليس كمثله شيء} سورة الشورى/11.
وهذه العبارة رواها الحافظ ابن عساكر الدّمشقيّ في تاريخ دمشق بإسناد متصل إلى ذي النون المصريّ، واسمه ثَوبانُ بن إبراهيم وهو من الصّوفيّة الصادقين الأكابر ممّن جمع بين العلم والعمل، وقد تلقّى الحديث من الإمام مالك وغيرِه وأفاض الله على قلبه جواهر الحكم. وكذلك نَقَل هذا القول أبو الفضل التميميّ الحنبليّ عن الإمام أحمد رضي الله عنه.
وهذا القول هو بمعنى ما رواه البغويُّ عن أُبيّ بن كعب رضي الله عنه مرفوعًا في تفسير قوله تعالى في سورة النّجم {وأنّ إلى ربك المُنْتَهَى} 42، قال: "لا فكرة في الرّبّ" أي أنّ الله لا يدركه الوهم لأنّ الوهم يدرك الأشياء المخلوقة كالإنسان والغَ مام والمطر والشجر والضوء وما أشبه ذلك. فالله لا يجوز تصوُّرُه بكيفيّة وشكلٍ ومقدارٍ ومِساحة ولون وكلِّ ما هو من صفات الخلق.
وملاحظةُ ما روي عن الصّدّيق (شعر من البسيط) (11):
العَجْز عن دَرَكِ الإدراكِ إدراكُ *** والبحثُ عن ذاته كفرٌ وإشراكُ
معنى ما روي عن أبي بكر الصدّيق أنّ الإنسان إذا عرف الله تعالى بأنه موجود لا كالموجودات، واعتقد أنه لا يمكن تصويره في النّفس واقتصر على هذا، واعترف بالعجز عن إدراك أي معرفة حقيقة الله، ولم يبحث عن ذات الله للوصول إلى حقيقته عزّ وجلّ فهذا إيمان منه، هذا يقال عنه إنّه عرف الله وأدرك حقيقة الإيمان بالله وسَلِم من التشبيه. أمّا الذي لا يكتفي بذلك ويريد بزعمه أن يعرف حقيقة الله، ولا يكتفي بهذا العجز فيتصوّره كالإنسان أو ككتلة نورانيّة أو حجمًا فوق العرش أو نحوِ ذلك فهذا كفَرَ بالله تعالى.
وقولِ بعضهم: "لا يعرف الله على الحقيقة إلّا الله تعالى"، ومعرفتُنا نحن بالله ليست على سبيل الإحاطة بل بمعرفة ما يجب لله تعالى كوجوب القِدَم له، وتنزيهِه عمّا يستحيل عليه تعالى كاستحالة الشريك له، وما يجوز في حقه تعالى كخَلْقِ شيءٍ وتَرْكِه.
كذلك من السّبيل إلى صرف التشبيه ملاحظةُ قول بعضهم كابن جُزَيٍّ في "التسهيل": "لا يعرف الله على الحقيقة إلّا الله تعالى" فمعرفتنا بالله تعالى ليست على سبيل الإحاطة إذ لا يعرف أحدٌ من الخلق الله تعالى على الحقيقة، حتى الأنبياءُ والأولياءُ لا يعرفون الله بالإحاطة، وإنما الله تعالى عالم بذاته على الحقيقة وبما يُحدِثُه من مخلوقاته، ومعرفتنا نحن بالله إنما هي بمعرفة ما يجب لله من الصّفات كالعِلم والقدرة والإرادة والقِدم، ومعرفةِ ما يستحيل في حقّه تعالى كالعجز والحجم والشريك، ومعرفة ما يجوز في حقّه سبحانه كإيجاد شيءٍ وإعدامِهِ، فالله تعالى يجوز أن يخلق ما يشاءُ ويتركَ ما يشاء أي لا يخلقه، فهو تعالى يُوجد ما يشاء باختياره وما لم يشأ وجوده لا يوجِدُه، هذا ما يقصده أئمّة المسلمين إذ قالوا: فلان عرف الله.
قال الإمام الرّفاعيّ: "غايةُ المعرفةِ بالله الإيقانُ بوجودِهِ تعالى بلا كيفٍ ولا مكانٍ".
معنى قول الإمام أحمد الرّفاعيّ أنّ أقصى ما يصل إليه العبد من المعرفة بالله الإيقان أي الإيمان والجزم بالقلب بلا شك بوجود الله تعالى بلا كيفٍ، أي من غير اتصافٍ بصفة من صفات المخلوقين، وبلا مكانٍ أي ومن غير أن يكون الله تعالى حجمًا له طول وعرض وعمق، إذ المكان هو الحيّز الذي يشغَلُه الحجمُ من الفراغ. فمن أيقن بأنّ الله تعالى موجود بلا كيف ولا مكان فقد وصل إلى غاية ما يبلغه الإنسان من معرفة الله تعالى. وقول الرّفاعيّ المذكورُ روي عنه بالإسناد المتّصل في كتابه "الحِكَم".
فائدة
قال الغزاليّ في إحياء علوم الدّين: "إنّه – أي الله – أزليّ ليس لوجوده أوّلٌ وليس لوجوده آخر".
المعنى أنّ الله تعالى لا ابتداء له ولا انتهاء لوجوده عزّ وجلّ وسيأتي الكلام مفصَّلًا عن ذلك إن شاء الله.
وإنّه ليس بجوهر يتحيّز، بل يتعالى ويتقدّسُ عن مناسبة الحوادث، وإنّه ليس بجسم مؤلف من جواهر.
العالم جواهر وأعراض، والجوهر ما له تحيّز وقيام بذاته، وهو إمّا مركّب وإمّا مفرد، فالمفرد هو الجوهر الفرد وهو الجزء الذي لا يتجزّأ من تناهيه في القلّة، فهو أصغر الأشياء، والمركّب ما تركّب من جوهرين فأكثر، وهو الجسم، لأن الجسم ما تركّب من جوهرين فأكثر بأن ينضمّ جوهرٌ إلى جوهر آخر(12). ومن الأجسام ما له حجم كثيف كالعرش والشجر والحجر والسموات والأرض والإنسان والنبات، وما له حجم لطيف كالريح والنّور والرّوح والجنّ والملائكة.
وأمّا العَرَضُ فهو صفات الجوهر كحركة الجسم وسكونِهِ والبرودة والحرارة والتّحيّز في مكان وجهة. فالنار جوهر وحرارتها عَرَض، والريح جوهر وحرارتها أو برودتها عرض.
فالله تعالى لا يشبه ذلك كلّه، لا الجواهر ولا الأعراض، بل هو منزّه عن مشابهة جميع الحوادث.
ولو جاز أن يُعتَقَد أنّ صانع العالم جسمٌ لجاز أن تُعتقَد الألوهيّةُ للشمس والقمر أو لشيءٍ آخَرَ من أقسام الأجسام، فإذًا لا يشبه شيئًا ولا يشبهه شيء، بل هو الحيّ القيّوم الذي ليس كمثله شيء.
لو كانت الألوهيّة تصحّ لشيءٍ من الأجسام لكانت الشمس أولى بالألوهيّة لكثرة منافِعِها وحسن لونها ممّا هو محسوس لكلّ الخلق، ولكنّها لا تصلح للألوهيّة لأن لها حجمًا ومقدارًا ومكانًا، فهي محتاجة لمن خصّصها بذلك، والمحتاج لا يكون إلهًا. ومن هنا يُعلَمُ استحالةُ اتصاف البارئ عزّ وجلّ بالجسميّة، فهو تعالى لا يشبه شيئًا من الجواهر والأعراض ولا يشبِهُه شيءٌ منها، تعالى الله عمّا يقول الظّالمون علوًّا كبيرًا.
وأنّى يُشبهُ المخلوقُ خالِقهُ والمُقَدَّرُ مُقَدّرَهُ والمُصَوَّرُ مُصَوِّرَهُ.
أي لا يشبه المخلوقُ خالقَهُ ولا المُقَدَّرُ أي ذو الكميّة مُقَدِّرَه ولا المُصَوَّرُ مُصَوِّرَهُ.
فليس هذا الكلام الذي عابَهُ العلماءُ، وإنّما عاب السَّلفُ كلامَ المبتدعة في الاعتقاد كالمشبهة والمعتزلة والخوارج وسائرِ الفرقِ التي شذّت عمّا كان عليه الرسولُ والصّحابة الذين افترقوا إلى اثنتين وسبعين فرقةً كما أخبر الرسولُ بذلك في حديثه الصحيح الثابت الذي رواه ابنُ حبان بإسناده إلى أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "افترقت اليهود إحدى وسبعين فرقة وافترقت النّصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمّتي إلى ثلاث وسبعين فرقةُ كلُّهم في النّار إلّا واحدةً وهي الجماعة" أي السّواد الأعظم.
عِلم التوحيد المسمَّى أيضًا علم الكلام هو العلم الذي يُعرَفُ به ما يجوز على الله وما يستحيل في حقه وما يجب له عزّ وجلّ. وليس هذا العلمُ الشريف – ومنه قولُ الغزاليِّ الذي ذُكِرَ – الكلام الذي عابَهُ العلماء. وما روي عن الإمام الشافعيّ رضي الله عنه أنّه قال: "لأنْ يُبْتَلى المرء بكلّ ذنب خير من أن يبتلى بالكلام" فالمراد به كلام أهل الأهواء كالمشبهة والمعتزلة والخوارج وسائر الفرق التي شذّت عمّا كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم والصّحابة رضوان الله تعالى عليهم، ويدلّ على هذا الرواية الأخرى التي رواها الإمام البيهقي وابن عساكر والحافظ المجتهد أبو بكر بن المنذر في كتابه الأوسط أنّ الشافعي رضي الله عنه قال:
"لأنْ يلقى الله العبدُ بكلّ ذنب ما خلا الشرك خيرٌ من أن يلقاه بشيء من هذه الأهواء" فدلّت هذه الرواية على أن المراد بالكلام في الرواية الأخرى كلام أهل الأهواء المنشقين عن أهل السنة والجماعة، فهؤلاء لهم مقالاتٌ باطلة يجادلون عليها ليوهموا النّاس أنّ ما هم عليه يوهمون أنه الحقّ، وأن ما عليه أهل السنّة يوهمون الناس أنه باطل. والأهواء جمع هوًى وهو ما تميل إليه النفس من الباطل. وهذه الفرق الشّاذّة افترقت إلى اثنتين وسبعين فرقة كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد روى ابن حبّان بإسناده إلى أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "افترقت اليهود إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النّصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستفترق أمتي إلى ثلاث وسبعين فرقة كلُّهم في النّار إلّا واحدة وهي الجماعة" أي السّواد الأعظم(13) كما هو منصوص عليه في رواية ابن ماجة.
وأمّا علم الكلام الذي يشتغل به أهل السُّنة من الأشاعرة والماتريديّة فقد عُمِلَ به من قَبْل الأشعريّ والماتريديّ كأبي حنيفة، فإنّ له خمس رسائل في ذلك، والإمامُ الشافعيّ كان يتقنه، حتّى إنّه قال: "أتقنّا ذاك قبل هذا"، أي أتقنّا علم الكلام قبل الفقه.
هذا العلم الشريف قد عُمِل به من قبل الأشعريّ والماتريديّ، فإنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم علّمه لأصحابه وعلّمته الصحابة للتابعين والتابعون لأتباعهم وهلمّ جرّا، فصنّف فيه عمر بن عبد العزيز والحسن بن محمّد ابن الحنفية من التابعين، والإمام مالك وغيره من أتباع التابعين كأبي حنيفة فإن له خمس رسائل في علم التوحيد، وسمّاه الفقه الأكبر إيذانًا وإعلامًا بأنه أشرف من غيره من العلوم وأفضلُ، وكذا صنّف فيه الإمام الشافعي كتاب القياس وغيرَهُ، وكان يتقنه، حتى إنّه قال: "أتقنا ذاك قبل هذا" رواه البيهقيّ في مناقب الشافعي، ومعناه أتقنّا علمَ الكلام قبل فروع الفقه.
ثم ظهر في القرن الثالث الهجريّ إمامان جليلان، أحدهما حنفيُّ المذهب كان في بلاد ما وراه النّهر يُدْعَى أبا منصور الماتريديّ، وثانيهما شافعيّ المذهب كان في بغداد يدعَى أبا الحسن الأشعريّ، قاما بنصرة مذهب أهل السّنة فشرحا ما جاء في القرآن والحديث وكلام الصّحابة والتابعين من عِلم التوحيد، وأوضحا عقيدة الفرقة النّاجية ونَصَراها بالأدلّة العقليّة والنقليّة ردًّا على المشبهة والمعتزلة والخوارج وأمثالهم من أهل البدع الاعتقاديّة الخارجة عن اعتقاد أهل السنّة، فعَلَا شأنُهما وانتشر كلامُهما وتناقَلَهُ أهل السنة جيلًا بعد جيل حتى صار لا يقالُ سنيّ إلّا لمن كان ماتريديًّا أو أشعريًّا، والكلّ متّفقون في أصول الاعتقاد، ولا خلاف بينهم إلّا في بعض الفروع التي لا يُوجب الخلافُ فيها تبديعًا ولا تفسيقًا.
(10) أي وفقني لما هو أحسن لي.
(11) الدَّرَكُ هو الوصول، والمعنى: العجز عن الوصول إلى إدراك حقيقة الله هو الإدراك.
(12) الجوهر الفرد الواحد لا يقال له جسم حتى ينضمّ إليه جوهر فرد آخر، على أنّ الجوهر الفرد له حجم وكذا الجسم. فمفهوم الحجم أوسع من مفهوم الجسم.
(13) أي الأكثر عددًا ممن ينتسب إلى الإسلام، لا بالنظر إلى جميع البشر قال تعالى: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين}.