يجب لله تعالى القدرة على كلّ شيء، والمراد بالشيء هنا الجائز العقليّ، فخرج بذلك المستحيل العقليّ لأنه غير قابل للوجود فلم يَصْلُحْ أن يكون محلًّا لتعلّق القدرة.

القدرة صفة أزليّة أبدية قائمة بذات الله تعالى، بها يُوجِد اللهُ ويُعْدِم على وفق الإرادة. والبرهان العقليّ على وجوب القدرة لله تعالى هو أنه لو لم يكن قادرًا لكان عاجزًا، ولو كان عاجزًا لم يُوجَدْ شيءٌ من المخلوقات، ولكنّ المخلوقات موجودة بالمشاهدة فثبت اتصاف الله تعالى بالقدرة التامة وكذا عدم القدرة عجز، والعجز نقص والنقص مستحيل على الله إذ من شرط الإله الكمال.

وأما البرهان النقليّ فقوله تعالى: {إنّ الله هو الرّزّاقُ ذو القوّة المتين} سورة الذاريات، 58، والقوّة والقدرة، وقوله تعالى: {وهو على كلّ شيء قدير} سورة التغابن، 1. والمراد بالشيء هنا الممكنات العقلية، وهي ما يصحّ وجودها تارةً وعدَمُها تارةً أخرى. فلا تتعلّق القدرة بالواجب العقليّ وهو ذاتُ الله وصفاتُه. ولا تتعلّق القدرة بالمستحيل العقليّ أي ما لا يقبل الوجود، ولذلك يمتنع أن يقال: هل الله قادر على أن يخلق مثله، أو على أن يُعدِم نفسه لأن كلّا من ذلك مستحيل عقلي لا يقبل العقل وجوده. ولا يقال في الجواب: إنّه عاجز عن ذلك كما لا يقال: قادر على ذلك، ولكن يقال: قدرة الله لا تتعلق بالمستحيلات العقلية.

وخالف في ذلك ابن حزم فقال: "إنّ الله عزّ وجلّ قادر أنْ يتّخذ ولدًا، إذ لو لم يقدِرْ عليه لكان عاجزًا" وهذا الذي قاله غيرُ لازمٍ لأنّ اتخاذ الولد محال على الله، والمحال العقليّ لا يدخل تحت القدرة.

لا يقال: إنّ الله قادر على أن يتخذ ولدًا، ولا يقال: إنّه عاجز عن ذلك، بل يكفر من يقول ذلك، والذي يقال: هذا مستحيل عقليّ والقدرة لا تتعلّق بالمستحيل العقليّ، لأن وظيفة القدرة إيجاد الممكن العقليّ وإعدامه، والمستحيل العقليّ لا يُتصوَّر وجوده أصلًا لذاته فلا تعلّق للقدرة به، وكلام ابن حزم المذكور كفر والعياذ بالله تعالى، لأن معنى كلامه أنه يجوز أن يكون الأزليّ حادثًا، لأنّ الذي ينحلُّ منه شيء كالولد يكون حادثًا مخلوقًا والله ليس كذلك.

وعدمُ تعلّق القدرة بالشيء تارةً يكون لِقُصُورها عنه وذلك في المخلوق، وتارةً يكون لعدم قَبولِ ذلك الشيء الدخول في الوجود أي حدوث الوجود لكونه مستحيلًا عقليًّا أو لعدم قبول ذلك الشيء العدمَ لكونه واجبًا عقليًّا، والعجزُ هو الأوّلُ المنفيُّ عنه قدرته تعالى لا الثّاني.

عدم تعلق القدرة بالشيء:

1 – تارةً يكون لقصورها أي عجزها عنه وذلك في المخلوق، كعجز الإنسان عن أن يخلق شيئًا أي أن يبرزه من العدم إلى الوجود، وذلك لأن قدرة الإنسان قاصرة أي عاجزة عن ذلك.

2 – وتارة يكون عدم تعلّق القدرة بالشيء لعدم قبول هذا الشيء الدخول في الوجود لكونه مستحيلًا عقليًّا، إذ المستحيل العقلي لا يقبل الوجود، وبهذا يجاب عن قول الملحد: "هل الله قادر على أن يخلق مثله"، فقدرة الله لا تتعلق بالمستحيل العقليّ، ولا يقال: إنّه قادر على ذلك ولا عاجز عنه.

• وأيضًا يكون عدمُ تعلّق القدرة بالشيء لعدم قبول هذا الشيء العدم لكونه واجبًا عقليًّا، ولذا لا يقال قدرة الله تتعلق بذاته عزّ وجلّ أو بصفاته، لأن ذات الله واجب عقليّ وكذلك صفاته عزّ وجلّ. والواجب العقليّ لا يقبل العقل إلا وجوده، وقول الملاحدة: قدرة الله تتعلق بالواجب العقلي معناه جَعْلُ الواجب العقليّ أي الله وصفاته ممكنًا عقليًّا يقبل العدمَ والفناء، وهذا مستحيل على الله. فقدرة الله لا تتعلق بالواجب العقليّ لا إيجادًا ولا إعدامًا.

• وعدمُ تعلّق القدرة بالممكن العقليّ بسبب القصور والعجز هو المنفيّ عن قدرة الله لا الثاني، إذ الثاني أي عدمُ تعلّق القدرة بالمستحيل العقلي والواجبِ العقلي ليس فيه نسبة النقص إلى الله سبحانه وتعالى.

فلا يجوز أن يقال إن الله قادر على ذلك ولا عاجزٌ، قال بعضهم: كما لا يقال عن الحجر عالِمٌ ولا جاهل.

أي لا يجوز أن يقال إن الله قادر على أن يتخذ ولدًا ولا يقال إنه عاجز عن ذلك، بل يقال كما تقدم – هذا مستحيل عقليّ والقدرة لا تتعلق بالمستحيل العقلي وذلك كما أننا لا نقول عن الحجر عالمٌ ولا جاهلٌ، بل نقول: الحجر ل تَعَلقَ له بالعِلم ولا بالجهل لأن المصحّح للاتصاف بالعلم أو بالجهل هو الحياة، والحجر ليس حيًا، ففُهِم وظهَرَ أن قولنا: إنّ قدرة الله لا تتعلق باتخاذ الولد لا يلزم منه نسبةُ العجز إليه سبحانه وتعالى.

وكذلك يُجاب على قولِ بعضِ الملحدين: "هل الله قادرٌ على أن يخلق مثله"، وهذا فيه تجويزُ المحال العقليّ، وبيان ذلك أنّ الله أزليّ ولو كان له مثلٌ لكان أزليًّا، والأزليُّ لا يُخْلَقُ لأنّه موجود، فكيف يُخْلقُ الموجودّ؟!

بمِثل ما تقدّم يجاب على قول بعض الملحدين: "هل الله قادر على أن يخلق مثله"، وهذا السؤال فيه تناقض، وبيان ذلك أنّ الله أزلي، ولو كان مِثل لكان المِثل أزليًّا، ولكنّ الأزليّ لا يقال فيه يُخْلَق لأنه موجود لم يسبقه عدم، فكيف يُخْلَق الموجود، وأنّى يكون المخلوق مماثلًا للأزليّ، فتبيّن أن السؤال باطلٍ ودالّ على سخافة عقل صاحبه لأنّ فيه جَعْلَ المستحيلِ العقليّ جائزًا، والمستحيل لا يكون جائز الوجود.

أمّا المستحيل العقليّ فعدمُ قَبولِهِ الدخول في الوجود ظاهر.

المستحيل العقليّ هو ما لا يتصور في العقل وجوده، أي لا يقبل العقل وجوده، فهو ممتنِعُ الوجود. يقال مثلًا: الشريك لله مستحيل عقليّ أي لا يجوز في العقل وجوده، فعدمُ قبوله الدخول في الوجود واضح.

وأمّا الواجب العقليّ فلا يقبل حدوث الوجود لأنّ وجوده أزليّ. فَرْقٌ بين الوجود وبين الدخول في الوجود، فالوجود يشمل الوجود الأزليَّ والوجود الحادث، أمّا الدخول في الوجود فهو الوجود الحادث فالواجب العقليّ الله وصفاته، فالله واجب عقليّ، وجودُه أزليّ وصفاتُه أزليّة، ولا يقال لله ولا لصفاته داخلٌ في الوجود لأنّ وجودهما أزليّ، فقولنا إنّ الواجب العقليّ لا يقبل الدخول في الوجود صحيح لكن يقصُر عنه أفهام المبتدئين في العقيدة، أمّا عند من مارس فهي واضحة المراد.

التعبير بقبول الدخول في الوجود يقال في الممكن العقليّ لا في الواجب العقليّ لأنّه أزليّ لا ابتداء لوجوده، ولذا نقول: الواجب العقليّ أي الله وصفاته لا يقبل الدخول في الوجود لأنه موجود أزلًا، وفرقٌ بين الوجود وبين الدخول في الوجود، إذ الوجود يشمَل الوجود الأزليَّ والوجود الحادث، فكلّ منهما يقال له وجود، أمّا الدخول في الوجود فمعناه الوجود الحادث أي أن يسبق هذا الوجود عدمٌ، وهذا لا يكون في حق الله وصفاته لأنّه أزليّ لم يسبقه عدم، وكذلك صفاته عزّ وجلّ غير حادثة. وقولنا: "إنّ الواجب العقليّ لا يقبل الدخول في الوجود" صحيح لكن قد يقصُر عنه أفهام المبتدئين في العقيدة إن لم يُشرَح لهم المراد من ذلك، أمّا عند من مارس فهي عبارة واضحة المراد.

العِلْم

اعلم أنّ عِلْمَ الله قديم أزليّ كما أنّ ذاته أزليّ، فلم يَزَلْ عالمًا بذاته وصفاته وما يحدثه من مخلوقاته، فلا يتصف بعِلمٍ حادث لأنه لو جاز اتّصافه بالحوادث لانتفى عنه القدم لأنّ ما كان محلًّا للحوادث لا بُدّ أن يكون حادثًا.

العلم صفة أزليّة أبديّة ثابتة لله عزّ وجلّ، وعِلمُه تعالى أزلي ليس بحادث كما أنّ ذاته تعالى أزليّ، والأزليّ لا يكون محلًّا للحوادث لأنّه لو كان محلًّا للحوادث لكان متغيرًا والمتغير حادث ولانتفى عنه القِدم، ولكنّ القِدَمَ أي الأزليّة ثابت لله تعالى، فعِلمُه إذًا لا بدّ أن يكون قديمًا. والبرهان العقليّ على وجوب اتصافه تعالى بالعِلم أنّه لو لم يكن عالمًا لما قَدَرَ على إيجاد شيء من المخلوقات لأنّ شرط التخليق العِلمُ كما قال ربّنا عزّ وجلّ في سورة الملك {ألا يعلَمُ من خَلَق وهو اللطيف الخبير} 14، وعِلمه سبحانه وتعالى واحد لا يتعدّد ولا يقبل الزيادة ولا النقصان فليس كعِلم المخلوقين، والبرهان النقليّ على اتصاف الله تعالى بالعلم وعلى شمول علمه عزّ وجلّ قوله تعالى في سورة الأنعام {وهو بكلّ شيءٍ عليم}، وهو المراد من قوله تعالى في سورة النساء {وكان الله بكلّ شيءٍ محيطًا} فإنّ الإحاطة المقصودة هنا هي الإحاطة بالعلم.

وعلمه تعالى أعمّ من الإرادة والقدرة فإنّ الإرادة والقدرة تتعلّقان بالممكنات العقليّة، أمّا علمه تعالى فيتعلق بالواجب العقليّ والمستحيل العقليّ والممكن العقليّ، فإنّ الله تعالى عالم بذاته وبصفاته وما يُحْدِثه من مخلوقاته، عالمٌ بما كان وما يكون وما لا يكون أن لو كان كيف يكون، بعِلمٍ واحدٍ أزليّ أبدي لا يتغيّر ولا يتطوّر ولا يزيد ولا ينقُص.

وأمّا قوله تعالى: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلّا بما شاء} سورة البقرة، 255، فمعناه أنّ أهل السموات وهم الملائكة وأهل الأرض من إنس وجنّ لا يحيطون بشيء من عِلمِهِ أي معلومة إلا بما شاء أي إلّا بالقدر الذي شاء الله أن يعلموه، هذا الذي يحيطون به.

أما قوله تعالى: {قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيبَ إلّا الله} سورة النمل 65، فالمنفيّ فيه عن الخلق علم جميع الغيب، أمّا بعض الغيب فإنّ الله يُطلِعُ عليه بعض البشر وهم الأنبياء والأولياء والملائكة، وأمّا من ادّعى أنّ الرسول يعلم كلّ ما يعلَمُه الله فقد سَوَّى الرسول بالله تعالى وهذا كفر، وهذا القائل كأنه يقول: الله يجعل بعضَ خلقه مثله والعياذ بالله، وأمّا قوله تعالى {عالِمُ الغيب فلا يُظهِرُ على غَيْبِه أحدًا} 26، إلّا من ارتضى من رسولٍ فإنّه يَسْلُكُ من بين يديه ومن خلْفِهِ رَصَدًا27}، سورة الجن، فمعناه أنّ الذي ارتضاه الله من رسول يجعل له رَصَدًا، أي حفظة يحفظونه من بين يديه ومن خلفِهِ من الشياطين، فـ"إلّا" هنا ليست استثنائية بل هي بمعنى "لكنْ"، ويفهَمُ من الآية أن علم الغيب جميعَهُ خاصٌ بالله تعالى فلا يتطرّق إليه الاستثناء.

والقائل بهذه المقالة الشاذة فرقة تنتسب إلى التصوّف في بلاد الهند، وممّا يُرَدّ عليهم قوله تعالى: {وعندَهُ مفاتِحُ الغيبِ لا يعلَمُها إلّا هو} 59، الأنعام، وقوله تعالى {عالِمُ الغيب والشهادة} 73، الأنعام، فإنّ الله تبارك وتعالى تمدّح بإحاطته الغيب والشهادة عِلمًا.

وكذلك قوله عزّ وجلّ {قل ما كنتُ بِدْعًا من الرُّسل وما أدري ما يُفعَلُ بي ولا بِكُم إنْ أتّبِعُ إلا ما يوحَى إليَّ} 9، الأحقاف، فإذا كان الرسول بنصّ هذه الآية لا يعلم جميع تفاصيل ما يفعله الله به وبأمّته، فكيف يتجرّأ متجرّئ على قول إنّ الرسول يعلم كلّ ما يعلمه الله عزّ وجلّ!، ليس هذا إلا الغلوّ الذي نهانا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: (إيّاكم والغلوّ فإنّ الغلوّ أهلك من كان قبلكم) رواه ابن حبّان في صحيحه، وقد صحّ أنّ الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (ما أحبُّ أن ترفعوني فوق منزلتي) رواه أحمد في مسنده.

وما أوهَمَ تجدُّد العِلم لله تعالى من الآيات القرآنية كقوله تعالى: {الْآنَ خفَّفَ اللهُ عنكم وعَلِمَ أنّ فيكم ضَعْفًا} 66، الأنفال، فليس المراد به ذلك، وقولُه {وعَلِمَ} ليس راجعًا لقوله {الآنَ}، بل المعنى أنّه تعالى خفَّفَ عنكم الآن لأنّه علم بعلمه السابق في الأزل أنه يكون فيكم ضعف.

ما أوهَمَ ظاهره تجدُّدُ العلم لله تعالى من النّصوص القرآنية كقوله تعالى {الآنَ خفّف الله عنكم وعَلِم أنّ فيكم ضَعْفًا} فليس المراد به أنّ الله الآن علم بالضعف الذي فيكم بعد أن لم يكن عالمًا به، بل المراد أن التخفيف حصل الآن وقد علم الله بعلمه الأزليّ ما فيكم من الضعف، فـ"عَلِمَ" لا يرجع ولا يتعلّق بلفظ "الآن"، بل "خفّف" هو الذي يرجع ويتعلّق بـ"الآن"، أي الآن خفّف الله عنكم ما كان واجبًا عليكم من مقاومة واحدٍ من المسلمين لأضعافٍ كثيرة من الكفار بإيجاب مقاومةِ واحدٍ لاثنين من الكفار، فهذه الآية معناها نسخ الحكم الأول بالثاني رحمةً بهم للضعف الذي فيهم، والله عالم بعلمه الأزليّ أنّه يكون فيهم ضعف.

وكذلك قوله تعالى: {ولَنَبْلُوّنكم حتّى نعلَمَ المجاهدينَ منكم والصّابرين} 31، سورة محمّد. معناه ولنبلُونّكم حتى نميّز أي نُظهِرَ للخلق من يجاهد ويصبرُ من غيرهم، وكان الله عالمًا قبلُ، كما نقل البخاريُّ ذلك عن أبي عُبَيْدَة مَعْمَرٍ بن المُثَنّى,

معنى هذه الآية أنّ الله تعالى يبتلي عباده بما شاء من البلايا حتى يُظهرَ ويميّز لعباده من هو الصادق المجاهد في سبيل الله الذي يصبر على المشقات مع إخلاص النيّة لله تعالى ومن هو غير الصّادق الذي لا يصبر، والله عالِمٌ قبلُ أي في الأزل قبل وجود المخلوقات بالصّابرين المجاهدين وغيرهم كما نقل البخاريّ ذلك.

في صحيحه في كتاب التفسير عن أبي عُبَيْدَة مَعمَرٍ بن المُثَنّى من فطاحِلِ علماء اللغة.

وهذا شبيه بقوله تعالى: {لِيَمِيزَ اللهُ الخبيثَ من الطَّيِّبِ} 37، سورة الأنفال.

كذلك قوله تعالى: {لِيَمِيزَ اللهُ الخبيثَ مِن الطّيِّب}، فليس معناه أنّ الله لم يكن عالمًا من هو الخبيث ومن هو الطّيّب ثم عَلِمَ، بل المعنى لِيُظهِر لعباده من هو الخبيث ومن هو الطّيّب.