الاجتهاد هو استخراج الأحكام التي لم يَرِدْ فيها نصٌّ صريح لا يحتمل إلى معنًى واحدًا.

الآيات والأحاديث قسمان: قسم صريح لا يحتمل أيَّ معنًى آخر، فهذا لا مجال للاجتهاد فيه ولذلك قال بعض المجتهدين وهو أبو بكر بن المنذر في كتابه "الأوسط": "إذا ثبت الخبر ارتفع النّظر" ويعني بالخبر النّصّ القرآنيَّ والنصَّ الحديثيَّ، وقسم آخَرُ ليس صريحًا، تتجاذبه الاحتمالات وهو مجال نظر المجتهد، ففيه قضايا تحصل ومسائل تُطرَحُ لم يُذكَر حكمُها تصريحًا في الكتاب أو السنّة ولم يسبق فيها إجماع من الأمّة، ولذلك عرّفوا الاجتهاد بأنّه استخراج الأحكام التي لم يرد فيها نصّ صريح في الكتاب والسّنة لا يحتمل إلا معنًى واحدًا. والمجتهد يبذُلُ وُسْعَهُ لاستخراج الحُكمَ مستنِدًا على الأحكام المذكورة في الشريعة وعلى قواعد مأخوذةٍ منها، ولا يجوز له أن يجتهد تشهِيًّا من غير رجوع إلى قواعد الشّرع.

فالمجتهدُ من له أهليّةُ ذلك، بأن يكون حافظًا لآيات الأحكام وأحاديث الأحكام ومعرفة أسانيدِها ومعرفةِ أحوالِ رجالِ الإسناد.

المجتهد من له أهليةُ استباطِ الأحكام التي لم يَرِدْ فيها نصّ صريح ولا أجمعت عليها الأمّة، وإنّما يتحصّل ذلك بأن يكون حافظًا لآيات الأحكام أي الآيات التي تتضمَّنُ أحكامًا شرعيّة وقيل هي خمسمائة وحافظًا أحاديث الأحكام وقيل أيضًا هي خمسمائة ولم يَرْتَضِهِ قومٍ وقالوا آيات الأحكام وكذلك أحاديث الأحكام أكثر من ذلك، ويكون أيضًا عارفًا أسانيد هذه الأحاديث وأحوال رجال الأسانيد ليحكم على الأحاديث تصحيحًا وتضعيفًا وترجيحًا وتقديمًا لبعضها على بعض بناءً على اجتهاده لا تقليدًا لغيره.

ومعرفةِ النّاسخ والمنسوخ.

المجتهد يكون عارفًا الناسخ والمنسوخ من الآيات والأحاديث حتى لا يعتمد على حكم منسوخ ويهمِلَ الاعتماد على الناسخ، والنسخ رَفْعُ حكمٍ شرعيٍ سابقٍ بحكمٍ شرعيٍّ لاحقٍ، ويجوز نَسْخُ الرّسم وبقاءُ الحكم، أي يجوز نسخُ رَسْمِ الآية في المصحف وتلاوتِها على أنها قرآن مع بقاء حُكمِها والتكليفِ به نحو آية الرّجم وهي "الشّيخُ والشّيخةُ إذا زنيا فارجموهما ألبتّة نكالًا من الله". ويجوز نسخ الحكم وبقاءُ الرّسم كقوله تعالى: {والّذين يُتَوَفَّوْنَ منكم ويَذَرُون أزواجًا وصيّةً لأزواجهم متاعًا إلى الحول} 240 البقرة، نُسِخَتْ بالآية التي قبلها وهي {يتربَّصْنَ بأنفُسِهنَّ أربعة أشهرٍ وعَشْرًا} 234 البقرة. ومن النسخ نسخُ استقبالِ بيتِ المقدِسِ باستقبال الكعبة، ومنه ما ورد في حديث مسلم "كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزُورُها".

والعامّ والخاصّ.

لا بدّ أيضًا لبلوغ درجة الاجتهاد من معرفة ما هو من الأحكام عامّ وما هو خاصّ، فإنه إذا تعارض في الظاهر نصّانِ أحدهما عامّ والآخرُ خاصّ لزمَ تقديم الخاصّ على العامّ، فمن لم يميّز العامّ والخاصّ عجز عن بلوغ درجة الاجتهاد، ويجوز تخصيصُ الكتاب بالكتاب نحو {والمطلّقاتُ يتربّصْنَ بأنفُسِهنّ ثلاثة قُروء} 228 البقرة، الشامل لأولات الأحمال فخُصّ بقوله تعالى: {وأولاتُ الأحمالِ أجلَهُنّ أن يضَعْنَ حملَهُنّ} 4 الطّلاق، ويجوز تخصيصُ الكتاب بالسنّة كتخصيصِ قوله تعالى {يُوصِيكُمُ الله في أولادكم} 11، الشّامل للمولود الكافر بحديث الصّحيحين: "لا يرثُ المسلمُ الكافر ولا يرثُ الكافر المسلمَ".

والمُطلَقِ والمقيَّدِ.

المطلَقُ هو ما دلّ على الماهيّة من حيث هي من غير قيدٍ، أي من غير اعتبار أيّ صفةٍ من صفاتها، وأمّا المقيّد فهو ما قُيِّد بصفةٍ من الصفات أي بعارض من العوارض التي تعرضُ للماهية، وذلك كالحديث الوارد في المسح على الخفّين عند الإمام أحمد في مسنده بلفظ "يمسح المسافر ثلاثة أيّام" فإنه مطلق لم يُقيّد فيه المسح بحال ولا عارض، ولكنه ورد مُقَيَّدًا عند ابن خُزَيمة في صحيحه بلفظ: "إذا تطهَّرَ فلَبِسَ"، فاللفظ الأول مطلق والثاني مقيّد، وكذلك حديث مسلم في صحيحه في كتاب الطهارة، بابَ النهي عن الاستنجاء باليمين:

"لا يُمسِكَنَّ أحدُكم ذَكَرَهُ بيمينه وهو يبول" مع الرواية الأخرى بالنّهي عن مَسِّهِ باليمين مطلقًا من غير تقييدٍ بحالةِ البول، وكذلك قوله تعالى في كفّارة القتل {وتحريرُ رقبةٍ مؤمنةٍ} 92 النساء، وقوله تعالى في كفّارة الظّهار {فتحريرُ رقبةٍ} 3 المجادلة. بدون تقييدها بالإيمان. فيحتاج المجتهد عند ورود أخبارٍ وآياتٍ مطلقةٍ وأخرى مقيّدة أن يعرف متى يُحمَل المطلق على المقيّد ومتى لا يُحمل المطلق على المقيّد، فإن لم يميّز المطلقَ من المقيَّدِ ولا عرف قواعد حملِ الأول على الثّاني تخبّط عند الاستنباط وخرج من فيه ورأسه العجب.

ومع إتقان اللغة العربيّة بحيث إنّه يحفظ مدلولات ألفاظ النّصوص على حسب اللغة التي نزل بها القرآن.

ينبغي على المجتهد أن يتقن لغة العرب ويعرف مدلولات النّصوص الشرعيّة ويعرف النحو والصّرف والبلاغة. فمن لم يعرف لغة العرب على حسب كلام أهلها في زمن الوَحْي عجز عن معرفة معاني الآيات والأحاديث، فهو بالأولى عاجز عن معرفة ما تضمّنته من أحكام، ومن كان كذلك لم يَجُزْ له الاجتهاد ولا الهجوم على الفتوى. هذا في غير السّليقيّ، أما السّليقيّ كالصّحابة ومن كان مثلهم في كون كلامه مطابقًا للغة العربيّة على حسب أصولها وأساليبها فهو غنيّ عن تعلّم النّحو والصّرف والبلاغة لأنّه مطبوع على النطق بالصّواب في اللغة. فهؤلاء لم تدخل لغتَهُم عُجْمَة ولا خالطها لحن أو عاميّة، وأما اليوم فمن أراد معرفة لغة العرب فإنه يحتاج إلى دراسة النحو والصرف والبلاغة وغير ذلك إلى الحدّ الذي يتقن بواسطته ما يحتاج إليه من لغة القرآن.

ومعرفة ما أجمع عليه المجتهدون وما اختلفوا فيه، لأنّه إذا لم يَعْلَمْ ذلك لا يُؤمَنُ عليه أن يخرِقَ الإجماع، أي إجماع من كان قبله.

ينبغي للمجتهد أن يعرف أقوال المجتهدين إجماعًا واختلافًا، فلا يخالِفُهم في اجتهاده فيما أجمعوا عليه، فإنّ المجتهدين إذا أجمعوا على قولٍ لم يَجُز لأحدٍ أن يخالف الإجماع فيأتيَ بقول آخر.

ويشترط فوق ذلك شرطٌ وهو ركنٌ عظيمٌ في الاجتهاد وهو فِقهُ النًّفْسِ أي قوّةُ الفهمِ والإدراك.

الإنسان لو أحاط بآيات الأحكام وأحاديث الأحكام ومَهَرَ في لغة العرب وعرف النّاسخ من المنسوخ والمطلق من المقيّد والعامّ من الخاصّ ومواضع الإجماع والخلاف قد لا يستطيع أن يستخلص أحكام الحوادث مباشرة من القرآنِ والسُّنّةِ، وذلك لأن القرائح تختلف والأفهام تتفاوت في القدرة على الاستخراج والاستنباط، ولذلك قالوا: إنّه يشترط في المجتهد قوّةُ القريحة، ونظير ذلك أنّ العارفين باللغة والنّحو وأساليب كلام العرب وأشعارِهم كثرةٌ، ولكن قلّةٌ من بينهم مَن يبرَعُ في النّظم والنّثر. وهؤلاء الأئمّة المجتهدون كلُّهم الله تعالى أعطاهم قرائحَ قويّة، أذهانًا قويّة.

وتشترط العدالةُ وهي السّلامة من الكبائر ومن المداومةِ على الصّغائر بحيث تغلِبُ على حسناته من حيث العدد.

يشترط في المجتهد العدالة وهي السّلامة من ارتكاب الكبائر والسّلامةُ من المداومة على فعل الصّغائر بحيث تغلِبُ الصغائرُ حسناتِهِ من حيث العددُ، وتشترط فيه أيضًا المحافظة على مروءة أمثاله ليجوز استفتاؤه وتقليدُه من قِبَلِ غيرِهِ إذ لا يجوز استفتاءُ غيرِ الثقةٍ العدلِ.

وأمّا المقلّد فهو الذي لم يصل إلى هذه المرتبة.

المقلّد هو الذي لم يصل إلى رتبة المجتهد، فله رخصة بأن يعمَلَ بأيّ مذهبٍ يريد ويتبع أيّ إمام من الأئمة المجتهدين سواءٌ تبع واحدًا منهم في كلّ أموره أم تبع واحدًا في بعض الأمور وآخر في أمور أخرى، وثالثًا في مسائل غير التي تبع فيها الأوّلين وهكذا.

والدّليل على أنّ المسلمين على هاتين المرتبتين قوله صلى الله عليه وسلم: "نَضَّرَ اللهُ امرأً سَمِع مقالتي فوعاها فأدّاها كما سَمِعها، فرُبَّ مُبَلِّغٍ لا فقه عنده" رواه الترمذيّ وابن حبّان. الشّاهدَ في الحديث قولُه: "فَرُبَّ مبلِّغٍ يَفهِمُها أنّ ممّن يسمعون الحديث من الرسول من حظُّه أن يرويَ ما سَمِعه لغيره ويكون هو فَهْمُه أقلَّ من فَهْمِ من يبلّغه بحيث إنّ من يبلغه هذا السّامع يستطيع من قوّة قريحته أن يستخرج منه أحكامًا ومسائل، ويسمَّى هذا الاستنباط، والذي سَمِعَ ليس عنده هذه القريحة القويّة، إنّما يفهم المعنى الذي هو قريب من اللفظ، من هنا يُعلَمُ أنّ بعض الصّحابة يكون أقلّ فهمًا ممّن يسمَعُ منهم حديث رسول الله. وفي لفظٍ لهذا الحديث "فرُبَّ حامل فقهٍ إلى من هو أفقَهُ منه" وهاتان الروايتان في التّرمذي وابنِ حبّان.

الرسول صلى الله عليه وسلم دعا في حديثه هذا لِمَن حَفِظَ حديثه فأدّاه كما سَمِعَه من غير تحريف بنَضْرةِ الوجه أي بحُسْنِ وجهِهِ يومَ القيامة، وبالسلامة من الكآبة التي تحصل من أهوال يوم القيامة لأنّ يوم القيامة يومُ الأهوال العِظام والشّدائدِ الجِسام.

وقد أفهمَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: "فرُبَّ مبلِّغٍ لا فقهَ عنده" وفي رواية "فرُبِّ مبلَّغٍ أوعى من سامع" أنّ النّاس قسمان: قسمٌ يروي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط من غير أن يعرف ما يدلُّ عليه هذا الحديثُ من الأحكام وهم أكثر النّاس، وقِسم يعرفون ما يدلّ عليه هذا الحديث من الأحكام وهم الأقلُّ، وهذا القِسم هم المجتهدون.

وأمّا دعوة الألبانيّ كلَّ إنسانٍ أن يعمل بحديث "استفتِ قلبَك وإن أفتاك المُفتُونَ" رواه أحمد في مسنده، ففيها تشجيعُ العوامّ على تَرْك العمل بما عليه أهلُ الاجتهاد والعملِ بما يميل إليه قلبُ العاميّ، ولا يخفى أنّ العامِّيّ قد يميل قلبُه إلى ما يخالف الشّرع، فكيف يَترُكُ فتوى المجتهدين المعتبرين ويعمَلُ بما تميل إليه نفسُه، وهذا الحديث كان الخطاب فيه لوابِصَة بن مَعبَدٍ وهو من مجتهدي الصّحابة، فوابِصَةُ ومن كان مثلَهُ مجتهدًا فهو الذي يأخذ بما ينشرح به قلبُه وليس أيَّ إنسانٍ وإلّا لأدّى ذلك إلى الفوضى وقد قال الأفوه الأوْدِيّ: [البسيط]

لا يصلح النّاسُ فوضى لا سَراةَ لهم *** ولا سَراةَ إذ جُهّالُهم سادُوا

والسّراة هم الأشراف أهلُ الفهم الذين يصلُحون للقيادة.

فليس لكلِّ من سمع حديثًا أهليّة الاجتهاد أي استنباطِ الأحكام بدليل قوله صلى الله عليه وسلم "فرُبَّ حاملِ فقهٍ ليس بفقيه" أخرجه الطبرانيّ في المعجم الكبير، وفي رواية "فرُبّ حاملِ فقهٍ إلى من هو أفقَهُ منه" أخرجها الترمذيّ في سننه، فقد يسمع الشّخصُ الحديث المتضمِّنَ أحكامًا ولا يكون عنده أهليّة الاستنباط ويحمِلُه إلى من هو أفقَهُ منه أي إلى من له أهليّة الاستنباط، وفي قوله صلى الله عليه وسلم "فرُبَّ حاملِ فقهٍ ليس بفقيه" دليل على أنّ الذين لا يستطيعون أن يستخرجوا الفقه من الحديث أكثرُ من الذين يستطيعون، فمِنْ ثَمَّ كان بعضُ الصحابة مقلّدين، وهذا موافق لقول النحويّين: "رُبَّ للتكثير كثيرًا".

وهذا المجتهد هو مورد قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر" رواه البخاريّ. وإنّما خصَّ رسولُ الله في هذا الحديث الحاكم بالذِّكر لأنه أحوَجُ إلى الاجتهاد من غيره، فقد مضى مجتهدون في السَّلف مع كونهم حاكمين كالخلفاء السّتة: أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ والحسن بن عليّ وعمر بن عبد العزيز وشُرَيحٍ القاضي.

المراد بالحاكم في قوله صلى الله عليه وسلم "إذا اجتهد الحاكم" المجتهد، فإن أصاب في اجتهاده فله أجران لاجتهاده وإصابته، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر لاجتهاده وإنْ لم يُصِبْ. وحكم مضاعفة الثواب يشمل المجتهد الحاكم وغير الحاكم من المجتهدين، ولكن خصَّ الرسولُ صلى الله عليه وسلم الحاكم بالذِّكر لأنّه أحوج إلى الاجتهاد. وقد مضى في السَّلف مجتهدون حاكمون كالخلفاء السّتة الراشدين الذين آخِرُهم عمر بن عبد العزيز، وغيرُ حاكمين ممّن لم يكن خليفةً كشُرَيحٍ القاضي.

وأمّا غير المجتهد إذا تجرأ على الاجتهاد فأفتى في الحوادث أثِمَ لأنّه أفتى بغير علْمِ، ولذا قال النوويُّ في شرح مسلم: "قال العلماء: أجمع المسلمون على أنّ هذا الحديث – أي إذا اجتهد الحاكم – في حاكمٍ عالمٍ أهلٍ للحكم، فإن أصاب فله أجران أجر باجتهاده وأجر بإصابته وإن أخطأ فله أجر باجتهاده: ثم قال: "قالوا: فأمّا من ليس بأهلٍ للحُكم فلا يَحِلُّ له الحكمُ، فإن حَكَم فلا أجرَ له، بل هو آثمٌ ولا ينفَذُ حكمُه سواءٌ وافقَ الحقَّ أم لا، لأنّ قوله وإن وافق الحقَّ فليس صادرًا عن أصلٍ شرعيٍّ فهو عاصٍ في جميع أحكامه، سواءٌ وافق الصّواب أم لا، ولا يُعذَرُ في شيء من ذلك".

وقد عَدَّ علماءُ الحديث الذين ألَّفوا في كتب مصطلح الحديث المُفتِينَ في الصّحابةِ أقلَّ من عشَرةٍ، قيل: نحو ستّة، وقال بعض العلماء: نحو مائتين منهم بَلَغَ رتبة الاجتهاد، وهذا القول هو الأصحّ. فإذا كان الأمرُ في الصّحابة هكذا فمِنْ أين يصحُّ لكلّ مسلم يستطيع أن يقرأ القرآن ويطالعَ في بعض الكتب أن يقول: "أولئك رجال ونحن رجال، فليس علينا أن نقلّدهم".

ممّا يدلُّ على أنّ النّاس ينقسمون إلى مجتهد وغير مجتهد ما نقلَتْهُ مصنَّفاتُ أهل العِلم فقد عدَّ بعضُ علماء الحديث المجتهدين في الصّحابة أقلَّ من عشرة كما ذكر السّيوطيّ في "تدريب الراوي" بل قيل كانوا ستّة، وقال بعض العلماء: كانوا نحو مائتين قد بلغوا رتبة الاجتهاد من الصحابة وهذا القول أصحُّ، فإذا كانت الحال هكذا في الصحابة فمن أين يصحُّ تسويغُ الاجتهاد لكلِّ مسلمٍ يستطيع قراءة القرآن والمطالعة في كتب العربيّة والتاريخ! فلا ينقاد المقلّدُ للمجتهد بل لهواه!

وقد ثبت أنّ أكثر السّلف كانوا غير مجتهدين، بل كانوا مقلّدين للمجتهدين فيهم، ففي صحيح البخاريّ أنّ رجلًا كان أجيرًا لرجُلٍ فزنى بامرأته فسأل أبوه فقيل له: إنّ على ابنك مائة شاة ووليدة ثمّ سأل أهل العلم فقالوا لن: إنّ على ابنك جلدَ مائةٍ وتغريب عامٍ، فجاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم مع زوج المرأة فقال: يا رسول الله إنّ ابني هذا كان عَسِيفًا على هذا وزنى بامرأته فقال لي ناسٌ على ابنك الرجمُ ففدَيْتُ ابني منه بمائةٍ من الغنم ووليدةٍ، ثم سألتُ أهلَ العِلم فقالوا:

إنّما على ابنك جلدُ مائةٍ وتغريبُ عامٍ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لأقضِيَنَّ بينكما بكتاب الله، أمّا الوليدةُ والغنمُ فَرَدٌّ عليه، وعلى ابنك جلدُ مائةٍ وتغريبُ عام" فهذا الرجل مع كونه من الصّحابة سأل أناسًا من الصّحابة فأخطأوا الصّواب ثم سأل علماء منهم ثم أفتاه الرسولُ بما يوافق ما قاله أولئك العلماء، فإذا كان الرسول أفهَمَنا أنّ بعض مَنْ كانوا يسمعون منه الحديث ليس لهم فِقهٌ، أي مَقدِرَةٌ على استخراج الأحكام من حديثه، وإنّما حظّهم أنّ يَروُوا عنه ما سَمِعُوه مع كونهم يفهمون اللغة العربية الفصحى، فما بالُ هؤلاء الغَوغاءِ الذين يتجرّأون على قول "أولئك رجال ونحن رجال"، "أولئك رجال" يعنون المجتهدين كالأئمة الأربعة.

أكثر السّلف كانوا مقلّدين للمجتهدين عاملين بقول الله تعالى: {فاسألوا أهل الذّكر إن كنتم لا تعلمون} سورة النحل والأنبياء، وقصّة هذا العَسِيف أي الأجير الذي زنا بامرأة سيّده تدلّ على أنّ قسمًا من الصّحابة لم يكن مجتهدًا، فقد سأل أبوه عما يترتّب على ابنه فقيل له: على ابنك مائة شاةٍ وأمة يدفَعُها لزوج المرأة، ثم سأل أهل العِلم فأجابوه بما يوافق الشّرع، أي على ابنه جلد مائةٍ وتغريب عام وليس هناك مال يجب دفعه للزوج في هذه الحال، ثم سأل الأبُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فأجابه بما أجاب أهلُ العِلم أي على وفق ما جاء به القرآن فقال صلى الله عليه وسلم مخاطِبًا زوج المرأة:

أما الوليدة والغَنمُ فردٌ عليه، أي على والدِ الزاني، وقال مخاطبًا والدَ الزاني: وعلى ابنك جلد مائةٍ وتغريب عام(225). والنبيّ صلى الله عليه وسلم لم يقل لهذا الوالد بأنّه عليه أن يجتهد لأنه لم يكن أهلًا لذلك، ولذا فإن الصّحابة مع كونهم سليقين يفهمون العربيّة الفصحى على وجهها السّليم فإن كثيرًا منهم لم يكن أهلًا للاجتهاد، سمعوا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان حظّهم رواية ما سَمِعوا دون أن تكون عندهم قدرة على استنباط الأحكام. فقول بعض الرّعاع: "أولئك رجال ونحن رجال" يعنون به أنّه باستطاعتهم الاجتهاد كأولئك المجتهدين كالأئمة الأربعة والأوزاعيّ وغيرهم جَهْلٌ كبير ودعوة إلى الإفتاء بغير عِلمٍ فإنّا لله وإنّا إليه راجعون وإلى الله المشتكى.

وفي هذا المعنى ما أخرجه أبو داود من قصّةِ الرّجُلِ الذي كانت برأسِهِ شجَّةٌ فأجنَبَ في ليلةٍ باردةٍ فاستفتَى من معه فقال له: اغتَسِلْ، فاغتسَلَ فمات فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال: "قتلوه قتَلَهُم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا، فإنّما شِفاء العِيِّ السُّؤال"، أي شفاءُ الجهلِ السّؤالُ أي سؤالُ أهلِ العِلم، وقال عليه الصّلاة والسّلام: "إنّما كان يكفيه أن يتيمَّمَ ويعصب على جُرحِهِ خرقةً ثم يمسَحُ عليها ويَغْسِلُ سائرَ جسَدِهِ"، الحديثُ رواه أبو داود وغيرُه، فإنّه لوكان الاجتهاد يصحُّ من مطلق المسلمين لَمَا ذمَّ رسولُ الله هؤلاء الذين أفتَوْه وليسوا من أهلِ الفتوى.

الشّجّةُ جرح بسبب ضربةٍ تلقّاها، ومعنى "قتلوه" تسَبَّبُوا في موته، ومعنى "قتلَهُم الله" لعنَهُم الله، وهذا الحديث يشهد لِمَا سبق ذِكرُه من أنّ حظّ قسمٍ من النّاس هو استفتاء أهل الاجتهاد عمّا يعرضُ لهم من النّوازل وليس لهم أن يُفْتُوا فيها لأنّهم لم يستكملوا الشّروط المطلوبة في المفتي، ولو كان الاجتهاد يصحُّ من جميع المسلمين ما ذَمَّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم الذين أفتَوْا صاحب الشّجّةِ أن يغسِلَ رأسَهُ من جُملة ما يغسِلُه للطّهارة من الجنابة وهم ليسوا أهلًا للفتوى.

ثم وظيفة المجتهد التي هي خاصّة له القياسُ، أي أن يَعتَبِرَ ما لم يَرد به نصٌّ بما وَرَدَ فيه نصٌّ لشَبَهٍ بينهما.

وظيفة المجتهد التي هي خاصّة له ولا يشاركه غيرُه فيها القياسُ، أي أن يعتبر المجتهد ما يطرأ من الحادثات ممّا لم يرد به نصّ، أي لم يُصَرِّح الكتابُ والسُّنّة بحكمه بما ورد فيه نصّ يصرِّحُ بحكمه لشبهٍ بينهما، ولذلك عرّفوا القياسَ بأنه إلحاقُ الفرع الذي هو غيرُ منصوصٍ عليه بالأصل الذي هو منصوص عليه لعلّة تجمعهما في الحكم، مثال ذلك ما ورد في القرآن من تحريم التأفيف بالأبوين نصًّا، لكن لم يرِدْ لا تضرِبْهما، لا تجرَحْهما بحديدة إلى آخر ما هنالك من هذه التفاصيل، فهذه من طريق القياس تُلحَقُ بالأصل المنصوص عليه وهو تحريمُ التأفيف لأنّ التأفيف أذًى خفيفٌ بالنسبة للضّرب ونحوه.

فالحذرَ الحذرَ من الذين يحثُّون أتباعَهم على الاجتهاد مع كونهم وكونِ متبوعِيهم بعيدين عن هذه الرتبة، فهؤلاء يخرّبون ويَدْعَون أتباعَهم إلى التخريب في أمور الدّين. وشبيهٌ بهؤلاء أناسٌ تعَوَّدُوا في مجالسِهِم أن يُوزّعُوا على الحاضرين تفسيرَ آيةٍ أو حديثٍ مع أنّه لم يسبق لهم تلقٍّ معتبرٌ من أفواه العلماء فهو المُدّعون شذّوا عن علماء الأصولأ لأنّ علماء الأصول قالوا: "القياس وظيفة المجتهد"، وخالفوا علماء الحديث أيضًا.

ينبغي الحذر من هؤلاء المخرّبين في أمور الدّين الذين منهجَهُم الفوضى في الأمور الدينيّة الذين يدّعون الاجتهاد وهم لم يتأهّلوا لذلك فشذّوا عن علماء أصول الفقه الذين نصُّوا على أنّ القياس وظيفة المجتهد وحده، وخالفوا علماء الحديث أيضًا، فإنّ آلافًا من علماء الحديث الذين مَضَوْا كانوا يرجعون في أحكام الدّين إلى أقوال المجتهدين ولم يَدَّعُوا أهلية الفتوى مع أنّهم كانوا يحفظون آلافًا وأحيانًا عشراتِ الآلاف من الأحاديث مع معرفة أسانيدها وأحوال الرواة إلى جانب حفظ القرآن وإتقانِ اللغة العربيّة، ومع ذلك لم يَدَّعِ أحدٌ منهم رتبة الاجتهاد بل انتسبوا إلى المذاهب المعروفة فكان أبو جعفر الطّحاويّ وبدر الدين العينيُّ ومرتضى الزبيديّ مثلا على المذهب الحنفيّ،

وكان القُرطبيّ المفسِّر وأبو العبّاس القسطلّانيّ شارحُ البخاريّ على المذهب المالكيّ، وكان أبو الحسن الدّارقطني وأبو بكر البيهقيُّ ومحيي الدّين النّوويُّ وزين الدّين العراقيُّ وولدُه وليُّ الدّين والشّهابُ ابن حجرٍ العسقلانيُّ على المذهب الشّافعيّ، والضّياءُ المقدسيُّ وابنُ الجوزيّ، وابنُ قُدامة وابن رجب على المذهب الحنبليّ، ولم يَرَ واحد منهم لنفسه استحقاق رتبةِ الاجتهاد إلّا النادرُ ممّن رزقه الله قوّة القريحة والفهم مع العلم الكافي لذلك كابن المنذر وابن جريرٍ الطّبريّ وأبي ثَوْر وبعضٍ آخرين.


(225) أي يُخرَجُ من بلده إلى مسافة القَصْر لمدّة سنة.