فقوله تعالى {الله نور السموات والأرض} سورة النّور، 35، معناه أنّ الله تعالى هادي أهل السموات والأرض لنور الإيمان، رواه البيهقيّ عن عبد الله بن عبّاس رضي الله عنهما، فالله تعالى ليس نورًا بمعنى الضوء بل هو الذي خلق النور، قال تعالى: {وجَعَل الظلمات والنّور} سورة الأنعام، 1، أي خلق الظلمات والنّور، فكيف يمكن أن يكون نورًا كخلقه، تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا، وحكم من يعتقد أنّ الله تعالى نور أي ضوء التكفير قطعًا.
قال ربّنا عزّ وجلّ: {اللهُ نورُ السموات والأرضِ مَثَلُ نُورِهِ كمشكاةٍ فيها مصباح المصباحُ في زجاجةٍ الزُّجاجة كأنّها كوكبٌ دُرِّيٌ يُوقَدُ مِن شجرةٍ مباركةٍ زيتونةٍ لا شرقيةٍ ولا غربيَّةٍ يكادُ زيتُها يُضيء، ولو لم تمسَسْه نارٌ نورٌ على نُورٍ يهدي الله لِنُورِهِ من يشاء} فقوله تعالى في أوّل الآية {الله نور السموات والأرض} معناه أنّ الله هادي أهل السموات وهم الملائكة وأهل الأرض المؤمنين من الإنس والجنّ وذلك لنور الإيمان. روى هذا التفسير الإمام الطبريّ والبيهقيّ عن عبد الله بن عبّاس رضي الله عنهما، ويَدُلُّ على هذا المعنى آخرُ الآية {يهدي اللهُ لنوره من يشاء}.
ورُوي عن عليّ رضي الله عنه أنّه قرأ {الله نَوَّرَ السموات والأرض} ذكره ابن جُزَيّ، وفي تفسير ابن السمعانيّ عن قتادة تفسير {نورُ السموات والأرض} بمُنَوِّرِها.
فالله تعالى ليس نورًا بمعنى الضوء، بل هو الذي خلق الضوء كما قال تعالى في سورة الأنعام {وجعَلَ الظلماتِ والنّور} أي خلق الظلمات والنور فلا يكون عزّ وجلّ مشابِهًا لِمَا خلقَ، ومن يعتقد أنّ الله ضوء فهو مشبّه والمشبّه كافر.
وأمّا الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه الذي فيه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "نورٌ أنّى أراه" فقد نقل الحافظ العراقي في "المعنى عن حمل الأسفار" أنّ أحمد استنكره، ونصّ عبارته: "وحديث أبي ذرّ قال فيه أحمد ما زلت له منكرًا، وقال ابن خزيمة: في القلب من صحّة إسناده شيء". ولو صحّ لكان معناه منعني نور مخلوق من رؤية الله بعينَي رأسي، فنورٌ فاعلٌ لفِعل محذوفٌ تقديره: منعني، ومن فسَّر هذا الحديث بأنّ الله نورٌ بمعنى ضوء فقد كذّب قول الله تعالى {وجَعَل الظلمات والنّور}.
معنى القدرِ والإيمانِ به
قال بعض العلماء: القدر هو تدبير الأشياء على وجه مطابقِ لعلم الله الأزليّ ومشيئته الأزليّة فيوجِدُها في الوقت الذي علم أنّها تكون فيه.
القدر إيجادُ الله الأشياء على حسب ما سبق في عِلمه الأزليّ وعلى حسب مشيئته الأزليّة، وبعبارة أخرى القدر جَعْلُ الأشياء على ما هي عليه، فيوجدها الله في الوقت الذي علم أنّها تكون فيه على حسب مشيئته الأزليّة. والمراد بالقدر هنا صفة الله التقديرُ، وليس المراد به المقدورَ الذي يُوصَف بالخير أو بالشّرّ، لأنّ القدر يُطلَق ويراد به صفة الله أي التدبير، ويطلق ويراد به المقدور وهذا هو المقصود بحديث جبريل الذي أخرجه مسلم في صحيحه: "وبالقدر خيره وشرّه" لأن المقدور هو الذي يوصف بالخير والشّر.
فيدخُل في ذلك عملُ العبدِ الخيرَ والشرَّ باختياره.
الإنسان إذا عمِل حسنة من الحسنات كان ذلك بتقدير الله، وإذا عمِلَ سيئة من السيئات كان ذلك بتقدير الله أيضًا.
ويَدُلُّ عليه قولُ رسول الله لجبريل حين سأله عن الإيمان، "الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمنَ بالقدر خير وشرّهِ" رواه مسلم. ومعناه أنّ المخلوقات التي قدّرها الله تعالى وفيها الخير والشر وُجدت بتقدير الله الأزليّ.
ممَّا يَدُلُّ على أنّ كلَّ عملٍ من خيرٍ أو شرٍّ يحصُل من العبد إنّما يحصل بتقدير الله إيّاه أي بإيجاد الله إيّاه حديثُ جبريل المذكورُ الذي رواه مسلم في صحيحه، ومعناه أنّ أركان الإيمان هي هذه الستة: الإيمانُ بالله والإيمان بملائكة الله والإيمان بالكتب المنزّلة على المُرسَلين والإيمان بأنبياء الله والإيمان بالبعث بعد الموت والقيامةَ للحساب والإيمانُ بالقدر خيره وشرّه أي أنّ المخلوقات جميعَها وفيها الخير والشرّ وُجِدت بتقدير الله الأزليّ أي بإيجاد الله إياها على وَفقِ علمه ومشيثئته، فالمراد بالإيمان بالقدر الإيمانُ باتصاف الله تعالى بالتقدير لكلّ ما يحصل في هذا العالم، أي لكلّ المقدورات، فيرجعُ الضمير في قوله صلى الله عليه وسلم "خيرِه وشرِّه" إلى القدر لكن بمعنى المقدور لا التقديرِ لأنّ المقدور هو الذي يوصف بأنّ منه خيرًا وشرًّا، وأمّا صفة الله فلا توصف بذلك كما سيبيّن المصنّف رحمه الله.
وأمّا تقدير الله الذي هو صفةُ ذاتِهِ فهو لا يُوصَف بالشّرّ، بل تقديرُ الله للشّرّ الكفر والمعصيةِ وتقديرُه للإيمان والطاعة حسنٌ منه ليس قبيحًا.
تقديرُ الله للخير والشّرّ حَسَنٌ، أي تقدير الله الذي هو صفةُ ذاتِهِ لا يقال منه حسنٌ ومنه قبيحٌ، بل كلُّه حسن، وأمّا عمل العبد فهو الذي يوصف بأنّ منه الحسن ومنه القبيح، لأنّ القبيح هو ما قبّحه الله كما أنّ الحسن هو ما حسّنه الله. وأمّا مشيئة الله لحصول هذا العمل الذي هو خير أو شر وإيجادُه له فليس قبيحًا من الله خَلْقُه، ولذا قال علماء أهل السّنة والجماعة: "ما قبح من العبد فِعلُه لا يقبح من الله خَلْقه, فالله تعالى لا يقبح منه تقديرُ الأعمال القبيحة وتخليقها، وكذلك لا يقبح منه عزّ وجلّ تقدير الذّوات القبيحة وتخليقها، وبيان ذلك أنّه ليس لله عزّ وجلّ آمر ولا ناهٍ خلافًا للعبد فإنّه مأمور بالخير الذي هو فرضٌ منهيٌ عن الشرّ ولذلك كان عملُه الخيرَ حسنٌ لأنّه فعل ما حثّ وحضّ الشرعُ عليه، وعملُه الشّرّ قبيح لأنّه اقترب ما نَهَى الشّرع عنه.
فإرادة الله تعالى نافذة في جميع مُراداتِهِ على حسب علمِهِ بها.
مشيئة الله نافذة في كلّ مَرادَاتِهِ أي ما أراد وجودَهُ، وذلك على حسب علِمِهِ بها وهذا معنى ما أجمع عليه المسلمون: "ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن" وأما مشيئة العباد فإنّها تتنفَّذُ في بعض الحالات ولا تتنفّذ في بعضها الآخر.
فما عَلِمَ كونَه أراد كونَهُ في الوقت الذي يكون فيه، وما عَلِمَ أنّه لا يكون لم يُرِد أن يكون.
ما عَلِمَ الله في الأزل كونَهُ في وقت معيَّنٍ شاء كونَهُ في الوقت الذي عَلِمَ أنّه يكون فيه، وأبرزه من العدم إلى الوجود في ذلك الوقت، وما عَلِمَ أنّه لا يكون لم يُرِدْ أن يكون فلا يكون.
فلا يحدُث في العالم شيء إلّا بمشيئته، ولا يصيب العبدَ شيء من الخير أو الشّر أو الصّحة أو المرض أو الفقر أو الغِنى أو غيرِ ذلك إلا بمشيئة الله تعالى، ولا يخطئ العبدَ شيءٌ قدَّر الله وشاء أن يصيبه، فقد ورد أنّ النبي صلى الله عليه وسلم علّم بعض بناته: "ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن" رواه أبو داود في السُّنن ثمّ تواتر واستفاض بين أفراد الأمّة.
مشيئة الله شاملة لأعمال العباد الخيرِ منها والشرّ، فكلُّ ما دخل في الوجود من أعمال الشّر من كفر أو معصية أو إيمانٍ أو طاعةٍ فبمشيشة الله وقع وحصل، وكلُّ ما يصيبُ العبدَ من مرضٍ أو صحّة أو غنًى أو فقرٍ إنّما هو شيءٌ قدّر الله وشاء أن يصيبه، وهذا كمال في حقّ الله تعالى لأنّ شمول القدرة والمشيئة لجميع الممكنات لائق بجلال الله لأنّه لو كان يقع في مِلكه عزّ وجلّ ما لا يشاء لكان مغلوبًا، وهذا منافٍ للألوهيّة وهذا أمر أجمع عليه المسلمون وأخذوه من نصوص الكتاب والسّنة، فقد قال الله تعالى في سورة الأنعام {فمن يُردِ اللهُ أن يهدِيَهُ يشرَحْ صدرَهُ للإسلام ومن يُرِدْ أن يُضِلَّه يَجعَلْ صدرَهُ ضيّقًا حَرَجًا كأنّما يصَعَدُ في السماء} وورد في الحديث الثابت أن النبيّ صلى الله عليه وسلم علّم بعضَ بناته أن تقول صباحًا ومساءً دعاءً من جملته "ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن" رواه أبو داود في سننه ثم استصفاض وانتشر بين أفراد الأمة، فهذه كلمة أجمع المسلمون عليها.
وروى البيهقيّ رحمه الله تعالى عن سيّدنا عليّ رضي الله عنه أنّه قال: "إنّ أحدكم لن يَخْلُصَ الإيمانُ إلى قلبه حتى يستيقن يقينًا غيرَ شكٍّ أنّ ما أصابه لم يكن لِيُخطِئَهُ وما أخطأه لم يكن ليُصيبَهُ، ويُقِرَّ بالقدر كلِّه" أي لا يجوز أن يؤمن ببعض القدر ويكفُر ببعضٍ.
معنى هذا الأقر عن سيدنا عليّ رضي الله عنه أنّه لا يَتِمُّ الإيمانُ في قلب أحدكم حتّى يستيقن يقينًا غير شكّ، أي حتى يعتقد اعتقادًا جازمًا لا يخالِجُه شكّ أنّ ما أصابه لم يكن ليُخطئه إن كان من الرّزق أو المصائب أو غير ذلك، وأنّ ما أخطأه لم يكن ليصيبه ويُقِرَّ بالقدر كلّه، أي لا يجوز أن يؤمن ببعض القدر ويكفر ببعض، بل يجب على كلّ مسلم أن يؤمن بأنّ كلّ ما يجري في الكون من خير أو شرّ، ضلالةٍ أو هدًى، عُسْر أو يُسر، حُلو أو مُرّ، كلُّ ذلك بخلق الله ومشيئته حدث، ولولا أنّ الله تعالى شاءه وخلقه ما حصل. ومن آمنَ ببعض القدر وكفر ببعض بأن اعتقد أنّ أمرًا من الأمور يجري في هذا العالم بغير تقدير الله فقد جانب الإيمان وحالفَ الضلالة، أي ترك الإيمان ولازمَ الضلالة.
وروى أيضًا بالإسناد الصحيح أنّ عمر بن الخطّاب كان بالجابية – وهي أرض من الشام – فقام خطيبًا فحَمِد الله وأثنى عليه ثم قال: "مَن يَهْدِ اللهُ فلا مُضِلَّ له ومَن يُضلِلْ فلا هاديَ له" وكان عنده كافر من كفّار العجَم من أهل الذّمّة فقال بلغته: "إنّ الله لا يُضِلُّ أحدًا" فقال عمر للتّرجمان "ماذا يقول؟" قال إنّه يقول "إنّ الله لا يُضلّ أحدًا"، فقال عمر: "كذبتَ يا عدوَّ الله ولولا أنّك من أهل الذِّمّة لضربتُ عُنُقَك، هو أضلَّكَ وهو يُدخِلُك النّار إن شاء".
وروى هذا الأثر بالإسناد الصحيح الإمام البيهقيُّ في كتابه "القضاء والقدر"، وقول سيّدنا عمر رضي الله عنه "مَن يهدِ الله فلا مضلَّ له" موافق لقوله تعالى في سورة الزُّمر {ومن يهدِ اللهُ فما له من مُضِلّ} ومعناه أنّ الذي شاء الله له في الأزل أن يكون مهتديًا فلا أحد يجعله ضالًا، وقوله رضي الله عنه "ومن يُضلِلْ فلا هاديَ له" موافق لقوله تعالى في سورة الأعراف {من يُضلِلِ الله فلا هاديَ له} ومعناه أن من شاء الله أن يكون ضالًّا فلا أحد يجعله مهتديًا. فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم أنذرَ قومه أوّل ما نزل عليه الوحي عملًا بقول الله تعالى {وأنذِرْ عشيرتَك الأقربين} سورة الشعراء، 214، فاهتدى به أناس ولم يهتد به آخرون بعضهم من أقاربه كأبي لهب مع أنّ الرسول بلّغهم دعوته لكنهم لم يهتَدُوا، وأولئك الذين اهتدَوا اهتدَوا، والموجب لأن يهتدي هؤلاء ولا يهتدي الآخرون أنّ الله تبارك وتعالى شاء في الأزل أن يهتدي هؤلاء بمحمّد صلى الله عليه وسلم ولم يشأ أن يهتدي الآخرون، فتنفّذت مشيئة الله في الفريقين.
ومعنى قول سيّدنا عمر رضي الله عنه "لولا أنّك من أهل الذّمّة لضربتُ عنقَكَ" أي لعاملتُك معاملة المرتدّ، ومعنى قوله "وهو يُدخِلُك النّار إن شاء" يُدخِلُك النار إن شاء أن تموت على كفرك هذا.
وروى الحافظ أبو نُعَيم عن ابن أخي الزُّهريّ عن عمّه الزُّهريّ أنّ عمر بن الخطّاب كان يحبّ قصيدة لبيد بنِ ربيعة التي منها هذه الأبيات وهي: [الرّمَل}
إنّ تقوى ربّنا خيرُ نَفَلْ *** وبإذن الله رَيْثي وعجَلْ
أحمدُ الله فلا نِدَّ لهُ *** بيدَيْهِ الخيرُ ما شاء فعَلْ
مَن هداهُ سُبُلَ الخير اهتدى *** ناعمَ البالِ ومن شاء أضلْ
هذه الأبيات للبيد بن ربيعة رضي الله عنه، وهي من بحر الرَّمَل، وقد كان سيّدنا عمر يُعجَبُ بها لما فيها من الفوائد الجليلة. وكان لبيد من الشعراء المجهولين، لكنّه ترك قول الشّعر بعد أن أسلم إلّا ما ندر كهذه الأبيات، وقوله رضي الله عنه:
الحمد لله أنْ لم يأتِني أجلي *** حتى لبِسْتُ الإسلام سِربالَا
وكان يقول: أبدلني الله من الشّعر خيرًا منه اهـ يعني القرآن الكريم.
ومعنى قوله: "إنّ تقوى ربّنا خير نَفَل" أي خيرُ ما يُعطاه الإنسان.
معنى قول لبيد "إنّ تقوى ربّنا خير نَفَلْ" أي تقوى الله خيرُ ما يؤتاه الإنسان وخير ما يعطاه، والتّقوى كلمة خفيفة على اللسان لكنّها ثقيلة في العمل لأنّها أداء ما افترض الله على العبادِ واجتنابُ ما حرَّم عليهم، وهذا أمر ثقيل على النفس.
ومعنى قوله "وبإذن الله رَيْثي وعَجَلْ"، أي أنّه لا يُبطِئُ مُبطِئ ولا يُسرِع مسرِعٌ إلا بمشيئة الله وبإذنه.
المعنى أنّ إبطائي وإسراعي كلاهما بإذن الله تعالى، فلا يبطِئُ مبطئ ولا يُسرع نشيط في العمل إلا بمشيئة الله وإذنه، أي أنّ الله تبارك وتعالى هو الذي يخلُق في العبد القوّة والنّشاط لعمل الخير، وهو الذي يخلق فيه الكسل والتّواني عن الخير، فالخير والشّرّ اللذان يحصلان من الخلق كلُّ ذلك يحصُلُ بخلْق الله تعالى ومشيئته.
وقوله "أحمَدُ الله فلا نِدَّ له" أي لا مِثْلَ له، وقوله "بيدَيْهِ الخيرُ" أي والشّرُّ.
أي أحمد الله الذي لا نِدَّ(50) ولا كُفء له، وأما قوله "بيديه الخير" فمعناه أنّ الله مالك الخير وكذلك الشّرّ، فالخير والشّر لا يحصلان إلا بمشيئته وتخليقه، وهذا موافق لما جاء في كتاب الله عزّ وجلّ {بيَدِك الخيرُ} سورة آل عمران، 26.
أي والشّر، وقد ثنّى لبيدٌ اليد تعظيمًا وهذا معروف في لغة العرب.
وإنّما اقتصَرَ على ذكر الخير من باب الاكتفاء كقوله تعالى {سرابيلَ تقيكُمُ الحرَّ} سورة النحل، 81، أي والبردَ لأنّ السّرابيل تقي من الأمرين، ليس من الحرّ فقط.
اقتصر لبيد في قوله "بيديه الخير" على ذكر الخير دون الشّر من باب الاكتفاء، أي اكتفاءً بذكر الخير عن ذكر الشّر لأنه معلوم عند أهل الحقّ أنّ الله خالق الخير والشر، فإيمان المؤمنين وطاعاتُهم وكُفر الكافرين كلُّ بخلق الله تعالى ومشيئته، وكذلك ليس في ترك ذِكر الشّر مع الخير في قوله تعالى {بيدِك الخيرُ} دليل على أنّ الله تعالى ليس خالقًا للشر. وأسلوب الاكتفاء من أساليب البلاغة العربيّة معروف عند الفصحاء البلغاء، ويكون بذكر أحد الشيئين الداخلين تحت حكم واحد اكتفاءً بأحدهما عن ذكر الآخر كقوله تعالى:
{وجَعَل لكم ساربيلَ تقيكُمْ الحرَّ وسرابيلَ تقيكُمْ بأسَكُمْ} سورة النحل، 81. والسرابيل جمع سِربال وهو ما يُلبَس من قميص أو دِرعٍ من حديد يُلبَس في الحرب. فالله تعالى يمتَنُّ علينا بأنّه خلق لنا قمصانًا تقينا الحرَّ وكذلك البردُ، ودروعًا من حديد تقينا بأسَنا أي السّلاح.
وقوله "ما شاء فَعَل" أي ما أراد الله حصوله لا بدّ أن يحصُلَ وما أراد أن لا يحصُلَ فلا يحصلُ.
المعنى أنّ مشيئة الله لا تتخلّف، بل هي نافذة في جميع مراداته، فما شاء الله في الأزل وجوده فلا بدّ أن يُوجَدَ وما لا فلا.
وقولِه "من هداه سُبُل الخير اهتدى" أي من شاء الله له أن يكون على الصّراط الصّحيح المستقيم اهتدى. وقوله "ناعمَ البالِ" أي مُطمئِنَّ البالِ، وقوله "ومن شاء أضَلّ" أي من شاء له أن يكون ضالًّا أضلَّه.
المعنى أنّ الله تبارك وتعالى من هداه سُبُل الخير أي من شاء الله له في الأزل أن يكون مهتديًا على الصّراط المستقيم اهتدى بفضل الله تعالى ومَنِّهِ أي لا بدَّ أن يكون مهتديًا أي على دين الله عزّ وجلّ "ناعمَ البالِ" أي مطمئنَّ البال للإيمان بالله تعالى وبما جاء عن رسوله.
وقوله "ومن شاء أضَلْ" معناه أنّ من شاء الله في الأزل أن يكون ضالًّا أضلَّه أي خلق فيه الضّلال. فمعنى البيت أنّ من شاء الله له الهداية لا بدّ أن يهتدي فيُلهمُه الله الإيمان والتّقى فيهتدي باختياره لا مجبورًا، وأمّا من شاء الله تعالى في الأزل أن يكون ضالًّا كافرًا أضلّه الله بعَدْلِهِ وعلى وفق علمه الأزليّ ومشيئته الأزليّة، فيختار هذا العبد الكفر تحت مشيئة الله عزّ وجلّ وبتقديره وتخليقه.
وهذا الكلام من أصول العقائد التي كان عليها الصّحابة ومن تَبِعَهُم بإحسانٍ، فلِمَا في هذه الأبيات من التوحيد الخالص كان يُعجَبُ بها عمر بن الخطّاب رضي الله عنه، فلتُحفظَ فإنّها من جواهر العِلم في أصول العقيدة.
وروى البيهقيّ عن الشّافعيّ أنّه قال حين سُئِل عن القدر: [متقارب]
خلقتَ العباد على ما عَلِمْتَ *** ففي العِلم يجري الفتى والمُسِنْ
على ذا مننت وهذا خذَلتَ *** وهذا أعنت وذا لم تُعِنْ
فمنهم شقيّ ومنهم سعيدٌ *** وهذا قبيح وهذا حسَنْ
روى الإمام البيهقيّ عن الإمام محمّد بن إدريس الشّافعيّ أنه قال حين سُئل عن القدر:
ما شئت كان وإن لم أشأ *** وما شئتُ إن لم تشأ لم يكن
ومعناه يا ربّ ما سبقَتْ به مشيئتُك في الأزل لا بدّ أن يُوجَد وإن لم أشأ وجودَه لأنّ مشيئتَك نافذة، ومرادُك لا يتخلّف حصوله، وأمّا ما أردتُ أنا حصوله فلا يحصل إلّا إذا شئت أنت ذلك. فمشيئة الله نافذة لا محالة لأنّه لو كان لا يتحقّق شيءٌ من مُرادات الله تعالى، أي ممّا شاء الله تعالى أن يتحققَ ويحصُلَ لكان ذلك عجزًا والعجز مستحيل على الله لأنّ من شأن الإله أن تكون مشيئته نافذة لا تتخلّف، فيجب عقلًا وشرعًا نفاذُ مشيئة الله تبارك وتعالى أي تحقُّقُ مقتضاها. وأمّا مشيئة العبد فحادثة، منها ما هو نافذ يتحقّق ومنها ما هو غير نافذٍ لا يتحقّق.
ومعنى قوله رحمه الله: خلقتَ العبادَ على ما علِمْتَ.
أنّك يا ربّنا أبرزت العباد من العدم إلى الوجود على حسب ما سبق في علمك الأزليّ، لا على خلاف ما علمت، لأنّ تخلُّف العِلم في حق الله مستحيل لأنه نقصٌ في حقّه تعالى فيجب تنزيهه عنه.
وقوله رضي الله عنه: ففي العِلم يجري الفتى والمُسِنْ
معناه أنّ سَعْيَ الفتى أي الشّابّ والمُسنّ أي العجوز في عِلم الله تبارك وتعالى، أي لا يخرجُ عن علم الله، فهذا الفتى الذي هو ذو قوّةٍ ونشاطٍ وهذا المسنّ الذي هو ذو عجزٍ وضعفٍ كلٌّ منهما لا يحصُل شيء منه من الحركات والسكنات والنيّات والقصود والإدراكات إلّا على حسب علم الله الأزليّ، كلٌّ منهما في العِلم يجري، فهما يتقلّبان على حسب مشيئة الله الأزليّة، ويعملان ويتصرّفان ويسعيان على حسب علم الله الأزليّ.
ومعنى قوله "على ذا مننتَ" إلى آخر الأبيات أنّ بعض العباد مننتَ عليه فوفقتَهُ للإيمان والهدى والصّلاح، فجعلتَهُ يصرف قدرته واختياره لذلك، وبعضهم خذلتَهُ فلم توفّقه للحقّ، بل جعلتَهُ يصرف قدرته واختياره للشّر، وأعنتَ يا الله فريقًا من الناس على ما يرضيك من الأعمال ولم تعن الفريق الآخر على ذلك، فصار الناس ما بين شقيّ وسعيد وقبيح وحسن وموفّق ومخذول على حسب علمك الأزليّ ومشيئتك الأزليّة وتقديرك الذي لا يتغيّر.
وليس معنى قول الشافعي "وهذا أعنت وذا لم تعن" أنّ الله لا يعين على الشّر وإنما يعين على الخير فقط، فأهل السُّنة متفقون على أنّ الله هو المعين على الخير وهو المعين على الشّر، والإعانة التّمكين أي أنّ الله هو الذي يُمَكّن العبد من فعل الخير وهو الذي يمكّنه من فعل الشّر، صرّح بذلك إمام الحرمين عبد الله الجويني في الإرشاد.
فتبيّن بهذا أنّ الضمير في قوله تعالى {يُضِلُّ من يشاء ويهدي من يشاء} سورة النّحل، 93، يعود إلى الله لا إلى العبد كما زعمت القدريّة بدليل قوله تعالى إخبارًا عن سيدنا موسى {إنْ هي إلّا فتنتُك تضِلُّ بها من تشاء وتهدي من تشاء} سورة الأعراف، 100.
يتبيّن بهذا الذي سبق كلِّه أنّ الضمير المستتر في الفعل "يشاء" من قوله تعالى في سورة النّحل {يُضِلُّ من يشاءُ ويهدي من يشاء} يعود إلى الله، فيكون المعنى من يشاء الله له الضّلالة يجعَلُه ضالًّا، ومن يشاء الله له الهدى يجعَلُه مهتديًا، ولا يصح أن يعود الضمير إلى العبد كما زعمت القدريّة التي ضلّت عن معنى هذه الآية فقالت: معناها إن شاء العبدُ الضّلالة يضلُّه الله، لأنّهم يعتقدون أنّ الله ما شاء ضلالة من ضلَّ، إنّما هم شاؤوا ذلك واللهُ شاء لهم الهداية، فجعلوا مشيئة الله مغلوبة حيث إنّها لم تتنفّذ على حسب قولهم، وجعلوا مشيئة العبد هي النّافذة، فجعلوا الله مغلوبًا، والله غالب غير مغلوب.
وممّا يُرَدّ به على القدريّة قوله تعالى في سورة الأعراف إخبارًا عن سيّدنا موسى عندما اختار سبعين شخصًا ليأخذهم للتضرّع إلى الله تعالى بعد أن عبد قسم من قومه العجل فأخذتهم الرّجْفَةُ أي اهتزّت بهم الأرض فقال موسى متضرّعًا إلى الله {ربِّ لو شئتَ أهْلَكتَهُم مِن قَبْلُ وإيّايَ أتُهلِكُنَا بما فعَلَ السُّفهاءُ منَّا إنْ هي إلّا فتنَتُك تَضِلُّ بها من تشاء وتهدي من تشاء أنت وليُّنا فاغفِرْ لنا وارحَمْنا وأنت خيرُ الغافرين} ومعناه يا ربّ ما حصل من أمر السّامريّ والعجلِ ابتلاءٌ منك وامتحان وفتنة أضللتَ بها القسم الذي شئتَ أن يضلَّ، وهديت القسم الذي شئت أن يهتدي(51). فهذه الآية تُرَدُّ تفسير المعتزلة للآية السابقة وتبطله، فإنّ آيات القرآن العظيم تتعاضد ولا تتناقض.
ومن قصّة سيّدنا موسى مع السّامريّ أنّ موسى عليه السلام لمّا ذهب لميقات ربّه أي لمناجاة الله أي لسماع كلام الله الأزليّ خلَّف على قومه أخاه هارون وكان نبيًّا، ثم قضى أربعين ليلةً ثم عاد إليهم فوجدهم قد عبدوا العجل إلا بعضًا منهم. وذلك بعد أن اجتاز بهم البحر ورأوا معجزة انفلاق البحر اثني عشر فِرْقًا، كلُّ فِرْق كالجبل العظيم وأنقذهم من فرعون. ثم فتنهم شخص يقال له موسى السّامريّ، فقد صاغ لهم عِجْلًا من ذهب ووضع فيه شيئًا من أثر حافر فرس جبريل فأحيا الله تعالى هذا العجل فصار يخور كالعِجل الحقيقيّ.
خلق الله فيه الحياة فقال لهم السّامريّ: هذا إلهكم وإله موسى، فحمَل بعضَهم على عبادة العِجل ولما عَلِم موسى بذلك اغتاظ من هؤلاء وأخذ السّامريّ وقال له كما أخبر الله في القرآن الكريم {وانظُر إلى إلهك الذي ظَلْتَ عليه عاكفًا لَنُحرِقَنَّهُ ثمّ لَنَسِفَنَّهُ في اليّمِّ نَسْفًا} سورة طه، 97، ثم اختار سيّدنا موسى من قومه سبعين رجلًا ليأخذهم للتضرّع إلى الله تعالى فأخذتهم الرّجفة إلى آخر القصّة.
وكذلك قالت طائفة ينتسبون إلى أمين شيخو الذين زعيمُهم اليوم عبد الهادي الباني الذي هو بدمشق، فقد جعلوا مشيئة الله تابعةً لمشيئة العبد حيث إنّ معنى الآية عندهم: إنْ شاء العبدُ الاهتداء شاء الله له الهدى وإن شاء العبدُ أن يَضِلّ أضلّه الله، فكذّبوا بالآية {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله} سورة التكوير، 29.
بمِثل قول المعتزلة قالت طائفة ينتسبون إلى رجلٍ كان شرطيًّا أيام الاحتلال الفرنسي يُدعَى أمين شيخو، تبعه أناس تلقّى بعضُهم العلوم العصريّة لكنّهم لم يتلقَّوْا علم الدين فضلُّوا وأضلُّوا، وراج عليهم ما ألقى إليهم من السُّم كقوله بأنّ الله لا يعلم كفر الكفّار في الأزل وإنما بعد أن يصير الكفر في قلب أحدهم يعلم به، وكقوله إنّ جهنّم ليست دار عذاب وقوله إن الله لم يشأ حصول الكفر والمعاصي من العباد وقوله إنّ البخاريّ ومسلمًا كانا يهوديّين. وهؤلاء زعيمُهم عبد الهادي الباني الذي كان بدمشق، وقد توفّي منذ بضع سنوات وصار المنتسبون إلى هذه الطائفة بعد وفاته فِرَقًا تجمَعُها ضلالة التكذيب بالقدر.
وحرّفوا معنى قوله تعالى {فيُضِلُّ الله من يشاءُ ويهدي من يشاء} إذ جعلوا الضمير المستتر في {يشاء}يعود على العبد وقالوا إن شاء الله العبدُ الاهتداء شاء الله له الهدى، وإن شاء العبد أن يَضِلُّ أضلَّهُ الله فجعلوا مشيئة الله تابعة لمشيئة العبد مكذّبين قول الله تعالى في سورة التكوير {وما تشاؤون إلّا أن يشاء الله} فإنّها صريحة في كون مشيئة العبد تابعةً لمشيئة الله لا العكس.
وهؤلاء تبعوا المعتزلة في هذه المسألة ظنًّا منهم أنّنا إذا قلنا: إنّ الله هو الذي يُضِلُّ من شاء له الضّلالة من عباده فقد نسبنا الظلم إلى الله، قالوا: كيف يشاء الله الضّلالة للعبد ثم يعاقِبُه على ذلك، من هنا ضلُّوا وأضلُّوا وفتنوا كثيرًا من ضِعاف العقول.
فإن حاول بعضهم أن يستدِلَّ بآيةٍ من القرآن لضدّ هذا المعنى، قيل له: القرآن يتصادق ولا يتناقض فليس في القرآن آيةٌ نقيضَ آيةٍ، وليس هذا من باب النّاسخ والمنسوخ لأنّ النّسخ لا يدخُللأ العقائد وليس موجبًا للتناقض، فالنّسخ لا يدخل في الأخبار إنما هو في الأمر والنّهي. إنّما النّسخ بيانُ انتهاءِ حكم آيةٍ سابقةٍ بحكم آيةٍ لاحقةٍ، على أنّ هذه الفئة لا تؤمِنُ بالنّاسخ والمنسوخ.
إن حاول أحدٌ من المعتزلة أو من وافقهم الاستدلال بآيةٍ من القرآن لضِدّ معنى قوله تعالى {وما تشاؤون إلّا أن يشاء الله} أجيبَ بأنّ آيات القرآن تتعاضد ولا تتناقض. وإن قيل هذه الآية نُسِخت بآيةٍ أخرى قلنا: النّسخ لا يدخل العقائد كما هو معروف في كتب أصول الفقه واعتقاد أنّ مشيئة العبد تابعةٌ لمشيئة الله لا العكس من أصول الاعتقاد، ومن خالف في هذا فقد كفر والعياذ بالله، وكذلك النّسخ لا يقتضي تناقضًا بين آية وأخرى إذ النّسخ لا يدخل في الأخبار، إنّما هو داخل في الأمر والنّهي فلا يقتضي حصولُه تكذيب آيةٍ أو حديثٍ، بل هو بيان انتهاء حكم آية سابقة أو حديث سابق بحكم آية لاحقة أو حديث لاحق. ولكنّ هذه الفرقة – فرقة أمين شيخو لا تؤمن بالنّاسخ والمنسوخ شذوذًا منها عن أهل السنة والجماعة.
ومن غباوتهم العجيبة أنّهم يفسّرون قوله تعالى: {وعلّم آدمَ الأسماءَ كلَّها} سورة البقرة، 31، بأسماء الله الحسنى، فإن قيل لهم: لو كانت الأسماء هي أسماء الله الحسنى لم يقل الله {فلمّا أنبأهُم بأسمائِهِم} سورة البقرة، 33، بل لقال: فلمّا أنبأهم بأسمائي، انقطعوا، لكنّهم يُصرُّون على جهلهم وتحريفِهم للقرآن.
ورد في تفسير قوله تعالى {وعلّم آدمَ الأسماء كلَّها} عن ابن عباس رضي الله عنهما أنّه قال: علّم الله آدم الأسماء كلَّها وهي هذه الأسماء التي يتعارف بها الناس إنسانٌ ودابّة وأرض وبحر وسهل وجبل وحمار وأشباهُ ذلك من الأمم وغيرِها، وعن سعيد بن جُبَيْر قال: "علّمه اسم كلِّ شيء حتى البعيرَ والبقرةَ والشاة" وهذا التفسير موافق لحديث رسول الله المتفقِ على صحته الذي فيه أنّ الناس يقولون لآدم يوم القيامة: "يا آدم أنت أبو البشر أسجَدَ لك الملائكة وعلّمك أسماء كلّ شيء" أخرجه البخاري في صحيحه. وأمّا هذه الطائفة فإنها تفسّر الآية بأسماء الله الحسنى مخالِفَةً للحديث المذكور، ولو كان تفسيرهم صحيحًا لم يقل الله في سورة البقرة {فلمّا أنبأهم بأسمائهم} بل لقال: فلمّا أنبأهم بأسمائي، ومع هذا البيان تصرُّ هذه الطائفة على جهلها.
وروى الحاكم رحمه الله تعالى أنّ عليَّ الرِّضى بن موسى الكاظم كان يقعُد في الروضة وهو شابّ مُلتحِف بمُطرَفِ خَزٍّ فيسألأه النّاس ومشايخُ العلماء في المسجد، فسُئِل عن القدر فقال: قال الله عزّ من قائل: {إنّ المجرمين في ضلالٍ وسُعُر 47، يومَ يُسحَبُون في النّار على وجوههم ذُوقوا مسَّ سَقَرَ 48، إنّا كلَّ شيءٍ خلقناه بقدر 49} سورة القمر، ثم قال الرِّضَى: "كان أبي يذكر عن آبائه أنّ أمير المؤمنين عليَّ بن أبي طالب كان يقول: إنّ الله خلق كلَّ شيءٍ بقدرٍ حتى العجزَ والكيسَ وإليه المشيئة وبه الحَوْلُ والقوّة" اهـ.
هذا رواه الإمام البيهقيّ رحمه الله في كتابه "القضاء والقدر" عن شيخه الحاكم رحمه الله، وهو كلام عظيم يحوي معاني راقية كثيرة ذكره ونقله أحد علماء أهل بيت النبوّة عليهم سلام الله، وهو الإمام عليّ الرِّضا بنُ موسى الكاظم بن جعفر الصّادق بن محمّد الباقر بن عليٍّ زين العابدين بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهم وكان يقعد في الرّوضة وهو شابّ ملتحِفٌ برداءٍ من خزّ ذي أعلام، فيسأله الناس وكبار السّنّ من العلماء في المسجد، فسئل عن القدر فأجاب بآيات من سورة القمر منها قوله تعالى {إنّا كلَّ شيءٍ خلقناه بقدر}، ثم ذكر عليٌّ الرِّضا عن أبيه موسى الكاظم عن آبائه أنّ سيدنا عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه كان يقول:
"إنّ الله خلق كلَّ شيءٍ بقدر" أي بتقديره الأزليّ، وقوله: "حتى العجزَ والكيسَ" فالعجز هو الضعف في الفهم والإدراك أو ضعف الهمّة وفتورها، والكَيْس هو الذكاء والفطانة، وقوله: "وإليه المشيئة" معناه أنّ الله تبارك وتعالى له المشيئة الشاملة العامّة الأزليّة الأبديّة التي لا تتغيّر، والغالبة للمشيئات كلّها، فبمشيئته الأزليّة شاء حصول كلِّ الممكنات الحادثات من أجرامٍ وأعمال العباد وحركاتِهم وسكناتِهم وتطوّراتهم واعتقاداتهم، ما كان خيرًا وما كان شرًّا، ومشيئة الله سابقة على مشيئة العباد، سبقت مشيئتُه المشيئاتِ كلَّها فلا مشيئة للعباد إلّا ما شاء لهم.
وقول سيدّنا عليّ: "وبه الحول" فالحول هو التّحفُّظ عن الشّر أي الابتعاد عنه وهذا معناه أنّ العبد لا يستطيع أن يدفع عن نفسه شرًّا ولا يستطيع أن يحتَرِزَ عن سوءٍ وشرٍّ وفسادٍ ومعصيةٍ إلّا بعون الله، أي إلّا أن يحفظه الله، فالملائكة والأنبياء والصّالحون من المؤمنين ليسوا هم يحفظون أنفسهم من الضّلال مستقلّين عن الله تعالى، بل الله هو يحفظهم، فلله المِنَّةُ عليهم والفضل لله الذي حَفِظهم ولولا حِفظُ الله لهم ما سَلِموا من هذه المعاصي والرّذائل.
وقوله "والقوّة" هي القوّة على فعل الخير، وهذا معناه أنّه لا أحدَ يقوَى على طاعةٍ وحسنةٍ وعملٍ شريفٍ إلّا بتقدير الله ومشيئته وعِلمه وتوفيقه، فالذين وفقهم الله لفعل الطّاعات فعَمِلُوها وحقّقوها فليس ذلك إلّا بعون الله، فلولا معونةُ الله ما عملوا حسنة فللهِ الفضلُ والنّعمة.
وهذا موافق لحديث البزّار الذي فيه أنّ عبد الله بن مسعود قال "لا حول ولا قوّة إلّا بالله" قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "أتعرف معناها؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: لا حول عن معصية الله إلا بعصمة الله، ولا قوّة على طاعة الله إلّا بعون الله.
فقول سيدنا عليّ من خالص التوحيد وجواهر العلم، وهو قول موجز لكن مَفادُه عظيم.
فالعبادُ منساقون إلى فِعْلِ ما يَصْدُرُ عنهم باختيارهم لا بالإكراه والجبر كالريشة المعلّقة تُميلُها الرّياحُ يَمنةً ويسرةً كما تقول الجبريّة.
العباد منساقون إلى فِعل ما يصدر عنهم بمشيئةٍ صادرةٍ عنهم قائمةٍ بهم كما هو مشاهد محسوس، وهم منساقون إلى ما شاء الله تعالى في الأزل وعلِمَ أنّهم يفعلون، فالمؤمنون الذين آمنوا انساقوا إلى الإيمان باختيارهم، والكفّار الذين شاء الله تعالى أن يموتوا كافرين انساقوا إلى الكفر باختيارهم، وانسياق العباد لما يصدر عنهم من الأعمال لا يكون بطريق الإكراه والجبر، فليس فعلهم حاصلًا منهم بلا اختيار وميل، فهم ليسوا كالريشة التي تُمِيلُها الرياح يَمنةً ويسرةً بلا اختيار منها كما تقول الجبريّة الشّاذة، فإن الجبريّة يزعمون أنّ فعل الإنسان كلَّه هو كجريان الماء، يحصل بلا اختيار من الإنسان كما يحصل الجريان من الماء بلا اختيار منه،
وهذا تكذيب لقول الله تعالى {وما تشاؤون إلّا أن يشاء الله ربُّ العالمين}، فإن الله تعالى أثبت للعباد في هذه الآية المشيئة الخاصَّة بهم والقائمة فيهم، وبيَّن عزّ وجلّ أنّها تحت مشيئة الله تبارك وتعالى، لا تخرج عمّا عَلِمَ الله وشاء وقدّر، وهذا هو الحقّ الذي لا محيدَ عنه.
ولو لم يشأ الله عِصيان العُصاة وكفرَ الكافرين وإيمانَ المؤمنين وطاعة الطّائعين لما خَلَق الجنّة والنار.
لو لم يشأ الله عصيان العصاة وكفرَ الكافرين وإيمانَ المؤمنين وطاعة الطائعين لَمَا خلق الجنّة دارًا لأهل النعيم قبل وجود أهلها، ولما خلق النّار وشاء أن تكون دارًا يعذّب فيها أهل الجحيم الذين تبعوا الشياطين الذين قد خلقهم الله عزّ وجلّ ومكّنهم من الإغواء والدعوة إلى الضلالة، ورَحِمَ الله عمر بن عبد العزيز حيث قال: "لو شاء الله أن لا يُعصَى لما خلق إبليس" رواه البيهقيّ في "الاعتقاد".
ومن ينسُبُ لله تعالى خَلْقَ الخير دون الشّر فقد نسَبَ إلى الله تعالى العجز، ولو كان كذلك لكان للعالم مدبّران مدبّرُ خيرٍ ومدبّرُ شرٍ، وهذا كفرٌ وإشراك.
من ينسُبُ لله تعالى خَلْق الخير دون الشّر لزعمه أنّ الله تعالى شاء حصول الخير فقط ولم يشأ حصول الشّر، بل حصل الشّر في العالم بغير مشيئة الله ورُغمًا عنه فقد نسب إلى الله تعالى العجز، ولو كان كذلك لما كان دين المجوس باطلًا ولما كان لنا عليهم حجّة، ولكان للعالم مدبّران أو أكثر، مدبّر للخير وآخَرُ للشّر وهذا كفر وإشراك كما لا يخفى على ذي عقل سليم.
وهذا الرأي السّفيهُ من جهةٍ أخرى يجعَلُ الله تعالى في مُلكه مغلوبًا لأنّه على حسب اعتقاده اللهُ تعالى أراد الخير فقط، فيكون قد وقع الشّر من عدوّه إبليس وأعوانِهِ الكفّار رَغْم إرادته. ويكفر من يعتقد هذا الرأي لمخالفته قوله تعالى: {واللهُ غالبٌ على أمرِهِ} سورة يوسف، 21، أي لا أحد يمنَعُ نفاذ مشيئته.
اعتقاد أنّ الله يخلق الخير دون الشّر يجعل الله تعالى مغلوبًا في ملكه، لأنّه على حسب هذا الاعتقاد الله خلق الخير دون الشّر، وإمّا الشّر فقد وقع من عدوّه إبليس وأعوانه الكفّار رغمَ إرادة الله، إذ هؤلاء المعتزلة يقولون الله شاء لكلّ العباد حتى لفرعون أن يكون مؤمنًا تقيًّا، وكذلك لإبليس، ولكن نقضا مشيئة الله، يقولون هما اختارا الكفر فكفرا فلم تتنفّذ فيهما مشيئة الله فجعلوا الله مغلوبًا، والله تعالى غالب غير مغلوب كما قال عزّ وجلّ في سورة يوسف {والله غالبٌ على أمره} أي يفعل ما يريد ولا أحد يمنع نفاذ مشيئته، وقد قال الإمام أبو منصور الماتريديّ في التأويلات: {والله غالبٌ على أمره} أي لا مَرَدَّ لقضائه إذا قضى أمرًا كان لقوله تعالى في سورة الرعد {لا مُعَقّبَ لِحُكمِهِ}، ولذلك كان اعتقاد المعتزلة المذكور كفرًا لأنّ فيه ردًّا لمشيئة الله عزّ وجلّ وحُكمِهِ.
وحكمُ مَن ينسُبُ إلى الله تعالى الخير وينسُب إلى العبد الشّر أدبًا أنّه لا حرج عليه، أمّا إذا اعتقد أنّ الله خلق الخير دون الشر فحكمه التكفير.
حكم من ينسُب إلى الله تعالى الخير وينسب إلى العبد الشّر أدبًا أنّه لا حرج عليه كما لو قال: كلّ خير فينا فمن الله وما ينزل بنا من مصيبةٍ فبما كسبت أيدينا، أو كأن قال: الخير من الله والشّر ليس إليه، فإنّ معناه أنّه لا يُتقرَّبُ بالشّر إلى الله تعالى، وذلك أنّنا نقول: يا رب الخير منك ولا نقول: يا ربّ الشّر منك، فإنّ إفراد الشّر بالذكر إساءة أدب مع الله، وذلك كما نقول: الله خالق الملائكة والإنس المؤمنين والكفار والجنّ المؤمنين والشياطين والبهائم النافعة كالخيل والبغال والحمير والبهائم الضّارة كالقردة والخنازير، ولا نُفرِدُ الشياطين والخنازير والقردة بالذِّكر فنقول مثلًا: الله خالق الشياطين والقردة والخنازير، فإنّه إساءة أدب مع الله كما لا يخفى(52)، أما إذا اعتقد القائل أن الله خلق الخير دون الشر فحكمه التكفير قطعًا.
واعلموا رحمكم الله أنّ الله تعالى إذا عذَّبَ العاصي فبعَدْلِه من غير ظُلم، وإذا أثاب المطيع فبفضله من غير وجوب عليه، لأنّ الظلم إنّما يُتصوَّر ممّن له آمرٌ وناهٍ، ولا آمرَ لله ولا ناهيَ له. فهو يتصرّف في ملكه كما يشاء أنه خالق الأشياء ومالِكُها.
إذا عذّبَ اللهُ العاصي الذي شاء له الوقوع في المعصية وقدّرها عليه على وَفقِ علمه الأزليّ فبعَدْلِه يعذّبه من غير ظلم له بذلك، وإذا أثاب المطيع الذي مَنَّ عليه بتوفيقه للطاعة فبفضله يثيبه من غير وجوب عليه لأنّ الظلم إنما يُتصوَّر ممّن له آمر وناهٍ، وذلك أنّ الظلم هو التّصرف في ملك الغير بغير إذنه أو هو مخالفة أمرِ ونهي مَن له الأمر والنهي، ولا آمر لله ولا ناهيَ له، فهو يتصرّف في مِلكه كما يشاء لأنّه لا يجب عليه شيء، وهو خالق الأشياء كلِّها ومالِكُها الحقيقيّ إذ العباد أنفُسهم وما يملكون مِلك له سبحانه، فيفعَلُ عزّ وجلّ في مِلكه ما يريد، ولا يكون ذلك جَوْرًا ولا خلافًا للحكمة.
وقد جاء في الحديث الصّحيح الذي رواه الإمام أحمد في مسنده والإمام أبو داود في سننه وابن حبّان عن ابن الدّيلميّ قال: "أتيتُ أُبَيَّ بنَ كعبٍ فقلتُ: يا أبا المُنذِر إنّه حدَث في نفسي شيء من هذا القَدَر، فحَدِّثْنِي لعلّ الله ينفَعُني"، قال: "إنّ الله لو عذّب أهلَ أرضِهِ وسمواتِهِ لعذّبَهُم وهو غير ظالم لهم، ولو رَحِمَهم كانت رحمتُه خيرًا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أُحُدٍ ذهبًا في سبيل الله ما قَبِلَه الله منك حتى تؤمن بالقدر. وتعلَمَ أنّ ما أصابك لم يكن ليُخطِئَك وما أخطأك لم يكن ليُصِيبَك، ولو مُتَّ على غير هذا دخلت النار". قال: ثم أتيتُ عبد الله بن مسعود فحدّثني مِثلَ ذلك، ثم أتيتُ حُذيفة بن اليَمانِ فحدّثني مثل ذلك، ثم أتيتُ زيدَ بن ثابت فحدّثني مثل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلّم.
ذكر ابن الدّيلميّ عبد الله بن فيروز أنّه جاء إلى أُبَيِّ بن كعب رضي الله عنه صاحبِ رسول الله صلى الله عليه وسلّم ويكنى أبا المنذر، فقال له حدَثَ في نفسه شيء من هذا القدر، أي خطر بباله خاطر خبيث يتعلّق بالقدر دون أن يشكّ، وطلب منه أن يحدّثه لعلّ الله ينفَعُه بكلامه فيكون ذلك عونًا له في دَفْع هذا الخاطر، فأخبره أُبَيٌّ بأنّ الله لو عذّب أهل أرضه من إنس وجنّ وأهل سمواته أي الملائكة لعذّبهم وهو غير ظالم لهم، أي لو شاء الله تعالى في الأزل أن يعذّب كلَّ عباده الطّائع والعاصيَ لما كان هذا ظلمًا منه، لأنّه يتصرّف في ملكه كما يشاء من غير أن يجب عليه شيء، ولو رَحِمَهم من العذاب كانت رحمتُه إحسانًا منه وتفضُّلًا وتكرُّمًا عليهم ولم تكن رحمتُه فرضًا واجبًا عليه،
بل كانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم، أي من يرحَمُه الله فينعّمُه في الآخرة يكون تنعُّمه بفضل الله وكَرمِهِ لا شيئًا واجبًا على الله بسبب عمله، بل لو شاء الله أن يرحم كلَّ عبادِهِ الطائع منهم والعاصيَ ولا يعذِّب أحدًا منهم في الآخرة لما كان ذلك سفهًا منه تعالى ولا منافيًا للحكمة، فالأمر كما بيّن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنّ أحدًا لا يدخل الجنّة وجوبًا على الله بعمله، وإنّما يدخلها من يدخُلها برحمة الله تعالى، قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا أنا إلّا أن يتغمّدني الله بفضل ورحمة.
رواه البخاري في صحيحه. ثم قال أبيٌّ لابن الدّيلميّ: ولو كان عندك مثلُ أحدٍ – وهو جبل عظيم بالمدينة – من الذهب فتصدّقت به للجهاد في سبيل الله فعبّأت الجيوش وأمددتّهم بالمال لم يقبله الله منك حتى تؤمن بالقدر وتعلَم أنّ ما أصابك من رزق أو مصيبةٍ، خيرٍ أو شرٍّ لم يكن ليُخطِئَكَ، وما أخطأكَ من ذلك لم يكن ليُصِيبك، ولو مَتَّ على غير هذا الاعتقاد لمُتَّ كافرًا ودخلت النّار.
ثم قال ابن الدّيلميّ إنّه سأل عبد الله بن مسعود وحذيفة بن اليمان وزيد بن ثابت فحدّثوه بمثل ما حدّثه أبيُّ بن كعب، ولكن زيد بن ثابت حدّثه بذلك عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم وليس موقوفًا عليه كالثلاثة الذين قبله رضوان الله عليهم.
وروى مسلم في صحيحه والبيهقيّ في كتاب القدر عن أبي الأسود الدُّؤليّ قال: قال لي عِمرانُ بن الحُصين: أرأيت ما يعمَلُ النّاسُ اليومَ ويكدَحُون فيه أشيء قُضِيَ عليهم ومضى عليهم من قدرٍ قد سبق أو فيما يُستَقبَلُون به مِمّا أتاهم به نبيُّهم وثبتت الحُجّة عليهم؟ فقلت: بل شيء قُضِيَ عليهم ومضَى عليهم، قال: فقال أفلا يكون ظلمًا، قال: ففزعتُ من ذلك فزعًا شديدًا وقلتُ: كلُّ شيء خَلقُهُ ومِلكُ يدِهِ لا يُسأل عمّا يفعَلُ وهم يُسألون. قال: فقال لي يرحَمُك الله إنّي لم أرِدْ بما سألتُك إلا لأحزِرَ عقلك، إنّ رجلين من مُزَيْنة أتيا رسول الله فقالا:
يا رسول الله أرأيت ما يعمل النّاسُ اليوم ويكدَحُون فيه، أشيء قُضِيَ عليهم ومضَى عليهم من قدرٍ قد سبق أو فيما يُستَقبلون به ممّا أتاهم به نبيُّهم وثبتت الحُجّةُ عليهم؟ فقال: "بل شيء قُضِيَ عليهم ومضَى عليهم"، ومِصداق ذلك قول الله تبارك وتعالى: {ونفسٍ وما سوّاها 7، فألهمَها فجورَها وتقواها 8} سورة الشمس.
هذا الحديث رواه الإمام مسلم في صحيحه والإمام البيهقيّ في كتابه "القضاء والقدر" وذلك من طريق يحيى بن يَعمَر الذي أوّلُ من نقط المُصحف، عن أبي الأسود الدُّؤليّ ظالم بن عمرو وهو من ثقات التابعين أخذ الحديث عن سيّدنا عليّ رضي الله عنه. وهو أولُ من وضع علم النَّحو بإشارة من سيّدنا عليّ رضي الله عنه. وفي هذا الحديث يمتحن عمرانُ ابن الحُصين الخزاعيّ رضي الله عنه وكان من فقهاء الصحابة وأوليائهم يمتحن أبا الأسود الدؤليّ. فقال له: أرأيت ما يعمل النّاس اليوم ويكدحون فيه، أي يسعَوْن إليه، أي أرأيت أعمالَهم حركاتِهم وسكناتِهم، أشيء قُضِي عليهم ومضى عليهم من قدرٍ قد سبق، أي قُدِّرَ حصوله بتقدير الله الأزلي، أي هل هو شيء قدّر الله حصوله منهم أو هو فيما يَستَقْبلُون به، أي أم هو شيء جديد لم يسبق به علم لله تعالى ولا تقدير، إنّما هم من تلقاء أنفسهم تصدُر عنهم أعمالُهم من غير أن يكون لله تصرّف فيها.
وطلب عمران بن الحصين من أبي الأسود الدؤليّ أن يجيب عن ذلك آخذًا ممّا أتاهم به نبيُّهم محمّد صلى الله عليه وسلم وموافقًا لدينه الذي ثبتت الحجّة به عليهم، أي طلب منه نصًّا شرعيًّا يؤيّد ما يقول.
فقال أبو الأسود: قلتُ بل شيء قُضي عليهم أي خلقه الله تعالى وشيء مضى عليهم بتقديره عزّ وجلّ، أي أنّ أعمال العباد وسكناتِهم كلّ شيء يحصل من العباد بتقدير الله. ثم أراد عمران أن يزيد في امتحان أبي الأسود فقال له: "أفلا يكون ظلمًا" والمعنى إن كان الإنسان يعمَلُ فيما قدَّرَ الله تعالى وعلى حسب مشيئة الله وعِلمِه ثم حاسبه في الآخرة على هذا العمل فعاقبه ألا يكون ظلمًا. فأجاب أبو الأسود قائلًا: "كلّ شيء خلقُه وملك يدِهِ ولا يُسألُ عمّا يفعل وهم يسألون" فألهَمَ الله تعالى أبا الأسود الصّواب فأجاب بما معناه أنّ الله لا يُتصوَّر منه ظلم، إنّما هو يتصرّف في مِلكه ولا يُسأل عمّا يفعل، لا يحكمه أحد فليس له آمر ولا ناه، إنّما العباد هم الذين يُسألون لأنهم عبيد لله مأمورون ومَنهيُّون.
وقول عمران: "يرحمُك الله" معناه أنّه لمّا وُفِّق للجواب الصّحيح دعا له وصوَّب جوابه وقال له: "لم أرِدْ بما سألتك إلا لأحزِرَ عقلك" أي أردتُ أن أمتحِنَ فهمَك للدّين.
ثم قال عمران: إنّ رجلين من قبيلة مُزَينة أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألاه السؤال نفسَه وكان جواب أبي الأسود موافقًا لجواب رسول الله لهما، وقد احتجّ الرسول بقوله تعالى في سورة الشمس {ونفسٍ وما سوّاها} أي ومَن خلقَها وهو الله تعالى {فألهَمَها فجورَها وتقواها}(53) أقسَمَ ربُّنا عزّ وجلّ أنّ الفجور الذي يحصل هو بتقدير الله وخَلْقِهِ، والتّقوى كذلك، فليس خَلْقُ أعمالِ العباد إلا لله تعالى، وإنّما العباد يكتسبونها اكتسابًا كما قال الله تعالى في سورة البقرة {لها ما كسبت وعليها ما اكتسبَتْ} فمن عَمِلَ خيرًا فبفضل الله ومن عَمِل غير ذلك استحقّ اللّومَ على ما اكتسَبَ.
فإن قال قائل: إذا كان الله قدّر وشاء لنا أن نفعل كذا من الكفر والمعاصي فماذا نفعل؟ فالجواب أن يقال: المستقبل غيب عنّا، فما بعد هذه اللحظة غيب عنّا، والذي علينا هو أن نسعى لأن نكون قائمين بحقوق الله تعالى وحقوقِ عبادِهِ التي أمرَنا بها، ونعتقد في الوقت نفسه أنّ ما سنقوم به من عمل يحصل بتقدير الله وعلمه ومشيئته، كما أنّ الإنسان يبذُر البذر والمستقبل غيب عنه، فلا يعلم علمَ يقينٍ أنّه يدرك محصول هذا الزّرع، فقد يموت قبله أو تحدُث آفة وعاهة لهذا البَذر فتُتلِفُه وتُفسِدُه فلا يدرك الانتفاع بهذا الزّرع، ومع ذلك يشرع في البذر والزّرع على الأمل، أي على احتمال أنّه يعيش حتى ينبُت هذا البذرُ ويُدرِكُه فيصيرُ حبًّا قوتًا أو ثمارًا ينتَفِعُ بها.
وكذلك إذا أصيب أحدنا بمرضٍ فإنّه يتداوى على الأمل دون أن يقطع بأنّه يتعافى بهذا الدّواء.
كذلك أمور الآخرة، فكما لا يجوز للإنسان أن يقعد ويقول: ما قدَّرَ الله تعالى لا بدّ أن يصل إلى جوفي ولا يسعى بوجهٍ من الوجوه في طلب القوت، بل يعرّض نفسه للتّلَف بالجوع أو يترك نفسه من التداوي من المرض المهلِك بحجّة أنّ ما سيصيبُه بتقدير الله، كذلك لا يجوز أن يقول الإنسان: أنا إن كان الله كتب ليس السّعادة فلا بدّ أن أكون سعيدًا وإن كتب لي الشقاوة فلا بدّ أن أكون كذلك، ثم يقعد من غير أن يسعى لأنّ يكون من أهل النّجاة.
وصحّ حديث "فمن وجدَ خيرًا فليحمد الله ومن وجد غير ذلك فلا يلومَنَّ إلّا نفسه" رواه مسلم من حديث أبي ذرٍّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم عن الله عزّ وجلّ. أمّا الأوّل وهو من وجد خيرًا فلأنّ الله تعالى متفضِّل عليه بالإيجاد والتوفيق من غير وجوبٍ عليه فليحمد العبدُ ربَّه على تفضُّله عليه، أمّا الثاني وهو من وجد شرًّا فلأنّه تعالى أبرز بقدرته ما كان من ميل العبد السيء، فمن أضلّه الله فبعدله ومن هداه فبفضله.
هذا الحديث أيضًا صحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم، ومعناه من عَمِل الحسنات والطاعات وتجنّب المعاصي فليحمد الله الذي وفّقه لذلك، فقد تفضّل الله عليه بتوفيقه إلى فعل الخيرات من غير وجوب عليه. ومن وجد غير ذلك، أي من كان عمله خلاف ذلك فلا يلومَنّ إلّا نفسه، فالعبد المخذول الذي ابتلي بالمعاصي لا يلومَنَّ إلى نفسه، والله تعالى ليس ظالمًا له، وإنّما هو ظلم نفسه، والله أظهَرَ من العبد ما سبق في عِلمه الأزليّ ما يميل إليه هذا العبد من خير أو شرّ، فقَبْلَ أن يعمَل هذا العبدُ كان مستعدًّا لعمل الخير أو الشرّ، والله أظهر استعداده.
الله تعالى عَلِمَ بعلمه الأزليّ ما يميل إليه الإنسان من خير أو شرّ، فأظهر بقدرته ما كان العبد مستعدًّا له، فمن أضلّه الله فبعدله فإنّه سبحانه لا يظلم أحدًا ويفعل في مِلكه ما يشاء، ومن هداه فبفضله فإنّه سبحانه لا يجب عليه شيء ولا يعترض عليه في خذلان من خذلهم وتعذيب من يعذّبُهم كما أنّه لا يعترض عليه عزّ وجلّ في خلقه الألم في الأطفال الصّغار وفي البهائم التي تُذبَح لانتفاعنا بها، وليس يتمّ أمر هذا الدين ولا تثبت لأحد قدم في الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام لله عزّ وجلّ، وليست أعمالنا إلا أعلامَ الثواب والعقاب، أي هي علامات على ما تكون عليه حال العبد في الآخرة من حيث الثواب والعقاب، وليست موجبةً شيئًا على الله عزّ وجلّ.
ولو أنّ الله خَلَق الخَلْق وأدخل فريقًا الجنّة وفريقًا النّار لسابق عِلْمِه أنّهم لا يؤمنون لكان شأنُ المُعذّب منهم ما وصف الله بقوله {ولو أنّا أهلكناهم بعذابٍ من قَبْلِهِ لقالوا ربَّنا لولا أرسلتَ إلينا رسولًا فنتّبِع آياتِكَ مِن قَبْلِ أن نَذِلَّ ونَخْزَى} سورة طه، فأرسل الله الرّسل مبشّرين ومُنذِرين ليُظهِرَ ما في استعداد العبد من الطّوْع والإباءِ فيَهلِكَ من هَلَك عن بيّنةٍ ويحيا من حيَّ عن بيّنة.
لو أنّ الله خلق الخلق ولم يبعث الرّسل إليهم ليُبيّنوا لهم ما هو الخير وما هو الشر ثم أدخل فريقًا الجنّة لعلمه الأزليّ بأنهم محسنون وأدخل فريقًا النار لسابق عِلِمِهِ أنهم لا يؤمنون، فعاقبهم على عملهم السُّوء لكان المُعذَّب منهم يقول كما أخبر الله عزّ وجلّ {لولا أرسلت إلينا رسولًا فنتّبع آياتِك} أي لِمَ لَمْ ترسل إلينا رسولًا نتّبعُه، فقطع الله عليهم العذر بأن أرسل الأنبياء والرسل مبلّغين لأوامره ونواهيه ومبشرين من أطاع بالثواب العظيم ومنذرين من أبى الإيمان بالعذاب الأليم ليظهر الله ما في استعداد قسمٍ من العباد من الطواعية للإيمان، وما في استعداد القسم الآخر من الإباء والجحد فيهلِك من هلك عن بيّنة قامت عليه ودليل،
ويحيا من حيَّ عن بيّنة أقامها الله له وحجّةٍ استرشدَ بها، فلمّا أرسل الله الرسل فبيّنوا للناس ما أمرَهُم الله أن يفعلوه وما حرّم عليهم، ثم اهتدى من اهتدى وضلَّ من ضلَّ، كان الذين اهتدَوا اهتدَوا عن بيّنة والذين ضلُّوا ضلُّوا عن بيّنة، أي عن دليل وحجّة.
ثم الله لو لم يرسل رُسُلًا فعذَّبَ من شاء لم يكن ظالمًا، لكنّه أرسل الرُّسل فقطع العذر على الكافرين.
فأخبرنا أنّ قسمًا من خَلْقِهِ مصيرهم النّار بأعمالهم التي يعمَلُون باختيارهم، وكان تعالى عالمًا بعلمه الأزليّ أنّهم لا يؤمنون، قال تعالى {ولو شئنا لآتينا كلَّ نفسٍ هُداها ولكنْ حقَّ القولُ منّي لأملأنَّ جهنّمَ من الجِنَّةِ والنّاسِ أجمعين} سورة السجدة، 13، أخبر الله تعالى في هذه الآية أنّه قال في الأزل {لأملأنّ جهنّم من الجِنَّة والنّاس أجمعين} وقولُه صِدق لا يتخلَّف لأنّ التّخلّف أي كذِبٌ والكَذِبُ محال على الله.
يؤمن قسم من العباد عن بيّنة أي حجّةٍ ودليل، ويهلك القسم الآخر عن بيّنةٍ أيضًا أي مع معرفتهم البيّنة ولكنهم لم يتبعوها فتركوا الحق، وقد أخبرنا الله تعالى أنّ قسمًا من عباده مصيرهم النار بسبب أعمالهم السّوء التي عملوها باختيارهم، والله تعالى شاء لهم وعلم في الأزل أنهم لا يؤمنون، ولو شاء لكلّ الناس الإيمان لكانوا كذلك كما قال تعالى في سورة السجدة {ولو شئنا لآتينا كلَّ نفسٍ هُداها} فأخبر الله تعالى في هذه الآية أنّه لو شاء أن يهتدي الإنس والجنّ لكانوا جميعًا مهتدين، ولكنه لم يشأ أن يهتدي الكلّ، وإنّما شاء الهداية لقسم والضّلال لقسم كبير منهم، وشاء أن يموت هؤلاء على الضّلال فيدخلون النّار ويملؤونها،
أي لو شاء الله في الأزل أن تهتدي جميعُ الأنفس لاهتدت جميعُها، ولأعطى اللهُ كلَّ نفسٍ هُداها وجعَلَها مؤمنة مهتديةً، قال تعالى: {ولكن حقَّ القولُ منّي} أي ولكن قلتُ في الأزل وقولي لا يتخلّف {لأملأنّ جهنّم من الجنّة والنّاس أجمعين} أي إنّني سأملأ جهنّم من الجنّ والإنس، فالمعنى أنّ الله تعالى قال في الأزل إنّه سيملأ جهنّم من الجنّة والناس، فلا بُدّ أن تُملأ جهنَّم من كفّار البشر والجنّ، وقدّمَ ذكرَ الجن لأنّ أكثر أهل النار من الجنّ. وقول الله صِدق لا يتخلّف أي لا يتغيّر، أليس قال في الأزل إنّ قسمًا من العباد من الإنس والجنّ يُدخِلُهم جهنّم وإنّ قسمًا يكونون من أهل الجنّة!
فلا يتغيّر الأمرُ، لأنّ التغير في خبره أو وعده أو وعيده كذِب والكذب مستحيل في حقّه تبارك وتعالى، فلا يجوز أن يقال: لو قال ذلك في الأزل فهو قادر على أن يغير الأمر، ولا يقال: يفعل ما يشاء فيتبدّلُ قوله لأنّ الخلف في قوله تعالى مستحيل. فما أخبر الله أنّه يفعَلُه فلا بُدّ أن يفعله، وما أخبر أنّه لا يفعله فلا يكون. وقوله تعالى: {قل فلِلّه الحُجَّةُ البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين} معناه أنّ الله له الحُجَّة التَّامّة، فلو شاء في الأزل أن يهتدي الجميع لاهتدَوْا، ولكنّه لم يشأ هداية الجميع إذ لم يسبق العِلم بذلك، والمشيئة تابعة للعلم كما تقدّم.
ثم هؤلاء الكفار لو رُدّوا إلى الدّنيا لعادوا إلى ما كانوا عليه، فلو عادوا لعاد إليهم ذلك الميل.
وهنا فائدة جليلة في الردّ على المعتزلة القائلين بأن الله لم يشأ الشر من العبد، فقد حكى الإمام أبو منصور الماتريدي(54) عن الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى أنّه قال: الكلام بيننا وبين القدريّة في حرفين، يقال لهم: هل عَلِم الله ما يكون من العباد قبل أن يفعلوا، فإن قالوا لا، كفروا، لأنهم جهّلوا ربّهم. وإن قالوا: عَلِم، يقال لهم: هل شاء خلاف ما علمه، فإن قالوا: نعم كفروا لأنّهم قالوا شاء أن يكون جاهلًا، وإن قالوا: لا، رجعوا إلى قولنا اهـ، ولذلك قال الإمام الشّافعي رضي الله عنه: "القدريّ إذا سلَّم العِلمَ خُصِمَ".
فالعبادُ منساقون إلى فِعْل ما يصدُر عنهم باختيارهم لا بالإكراه والجبر.
الخلق منساقون إلى ما شاء الله تعالى في الأزل وعلِمَ أنهم يفعلون من العمل سواء كان إيمانًا أم كفرًا طاعةً أم معصيةً، وذلك باختيارهم، فالمؤمنون الذين آمنوا انساقوا إلى الإيمان باختيارهم، والكفّارُ الذين شاء الله تعالى أن يموتوا كافرين انساقوا إلى الكفر باختيارهم، فتنفّذت مشيئة الله في الفريقين.
فالعباد لهم اختيار في أفعالهم الاختياريّة، فهم ليسوا مجرّدين عن الاختيار كالريشة المعلّقة في الهواء، تتقاذفُها الرّياح يَمنةً ويَسرةً بلا اختيارٍ منها، ولا هم خالقون لأعمالهم، بل العباد مختارون تحت مشيئة الله.
واعلَم أنّ ما ذكرناه مِن أمر القدر ليس من الخوض الذي نهى النبيُّ صلى الله عليه وسلّم عنه بقوله: "إذا ذُكِرَ القدر فأمسِكُوا" رواه الطبرانيّ، لأنّ هذا تفسير للقدر الذي ورد به النّصّ، وأمّا المنهِيُّ عنه فهو الخوض فيه للوصول إلى سرّه، فقد روى الشافعيّ والحافظ ابن عساكر عن عليّ رضي الله عنه أنّه قال للسّائل عن القدر: "سِرُّ الله فلا تتكلّف"، فلمّا ألحَّ عليه قال له: "أمّا إذا أبيتَ فإنّه أمر بين أمرين لا جبرٌ ولا تفويضٌ".
ما تقدّم بيانه من أمر القدر ليس من الخوض المنهيّ عنه بقوله صلى الله عليه وسلّم "إذا ذُكِر القدر فأمسِكوا"، لأنّ الكلام الذي تقدّم هو تفسير للقدر الذي ورد في النّصّ وأُمِرنا بالتصديق به، وأمّا هذا الحديث فمعناه لا تتوغّلوا في البحث والخوض في القدر للوصول إلى سرّه لأنّه بحر ليس له سفينة. ومهما تكلّف البعض الخوض في ذلك للوصول إلى سرّ القدر فلن يستطيع لأنّ الله أخفى عنّا ذلك ونهانا عن طلبه. فالمَنهِيُّ عنه هو الخوض فيه للوصول إلى معرفة سرِّه، فهو أمر لا تصِلُ إليه عقولُنا إذ لم يطّلع عليه ملَك مقرّب ولا نبيّ مرسل، ولذا نُهينا عن تكلّف الوصول إلى حقيقته كما روى الإمام الشافعيّ والحافظ أبو القاسم بن عساكر عن سيدنا عليّ رضي الله عنه أنّه قال للسائل عن القدر: "سرُّ الله فلا تتكلّف" أي محاولة الوصول إلى معرفة حقيقته، فإنّ القدر أي التقدير صفة للخالق عزّ وجلّ، وليس عِلمنا بالخالق عِلمَ إحاطة.
ولمّا ألحَّ عليه السّائلُ قال له: "أمّا إذا أبيتَ فإنّه أمر بين أمرين لا جبر ولا تفويض"، أي ليس العبد مجبرًا على أفعاله بلا اختيار منه، بل تحصل أفعاله الاختياريّة بمشيئته، ولكنّ الأمر ليس مفوَّضًا إليه بحيث تخرج مشيئته عن مشيئة الله تعالى، فقول سيّدنا عليّ رضي الله عنه "لا جبرٌ ولا تفويض" يريد به أنّنا لا نقول بمقالة الجبريّة القائلين بأنّ العبد لا فِعْلَ له بالمرّة، إنّما هو كالريشة المعلّقة في الهواء تأخذها الرياح يَمنةً ويَسرةً، ولا نقول بمقالة المعتزلة القائلين بأنّ العبد يخلق أفعاله، إنّما نحن وسط بين الجبريّة والقدريّة أي المعتزلة، فعقيدة أهل السنة والجماعة هي أنّ العبد له اختيار ممزوج بجَبْرٍ وأنّ العبد مختار تحت مشيئة الله كما صرّح بذلك الفقيه الأصولي بدر الدين الزركشيّ في شرح جمع الجوامع.
واعلم أيضًا أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قد ذمَّ القدريّة وهم فِرَقٌ، فمنهم من يقول: العبد خالقٌ لجميع فِعْلِهِ الاختياريّ، ومنهم من يقول: هو خالقُ الشرِّ دون الخير، وكِلا الفريقين كفّار، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "القدرية مجوس هذه الأمّة" وفي رواية لهذا الحديث "لكلّ أمّةٍ مجوس ومجوسُ هذه الأمّةِ الذين يقولون لا قدر" رواه أبو داود عن حُذَيفة عن النبيّ صلى الله عليه وسلّم.
ذمّ رسول الله صلى الله عليه وسلم القدريّة، وهم فِرَق أوصلَها الإمام أبو منصور التميميّ إلى ما يزيد عن عشرين فرقة في كتابه "الفرق بين الفرق"، فمنهم من يقول: العبد يخلق أفعاله الاختياريّة كلّها، ومنهم من يقول: العبد يخلق الشّر من أفعاله دون الخير فإنّ الله يخلُقه، وكِلا الفريقين كفار لأنهمجعلوا لله شريكًا في التخليق فلم يُقِرُّوا بوحدانيّة الخالق عزّ وجلّ، ولذلك قال فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ظهورهم تنبيهًا لأمّته وتحذيرًا "القدرية مجوس هذه الأمّة" رواه أبو داود وغيره من طريق ابن عمر رضي الله عنهما مرفوعًا، وفي روايةٍ أخرى "لكلِّ أمةٍ مجوس ومجوس هذه الأمة الذين يقولون لا قدر" رواه أبو داود أيضًا لكنه عن حذيفة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وقد شبّههم رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمجوس لأنهم جعلوا لله تعالى شريكًا في الخالقية كالمجوس.
وفي كتاب "القدر" للبيهقيّ وكتاب "تهذيب الآثار" للإمام ابن جريرٍ الطبريّ رحمهما الله تعالى عن عبد الله بن عمر أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "صنفانِ من أمّتي ليس لهما نصيب في الإسلام القدريةُ والمرجئة"، فالمعتزلة هم القدرية لأنّهم جعلوا الله والعبدَ سَواسِيةً بنفي القدرة عنه عزّ وجلّ على ما يُقْدِرُ علي عبدَهُ، فكأنّهم يُثبتون خالِقِينَ في الحقيقة كما أثبتَ المجوس خالِقَيْنِ خالقًا للخير هو عندهم النور وخالقًا للشّر هو عندهم الظّلام.
(50) النِّدُّ: المِثْلُ.
(51) لأن قوله تعالى: {تشاء} صريح في نسبة المشيئة إلى الله ولو كان معنى الآية كما زعموا لكان لفظ الآية: يَضِلُّ بها من شاؤوا أي الذين عبدوا العجل، لكن موسى يخاطب الله بقوله {من تشاء} فلا معنى للآية: إلا: تُضِلُّ بها من تشاء أنت يا الله.
(52) هو حرام أو مكروه لا يخلو من أحد الأمرين.
(53) أي الله يمكن النفس من الفجور والتقوى أي يخلقُ فيها القدرة على ذلك، وليس معناه أنه رضي لها ذلك.
(54) في كتابه "التوحيد".