ومعنى قوله تعالى: {وهو معَكم أينما كنتم} سورة الحديد، 4، الإحاطةُ بالعلم.
معنى قوله تعالى {وهو معَكم أينما كنتم} أنّه تعالى محيط بكم عِلْمًا، فلا يخفى عليه شيء أينما كنتم، لا بالحسّ والجهات كما في البحر المحيط للمفسّر اللغويّ الحافظ أبي حيّان الأندلسيّ. وكذلك قوله تعالى {ونحن أقربُ إليه من حَبْلِ الوريد} سورة ق، 16، معناه أنّ الله تعالى أعلم بالعبد من نفسه، والوريد عِرقان في الإنسان من جانِبَي الرقبة ينزلان من الرأس ويتصلان بعرق القلب، وقد قال إسماعيل حقّي صاحب التفسير المعروف – روح البيان -: "لا يجوز أن نقول إنّه تعالى بكلّ مكان وهذا قول جهلة المتصوّفة"، وأوّل من قال هذا القولَ جهم بن صفوان.
وتأتي المعيّة أيضًا بمعنى النُّصرة والكِلاءة كقوله تعالى: {إنّ الله مع الذين اتّقَوْا} سورة النحل، 127.
تَرِدُ المعيّة أيضًا بمعنى النّصرة والكِلاءة كما ذكر الزبيديّ في تاج العروس كقوله تعالى في سورة النّحل {إنّ الله مع الذين اتّقوا}، فمعنى هذه الآية أن الله ينصر الذين يخافونه ويحفَظُهم. الله ينصر المؤمنين على أعدائهم الكفار، إذ المؤمن منصور معنًى ولو كان بحسب الظاهر أصابه من العدوّ تلفُ مالٍ ونفسٍ فهو المنصور لأنّ الحقّ معه، فكم من نبيٍّ قتله الكفار، والأنبياء ليسوا هيّنين عند الله. أما أعداؤهم فهم المغلوبون لأنهم على باطل، وفي الآخرة ليس لهم إلا العذابُ المُهِين وهذا معنى قوله تعالى: {إنّا لننصُرُ رُسُلَنا والذين آمنوا} سورة غافر، 51.
وكذلك ينصُرُ الله الأولياء ويحفَظُهم من أن يُغرقهم الشيطانُ في المعاصي فيصيروا أسراء للشيطان.
والمعيّة الأولى في قوله تعالى: {وهو معَكم أينما كنتم} تشمل جميع الخلق المؤمنَ والكافرَ لأنّ الله عالم بأحوال الجميع، بأحوال المؤمنين وأحوال الكافرين، أما معيّة الكلاءة والنّصرة فهي خاصّة بالمؤمنين الأتقياء.
هذا معنى معية الله المذكورة في القرآن، وما أقبح قول ابن تيمية(46): "إنّ الله على العرش حقيقة ومعنا حقيقة"، وقد ثبت عنه أنّه قال(47): "إنّ الله بقدر العرش لا أصغر ولا أكبر"، وقد صدق قول الحافظ أبي زرعة العراقيّ فيه: "عِلمُه أكبر من عقله"(48)، أي محفوظاته أكبر من فهمه، أي أنّه فاسد الفهم كثير الحفظ.
وليس المعنيُّ بها الحلولَ والاتصالَ، ويكفر من يعتقد ذلك لأنّه سبحانه وتعالى منزّه عن الاتصال والانفصال بالمسافة، فلا يقال إنّه متّصل بالعالم ولا منفصل عنه بالمسافة لأنّ هذه الأمور من صفات الحجم والحجمُ هو الذي يقبل الأمرين، والله جلّ وعلا ليس بحادث، نفى ذلك عن نفسه بقوله {ليس كمثله شيء}.
المعيّة في قوله تعالى {وهو معكم أينما كنتم} وقوله تعالى {إنّ الله مع الذين اتّقوا} ليس المراد منها معنًى من معاني الجسميّة كالحلول والاتصال، لأنّ الله منزّه عن الاتصال والانفصال لأنها من صفات الحجم والله ليس بحجمٍ، فقد نفى الله ذلك عن نفسه بقوله تعالى {ليس كمثله شيء} فهذه الآية الجامعة للتنزيه الكلّيّ لله تعالى عن مشابهة المخلوقين بأيّ وجهٍ من الوجوه، فإنّ الشيء هو ما ثبت وجوده سواء كان جسمًا أم عرضًا، حجمًا أم صفةً أم غيرَ ذلك، قال الإمام أبو حنيفة رحمه الله في "الفقه الأكبر": الشيء الثابت الوجود.
ولا يوصف الله تعالى بالكِبَرِ حجمًا ولا بالصِّغَر، ولا بالطول ولا بالقصر، لأنّه مخالف للحوادث، ويجب طرد كلِّ فكرة عن الأذهان تفضي إلى تقدير الله تعالى وتحديدِهِ.
لا يُوصَف الله تعالى بصفات الحجم من صِغَرٍ أو طولٍ أو نحو ذلك، وكلُّ الخواطر التي تؤدّي إلى جَعْل الله تعالى ذا مقدار وشكل وهيئة تُنبَذُ وتطرد، والمؤمن يُريح ضميره باعتقاد أنّه مهما تُصَوّرَ بباله فالله بخلاف ذلك، فإذا لزم هذا ارتاح ضميره، ويتركُ هذه الخواطر وينشغل بغيرها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه عنه أبو القاسم الأنصاريّ: "لا فكرةَ في الرّبّ"(49)، ومعناه أنّ الله تعالى لا يدركه الوهم لأن الوهم يدرك الأشياء التي ألِفَها أو هي من جنس ما ألِفَهُ كالإنسان والغَمام والمطر والشجر والضوء والظلام والريح والظّل ونحو ذلك، والأشياءُ الحادثة لو لم يرها الإنسان كالعرش يستطيع أن يتصوّرها ولو من بعض الوجوه،
وكذلك إذا ذُكِرت لنا الجنّة يمكننا أن نتصوّرها في أوهامنا فنصادف الحقيقة في بعض الصفات ونخطئ في بعض الصفات، أمّا الله تعالى فلا تدركه تصوّرات العباد وأوهامُهم، وقد قال أبيُّ بن كعب الذي هو من مشاهير الصّحابة في تفسير قوله تعالى: {وأنّ إلى ربّك المنتهى}: "إليه ينتهي فِكر من تفكّر" رواه القاسم الأنصاريّ في "شرح الإرشاد" والدارقطني في "الأفراد".
كان اليهود قد نسبوا إلى الله تعالى التعب، فقالوا: إنّه بعد خَلْق السّموات والأرض استراح فاستلقى على قفاه، وقولهم هذا كفر. والله تعالى منزّه عن ذلك وعن الانفعال كالإحساس بالتعب والآلام واللذات، فالذي تلحَقُه هذه الأحوال يجب أن يكون حادثًا مخلوقًا يلحقه التغيّر، وهذا يستحيل على الله تعالى.
قال تعالى: {ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستّة أيّامٍ وما مسَّنا من لُغُوب} سورة ق، 38، إنّما يَلغَبُ من يعمَلُ بالجوارح، والله سبحانه وتعالى منزّه عن الجارحة.
اعتقدت اليهود في الله تعالى التشبيه وأجازوا عليه عزّ وجلّ الجسميّة وصفاتِ البشر فقالت: إنّ الله خلق السموات والأرض في ستة أيّام ثم استراح يوم السبت فاستلقى على قفاه، فأثبتوا له القفا والاستلقاء والمماسّة للعرش والعياذ بالله تعالى، وكذلك الوهابية المشبّهة جعلت الله جسمًا له أعضاءٌ فقالت إنّه جالس على العرش، فالمشبّهة إخوة اليهود وإن ظنّوا بأنفسهم أنّهم موحّدون، والذي يجب علينا اعتقاده أنّ الله منزّه عن الانفعال كالإحساس بالتعب والفرح والحزن لأنها من سمات الحدوث والله منزّه عن ذلك، وقد أخبر الله تعالى أنّه خلق السموات والأرض وما بينهما وما أصابه من لُغُوب، واللّغوب معناه التعب، قال تعالى في سورة ق:
{ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيّام وما مسَّنا من لُغُوب} أي أنّ الله خلق الأرض يومَي الأحد والاثنين وخلق السّموات في يومي الثلاثاء والأربعاء وخلق البهائم والأشجار ومرافق المعيشة يومي الخميس والجمعة، وفي آخر يوم الجمعة خلق سيدنا آدم عليه السلام، ولم يلحق الله تعالى من ذلك تعبٌ لأنّ الذي يلغب هو الذي يفعل بالجوارح، أمّا من فِعله بلا جارحة ولا حركةٍ ولا آلةٍ ولا مباشرة فلا يلحقه تعب، ولذلك قال الإمام أبو حنيفة رضي الله عنه في "الفقه الأبسط": "يدُ الله فوق أيديهم ليست كأيدي خلقه وليست بجارحة وهو خالق الأيدي، ووجهُه ليس كوجوه خلقِهِ وهو خالق كلِّ الوجوه".
قال تعالى: {إنّ الله هو السّميع البصير} سورة غافر، 20، فالله تعالى سميع وبصير بلا كيفيّة، فالسّمع والبصر هما صفتان أزليتان بلا جارحةٍ، أي بلا أُذنٍ أو حدَقةٍ وبلا شرط قربٍ أو بُعد أو جهة، وبدون انبعاثِ شعاعِ من البصر أو تموّجِ هواءٍ.
الله تعالى سميع بصير بدلالة قوله تعالى: {إنّ الله هو السميع البصير} والسمع والبصر إذا وُصِف الرّبّ بهما صفتان أزليتان ليستا كسمع وبصر المخلوقين، إذ سمعنا يحتاج إلى أذن مع شرط قربٍ وجهةٍ وتموّجِ هواءٍ، وكذلك بصرنا يحتاج إلى حدقة وشرط قرب وجهة وانبعاث شعاع من البصر، والله منزّه عن سمات المخلوقين.
ومن قال: لله أذن فقد كفر، ولو قال: له أذن ليست كآذاننا، بخلاف من قال: له عين ليست كعيوننا ويد ليست كأيدينا بل بمعنى الصّفة فإنّه جائز لورود إطلاق العين واليد في القرآن ولم يَرِدْ إطلاق الأذن عليه.
لا يجوز أن يقال لله أذنٌ ليست كآذاننا، بل هذا تكذيب للدّين والعياذ بالله، لأنّه لم يَرِد إطلاق الأذن مضافًا إلى الله لا في الكتاب ولا في السُّنة ومعنى الأذن أي الجارحة لا يليق بالله. أمّا أن يقال لله عين ليست كأعيننا أو لله يد ليست كأيدينا أو لله وجه ليس كوجوهنا فيجوز لأنّ ذلك ورد في الشّرع لكن مع تنزيه الله عن الجارحة، ولا نقيس الأذن على اليد والوجه والعين لأن هذا ورد وذاك لم يَرِد، قال الإمام أبو الحسن الأشعريّ: "ما أطلق الله على نفسه أطلقناه عليه وما لا فلا"، وأمّا الحديث الذي أخرجه ابن ماجة في سننه: "للهُ أشدُّ أَّذَنًا لقارئٍ حسنِ الصوت بالقرآن من أحدكم يستمع إلى قينتِهِ" فالأَذَنُ هو الاستماع وليس الأُذُنَ، فمعنى الحديث أنّ الله يحب سماع القرآن لقارئ مؤمنٍ يُحسِنُ قراءته أكثر ممّا يحبُ صاحبُ القينة الاستماع إلى قينته أي جاريته التي تغنّي له.
تفسير قوله تعالى {فثَمَّ وجهُ الله}
قال تعالى: {ولله المشرِقُ والمغرِبُ فأينما تُولُّوا فثمَّ وجهُ الله} سورة البقرة، 115، المعنى فأينما توجّهُوا وجوهَكم في صلاة النفل في السّفر فثمَّ قِبلةُ الله، أي فتلك الوِجهة التي توجَهتُم إليها هي قِبلة لكم، ولا يراد بالوجه الجارحة. وحكم من يعتقد الجارحة لله التكفير لأنّه لو كانت له جارحة لكان مِثْلًا لنا يجوز عليه ما يجوز علينا من الفناء.
معنى قوله تعالى: {ولله المشرقُ والمغربُ فأينما تُوَلُّوا فثَمَّ وجهُ الله} أنّ المشرق والمغرب مِلك لله، فأينما توجَهوا وجوهكم في صلاة النفل في السّفر على الراحلة فهناك قبلة الله، أي فتلك الجهة التي توجهتُم إليها هي قبلة لكم، فالمسافر إذا كان راكبًا الدابّة يجوز أن يصلي النّفل إلى الجهة التي يريدها، ولا يلتحق بذلك راكب السّيارات والطائرات كما يُفهَم ذلك من كتب الفقه. نقل هذا التفسير الإمامُ الطبريّ في تفسيره عن مجاهد رضي الله عنه. ففي هذه الآية إطلاق لفظ وجه الله مرادًا به جهة القبلة، ولا يراد بالوجه هنا الجارحة أي عضو الإنسان، وحكم من يعتقد أنّ الله تعالى متّصف بجارحة من الجوارح التكفير قطعًا، فقد نقل الطحاويّ إجماع أهل السُّنة على تكفير المجسّم بقوله رحمه الله: "ومَن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر"، ولو كانت له جارحة لكان مثلًا لنا يجوز عليه ما يجوز علينا من الفناء والتغيّر والآفات، وهذا ظاهر البطلان.
وقد يُراد بالوجه الجهة التي يُرادُ بها التّقربُ إلى الله تعالى كأن يقول أحدُهم: "فعلتُ كذا وكذا لوجه الله"، ومعنى ذلك: فعلتُ كذا وكذا امتثالًا لأمر الله تعالى.
يقال وجه الله بمعنى قَصْدِ التقرب إلى الله، فإذا قال قائل: عملتُ هذا لوجه الله أو ابتغاء وجهِ الله فمعناه عملت هذا للتقرب إلى الله تعالى وموافقةً وامتثالًا لأمر الله، إذ الله تعالى يقول: {وافعلوا الخير} سورة الحج، 77، وهذا المعنى هو المناسب في بيان معنى حديث "أقرب ما تكون المرأةُ إلى وجه الله إذا كانت في قعر بيتها" فليس للوجه في هذا الحديث معنًى إلّا طاعة، فماذا يفعل المجسّم إذا جاء إلى هذا الحديث، أيفسِّرُه على حسب اعتقاده أنّ لله وجهًا بمعنى الجزء والحجم المركّب على البدن!
وهو لا يجرؤ على ذلك هنا، فلماذا يعتقد في نحو آية {ويبقى وجهُ ربّك} وآية {كلُّ شيء هالك إلّا وجهَهُ} الحجم المعروف المركّب على البدن، فيجب عليه أن يترك اعتقاده وليقل ما يناسب معنى هذا الحديث الصحيح الذي رواه ابن حبّان في صحيحه، وليلتزم تفسير الرواية الأخرى لهذا الحديث: "أقربُ ما تكون المرأة إلى الله أقرب إذا كانت في قعر بيتها" رواه ابن حبان أيضًا، وكلتا الروايتين صحيحة إسنادًا ومعناهما واحد.
ويحرم أن يقال كما شاع بين الجهّال: افتح النّافذة لنرى وجه الله، لأنّ الله تعالى قال لموسى {لن تراني} سورة الأعراف، 143، ولو لم يكن قصد الناطقين به رؤية الله فهو حرام.
يحرم أن يقال كما انتشر بين بعض الجهّال – افتح النّافذة لنرى وجه الله مهما كانت نيّةُ اللافظ به، لأن هذا الكلام يوهم أنّ لله جهةً وأنّه يُرَى بالعين في الدّنيا وكلاهما باطل، فأمّا الأوّل فتقدّم بيانُ بطلانه، وأمّا الثاني فلأنّ الله تعالى أخبر في سورة الأعراف أنّه قال لموسى عليه السلام {لن تراني} على أنّ كثيرًا ممن ينطقون بهذا الكلام لا يفهمون منه معناه الفاسد، بل يظنّون أنّ معناه افتح النافذة لنرى خلق الله، فهؤلاء لا يكفّرون، ومع ذلك لا يجوز التلفظ به.
(46) الرسالاة الكبرى الحمويّة.
(47) ذخائر القصر.
(48) الأجوبة المرضية.
(49) رواه البغويّ في تفسيره.