اعلَم أنّه لا دليل حقيقيَّ يدلُّ على عدم جواز التوسُّل بالأنبياء والأولياء في حال الغَيْبة أو بعد وفاتِهم بدعوى أنّ ذلك عبادة لغير الله. لأنّه ليس عبادةً لغير الله مجرّدُ النّداءِ لحيٍّ أو ميّتٍ ولا مجرّدُ التّعظيم ولا مجرّدُ الاستغاثة بغير الله، ولا مجرّدُ قصْدِ قبرِ وليٍّ للتّبرّك، ولا مجرّدُ طلبِ ما لم تَجْرِ به العادةُ بين النّاس، ولا مجرّدُ صيغةِ الاستعانةِ بغير الله تعالى، أي ليس ذلك شِرْكًا لأنّه لا ينطَبِقُ عليه تعريف العبادةِ عند اللغويين لأنّ العبادة عندهم الطّاعةُ مع الخضوع.
التوسّل هو طلبُ حصولِ منفعةٍ أو اندفاع مضرّةٍ من الله بذِكْرِ اسم نبيٍّ أو وليٍّ إكرامًا للمتوسَّل به، والله تعالى جعَلَ أمور الدنيا على الأسباب والمُسَبَّبات قال تعالى {وابتغوا إليه الوسيلة (35)} سورة المائدة أي كلَّ شيء من الأسباب يقرِّبُكم إلى الله اطلبُوه فنحقِقَ لكم المُسَبَّبات أي نحقِّقَ لكم مطالِبَكم، والله قادر على تحقيقها بدون هذه الأسباب.
وقد جعَلَ الله سبحانه وتعالى من الأسباب المعينةِ لنا على تحقيق مطالِبَ لنا التوسّل بالأنبياء والأولياء في حال حياتهم وبعد مماتهم، فنحن نسأل الله بهم رجاء تحقيق مطالبنا فنقولُ: اللهمّ إنّي أسألك بجاه رسول الله أو بحرمة رسول الله أن تقضي حاجتي وتفرّج كَرْبي. وقد قامت الأدلة الشّرعية على مشروعيّة التوسّل بالذوات الصالحة والأعمال الصالحة، ومَنَعَ الوهابيّة من غير دليل شرعيّ التوسُّلَ بذوات الصّالحين في حال غيبتهم وبعد مماتهم، وذلك بدعوى أنّ ذلك عبادة لغير الله، وهي دعوى فاسدة لا تتّفق مع معنى العبادة، لأنّ مجرّد نداء الحيِّ أو الميّتِ أو الاستعانة بغير الله أو قَصْدِ قبر وليٍّ أو نبيٍّ للتبرك أو طلب ما لم تَجْرِ به العادةُ بين النّاس لا ينطبق عليه تعريفُ العبادة عند اللغويين الذي هو الطّاعة مع الخضوع.
قال الأزهريّ الذي هو أحدُ كبار اللغويّينَ في كتاب "تهذيب اللغة" نقلًا عن الزَّجّاجِ الذي هو من أشهرِهم: "العبادة في لغة العرب الطّاعة مع الخضوع" اهـ، وقال مثلَهُ الفرّاءُ كما في "لسان العرب" لابن منظور، وقال بعضهم: "أقصى غايةِ الخشوع والخضوع" اهـ، وقال بعض: "نهايةُ التذلُّل" كما يُفهَم ذلك من كلام شارح القاموس مرتضى الزَّبيديّ خاتمةِ اللغويّين، وهذا الذي يستقيم لغةً وعُرفًا.
ذكر اللغويّ الكبير الأزهريّ في كتابه "تهذيب اللغة" نقلًا عن الزّجاج الذي هو من أشهر علماء اللغة أنّ العبادة هي الطّاعة مع الخضوع، وقال قبل الزّجاجِ الفرّاءُ وهو من كبار أهل اللغة الكوفيين في كتابه "معاني القرآن وإعرابه" ونَقَلَ عنه ذلك ابن منظور في "لسان العرب" وأقرّه.
وقال الإمام الفقيه الحافظ اللغويّ تقيّ الدين السّبكيّ في "فتاويه": "العبادة أقصى غاية الخشوع والخضوع" وعبارة الرّاغب الأصبهانيّ في "مفرداته": "العبادة نهاية التذلل" ونقل ذلك عنه الحافظ اللغويّ مرتضى الزبيديّ في "تاج العروس شرح القاموس". فتبيّن من ذلك أنّ أهل اللغة متقدِّميهم ومتأخّريهم مطبقون على أنّ العبادة هي أقصى درجات الخضوع والتذلل، وهذا الذي يستقيم لغةً وعُرفًا.
وليس مجرّدُ التذلُّلِ عبادةً لغير الله وإلّا لكَفَر كلُّ من يتذلَّلُ للملوك والعظماء. وقد ثبت أنّ معاذ بن جبلٍ لمّا قَدِمَ من الشّام سجد لرسول الله فقال الرسولُ: ما هذا؟ فقال: يا رسول الله إنّي رأيتُ أهلَ الشّام يسجدون لبطارقتهم وأساقفتهم وأنت أولى بذلك، فقال: "لا تفعَلْ لو كنتُ آمرُ أحدًا أن يسجُدَ لأحدٍ لأمرتُ المرأة أن تسجد لزوجها" رواه ابن حبّان وابن ماجَهْ وغيرُهما، ولم يَقُل له رسولُ الله صلى الله عليه وسلّم كفرتَ، ولا قال له أشركتَ معَ أنّ سجودَهُ للنّبيّ مظهرَ كبير من مظاهر التذلُّل.
البطارقة جمع بطريق وهو من الرُّوم كالقائد من العرب وأساقفَتُهم معناه علماؤهم، وهذا الحديث يدلُّ على أنّ مجرّد التذلّل لإنسان أي التذلل الذي لم يبلغ أقصى درجاته ليس كفرًا لأن سجود معاذ بن جبل مظهرٌ كبير من مظاهر التذلّل، وهو كان جائزًا في الشرائع السابقة لكنّه محرّم في الشّريعة المحمّديّة ولو بقصد التّحيّة.
فهؤلاء الذين يكفِّرون الشّخص لأنّه قَصَد قبرَ الرّسول أو غيرِهِ من الأنبياء والأولياء للتبرُّك فهم جَهلُوا معنى العبادة وخالفوا ما عليه المسلمون، لأنّ المسلمين سلفًا وخلفًا لم يزالوا يزورون قبر النّبيّ للتبرّك، وليس معنى الزّيارة للتبرّك أنّ الرّسول يَخلُقُ لهم البركة، بل المعنى أنّهم يَرْجُون أن يخلَقَ الله لهم البركة بزيارتهم لقبره.
هؤلاء الذين يكفّرون من يزور قبر الرسول أو غيره من الأنبياء والأولياء للتبرّك زاعمين أنّ هذا شرك جاهلون لمعنى العبادة، لأنّ من يقصدُ قبر النبيّ أو الوليّ للتبرّك لم يُعظّمْه بذلك نهاية التعظيم فكيف يكون مشركًا؟! وهذا الزائر لا يعتقد أن الرسول يخلُقُ له البركة، بل المسلمون خلفًا وسلفًا على أن هذه الزيارة رجاء أن يخلُقَ اللهُ لهم البركة بسبب زيارتهم لقبره، وهذا لا شِرك فيه ولا محظور.
والدليل على ذلك ما رواه البيهقيّ بإسنادٍ صحيح عن مالكِ الدّار، وكان خازن عمر قال: أصاب الناسَ قحط في زمان عمر فجاء رجُل إلى قبر النبيّ صلى الله عليه وسلّم فقال: يا رسول الله استَسْقِ لأمتِك فإنّهم قد هلكوا، فأُتِيَ الرجلُ في المنام فيل له: أقرِئ عمر السّلام وأخبِرْه أنّهم يُسْقَوْن وقل له: عليك الكيسَ الكيسَ، فأتى الرجلُ عمر فأخبرَهُ، فبكى عمر وقال: يا ربُّ ما آلُوا إلّا ما عَجَزتُ. وقد جاء في تفسير هذا الرّجُلِ أنّه بلال بن الحارث المُزَنيُّ الصحابيّ. فهذا الصحابيّ قد قصد قبر الرسول للتبرّك فلم ينكر عليه عمرُ ولا غيرُه، فبَطَل دعوى ابن تيمية أنّ هذه الزّيارة شِركيّة.
هذا الحديث رواه الحافظ البيهقيّ بإسناد صحيح في "دلائل النبوّة" وصحّح إسناده ابن كثير في "البداية والنهاية". وفيه أنّ النّاس أصابتهم مجاعة في زمن خلافة سيّدنا عمر، وانقطع عنهم المطرُ تسعة أشهر، فجاء رجلٌ من الصحابة يقال له بلال بن الحارث المُزَنيّ إلى قبر رسول الله صلى الله عليه وسلّم فقال: "يا رسول الله استسْقِ لأمتك أي اطلُبْ من الله السُّقيا لهم، فإنّهم قد هلكوا"، فرأى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في المنام يكلِّمُه فقال له: أقرئ عمر السلام، أي سَلِّمْ لي عليه وأخبره أنهم يُسْقَون أي يُنزِلُ الله عليهم المطر، وقل له عليك الكيسَ الكيسَ، أي تفكَّرْ في ما ينبغي فِعلُه ممّا لم تفعَلْ لتزولَ هذه النازلة عن المسلمين،
فأخبر الرجلُ عمر فبكى عمرُ وقال: يا ربّ ما آلوا(216) إلّا ما عَجَزْتُ، أي لا أتركُ إلا ما عَجَزْتُ عنه، ثم جمَعَ عمرُ النّاس وأخبرَهم بما رأى بلال بن الحارث فقال له بعضهم: أين أنت عن الاستسقاء، فجمع الناس واستسْقَى فأنزل اللهُ عليهم المطر حتى سُمِّيَ ذلك العامُ عام الفَتْقِ لكثرة ما نبت من العشب فسَمِنَتْ المواشي برَعْيِهِ حتى تفتّقَتْ بالشّحم، وهذا الرجل هو بلال بن الحارث المُزَنيّ كما ذكر الحافظ ابن حجر في المجلد الثاني من فتح الباري، وهذا الصحابيّ قصَدَ قبر النبيّ صلى الله عليه وسلّم فلم ينكر عليه سيدنا عمر ولا أحد من الصّحابة فبطلت دعوى ابن تيمية أنّ هذا شرك. وقول الوهابية إنّ مالك الدار مجهول يردُّه أنّ عمر لا يتّخذ إلا خازنًا ثقةً، وقد وثّقه الحافظ الخليليّ في كتابه "الإرشاد"، وبهذا الأثر يبطل أيضًا قول الوهابية: إنّ الاستغاثة بالرسول بعد وفاته شرك.
وقد قال الحافظ وليُّ الدّين العراقيُّ في حديث أبي هريرة "أنّ موسى قال: "ربّ أدْنِني من الأرض المقدّسة رَمْيَةً بحَجَرٍ"، وأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلّم قال: "والله لو أنّي عنده لأرَيْتُكُم قبره إلى جَنْبِ الطريق عند الكثيبِ الأحمر"، فيه استحبابُ معرفةِ قبورِ الصّالحين لزيارتها والقيام بحقِّها" اهـ، وقال الحافظ الضِّياءُ" حَدَّثني سالمُ التَّلّ قال: "ما رأيتُ استجابة الدّعاءِ أسرعَ منها عند هذا القبر" وحدَّثني الشّيخ عبدُ الله بن يونس المعروفُ بالأرمني أنّه زار هذا القبر وأنّه نام فرأى في منامه قُبَّةً عندَهُ وفيها شخص أسمَرُ فسَلَّمَ عليه وقال له:
أنت موسى كليمُ الله" أو قال: "نبيُّ الله" فقال: نعم، فقلتُ: قل لي شيئًا، فأومأ إليّ بأربع أصابع، ووصَفَ طولَهُنّ، فانتبهتُ ولم أدرٍ ما قال، فأخبرتُ الشيخ ذَيًّالًا بذلك فقال: يُولَدُ لك أربعةُ أولادٍ، فقلتُ: أنا قد تزوجتُ امرأة لم أقَرَبْها، فقال: تكون غير هذه، فتزوّجتُ أخرى فولدَتْ لي أربعة أولاد" انتهى.
سيدنا موصى عليه السلام مات قبل أن يطهِّر بيت المقدس من الكفار لمّا كانوا مستولين عليها، وكان قد طلب من الله أن يُدنِيَه من الأرض المقدّسة فقال: "يا ربّ أدْنِني من الأرض المقدّسة ولو مقدارَ رميةٍ بحَجَرٍ" رواه الشيخان في صحيحهما، فلما جاء أجَلُه قَرّبَه الله إلى الأرض المقدسة رميةً بحَجَرٍ فجعَلَ وفاته بمكانٍ قريب من الأرض المقدّسة، والأرض المقدّسة تبدأ من الجبال التي بعد أريحا إلى بيت المقدس، وقربَ مدينة الخليل في فلسطين اليوم قبرٌ قربَهُ كثيب(217) أحمر، مشهور أنه قبر سيدنا موسى عليه السلام، قبل جبل القدس يوجد هناك بأريحا مقامٌ كبير له أربعة أبواب شرقيّ وغربيّ وشماليّ وجنوبيّ، بناه المسلمون يأوي إليه الزّوّار.
ويُفهَمُ من قول الرسول صلى الله عليه وسلّم عن قبر موسى عليه السلام "والله لو أنّي عنده" الحديث الإشارةُ إلى أنّ زيارة قبور الأنبياء والصّالحين للتبرك بهم مطلوبة وعلى هذا كان الأكابر وعلى هذا نصُّوا. وقولُ الحافظ ولي الدين العراقيّ ابنِ الحافظِ زين الدين ذكره في المجلّد الثّالث من "طرح التثريب"، وما ذكره الحافظ الضّياء المقدسيّ يعضِدُ قول الحافظ وليّ الدّين.
وروى الخطيب البغداديّ في تاريخ بغداد عن الحافظ الفقيه اللغويّ المجتهد إبراهيم الحربيّ أنّه قال: "قبر معروف التّرياق المجرّب" أي كثير النفع كالترياق الذي هو دواء مركّب من أجزاء، وروى أيضًا عن الشافعيّ أنّه كان يقول: "إنّي لأتبرّك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره في كلّ يوم – يعني زائرًا – فإذا عَرَضَت لي حاجةٌ صلّيتُ ركعتين وجئتُ إلى قبرِهِ وسألتُ الله تعالى الحاجة عنده فما تَبْعُدُ عني حتى تُقضَى".
ومعروف الكرخيّ من الأولياء المشهورين في بغداد، معروف عند الخاصّة والعامّة ولا يزالون يقصدون قبره للتبرّك، وكتب علماء الأمّة وحفّاظها قديمين ومُحْدَثين مليئة بالحث على زيارة قبور الصّالحين رجاء البركة وحصول المنفعة، فكيف تتجرّأ بعد ذلك الوهابيّة على تحريم ذلك فضلًا عن تكفير من يفعل ذلك والحكمِ عليه بالشِّرك، نسأل الله السّلامة والبعد عن الغلوّ.
وأخرج أحمد في المسند بإسناد حسن كما قال الحافظ ابن حجر أنّ الحارث بن حسّان البكريّ قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافِدِ عادٍ" الحديثُ بِطُولِهِ دليل يُبطِلُ قول الوهابيّة: "الاستعاذةُ بغير الله شرك".
أخرج الإمام أحمد في مسنده بإسناد حسن كما قال الحافظ ابن حجر العسقلاني في فتح الباري أنّ الحارث بن حسّان البكريّ رضي الله عنه خرج إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجد في طريقه عجوزًا من بني تميم تقصد النبيّ أيضًا، فلمّا دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم استأذن العجوز فأذِنَ لها رسول الله صلى الله عليه وسلم فجرى كلام في حضرته عارضَتْ فيه العجوزُ الحارث بن حسّان في غَرَضه الذي سافر لأجله فقال: "إنّما مَثَلي ما قال الأوّلُ معزاءُ حَمَلت حَتْفها، حَمَلتُ هذه ولا أشعر أنّها كانت لي خَصْمًا"، ثم قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم:
"أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافِدِ عاد" وفي هذا الحديث إبطال لقول الوهابيّة: إن الاستعاذة بغير الله شرك، فإن الرسول لم يقل للحارث أشركت لقولك "ورسولِهِ" فإنّ الحارث رضي الله عنه وإن كان قد جمع الاستعاذة بالرسول صلى الله عليه وسلم مع الاستعاذة بالله فإنّه استعاذ على الحقيقة بالله تعالى على معنى أنه خالق لِلعَوْن، وأمّا استعاذته بالرسول صلى الله عليه وسلم فعلى معنى أنّه سبب، وما كان من استعاذة أو طلب أو توسّل بمخلوق على هذا المعنى فلا حرج عليه ولا محذور.
وخلاصة قصّة وافد عاد أنهم قُحِطُوا أي انقطع عنهم المطر فبعثوا وافدًا لهم يطلب السُّقيا فوصل إلى جبال تِهامة لطلب المطر من الله وعاد مع كونهم مشركين كانوا يعظّمون مكّة المكرّمة فنادى قائلًا: "اللهم إنك تعلم أنّي لم أجئ إلى مريض فأداوِيَه، ولا إلى أسيرٍ فأفادِيَه، اللهم اسق عادًا ما كنت تسقيه"، فمرّت به سحابات سودٌ، والغالب أنّ السّحابة السّوداء هي التي تحمل المطر، فناداه المَلَك قائلًا: اختر، فأومأ إلى سحابة منها سوداء، فنُودِي منها: خُذْها رَمادًا رِمدِدًا لا تبقي من عادٍ أحدًا"، فهلكوا بريح شديدة، وصار النّاس إذا بعثوا وافدًا لهم قالوا له: لا تكن كوافِدِ عادٍ.
ثم إن قال قائل: هذه استعاذة بالرسول في حياته في حضرته، ونحن لا ننكر هذا، إنّما ننكِرُ الاستعاذة به بعد موته، فالجواب أنّ الاستعاذة معنى واحدٌ، إن كان طلبُها من حيّ حاضر أو غائب، والمؤمن إن استعاذ بحيّ أو ميّت فإنّه يرى المُستعاذ به سببًا ينفَعُ المستعيذَ به إن شاء الله، وهذا المعنى لا فرقَ فيه بين أن يكون المُستعاذ به حيًّا حاضرًا أو ميّتًا غائبًا، فلا الحيُّ الحاضر المستعاذُ به خالقٌ للإعاذة ولا الميّت قال الله تعالى: {هل من خالقِ غيرُ الله}، وهذا الإمام أحمد بن(218).
وعن ابن عبّاس أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قال: "إنّ لله ملائكةُ في الأرض سوى الحفظةِ يكتبون ما يسقُط من ورق الشّجر فإذا أصاب أحدكم عَرْجَة بأرضٍ فلاةٍ فليّناد أعينوا عباد الله" رواه الطّبرانيّ، وقال الحافظ الهيثميّ: "رجاله ثقات".
هذا الحديث فيه دلالة واضحة على جواز الاستغاثة بغير الله ولو لم يكن حاضرًا، لأنّ فيه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم علّمنا أن نقول إذا أصاب أحدنا مشكلة في فلاة من الأرض أي برّيّةٍ "يا عباد الله أعينوا" فإنّ هذا ينفَعُه، وهذا الحديث عزاه الحافظ الهيثميّ في "مجمع الزوائد" للطبرانيّ وقال: "رواه الطبرانيّ ورجاله ثقات"، وأخرجه الحافظ ابن حجر في الأماليّ المصريّة بلفظ "إنّ لله ملائكةُ سوى الحفظةِ سيّاحِينَ في الفلاة يكتبون ما يسقُط من ورق الشّجر فإذا أصاب أحدَكم عَرْجة في فلاةٍ فلينادِ يا عباد الله أعينوا" فالله تعالى يُسمِعُ هؤلاء الملائكة الذين وُكِّلُوا بأن يكتبوا ما يَسقُط من ورق الشّجر في البرّيّة نداء هذا الشخص لو كان على مسافة بعيدة منهم فيُغِيثونه بإذن الله.
وثبت أنّ عبد الله بن عمر رضي الله عنهما خَدِرَتْ رجلُه فقيل له اذكُرْ أحبّ النّاس إليك فقال: يا محمّد فشُفِيَت رجله في الحال. رواه البخاريّ في الأدب المفرد. وقد حاول ناصر الدين الألبانيّ تضعيف هذا الأثر لمّا وجده ناقضًا لعقيدته مع أنّه ثبت عن ابن تيمية أنّه صرّح في كتابه "الكلم الطّيّب" باستحسان أن يقول من أصابه خَدَر في رجله "يا محمّد"، فيقال للوهابيّة: على حسب قولكم هذا فيه استحبابُ الكفر والشّرك عندكم، وقائل هذا هو زعيمُكم الذي أخذتم منه أكثر عقائدكم، فهل تكفِّرونه وأنتم تقولون عنه شيخُ الإسلام؟!
أم أنّكم لا تكفّرونه فتنقُضوا عيدتكم هذه.؟! قد وضع لكم الأمرُ لكنّكم لا تزالون تخالفون الحقَّ وتتّبعون ابن تيمية فيما ضَلَّ وزاغ فيه، وليس لكم مستَنَدٌ لتحريم التوسّلِ والاستغاثة بغير الحيّ الحاضر سوى ما أخذتم من كتبه وزعمتم أنّ ذلك حجّة، بل هو زيغٌ انفرد به ابن تيمية لم يسبقه أحدٌ في تحريم التّوسّل بالأنبياء والأولياء بعد الوفاة، فثبت لنا ولكم أنّكم لستم مع السّلف ولا الخلف.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "حياتي خيرٌ لكم ومماتي خيرٌ لكم تُحدِثون ويُحْدَثُ لكم، ووفاتي خير لكم تُعرَضُ عليّ أعمالُكم فما رأيتُ من خيرٍ حَمِدتُ الله عليه، وما رأيتُ من شرٍّ استغفرتُ لكم" رواه البزّار ورجالُه رجال الصّحيح.
هذا الحديث دليل على أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلّم ينفعنا بعد موته على خلاف ما ذهبت إليه الوهّابية القائلين بأنّه لا ينفعُ أحد بعد موته، فإنه عليه الصلاة والسّلام لمّا قال: "ومماتي خير لكم" أفهمَنا أنه ينفَعُنا بعد موته أيضًا بإذن الله عزّ وجلّ كما نفعَنا موسى عليه السلام ليلة المعراج في تخفيف الصّلاة المفروضة علينا من خمسين إلى خمس صلوات، ولا يشكُّ عاقل بنفع موسى عليه السلام لهذه الأمّة هذا النّفع العظيم وقد كان موسى توفّي قبل ليلة المعراج بأكثر من ألف سنةٍ.
ومعنى قوله عليه الصّلاة والسّلام "تُحدِثون ويُحدث لكم" أنّه تحصل منكم أمورٌ ثم يأتي الحكم بطريق الوحي إليه عليه الصلاة والسّلام، ثم يؤكِّد النبيُّ نَفْعَه لأمتّه بعد وفاته بقوله: "وفاتي خير لكم" ومعنى "تُعرَضُ عليّ أعمالُكم" من حيث الجملة لا بكلّ تفاصيلها، وهذا الحديث رواه البزّار في مسنده، وقال الهيثميّ في "مجمع الزّوائد": رجاله رجال الصحيح، وبذلك يبطُلُ تعلّقُ الوهابيّة بالاستدلال بحديث مسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عملُه إلّا من ثلاث" فإنه بزعمهم يمنعُ الانتفاع بزيارة قبور الأنبياء والأولياء والتوسُّل بهم، الصّواب أن العمل الذي ينقطع هو عمل الميّت التكليفيُّ الذي يكون له جزاء عليه لا كلُّ عملٍ.
وأخرج الطّبرانيّ في مُعجَمَيْه الكبير والصّغير عن عثمان بن حُنَيْفٍ أنّ رجلًا كان يختلف إلى عثمان بن عفّان، فكان عثمانُ لا يلتفِتُ إليه ولا ينظُرُ في حاجته، فلقِيَ عثمان بنَ حُنيفٍ فشكَى إليه ذلك فقال: ائتِ الميضأة فتوضّأ ثم صلِّ ركعتين ثم قل: اللهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بنبيّنا محمّد نبيّ الرحمة يا محمّد إني أتوجّه بك إلى ربّي في حاجتي لتُقضَى لي، ثم رُحْ حتى أروحَ معك، فانطلق الرجل ففعل ما قال ثم أتى باب عثمان فجاء البوابُ فأخذ بيده فأدخله على عثمان بن عفان فأجلسه على طِنفِسَتِهِ فقال:
ما حاجتُك؟ فذكر له حاجته فقضى له حاجته وقال: ما ذكرتُ حاجتك حتى كانت هذه الساعةُ، ثم خرج من عنده فلقي عثمان بن حُنيف فقال: جزاك الله خيرًا، ما كان ينظر في حاجتي ولا يلتفت إليّ حتى كلّمتَهُ فيَّ، فقال عثمان بن حنيف: والله ما كلمتُه ولكن شَهِدتُ رسول الله صلى الله عليه وسلّم وقد أتاه ضرير فشكى إليه ذهاب بصره فقال: إن شئتَ صبرتَ وإن شِئتَ دعوتُ لك، قال: يا رسول الله إنّه شقّ عليَّ ذهابُ بصري وإنّه ليس لي قائدٌ، فقال له: ائتِ الميضأة فتوضّأ وصلِّ ركعتين ثم قل هؤلاء الكلمات، ففعل الرّجلُ ما قال:
فوالله ما تفرّقنا ولا طال بنا المجلس حتى دخل علينا الرجلُ وقد أبصر كأنّه لم يكن به ضُرٌّ قط اهـ، قال الطبرانيّ في كلّ من معجَمَيْهِ: "والحديث صحيح" والطبرانيّ من عادته أنّه لا يصحِّحُ حديثًا، مع اتساع كتابه "المعجم الكبير" ما قال عن حديثٍ أوردت ولو كان صحيحًا: الحديثُ صحيح، إلا عن هذا الحديث، وكذلك أخرجه في "الصّغير" وصحّحه. ففيه دليل أنّ الأعمى توسّل بالنبيّ في غير حضرته بدليل قول عثمان بن حُنيف: "حتى دخل علينا الرجُل" وفيه أنّ التوسّل بالنبيّ جائز في حالةِ حياتِهِ وبعد مماته فبطَلَ قول ابن تيمية: "لا يجوز التوسّل إلّا بالحيّ الحاضر"، وكلُّ شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرطٍ.
قوله "يختلف" معناه يتردَّدُ إليه، وعدَمُ نظر سيّدنا عثمان في حاجة هذا الرجل لشدّة انشغاله فينسَى، والطِنْفِسَةُ البِساط. وهذا الحديث فيه دلالة واضحة على جواز التوسّل بالنبيّ في حياته وبعد مماته، في حضرته أو في غير حضرته، وأمّا قول ابن تيمية ليس التوسّل الواردُ في هذا الحديث توسُّلًا بذات النبيّ بل بدعائه فهو دعوى باطلة ومخالِفٌ لقواعد الأصول، لأنّ علماء الأصول لا يُسَوّغون التّويل إلّا لدليل محذوف، فالحديث عنده يُقدَّرُ فيه محذوف ويكون التقدير على موجوب دعواه:
اللهمّ إنّي أسألك وأتوجّه إليك بدعاء نبيّنا، وكذلك: يا محمّد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي معناه عنده إنّي أتوجّه بدعائك(219) إلى ربّي، والأصل في النّصوص عدم التقدير إذ التّقدير لا يصار إليه إلا لدليل وهذا هو المعروف عند علماء الأصول، ولكنّ ابن تيمية حُبِّبَ إليه الشّذوذ وخَرْقُ الإجماع من شدّة إعجابه بنفسه، ولهذا انحرف عنه أبو حيّان النحويُّ بعد أن كان يحبُّه وقد امتدحه بقصيدةٍ، ثم لمّا رأى منه تكذيب سيبويه ورأى كتابه الذي سمّاه كتاب العرش الذي ذكر فيه أنّ الله قاعد على الكرسيّ وأنّه أخلى موضعًا للرسول لِيُقْعِدَه فيه زادت كراهيته له فصار يلعَنُه حتّى مات، ذكر ذلك الحافظ محمّد مرتضى الزبيديّ في "إتحاف السّادة المتّقين".
وقد وصَف الذهبيُّ ابن تيمية في رسالته "بيانُ زَغَل العِلم والطّلَب" بأنّه أهلكه فَرْطُ الغرام في رئاسة المشيخة والازدراءُ بالأكابر، وما قاله الذهبيّ صحيح أن ابن تيمية انتقص سيّدنا عليًّا بقوله: إنّ حروبه ما نفعت المسلمين بل ضرَّتْهم في دينهم ودنياهُم، قاله في كتابه "المنهاج". بل قال فيه أيضًا: إن القتال مع سيدنا عليّ ليس بواجب ولا مستحب، وابن تيمية يعلم أنّ الله تعالى قال: {يا أيّها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرّسول وأولي الأمر منكم} 59، سورة النساء، وعليّ لا شكّ في أنّه داخل في هذه الآية.
وأمّا تمسُّكُ بعض الوهابيّة لدعى ابن تيمية هذه في رواية حديث التّرمذيّ الذي فيه "اللهمّ شفّعْه فيَّ وشفِّعني في نفسي(220)" فلا يفيد أنّه لا يُتَبرَّك بذاتِ النبيّ، بل التبرُّكُ بذات النبيّ إجماع لم يخالفه إلّا ابن تيمية، والرسولُ هو الذي قال فيه القائلُ: [الطويل]:
وأبيضَ يُستَسْقَى الغمامُ بوجهِهِ *** ثِمالَ اليتامَى عِصْمةٌ للأَرامِلِ
أورده البخاريّ.
دعوى ابن تيمية وأتباعِهِ أنّه يُتوسَّلُ بدعاء النبيّ لا بذاته متمسّكين بزعمهم بحديث الترمذيّ الذي فيه "اللهمّ شفِّعْه فيَّ وشفِّعني في نفسي" دعوى باطلة، لأن هذا الحديث لا يفيد نَفْيَ التبرك بذات النبيّ صلى الله عليه وسلم أو نفيَ التوسُّلِ به صلى الله عليه وسلم حالَ غيبتِهِ أو بعد موته، إذ أنّ الصحابيَّ الأعمى رضي الله عنه دعا الله متوسِّلًا بالنبيّ صلى الله عليه وسلم أن يعافِيَه ممّا هو فيه، بل التوسُّلُ بذاته صلى الله عليه وسلم إجماع لم يخرقه إلا ابن تيمية وأتباعُه، كيف والرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي قال فيه القائل شعرًا من الطويل من جملته:
وأبيضَ يُستَسْقَى الغمامُ بوجهِهِ *** ثِمالَ اليتامَى عِصْمةٌ للأَرامِلِ
أورده البخاريُّ في كتاب الاستسقاء من صحيحه، وفيه مدح النبيّ صلى الله عليه وسلم بأنّه أبيض وأنّ المطر يُطلَبُ من الله بوجهه أي أنّه يُتوسَّلُ بذاته إلى الله تعالى لطلب المطر، وهذا قد قيل للنّبيّ صلى الله عليه وسلم ولم ينكره. وذاتُه صلى الله عليه وسلم موجودة قبل الموت وبعده، فمن ادَّعَى أنّه إنّما يُتوسَّلُ بدعائه عليه الصلاة والسلام لا بذاته فقد انحرف عن الحقّ، واللهُ الموفِّقُ للصّواب.
وأمّا توسُّلُ عمر بالعبَّاس بعد موت النبيّ صلى الله عليه وسلّم فليس لأنّ الرسول قد مات، بل كان لأجل رعايةٍ حقِّ قرابَتِهِ من النبيّ صلى الله عليه وسلّم بدليل قولِ العبّاس حينَ قدَّمَهُ عمرُ: "اللهمّ إنّ القوم توجَّهُوا بي إليك لمكاني من نبيِّك" فتبيَّنَ بُطلانُ رأي ابنِ تيمية ومن تبِعَهُ من مُنكِري التوسُّل. روى هذا الأثر الزبير بنُ بكار كما قال الحافظ ابن حجر. ويُستأنَسُ له أيضًا بما رواه الحاكم في "المستدرك" أنّ عمر رضي الله عنه خطَبَ النّاس فقال:
"أيُّها النّاسُ إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرى للعبّاس ما يَرَى الولَدُ لوالِدِه، يُعظِّمُه ويُفَخِّمُه ويَبَرُّ قسَمَهُ، فاقتَدُوا أيُّها النّاس برسول الله صلى الله عليه وسلم في عمِّهِ العبّاس واتِّخذوه وسيلة إلى الله فيما نَزَلَ بكم"، فهذا يُوضِحُ سبب توسُّلِ عمر بالعبّاس.
توسُّلُ عمر بالعبَّاس كان لرعاية حقِّ قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلّم وليس لأنّ الرسول مات فلا يتوسَّلُ به بعد موته كما زعمت الوهابيّة. ويدلُّ على ما ذكرناه قولُ العباس رضي الله عنه حين قدَّمُه سيدُنا عمر: "اللهمّ إنّ القوم توجَّهُوا بي إليك لمكاني من نبيِّك" أي لمكانتي مومنزلتي منه، رواه الزُّبير بن بكار كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح. وكذلك روى الحاكم في المستدرك على الصحيحين أنّ عمر حثّ الناس على الاقتداء بالعبّاس عمّ النبيّ صلى الله عليه وسلم واتخاذه وسيلةً إلى الله، وذلك لمنزلته الكريمة عند النبيّ صلى الله عليه وسلم، ولذلك هو – ابن عمرُ – نفسُه اتّخذه وسيلةً إلى الله فتوسَّل به إلى الله عزّ وجلّ.
فتَرْكُ عمر التوسُّلَ بالنبيّ في ذلك الموضع ليس فيه دلالة على مَنْع التوسُّلِ بغير الحاضر، فقد تَرَكَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم كثيرًا من المباحات، فهل دَلَّ تركُهُ لها على حُرمَتها؟ وقد ذكر علماء الأصول في كتبهم أنّ تَرْكَ الشيء لا يدلُّ على مَنْعِهِ. بل أراد سيدنا عمر بفعله ذلك أن يبيّن جواز التوسُّلِ بغير النبيّ صلى الله عليه وسلم من أهل الصلاح ممّن تُرجَى بركتُهُ، ولذا قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري" عقِبَ هذه القصّة ما نصُّه: "يُستفاد من قصّة العبّاس استحبابُ الاستشفاعِ بأهل الخير والصلاح وأهلِ بيت النّبوّةِ".
فلا التفاتَ بعد هذا إلى دعوى بعض هؤلاء المشوِّشين أنّ الحديث المذكور في إسناده أبو جعفر وهو رَجُل مجهول، وليس كما زعموا بل أبو جعفر هذا هو أبو جعفر الخَطْمِيُّ ثقةً.
لا التفات بعد هذا كلِّه إلى دعوى الوهّابيّة أنّ حديث الأعمى غير صحيح لكونه يخالف أصول التّوحيد في تخيُّلاتهم الباطلة زاعمين أنّ في إسناده أبا جعفر وهو رجلٌ مجهول، وليس الأمر كما زعموا، بل هو أبو جعفر الخَطْمِيُّ كما صرّح بذلك الترمذيّ في سننه وابن السُّنيّ في "عمل اليوم والليلة" والحاكم في "المستدرك"، والإمام أحمد في مسنده والطبرانيُّ في معجَمَيْه الكبير والصّغير وذلك عند روايتهم للحديث المذكور. وأبو جعفر الخَطْمِيُّ ثقةٌ وَثَّقَهُ الحافظ النّسائيُّ والحافظ الطّبرانيُّ والحافظ ابن حبّان وغيرهم.
وكذلك دعوى بعضهم وهو ناصرُ الدّين الألبانيُّ أنّ مراد الطَّبرانيّ بقوله "والحديث صحيح" القدر الأصليُّ وهو ما فعله الرجلُ الأعمى في حياة رسول الله فقط، وليس مرادُه ما فعله الرَّجل أيّام عثمان بن عفّان بعد وفاة الرسول، وهذا مردود، لأنّ علماء المصطلح قالوا: "الحديث يُطلَقُ على المرفوع إلى النبيّ والموقوف على الصّحابة"، أي أنّ كلام الرسول يُسَمَّى حديثًا وقول الصحابيّ يُسمَّى حديثًا، وليس لفظُ الحديث مقصورًا على كلام النبيّ فقط في اصطلاحِهم، وهذا المُمَوّهُ كلامُه لا يوافِقُ المقرّر في علم المصطلح فلينظّرْ من شاء في كتاب "تدريب الراوي" وا"الإفصاح" وغيرهما من كتب المصطلح، فإنّ الألبانيَّ لم يَجُرَّهُ إلى هذه الدّعوى إلّا شِدَّةُ تعصُّبِهِ لهواه وعدمُ مبالاتِهِه بمخالفةِ العلماء كسَلَفِهِ ابن تيمية.
دعوى ناصر الدين الألبانيّ في كتابه "التّوسُّل" أنّ الطّبرانيَّ صحَّحَ القدر الأصليَّ المرفوع إلى النبيّ صلى الله عليه وسلم وهو ما فعله الرجلُ الأعمى في حياة الرسول فقط ولم يصحِّح القدر الموقوف على الصّحابيّ أي ما فعله الرجل أيّام عثمان بن عفّان رضي الله عنه بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلّم دعوى مردودة باطلة لمخالفته علماء المصطلح الذين يطلقون لفظ "الحديث" على المرفوع إلى النبيّ وعلى الموقوف على الصّحابيّ، فكلام الرسول يسمّى حديثًا وكلام الصحابيّ يسمّى أيضًا حديثًا وكذلك فعله، وليس لفظ "الحديث" مقصورًا على كلام النبيّ، وهذا مذكور في كتب علماء المصطلح كتدريب الراوي للحافظ السّيوطيّ و"الإفصاح بتكميل النكت على ابن الصّلاح" للحافظ ابن حجر وغيرهما من كتب المصطلح المشهورة كمقدّمة ابن الصلاح وغيرها، وهذا الألبانيُّ متطفّل على علم الحديث والمصطلح ولم ينحرف هذا الانحراف إلّا بسبب تعصُّبِهِ الأعمى لهواه وعدم مبالاته بمخالفة إجماع العلماء كسلفه ابن تيمية الذي خرق الإجماع في أكثر من ستين مسألة من مسائل الفروع فضلًا عن مخالفاته في الأصول.
أمّا حديثُ ابنِ عبّاسٍ الذي رواه الترمذيّ أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال له: "إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنْتَ فاستَعِنْ بالله" فليس فيه دليل أيضًا على مَنْعِ التّوسُّلِ بالأنبياء والأولياء لأنّ الحديث معناه أنّ الأوْلَى بأنْ يُسأل ويُستعان به الله تعالى، وليس معناه لا تسأل غير الله ولا تستَعِنْ بغير الله. نظيرُ ذلك قوله صلى الله عليه وسلم "لا تصاحِبْ إلّا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلا تقيّ" فكما لا يُفهَم من هذا الحديث عدمُ جوازِ صُحبةِ غير المؤمن وإطعام غير التقيّ وإنّما يُفهَمُ منه أنّ الأولى في الصحبة المؤمنُ وأنّ الأولى بالإطعام هو التقيّ، كذلك حديث ابن عبّاس لا يُفهَم منه إلا الأوليّة، وأمّا التحريم الذي يدّعونه فليس في هذا الحديث.
قول النبيّ صلى الله عليه وسلم لابن عبّاس رضي الله عنهما: "إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعِنْ بالله" أنّ الأولى سؤال الله والاستعانة به، وليس معناه لا تسأل غير الله ولا تستعن بغير الله، مثيل ذلك حديث الترمذيّ في سننه وأبي داود في سننه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تصاحب إلا مؤمنًا ولا يأكل طعامك إلّا تقيّ"، فهذا الحديث مع وجود أداة النّهي ليس فيه دليل على تحريم صحبة غير المؤمن التقيّ على تحريم أن يُطعِمَ الرجلُ غير التقي، فلا هنا ليست للنهي الذي يُفهَم منه التحريم، وإنما المعنى أنّ الأولى أن تصاحِبَ وتَطعِمَ طعامك التقيّ، وكذلك حديث ابن عباس لا يُفهَم منه إلا الأولويّة لا التحريم الذي تدّعيه الوهّابيّة.
وهؤلاء الوهابيّة تجرأت على الاستدلال بحديث: "إذا سألت فاسأل الله" على منع التوسُّل ومنعِ نداء رسول الله صلى الله عليه وسلّم والطّلَبِ منه زاعمين أنّه يفتح باب الشرك فكفّروا المسلمين والعياذ بالله تعالى، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون وإلى الله المُشتكى.
ولا فَرْقَ بين التوسّل والاستغاثة، فالتوسّل يُسَمَّى استغاثةً كما جاء في حديث البخاريّ أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال: "إنّ الشّمس تدنو يوم القيامة حتى يبلُغَ العَرَقُ نصف الأُذنِ فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم موسى ثم بمحمّد" صلى الله عليه وسلم، الحديث في روايةِ عبد الله ابنِ عمرَ لحديثِ الشفاعةِ يوم القيامة، وفي رواية أنسِ رُويَ بلفظ الاستشفاع، وكلتا الروايتين في الصّحيح فدلَّ ذلك على أنّ الاستشفاع والاستغاثة بمعنى واحد، فسمَّى الرسولُ صلى الله عليه وسلم هذا الطّلبَ من آدم أن يشفَعَ لهم إلى ربّهم استغاثةً.
لا فرق بين التوسل والاستغاثة من حيث إنّ المستغيث بالنبيّ صلى الله عليه وسلم إنّما مراده أن يخلق الله تعالى له العون متّخذًا ذِكر النبيّ صلى الله عليه وسلم سببًا لذلك ولهذا فإنّ التوسُّل قد يُسمَّى استغاثةً كما جاء في حديث البخاريّ قوله صلى الله عليه وسلم "كذلك استغاثوا بآدم" أي توسَّلُوا به إلى ربّهم "ثم موسى ثم بمحمد" صلى الله عليه وسلّم الحديث هكذا لفظه في رواية عبد الله بن عمر رضي الله عنهما لحديث الشفاعة يوم القيامة، وفي رواية أنسٍ رُويَ الحديثُ بلفظ الاستشفاع ومعناه طلب الشفاعة متوسِّلين بسيدنا آدم وموسى ومحمد لينالوها، وتدلُّ الروايتان على أنّ الاستشفاع والاستغاثة بمعنى واحد كما ذكر الحافظ تقيّ الدين السّبكيّ في "شِفاء السَّقام":
"الاستشفاع والتوسُّل والتوجُّه والتَّجَوُّهُ والاستغاثة والاستعانة بمعنى واحد"، والتقيّ السّبكيّ محدّث حافظ فقيه لغوي كما وصفه بذلك السّيوطيّ في "الذّيل". وفي هذا الحديث سمّى الرسول صلى الله عليه وسلم الطَّلَبَ من سيّدنا آدم أن يشفع لهم إلى ربّهم استغاثة، فكيف يجرؤ الوهابيّ على منع الاستغاثة بمن مات، بل وعلى تكفير من فعل ذلك، سبحانك ربّي هذا بهتان عظيم.
ثم الرسول سمّى المطر مُغِيثًا فقد روى أبو داود وغيرُه بالإسناد الصّحيح أنّ الرسول قال: "اللهم اسقنا غَيْثًا مُغِيثًا مَريعًا نافعًا غيرَ ضارٍّ عاجلًا غيرَ آجلٍ"، فالرسول سمَّى المطر مُغِيثًا لأنّه يُنقِذُ من السّدّة بإذن الله، كذلك النبيُّ والوليُّ يُنقِذان من الشّدّة بإذن الله تعالى.
هذا الحديث رواه أبو داود وابن ماجه والحاكم والبيهقيّ وغيرهم، وإسناده صحيح كما نصّ على ذلك الحافظ البوصيريّ في "مصباح الزّجاجة" حيث قال في إسناده: "هذا إسناد صحيح رجاله ثقات". وفيه تسمية رسول الله المطرَ بالمغيث لأنّه ينقذ من الشّدّة بإذن الله مع أنّ المطر لا روحَ فيه ولا إرادة، فإذاجاز وَصْفُه بأنّه يُنقِذ ويُغيث جاز بالأولى وصف الرجل الصالح الذي جعل الله له تصرُّفًا بعد الموت بالمنقذ والمُغيث، فعُلِمَ من ذلك جواز طلبِ العون من النبيّ والوليّ لأنّهما ينقذان من الشدّة بإذن الله تعالى.
(216) أي: لا آلوا إلّا ما عجزت عنه أي لا أقصّر ولا أترك إلا ما عجزت عنه. تقول: ألا الرجلُ يألوا: قصَّرَ.
(217) الكثيب تلٌّ من الرمل.
(218) حنبل أجاز تقبيل قبر النبيّ صلى الله عليه وسلم ومسَّهُ للتبرّك وذلك في كتاب "العلل ومعرفة الرجال".
(219) يقولون بدعاء محمد إلى ربي.
(220) يقولون: معنى شفّعْه فيَّ: اقبَلْ شفاعة محمّدٍ فيَّ، أي دعاءَهُ لي.