ويكفُر منكِرُ عذاب القبر لقوله تعالى: {النّارُ يُعرَضُون عليها غُدُوًا وعشيًّا ويوم تقومُ الساعةُ أدخِلُوا آل فرعونَ أشدَّ العذاب (46) سورة غافر، بخلاف منكِرِ سؤالِهِ فلا يُكفّر إلّا أن يكون على وجه العناد.

يكفر منكِرُ عذابِ القبر لأنّه مكذّب لقوله تعالى {النّارُ يُعرَضُون عليها غدُوًّا وعشيًّا} الآية، وهو مكذّب لأمرٍ معلومٍ بين المسلمين بالضرورة، بخلاف منكر سؤاله فلا يكفر لكون ذلك ليس ممّا عُلِمَ من الدين بالضرورة ولكنه يفسق إلّا أن يكون إنكاره على وجه العناد فإنّه يكفر عندئذٍ، فإن أنكر سؤال الملكين في القبر بعد عِلْمِهِ بأنّه ثابت في دين الله فإنّه يكفر.

البعث

البعث حقّ، وهو خروج الموتى من القبور بعد إعادة الجسد الذي أكلَهُ التّرابُ إن كان من الأجساد التي يأكلُها التّرابُ وهي أجسادُ غير الأنبياء وشهداء المعركة وبعضِ الأولياء لِمَا تواتَرَ من مشاهدة بعض الأولياء.

البعث حقّ لقوله تعالى: {ثمّ إنّكم يوم القيامة تُبعَثون (16) سورة المؤمنون، والبعث هو خروج الموتى من القبور التي دُفِنُوا فيها بعد إعادة الجسد الذي أكله التّراب إن كان من الأجساد التي يأكلها التّراب، وهي أجساد غير الأنبياء وشهداء المعركة وبعض الأولياء لِمَا صحّ في حديث أبي داود وغيره أنّ الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء، ولِمَا تواتر من مشاهدة الشهداء بعد سنين طويلةٍ من دَفْنِهم لم تأكل الأرض أجسادهم، وقد شُوهد هذا ي شهداءِ أُحُد وغيرِهِم، ولِمَا ثبت من مشاهدة بعض الأولياء لم تَبْلَ أجسادُهم بعد فتح قبورهم بعد مدّة طويلة من دَفْنِهم، ومنهم الشيخ أبو عمرو بن الصّلاح رحمه الله تعالى فُتِح قبرُه بعد أكثر من سبعمائة سنةٍ من دفنه فوُجِدَ صحيح الجسم والكفن.

وأوّل من ينشقُّ عنه القبر سيدنا محمّد صلى الله عليه وسلم، وأهلُ مكة والمدينة والطائف من أوّل من يُبعَثُ.

أوّل من ينشقّ عنه القبر سيّدنا محمد صلى الله عليه وسلّم كما أخبر عليه الصّلاة والسّلام في حديث البخاريّ أنّه أوَّلُ من يُفِيقُ من الصّعقة، لكنّه قال عليه الصّلاة والسلّام فأجِدُ موسى متعلّقًا بقائمةٍ من قوائم العرش، فلا أدري أأفاق قبلي أو جُوزِيَ بصعقة الطُّور. اهـ. أي فلم يُصعَق عند النفخة الأولى في البوق لأنّه كان صُعِقَ في الدنيا قبل ذلك، وإذا كان نبيُّنا صلى الله عليه وسلّم لا يدري هل يَسبِقُه موسى عليه الصّلاة والسّلام بالإفاقة أو لا، فنحن أولى بأن لا ندري أيُّهما يُبعَثُ أوّلًا، وأمّا غير الأنبياء فقد رُوِيَ ما يدلُّ على أنّ أهل مكة والمدينة والطّائف يكونون من أوَّل من يُبعَثُ. وإنّما قيل "مِن أوَّل مَن يُبعَثُ" لأنّ الأنبياء هم أوَّلُ من يُبعَثُ.

الحَشْر

والحشر حقّ، وهو أن يُجمَعُوا بعد البعث إلى مكان، ويكون على الأرض المبدَّلَةِ، وهي أرض مستوية كالجِلد المشدود لا جبال فيها ولا وِديان، أكبَرُ وأوسعُ من أرضنا، هذه بيضاء كالفِضّة.

الحشر حقّ لقوله تعالى في سورة الكهف {وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدًا (47)} والحشر هو جَمْعُ النّاس بعد البعث أي بعد الخروج من القبور إلى أرض الحشر، فإنّ النّاس بعد البعث يُنقَلُون إلى ظلمة عند الصراط، فتُبدَّلُ أوصاف هذه الأرض التي خرجوا منها، ثم يُعادُون إليها بعد ذلك ليكون حَشْرهم على هذه الأرض المبدّلة، وتكون أرضُ المحشر مستويةً كالجلد المشدود خاليةً من الجبال والوديان وأوسعَ من أرضنا هذه وذاتَ لونٍ أبيض كالفضّة. وقد ورد في الأحاديث الصّحيحة أنّ أرض المحشر هي أرض الشّام. فتُمَدُّ لتكون محشر كلِّ النّاس، وأمُّ برِّ الشّام فلسطين، فهي الأصل لأنّ أكثر الأنبياء كانوا في فلسطين، فإبراهيم وابنه وإسحاق وابنه يعقوب وابنه يوسف كلُّهم قبورُهم في فلسطين.

ويكون الحشر على ثلاثة أحوال:

1 – قسم طاعِمُون كاسُون راكبون على نُوقٍ رِحائِلُها من ذهبٍ وهم الأتقياء.

2 – وقسم حُفاة عُراة وهم المسلمون من أهل الكبائر.

3 – وقسم يُحشَرُون ويُجَرُّون على وجوههم وهم الكفّار.

النّاس يوم القيامة في الحشر على هذه الأحوال الثلاثة، فالأتقياء يُحشَرُون طاعِمِين كاسين راكبين على نوقٍ رحائِلُها من ذهب والرّحائِلُ جمع رِحالة وكان العرب يطلقونها على السَّرْجُ من جلد ليس فيها خشب. وأما المسلمون من أهل الكبائر فيحشرون حفاةً عراةً. وأمّا الكفّار بأنواعهم فإنهم يُحشَرُون على وُجُوهِهِم.

الحساب

والحساب حقّ، وهو عرض أعمال العباد عليهم، ويكون بتكليم الله للعباد جميعهم، فيفهَمُون من كلام الله السؤال عما فعلوا بالنّعَمِ التي أعطاهم الله إيّاها، فيُسَرُّ المؤمن التّقيّ ولا يُسَرُّ الكافر لأنّه لا حسنة له في الآخرة، بل يكاد يغشاه الموتُ، فقد ورد في الحديث الصّحيح "ما منكم من أحدٍ إلّا سيكلِّمُه ربُّه يوم القيامة ليس بينَهُ وبينَهُ تَرْجُمان" رواه أحمد والترمذيّ.

الحساب حاصل بلا رَيْب، وهو عرض أعمال العباد عليهم، ويكون بتكليم الله للعباد جميعهم مؤمنِهِم وكافِرِهم، فيسمعون كلام الله الذاتيَّ الذي لا يشبه كلام العالمين، ويفهمون من كلام الله تعالى السّؤال عمّا فعلوا بالنِّعَم التي أعطاهم الله إياها، فالتقيُّ يُسَرُّ بخلاف الكافر فإنّه يغلب عليه الخوف والانزعاج والخجل والضيق الشديد والقلق فإنّه لا حسنة له في الآخرة. وأمّا عصاة المسلمين فيكونون على حالين، قسم منهم يصيبهم خوف وانزعاج وقسم لا يصيبهم ذلك. وهذا كلّه مصداق ما ورد في الحديث الصّحيح مرفوعًا: "ما منكم من أحدٍ إلّا سيكلّمه ربُّه يوم القيامة ليس بينه وبينه تَرجُمان" رواه أحمد في مسنده، والترمذيّ في سننه وقال: هذا حديث حسن صحيح.

كما يُعطَى كلُّ إنسانٍ الكتاب الذي كتبَهُ له الملكان، فأمّا المؤمن فيأخذه بيمينه ويكون حاله ما أخبر الله عنه {فهو في عيشةٍ راضية (21) في جنّةٍ عالية (22)} سورة الحاقّة، وأمّا الكافر فيأخذه بشماله من وراء ظهره ويكون حاله ما أخبر الله عنه {يا ليتني لم أُوتَ كتابِيَه (25) ولم أدرِ ما حسابِيَه (26) يا ليتها كانت القاضية (27) ما أغنى عنّي ماليَهْ (28) هَلَكَ عنّي سُلطانِيَهْ (29)}.

المِيزانُ

والمِيزان حقّ، وهو كميزان الدنيا له قصبة وعمودٌ وكفّتان، كفّةٌ للحسنات وكفّة للسيّئات، توزن به الأعمال يوم القيامة، والذي يتولّى وَزْنَها جبريل وميكائيل، وما يُوزَن إنّما هو الصّحائف التي كُتِبَ عليها الحسنات والسيئات.

ميزان الآخرة حق لقوله تعالى {ونَضَعُ المَوازينَ القِسْطَ ليومِ القيامة (47)} سورة الأنبياء.

وللأخبار الواردة في ذلك. وهو جسم محسوس كميزان الدّنيا من حيث تركيبه وإن كان أكبر من حيث حجمه، له قصبة وعمود وكفّتان، كفّة للحسنات وأخرى للسيّئات تُوزن به الأعمال يوم القيامة ليظهر من يستحقّ دخول الجنّة ومن يستحقّ عذاب النار، والذي يَزِن الأعمال سيّدنا جبريل وسيّدنا ميكائيل عليهما السلام، وأما يُوزَن فقد قال بعض العلماء: الأعمالُ نفسُها يُحوِّلُها الله تعالى أجسامًا فتوزَنُ، وقال آخرون: الذي يُوزَنُ هو الصّحائف التي كُتب عليها الحسنات والسّيئات فتوضَعُ صحائفُ الحسنات في كفّة وصحائفُ السّيئات في الكفّة الأخرى.

فمن رَجَحَت حسناتُه على سيّئاته فهو من أهل النّجاة، ومن تساوَتْ حسناتُه وسيّئاتُه فهو من أهل النجاة أيضًا ولكنّه أقلُّ رتبةً من الطبقة الأولى وأرفَعُ من الثّالثة، ومن رجَحَت سيّئاتُه على حسناته فهو تحت مشيئة الله، إن شاء عذّبَه وإن شاء غفَرَ له وأمّا الكافر فترجَحُ كفّةُ سيئاتِهِ لا غير لأنّه لا حسنات له في الآخرة لأنّه أُطعِمَ بحسناتِهِ في الدّنيا.

من رجَحَت حسناتُه على سيئاته فهو من أهل النّجاة والفوز، ومن تساوت حسناتُه وسيّئاتُه فهو ناجٍ أيضًا ولكنّه أقلُّ رتبةً من الطبقة الأولى وأرفَعُ من الثالثة التي ترجح سيئاتُها على حسناتها. وهؤلاء الذين تساوت حسناتُهم وسيّئاتهم هم أهل الأعراف، وهو سور الجنّة يمكثون مدّة عليه ثم يدخلون الجنّة.

وأما الذي رجحت سيئاته على حسناته فهو يستحقّ العذاب ويكون تحت مشيئة الله، إن شاء عذّبه مدّة في النار ثم أدخله الجنّة وإن شاء غفر له فيدخله الجنّة بغير عذاب على أنّ قِسمًا من هؤلاء لا بدّ أن يصيبهم العذابُ ثم يُدخَلون الجنّة للأخبار الواردة في ذلك. وأمّا الكافر فترجح كفّةُ سيئاته لأنه لا حسناتِ له في الآخرة لأنه أُطعِمَ بحسناته في الدنيا كما صحّ مرفوعًا في حديث ابن حبّان: "وأمّا الكافرُ فيُطعَمُ بحسناته في الدّنيا حتى إذا أفضى إلى الآخرة لم يكن له حسنةٌ يُعْطَى بها خيرًا".

الثواب والعقاب

الثواب عند أهل الحقّ ليس بحقّ للطّائعين واجبٍ على الله، وإنّما هو فَضْلٌ منه، وهو الجزاء الذي يُجْزَى به المؤمنُ ممّا يسُرُّه في الآخرة.

الثواب الأخرويُّ عند أهل الحقّ ليس واجبًا على الله إذ لا يجب على الله شيء ولا يكرِهُه أحدٌ، بل هو فضل منه وكرم، والثواب هو الجزاء الذي يُجْزَى به المؤمن ممّا يسرُّه في الآخرة على ما عمِلَ من الطّاعات في الدنيا.

والعقابُ لا يجب على الله أيضًا إيقاعَهُ للعصاة، وإنّما هو عَدْل منه، وهو ما يسوء العبد يوم القيامة.

العقاب لا يجب على الله أيضًا إيقاعه للعصاة في الآخرة، وإنّما عقابُهُ لمن يشاء منهم عدلّ منه عزّ وجلّ، والعقاب هو ما يسوء العبد يوم القيامة جزاءٍ على ما ارتكبه من المعاصي.

وهو على قسمين أكبرَ وأصغَرَ، فالعقاب الأكبر هو دخول النّار والعقابُ الأصغر ما سوى ذلك كأذى حرّ الشمس يوم القيامة فإنّها تسلط على الكفار فيعرقون حتى يصل عَرَق أحدهم إلى فيه، ولا يتجاوز عرَقُ هذا الشخص إلى شخصٍ آخر بل يقتصِرُ عليه حتى يقول الكافر من شدّة ما يقاسي منها: ربّ أرحني ولو إلى النّار. ويكون المؤمنون الأتقياءُ تلك الساعة تحت ظلّ العرش وهذا معنى الحديث: "سبعة يُظِلُّهم الله في ظلِّه" أي في ظلِّ عرشه.

العذاب الأكبر هو دخول جهنّم، والأصغر ما دون عذاب النّار كأذى حرّ الشّمس يوم القيامة، فإنّها تقترب من الناس يوم القيامة وتسلّط على الكفار فيغرقون في عرَقِهم، وتبلغ شدةُ ذلك عليهم حتى يقول الواحد منهم: ربّ أرحني ولو إلى النار، وكلّ هذا مذكور في حديث الصّحيحن وغيرهما. ويكون المؤمنون الأتقياء تلك المدّة تحت ظلّ العرش، وهذا معنى الحديث الذي أخرجه الشيخان في صحيحهما: "سبعة يُظِلُّهم الله في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه: إمام عادل، وشابّ نشأ في عبادة الله، ورجلٌ قلبه معلّق في المساجد، ورجلان تحابّا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه، ورجلٌ دعَتْهُ امرأة ذاتُ منصبٍ وجمالٍ فقال:

إنّي أخاف الله، ورجلٌ تصدّق بصدقةٍ فأخفاها حتّى لا تعلم شِمالُه ما تُنفِقُ يمينُه، ورجلٌ ذكر الله خاليًا ففاضت عيناه"، ويلتحِقُ بهم أناس آخرون ذُكِروا في أحاديث أخرى صحيحة. ومعنى "إلّا ظلُّه" إلّا ظلُّ العرش. وأمّا أهل الكبائر من المؤمنين فيعاقَبُون بحرّ الشّمس لكن عقابًا أقلَّ ممّا يقاسيه الكفّار.