اعلَمْ أنّ السّبيل إلى معرفة النبيّ المعجزة

بالمعجزة يُعرَف النبيُّ، فما من نبيّ إلا وكانت له معجزة، والمعجزة هي العلامة الشّاهدة التي تشهَدُ على أنّ هذا الإنسان الذي يقول عن نفسه إنّه نبيّ الله أنّه صادق وأنّه نبيٌّ.

وهي أمر خارق للعادة يأتي على وَفْقِ دعوى من ادّعَوْا النّبوّة سالمٌ من المعارَضَةِ بالمِثل.

المعجزة أمر مخالفٌ ومناقضٌ للعادة كانشقاق القمر فَلقَتين بإشارة النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهذا الأمر الخارق يوافق دعوى ذلك النبيّ. أمّا إذا لم يكن موافقًا لدعواه فلا يُسَمَّى معجزةً كالذي حصل لمسيلمة الكذّاب الذي ادّعى النبوّة وقد مسَحَ على وجه رجلٍ أعور ليُشْفَى فعمِيَت العينُ الأخرى، فإنّ هذا مناقض لدعواه لا موافقًا لها. ومن شأن هذا الأمر الخارق أنّه لا يستطيع المكذِّبون أن يفعلوا مثله، أي لا يستطيع معارض للأنبياء أن يأتي بمثل ما جاؤوا به من الخوارق.

فما كان من الأمور عجيبًا ولم يكن خارقًا للعادة فليس بمعجزة. وكذلك ما كان خارقًا لكنّه لم يقترن بدعوى النبوّة كالخوارق التي تظهر على أيدي الأولياء أتباعِ الأنبياء، فإنّه ليس بمعجزة، بل يُسمَّى كرامة.

ما كان من الأمور عجيبًا ولكنه لم يكن خارقًا للعادة لا يُعَدُّ معجزةً كحِفْظ أبياتٍ من الشعر بمجرّد سماعها من المرة الأولى، وكسرعة الحساب في الذهن وكحفظ كتاب من عدّة مجلّدات في وقت قليل، فكلّ هذا ليس بمعجزة. وكذلك إذا لم يقترن الأمر الخارق بدعوى النبوّة فإنّه لا يُعَدُّ معجزةً، كالخوارق التي تظهر على أيدي الأولياء كتناولهم السّمّ من غير أن يتضرّروا ودخولهم النّار من غير أن يحترقوا ونحو ذلك، فإنّه ليس بمعجزة للوليّ الذي يحصل له هذا الأمر، بل يسمّى كرامةً، ولا يقال له معجزة لأنّ الولي لا يدّعي أنّه نبيّ وإلّا لما حصلت له هذه الخوارق. وكلُّ كرامةٍ تحصل لهذا الوليّ تكون معجزةً للنبيّ الذي يَتَّبِعُه.

وكذلك ليس من المعجزة ما يُستَطاع معارضَتُه بالمثل كالسِّحر فإنّه يُعارضُ بسحرٍ مثلِهِ.

لا يُعَدُّ من المعجزة ما يُستطاع معارضتُه بالمثل كالسِّحر فإنّه يحصُل منه خوارقُ أحيانًا لكنه يُعارض بسحرٍ مثلِهِ، فكم من ساحرٍ قلّد ساحرًا آخر وأتى بمثل ما فعل. وأمّا معجزات الأنبياء فلم يستطع أحد منذ حصلت لهم إلى يومنا أن يعارضها بالمثل.

والمعجزة قسمان: قسم يقع بعد اقتراح من النّاس على الذي ادّعى النبوّة، وقسم يقع من غير اقتراح. فالأوّل نحوُ ناقة صالحٍ التي خرجَتٍ من الصّخرة. اقترح قومُه عليه ذلك بقولهم: إن كنت نبيًّا مبعوثًا إلينا لنؤمن بك فأخرِجْ لنا من هذه الصّخرة ناقةً وفصيلها، فأخرج لهم ناقةً معها فصيلُها أي ولدها، فاندهشوا فآمنوا به.

المعجزة قسمان: قسم يقع بعد أن يطلب النّاسُ من النبيّ أن يُريَهم آيةً تشهد لصدقه، وقسم من المعجزات يظهر على يد النبيّ من غير أن يطلب منه أحدٌ ذلك.

فمن الأوّل ما جاء في قصّة قوم نبيّ الله صالح عليه السلام، فإنّهم طلبوا منه أن يظهر لهم معجزة وهي أن يُخرِج لهم ناقة معها ولدها من الصّخرة، فأخرج لهم من جوف الصخرة الصّماء ناقةً معها ولدُها من غير أن يكون لها أمّ تلدها ومن غير أن تتطوّر من صِغَرٍ إلى كِبَر، فاندهشوا من هذا الخارق الذي حصل على يديه فآمنوا به.

لأنّه لو كان كاذبًا في قوله: إنّ الله أرسله، لم يأتِ بهذا الأمر العجيب الخارقِ للعادة الذي لم يستطع أحد من الناس أن يعارضه بمثل ما أتى به، فثبتَتِ الحُجّة عليهم ولا يسَعُهم إلا الإذعانُ والتصديق لأنّ العقل يُوجِب تصديق من أتى بمثل هذا الأمر الذي لا يُستطاع معارضَتُه بالمثل من قِبل المعارضين، فمن لم يُذعِنْ وعاندَ يُعَدُّ مُهدِرًا لقيمة البرهان العقليّ.

خروجُ النّاقة مع فصيلها من الصّخرة يدلُّ على صِدْق نبيّ الله صالح عليه السلام، ولم يستطع أحد من قومه معارضَتُه بالمِثل، ونزل هذا الأمرُ منزلةً قول الله تعالى "صَدَق عبيد في ما يبلِّغُه عنّي" فثبتت الحجّةُ على الذين عَلمُوا وقامت عليهم ولا يسَعُهم إلا الإذعان لما جاء به النبيُّ والتصديقُ به، لأنّ العقل يوجب تصديق من ظهرَتْ المعجزة على يديه لأنّها برهان على صدقه، فمن لم يصدّق النبيَّ بعد ذلك يُعَدُّ مُسقِطًا لقيمة البرهان العقليّ غير معتَبرِهِ.

ومن القسم الثاني، وهو الذي يقع من المعجزات من غير اقتراح فكحادثة تكلُّمِ الذئب وشهادته التي رواها الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري والبيهقيُّ من حديث ابن عمر وأبو نُعَيم في الدلائل وغيرهم، وفيها أنّه بينما راعٍ يرعى بالحَرَّةِ إذ عرض ذئب لشاة من شياهه، فحالَ الراعي بين الذئب والشاة، فقال الذئب: تحول بيني وبين طعامٍ ساقه الله إليَّ، فقال الراعي: العجَبُ من ذب يتكلّم بكلام الإنس، فقال الذئب، ألا أحدّثك بأعجب منّي، رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بين الحَرَّتَيْنِ(205) يحدّث النّاس بأنباءِ ما قد سبق، فأتى الراعي المدينة ثم دخل على النبيّ صلى الله عليه وسلم بحديث الذئب، فأمره عليه الصلاة والسلام أن يخبر النّاس بما حصل، ثم قال صلى الله عليه وسلم: صدق الراعي اهـ الحديث.

من المعجزات التي حصَلَتْ لِمَن قبلَ سيَدِنا محمّد صلى الله عليه وسلم

ومن أمثلة المعجزات التي حصلَتْ لمن قبلَ محمّدٍ عدمُ تأثيرِ النّار العظيمةِ على إبراهيم حيث لم تحرقه ولا ثيابَهُ.

سيّدنا إبراهيم عليه السلام أراد منه قومُه أن يترك دينه الذي هو عليه ويتّبع دينهم الباطل لعبادةِ غير الله فأبى، فأضرموا له نارًا عظيمةً ما استطاعوا من قوّتها أن يقتربوا منها، فقذفوه إليها بالمنجنيق بأمرٍ من النمرود، ولكنّ الله عزّ وجلّ سلَّمَه فكانت النار بردًا وسلامًا عليه فلم تحرقه ولا ثيابَهُ، وإنما أحرقت القيد الذي قيّدوه به.

ومنها انقلاب عصا موسى ثعبانًا حقيقيًّا ثم عودُها إلى حالتها بعد أن اعترف السّحرة الذين أحضَرهُم فرعون لمعارضته وأذعنوا فآمنوا بالله وكفروا بفرعون واعترفوا لموسى بأنّه صادق فيما جاء به.

من المعجزات العظيمة التي حصلت لسيّدنا موسى عليه السّلام انقلابُ عصاه ثعبانًا حقيقيًّا عظيمًا، وذلك لمّا تحدّى فرعونُ سيّدنا موسى، فجمع فرعونُ سبعين ساحرًا من كبار السّحرة الذين عنده، فألقوا الحبال التي في أيديهم فخُيّلَ للنّاس أنّها حيّات تسعى، فألقى سيّدنا موسى بعصاه فانقلب العصا ثعبانًا حقيقيًّا أكل تلك الحبال التي رماها السّحرة فعرف السّحرة أنّ هذا ليس من قبيل السحر، وإنما هو أمر خارق للعادة لا يستطيعون معارضته بالمِثل، فقالوا آمنّا برب موسى وهارون، فغَضِبَ فرعون لأنّهم آمنوا قبل أن يأذن لهم وتركوا ما كانوا عليه، فهدَّدهم فلم يرجعوا عن الإيمان بربّ موسى وهارون فقتلهم.

ومنها ما ظهر للمسيح من إحياء الموتى، وذلك لا يُستطاع معارضتُه بالمثل، فلم تستطع اليهود الذين كانوا مولعين بتذيبه وحريصين على الافتراء عليه أن يعارضوه بالمثل. وقد أتى أيضًا بعجيبةٍ أخرى عظيمةً وهي إبراء الأكمه فلم يستطع أحد من أهل عصره معارضتَهُ بالمِثل مع توفر الطِّب في ذلك العصر، فذلك دليل على صدقه في كلِّ ما يُخبِرُ به من وجوبِ عبادةِ الخالق وحدَهُ من غير إشراكٍ به ووجوبِ متابعتِهِ في الأعمال التي يأمرُهم بها.

من المعجزات التي ظهرت على يدَيْ سيّدنا عيسى عليه السلام إحياء الموتى، والذي حصل أنّه كان ملِك من لاملوك محمولًا على النّعش يذهبون به فدعا الله تعالى سيّدُنا المسيحُ عليه السلام أن يُحييَه فأحياه الله، فرأى اليهودُ ذلك ومع ذلك قالوا له: أنت ساحر! وكذلك كان من معجزاته عليه السّلام إبراءُ الأكمهِ أي الذي وُلِد أعمى، فقد كان يؤتى له بالأعمى فيمسح له على وجهه بيده الشّريفة فيتعافى.

وكلُّ هذه المعجزات التي ذكرناها تدلُّ على صدق هؤلاء الأنبياء وما جاؤوا به من وجوب الإيمان بالله وعبادتِهِ وحده من غيرِ إشراكٍ به، ووجوبِ طاعتِهم فيما يأمرون النّاس به، فظهر بطلانُ قولِ بعض الملحدين في هذا العصر: إنّ ما أتى به محمّد وعيسى من المعجزات هو تخدير لأفكار الناس وإنّما هو من قبيل السِّحر. وبُطلان هذا ظاهر لأنّ السّحر يُعارَضُ بالمثل، وهذا الذي يُظهِرُه الله على أيدي الأنبياء من الخوارق لا يُعارض بالمثل من قبيل السّحرة. إنما كلام هذا الملحد تمويه على ضعفاء العقول؛ لأنّ هؤلاء العوامَّ لا يعرفون المعنى الفراقَ بين السّحر والمعجزة.

وأمّا نبيُّنا محمّد صلى الله عليه وسلّم فقد كان أكثر الأنبياء معجزات حتى قيل بأنّها تبلغ ثلاثة آلافِ معجزةٍ، وأعظم المعجزات معجزةُ القرآن الكريم، وقد قال الشافعي رضي الله عنه: "ما أعدَى اللهُ نبيًّا معجزةً إلا وأعطى محمّدًا مثلها أو أعظم منها"، ومن لم يتعلّم شيئًا من معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم يكون مقصِّرًا تقصيرًا كبيرًا.

من معجزاته صلى الله عليه وسلم

وأمّا محمّد صلى الله عليه وسلم فمن معجزاته صلى الله عليه وعلى جميع إخوانه الأنبياء وسلّم حنينُ الجِذع، وذلك أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان يستند حين يخطُبُ إلى جِذع نخْلٍ في مسجده قبل أن يُعمَلَ له المنبر، فلمَّا عُمِل له المِنبر صعد صلى الله عليه وسلم فبدأ بالخُطبة وهو قائم على المنبر، فحَنَّ الجِذع حتّى سمِعَ حنينَهُ من في المسجد فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فالتزَمَه، أي ضمَّهُ واعتنقه فسكت.

حديث حنين الجذع خبر متواتر يوجب تواتره العلمَ القطعيَّ بمضمونه، وفيه أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلّم كان يستند حين يخطُب إلى جذع نخل كانفي قِبلة المسجد ثم قيل للنبيّ: يا رسول الله لو عملنا لك منبرًا فقال افعلوا إن شئتم، فلمّا عُمِل له المنبر صعد صلى الله عليه وسلم عليه فبدأ الخُطبة فحَنَّ الجذع إليه، أي بكى كبكاء الطفل الصّغير شوقًا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمع حنينه كلُّ من في المسجد، فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فضَمَّه واعتنقه فصار يَخِفُّ بكاؤه شيئًا فشيئًا كالطّفل الصّغير، إذا هُدِّئ من البكاء حتى سكت.

وهذه المعجزة من أعجب المعجزات، ويصحّ لقائل أن يقول: إنّها أعجب من إحياء الموتى الذي حصل للمسيح لأنّ إحياء الموتى يتضمَّنُ رجوع هؤلاء الأشخاص إلى مثل ما كانوا عليه قبل أن يموتوا، أمّا الخشب فهو من الجماد الذي لم يكن من عادته أن يتكلّم فهو أعجَبُ، فهذه المعجزة من أظهر المعجزات، وكان الحسن رضي الله عنه إذا حدّث بهذا الحديث يقول: يا ناسُ الجذعُ يحنُّ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنتم أولى بأن تحنّوا، ولا يخفى ما يلزم من بكاء الجذع وشوقه من كونه حيًّا عند ذلك بحياة تليق به من غير روح، إذ القول بكون الأشجار والجمادات لها أرواح تكذيب للنصوص وخرق للإجماع.

ومن معجزاته صلى الله عليه وسلم إنطاقُ العَجماء أي البهيمة. روى الإمام أحمد والبيهقيّ بإسناد صحيح من حديث يَعْلَى بن مُرَّةَ الثقفيّ قال: بينما نسير مع النبيّ صلى الله عليه وسلم إذ مَرَّ بنا بعيرٌ يُسْنَى عليه، فلمّا رآه البعيرُ جَرْجَرَ فوضَعَ جِرانَهُ فوقف عليه النبيُّ صلى الله عليه وسلم، فقال: أين صاحب هذا البعير؟ فجاءَهُ فقال: بِعْنِيه، فقال: بل نَهَبُه لك يا رسول الله وإنّه لأهل بيتٍ ما لهم معيشةٌ غيرُه، فقال النبيّ: "أمّا ما ذكرت من أمرِهِ فإنّه شكا كثرة العملِ وقِلَّةَ العَلَفِ، فأحسنوا إليه".

هذا الحديث رواه الإمام أحمد في مسنده والبيهقيّ في الدّلائل، ومعنى العجماء البهيمة التي لا تتكلّم، "وبعيرٌ يُسنى عليه" أي يُحمَلُ عليه الماء ليُنقَلَ من مكان إلى آخر، و"جَرْجَرَ" أي أخرج صوتًا من حلقه، و"وضَعَ جِرانَهُ" أي خفَضَ مقدَّمَ عنقه، و"وقف عليه" أي عنده، وقوله: "إنّه لأهل بيتٍ ما لهم معيشةٌ غيرُه" معناه يُحصِّلون معيشتهم من الأجرة التي يأخذونها للنقل عليه.

وأخرج ابنُ شاهين في دلائل النبوّة عن عبد الله بن جعفر قال أردَفني رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاتَ يوم خلفَهُ فدخَل حائطَ رجلٍ من الأنصار، فإذا جملٌ فلمّا رأى النبيَّ صلى الله عليه وسلم حَنَّ فذَرَفَتْ عيناه فأتاه النبيُّ صلى الله عليه وسلم فمسَحَ ذِفْراهُ فسَكَنَ، ثم قال: "من ربُّ هذا الجمل؟" فجاء فتًى من الأنصار فقال: هذا لي، فقال: "ألا تتّقي الله في هذه البهيمة التي مَلّكك الله إيّاها، فإنّه شكا إليَّ أنّك تُجِيعُهُ وتُدئِبُهُ". وهو حديث صحيح كما قال المحدّث مرتضى الزبيديَّ في "شرح إحياء علوم الدين".

هذا الحديث صحيح كما قال المحدّث مرتضى الزّبيديّ في "إتحاف السادة المتقين بشرح إحياء علوم الدين"، "أردفني خلفَهُ" أي أركبني خلفَهُ على البعير، والحائط البستان، و"حَنَّ" أي بكَى كالطفل، و"مسح ذِفْراهُ"(206) أي الموضعَ الذي يعرق منه خلفَ أذنِهِ، و"تُدئِبُهُ" تُتْبِعُه.

ومنها تفجُّرُ الماء من بين أصابعه بالمشاهدة في عدّةِ مواطِنَ في مشاهِدَ عظيمةٍ وردَتْ من طرقٍ كثيرة يفيدُ مجمُوعُها العِلمَ القطعيَّ المستفادَ من التواتر المعنويّ.

قوله "في عدّة مواطِن في مشاهِدَ عظيمةٍ" معناه في عدّةِ مواضِعَ في مشاهِدَ عظيمةٍ من النّاس. والمتواتر المعنويّ هو الذي تواتر معناه بحيث إنّ كلًّا من هذه الحوادث رويت بطريق الأفراد، لكنّها كلَّها تشتمِلُ على أمرٍ مشتركٍ حصَلَ فيها كلّها وهو نبوعُ الماء بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيكون هذا الأمر المشترك قد تواتَرَ أي رُوِيَ من طرقٍ كثيرةٍ يقتضي مجموعُها القطع بحصوله، وذلك ككرم حاتم الطّائيّ فإنّ كلّ حادثةٍ من حوادث كرمه رُوِيت من طريقٍ لا يبلُغ التواتر لكنّ كلًّا منها فيه ذِكْرُ كَرَمِهِ وهو أمر مشتَرَك بينها كلِّها، وهي حوادث كثيرة رُوِيت من طرقٍ عديدةٍ تناقلَها النّاسُ جيلًا بعد جيلٍ، وطبقةً بعد طبقةٍ بحيث لا يُقبَل اتفاقُهم جميعهم على الكذب بشأن كرمِهِ، فمِثْلُ هذا يقال له تواترٌ معنويٌ لا يسَعُ العاقلَ أن يَنفِيَهُ ويكذّب به.

ولم يحصُلْ لغير نبيّنا حيث نَبَع من عَظْمِهِ وعصَبِهِ ولحمِهِ ودمِهِ، وهو أبلَغُ من تفجُّر المياهِ من الحَجَر الذي ضربَهُ موسى، لأنّ خروج الماء من الحجارة معهود بخلافه من بين اللحم والدّم. رواه جابر وأنس وابن مسعود وابن عبّاس وأبو ليلى الأنصاريّ وأبو رافع.

أمرُ نُبوعِ الماء من اليد لم يحصل لغير نبيّنا صلى الله عليه وسلم من الأنبياء، حيث نبع الماء من عظمه وعصبه ولحمه ودمه، وهذا أبلغ من تفجُّر المياه من الحجر الذي ضربه سيّدنا موسى، فإنّ موسى عليه السّلام كان قد خصّه الله تعالى بحجرٍ يحمله بنو إسرائيل معهم في سفرهم، فإذا احتاجوا الماء ضربه سيّدنا موسى بعصاه فتخرج منه اثنتا عشرة عينًا من الماء على عدد أسباط بني إسرائيل، فيستقي كلُّ سِبطٍ من عينٍ منها، لكنّ نبوع الماء من يد سيّدنا محمّد صلى الله عليه وسلم أعجب. وخبرُ بنوع الماء من يدِهِ عليه الصّلاة والسّلام رواه عِدّة من الصّحابة منهم ابن مسعود وابن عبّاس وغيرُهما.

وقد أخرج الشّيخان من حديث أنس "رأيتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وحانَتْ صلاةُ العصر فالتمس النّاس الوَضوءَ(207) فلم يجِدُوه، فأُتِيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بوَضُوءٍ فوضَعَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الإناء يَدَهُ وأمرَ الناسَ أن يتوضّؤوا منه، فرأيتُ الماء ينبُعُ من تحتِ أصابِعِه فتوضّأ النّاسُ حتى توضّؤوا من عند آخِرِهم". وفي رواية للبخاريّ قال الرّاوي لأنسٍ: كم كنتم؟ قال: ثلاثمائةٍ.

هذا الحديث رواه الشّيخان في صحيحَيْهما، والوضوء ماءُ الوُضوء. والمذكور في هذا الحديث قد حصَلَ في بعض المواضع وفي بعض المواضع الأخرى كان عددُ الصّحابة المتوضّئين أكثر كما سيشير إليه الحديثُ الآتي بيانُه.

وروى البخاريُ ومسلم من حديث جابرٍ أيضًا "عَطِشَ النّاسُ يوم الحُدَيْبِيَة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم بين يدَيْهِ رَكْوةٌ يتوضّأُ منها فجَهَشَ الناسُ فقال: ما لكم؟ فقالوا: يا رسول الله ليس عندنا ما نتوضّأُ به ولا ما نشرَبُه إلّا ما بين يدَيْك. فوضع يده في الرَّكْوة فجَعَلَ الماءُ يَفُور من بين أصابعه كأمثال العيون، فشرِبنا وتوضَّأنا، فقيل: كم كنتم؟ قال: "لو كنّا مائة ألفٍ لكفانا، كنّا خمس عشرة مائةً".

هذا الحديث أيضًا رواه الشيخان في صحيحَيْهِما، وقوله "جَهَشَ الناسُ" معناه أقبَلُوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقوله "كنّا خمسَ عَشرةَ مائةً" معناه كانوا ألفًا وخمسمائةٍ.

والتّحقيق أنّ الماء كان يَنبُعُ من نفسِ اللّحم الكائنِ في الأصابع، وبه صرّحَ النّوويّ في شرح مسلم، ويؤيّده قولُ جابرٍ: "فرأيتُ الماء يخرجُ"، وفي رواية: "ينبُعُ من بينِ أصابعِه".

المعنى أنّ الماء كان يخرج من نفس يدِ النبيّ صلى الله عليه وسلّم لا مرورًا من بين أصابعه التي كانت في الرّكوة بدليل قول جابر "فرأيتُ الماءَ يخرجُ من بين أصابعه" رواه أحمد في مسنده، وفي رواية أخرى لأحمد في مسنده أيضًا "رأيتُ الماءَ يَنبُعُ من بين أصابعه" صلى الله عليه وسلم.

ومن معجزاتِهِ ردُّ عين قتادة بعد انقلاعها، فقد روى البيهقيُّ في الدّلائل عن قتادة بن النُّعمانِ أنّه أُصِيبَت عينُه يوم بدرٍ فسالت حدقَتُه على وَجْنَتِهِ فأرادوا أن يقطعوها فسألوا رسول الله فقال: لا، فدعا به فغَمَزَ حَدَقَتَهُ براحَتِهِ فكان لا يدري أيّ عينَيْهِ أُصِيبَتْ اهـ.

روى الإمام البيهقي في "دلائل النبوة" أنّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم رَدَّ عينَ قتادة بنِ النُّعمان رضي الله عنه، وكانوا أرادوا أن يقطعوها بعد أن أصيبت في بدرٍ ظنًّا منهم أنّه لا ينتفِعُ بها بعد ذلك، ولكنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم أبى ذلك وردَّها له براحته الشريفة فشُفِيَتْ عينه بإذن الله.

وفي هاتين المعجزتين قال بعض المادحين شعرٍا من البسيط:

إنْ كان موسى سقَى الأسباط من حَجَرٍ *** فإنّ في الكفّ معنًى ليس في الحَجَرِ

إن كان عيسى بَرا الأعمى بدعوتِهِ *** فكم براحته قد رَدَّ من بَصَرِ

المعنى أنّ نبوع الماء من نفس يد النبيّ صلى الله عليه وسلّم أظهر وأبلغ من تفجُّرِهِ من الحجر الذي ضربه موسى عليه السلام بعصاه، لأنّ خروج الماء من الحجارة في الجبال أمر معهود بخلاف نُبوعِهِ من نفس اللحم والدّم والعصب. وإن كان الأعمى تعافى بدعوة سيدنا عيسى عليه السلام، فسيّدنا محمّد صلى الله عليه وسلم قد رَدَّ براحته الشريفة عينَ قتادة بعد أن سالت على خدِّه وأرادوا قطعها.

ومن معجزاتِهِ صلى الله عليه وسلّم تسبيح الطّعام في يده، أخرج البخاريّ من حديث ابن مسعود قال: "كنّا نأكلُ مع النبيّ صلى الله عليه وسلم الطعام، ونحن نسمَعُ تسبيحَ الطّعام". وهذه المعجزة أعجَبُ من إحياء الموتى الذي هو إحدى معجزات المسيح.

هذه المعجزاتُ الثلاث: تسبيح الطعام وحنين الجذع ونبوع الماء أعجب من إحياء الموتى الذي هو إحدى معجزات المسيح عليه السّلام، وقد قال إمامنا محمّد بن إدريس الشافعيّ رضي الله عنه: "ما أعطى اللهُ نبيًّا معجزةً إلّا وأعطى محمّدًا مثلها أو أعظم منها"، فقيل له: إنّ عيسى أحيا الموتى، فقال: "فإنّ محمّدًا صلى الله عليه وسلم حنّ الجذع إليه وهذا أكبر" اهـ، أي لأنّ الميّت كان له عهد بالحياة وأمّا الجذع فلم يكن له عهد بالحنين.

ومن معجزاته صلى الله عليه وسلم الإسراء والمعراج، الإسراءُ ثبت بنصّ القرآن والحديث الصّحيح، فيجب الإيمان بأنّه صلى الله عليه وسلم أسرى اللهُ به ليلًا من مكة إلى المسجد الأقصى.

من معجزاته صلى الله عليه وسلم الإسراءُ من مكة المكرّمة إلى بيت المقدس، وتلا ذلك المعراجُ من بيت المقدس إلى السموات السّبع ثم إلى ما فوقها، والرجوعُ إلى مكّة في أقلَّ من ليلةٍ. والإسراء ثابت بنصّ القرآن والحديث الصحيح، وقد أجمع أهل الحقّ من السّلف والخلف على حصوله، وأنّه كان بالروح والجسد وفي اليقظة وهذا هو الحقّ، وهو قول ابنِ عبّاسٍ وجابرٍ وأنس وعمر وحذيفة وغيرهم. وقد قال العلماء: من أنكر الإسراء فقد كذّب القرآن، ومن كذّب القرآن فقد كفر.

وأمّا المعراجُ فقد ثبت بنصّ الأحاديث. وأمّا القرآن فلم ينُصَّ عليه نصًّا صريحًا لا يحتمل تأويلًا، لكنّه ورد فيه ما يكاد يكون نصًّا صريحًا.

المعراج لم يَرِدْ في القرآن بنصٍّ صريح لا يحتمل التأويل، إنّما ورد في القرآن ما يدلّ على المعراج لكنّه ليس نصًّا صريحًا كقوله تعالى {ولقد رآه نَزْلةً أُخرى (13) عند سدرةِ المُنتَهَى (14) عندها جنّةُ المأوى (15)}، فمن فَهِمَ أنّ سدرة المنتهى في السماء وأنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم كان عندها يقظةً ومع ذلك أنكر المعراج، أي أنكر حصول هذا الأمر فقد كفر، وأمّا إذا كان لا يعرف ولم يفهم ذلك من القرآن ولا اعتقد أنّ المسلمين هذا اعتقادُهم فلا يكفر.

فالإسراء قد جاء في قولُه تعالى {سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لِنُرِيَهُ من آياتِنا (1)} سورة الإسراء.

ورد في الإسراء قوله تعالى في سورة الإسراء {سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا} أي تنزّه الله الذي أسرى بمحمّد صلى الله عليه وسلم، وقوله {ليلًا} مع أنّ الإسراء لا يكون إلا ليلًا أريد منه تأكيد تقليل مدّة الإسراء، وأنها كانت أقلَّ من ليلة واحدة. وخصّ الله تعالى سيّدنا محمّدًا بقوله {بعبدِهِ} مع أنّ عبيد الله كثير إظهارًا لشرفه، قيل لما وصَلَ سيّدنا محمّد إلى الدرجات العالية في المعراج أوحى الله إليه: يا محمّد بماذا أشرّفك، فقال: بأن تنسبني إلى نفسك بالعبوديّة، فنسبة النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى ربّه بوصف العبوديّة غايةُ الشّرف للرسول عليه الصّلاة والسّلام.

وقوله تعالى: {من المسجد الحرام} أي في مكة {إلى المسجد الأقصى} في بيت المقدس. وسُمِّيَ المسجد الحرام بذلك لحرمته أي لشرفه على غيره من المساجد، فقد خُصَّ بمضاعفة الأجر فيه أكثر مما في غيره من المساجد إلى أضعاف كثيرة. وسُمِّي المسجد الأقصى بذلك لبعد المسافة بينه وبين المسجد الحرام.

{الذي باركنا حولَهُ} أي جعلنا بركة فيما حوله من بلاد الشّام لأنّ بلاد الشام مهبط الرّحمات، وأكثر الوحي نزل بالشام وأكثر الأنبياء كانوا بها.

{لِنُريَه من آياتنا} أي لأجل أن نُطلِعَه على عجائب المخلوقات التي تدلُّ على عظيم قدرة الله. ومن عجائب ما رأى الرّسول صلى الله عليه وسلم الدنيا بصورة عجوز وإبليس متنحّيًا عن الطريق والمجاهدين في سبيل الله يزرعون ويحصدون في بيومين، وخطباء الفتنة الذين يدعون للضّلال والفساد تُقْرَضُ ألسنتهم وشفاهُهُم بمقاريض أي مِقصّاتٍ من نار، وغير ذلك من العجائب، وشمَّ رائحة طيّبةً من قبر ماشطة بنتِ فرعون وكانت مؤمنة صالحةً ألقاها فرعون في ماء متناهٍ في الحرارة بعد أن ألقى أولادها فماتت شهيدةً.

أمّا المعراج فقد ورد فيه قوله تعالى: {ولقد رآه نزلة أخرى (13) عند سدرة المنتهى (14) عندها جنّة المأوى (15)}.

قوله تعالى: {ولقد رآه نزلة أخرى} معناه رأى محمّد صلى الله عليه وسلم سيدنا جبريل عليه السلام على صورته الأصلية مرّة ثانية {عند سدرة المنتهى} وهذا فيه إشارة إلى المعراج لأنّ سدرة المنتهى شجرة عظيمة أصلُها في السماء السادسة وتمتدّ إلى السّابعة وإلى ما فوق ذلك(208) ولكنّ القرآن لم يَنُصَّ على المعراج نصًّا صريحًا لا يحتمل التّأويل، ولذلك من أنكر الإسراء كفر ومن أنكر المعراج غير معاندٍ لا يكفر لأنّ دليل المعراج ليس كدليل الإسراء، دليل الإسراء أقوى.

فإن قيل: قوله {ولقد رآه نزلةً أُخرى} يحتمل أن يكون رؤيةً مناميّةً، قلنا: هذا تأويل ولا يسوغ تأويلُ النّص أي إخراجُه عن ظاهره لغير دليل عقليٍّ قاطع أو سمعيٍّ ثابت كما قاله الرازيّ في "المَحْصُول" وغيرُه من الأصوليّين، وليس هنا دليل على ذلك.

إن قيل: قوله تعالى {ولقد رآه نزلةً أخرى} يحتمل أن يكون رؤيةً مناميّةً قلنا: هذا تأويلٌ للفظ {رآه} أي إخراج له عن ظاهره الذي يفيد الرؤية بالعين إلى معنى وهو رؤيا المنام من غير دليل عقليّ ولا نقليّ، وهذا ممنوع لأنّه لا يسوغ تأويلُ النصّ القرآنيّ أو الحديثيّ لغير دليلٍ عقليّ قاطع أو نقليّ ثابت كما ذكر الإمام فخر الدين الرازيّ في "المحصول" إذا التأويل بلا دليل عَبَثٌ تُصان عنه نصوص الشّريعة، ولا دليل هنا على التّأويل.

وقد روى مسلم عن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أتيتُ بالبُراقِ وهو دابّة أبيضُ طويلٌ فوق الحمار ودون البغل، يضَعُ حافِرَهُ عند منتهى طَرْفِهِ، قال: فرَكِبْتُه حتى أتيتُ بيت المقدس فربطتُه بالحلْقةِ التي يربِطُ بها الأنبياء"، قال: "ثم دخلتُ المسجد فصلّيتُ فيه ركعتين، ثم خرجتُ فجاءني جبريلُ عليه السّلام بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترتُ اللبن" فقال جبريل عليه السلام: "اخترتَ الفِطرةَ" قال: "ثم عَرَجَ بنا إلى السّماء" إلى آخر الحديث.

هذا الحديث رواه مسلم في صحيحه، وقوله (أُتيتُ) معناه أتاني جبريلُ، والبُراق دابّة من دوابّ الجنّة يضع رجلَهُ في الموضع الذي ينتهي إليه نظره، فتسَعُ كلُّ خَطْوةٍ من خطواتِهِ مدّ بصره، فأمر البراق من العجائب المخالفة للعادة، وقوله "دخلتُ المسجد" أي الأقصى وصلّى فيه ركعتين إمامًا بالأنبياء جميعًا. والخمر الذي جاء به سيدنا جبريل من خمر الجنّة لا يُسكِرُ ولا يصدَعُ الرأس. وقول جبريل "اخترت الفطرة" معناه اخترت ما يوافق العهد الذي أُخِذَ على الأرواح يوم ألستُ، أي ما يوافقُ الدين أي اخترت التّمسُّكَ بالدين، وقيل له: "لو أخذت الخمر غَوَتْ أمّتُك" رواه البخاري وغيره.

وفي الحديث دليل على أنّ الإسراء والمعراج كانا في ليلةٍ واحدةٍ بروحِهِ وجسدِهِ يقظةً إذ لم يقل أحدٌ إنّه وصَلَ إلى بيت المقدس ثمّ نام.

يدلُّ توافقُ ظواهر الروايات على أنّ الإسراء والمعراج كانا في ليلة واحدةٍ وعلى أنّ المعراج لم يكن رؤيا منامٍ وكذلك الإسراء.

أمّا رؤيةُ النبيّ لربّه ليلة المعراج فقد روى الطّبرانيّ في "المعجم الأوسط" بإسناد قويّ كما قال الحافظ ابن حجر عن ابن عباس رضي الله عنهما: "رأي محمّد ربّه مرتين"، وروى ابن خُزَيْمة بإسناد قويّ: "رأى محمّد ربّه" والمراد أنّه رآه بقلبه بدليل حديث مسلم من طريق أبي العالية عن ابن عبّاس في قوله تعالى: {ما كذَبَ الفؤادُ ما رأى (11) أفتُمارُونَه على ما يَرَى (12) ولقد رآه نزلةً أخرى (13) سورة النّجم، قال: "رأى ربَّهُ بفؤادِهِ مرتين". تنبيه: قال الغزاليّ في "إحياء علوم الدّين": "الصحيح أنّ النبيّ لم يَرَ ربَّهُ ليلة المعراج"، ومراده أنّه لم يره بعينه إذ لم يثبت أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: رأيتُه بعيني ولا أنّ أحدًا من الصحابة أو التابعين أو أتباعهم قال رآه بعينَيْ رأسِهِ.

الله تعالى أزال عن قلب النبيّ صلى الله عليه وسلم الحجاب فرأى الله تعالى بقلبه، أي جعل الله له قوّةَ الرؤيةِ والنّظر بقلبه، فرأى الرسولُ صلى الله عليه وسلم ربّه بقلبه ولم يره بعينيه لأنّ الله لا يُرَى في الدنيا بالعين، ولو كان يراه أحد بالعين لكان رآه سيّدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إنّكم لن تَرَوْا ربّكم حتّى تموتوا" رواه مسلم في صحيحه، كما يُفهَم ذلك أيضًا من قوله تعالى لسيّدنا موسى {لن تراني}، وقد رُوِيَ أنّه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم:

هل رأيت ربّك ليلة المعراج فقال: "سبحان الله سبحان الله رأيتُه بفؤادي وما رأيتُه بعيني" وهذا ضعيف لم يثبت. وروى الحافظ ابن حجر في الفتح أنّ الإمام مالكًا رضي الله عنه قال: "لا يُرَى الباقي بالعين الفانية وإنّما يُرَى بالعين الباقية في الآخرة" أي بعيون أهل الجنّة التي لا يلحقها الفناءُ لأنّهم لا يموتون أبدَ الآبدين.

وأمّا قول بعض أهل السنة إنّه صلى الله عليه وسلّم رأى ربّه ليلة المعراج بعينَيْ رأسه فهذا قول ضعيف، ومن قاله لا يُبَدَّعُ ولا يُفسَّقُ لأنّه قال به جمع من السّلف الصّالحين كما ذكر النوويّ في شرح صحيح مسلم، فمن قال بذلك يقال له: هذا القول مرجوح والقول الراجح أنه رآه بفؤاده، أي بقلبه لا بعينَيْهِ كما ثبت ذلك عن أبي ذرّ الغفاريّ رضي الله عنه قال: "رآه بقلبه ولم يره بعينه" ذكره العسقلاني في الفتح، قال الإمام الهرريّ: "ونحن على هذا القول".


(205) الحَرَّة أرض ذات حجالرة سُود كأنها أحرقت بالنار، وللمدينة حرّتان تكتشفانها شرقية وغربية، ولها أيضًا حرة جهة الجنوب وأخرى جهة الشمال تتصلان بالشرقية والغربية.

(206) في بعض نسخ الصراط (ذفريه) غير صحيح وفي النهاية في غريب الحديث: ذِفرى (بالألف المقصورة) البعير أصل أذنه والمكتوب في الهامش تحريف.

(207) والتمس الوضوءَ فلم يجدوه (قاضي).

(208) وهذه الآيات فيها شِبه تصريحٍ بصعود النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى السموات.