الأمور على أربعة أقسام:

1 – الأول: شيء شاءه الله وأمرَ به، وهو إيمان المؤمنين وطاعةُ الطائعين.

الأمور على أربعة أقسام، القسم الأول شيء شاء اللهُ حصوله وأمر بفِعلِهِ وهو إيمان المؤمنين وطاعة الطائعين.

2 – والثاني شيء شاءه الله ولم يأمر به، وهو عصيان العصاة وكفر الكافرين، إلا أنّ الله لا يحب الكفر مع أنّه خلقَهُ بمشيئته ولا يرضاه لعباده، قال تعالى: {ولا يرضى لعباده الكفر 7} سورة الزّمر.

القسم الثاني شيء شاء الله حصوله ولم يأمر به وهو عصيان العصاة وكفر الكافرين، وغير ذلك من الأمور التي تحصل في هذا العالم ممّا لم يأمر اللهُ العبادَ بفِعلها لا وجوبًا ولا استحبابًا، لكنّ الله تعالى لا يحبّ الكفر مع أنّه خلقه بمشيئته ولا يرضاه لعباده كما قال الله تعالى في سورة الزّمر {ولا يرضى لعباده الكفر}، ومثل الكفر سائر المعاصي، والمكروهاتُ لم يأمر الله بها ولا يحبُّها.

وليعلم أنّه من جملة الأدلّة الدالّة على أنّ الله شاء حصول المعاصي قوله تعالى: {ألم تَرَ أنّا أرسلْنا الشّياطين على الكافرين تَؤُزُّهُم أزًّا 83} سورة مريم، أي تغريهم وتدفَعُهم إلى المعاصي وتشهّيهم فِعلَها، فهذا دليل لأهل السّنة ونقضٌ لعقيدة المعتزلة القائلين بأن الله ما أراد وقوع المعاصي من خَلْقِهِ، إنّما هم خلقوها بمشيئتهم وإرادتهم، وقد قال بعض العلماء: "لو شاء الله أن لا يُعصى ما خلق إبليس" قال تعالى {ومن لم يجعل الله له نُورًا فما له من نُور 40} سورة النُّور.

3 – والثالث أمرٌ لم يشأه الله وأمرَ به وهو الإيمان بالنسبة للكافرين الذين علم الله أنّهم يموتون على الكفر، أُمِرُوا بالإيمان ولم يشأه الله.

القسم الثالث أمر لم يشأ الله حصوله وأمر به، وهو الإيمان بالنسبة للكافرين الذين عَلِمَ الله أنّهم يموتون على الكفر، أُمِروا بالإيمان ولكن لم يشأه الله لهم فلم يؤمنوا، ومثل ذلك أمور كثيرة أمر الله بها عبادًا من عباده مع علمه بأنهم لا يفعلونها وكونِهِ لم يشأ لهم فعلها كالتوبة بالنسبة للعصاة الذين يموتون وهم مقيمون على معاصِيهم.

4 – والرابع أمر لم يشأه ولم يأمر به، وهو الكفر بالنسبة للأنبياء والملائكة.

القسم الرابع أمر لم يشأه الله ولم يأمر به، وهو الكفر بالنسبة للأنبياء والملائكة. فقد نهاهم الله عنه وعلم أنّهم لا يأتونه، وشاء ألا يقعوا فيه، فلم يحصل منهم، ومثل ذلك أمور كثيرة من محرّمات ومكروهات ومباحات لم يأمر الله بها وعلم أنّها لا تحصل من كثير من العباد، فلم يشأ حصولها منهم فاجتنبوها ولم يفعلوها.

• فليس الأمر والمشيئة متلازمين كما زعمت المعتزلة أنّ كلَّ ما أمر الله به فقد شاء حصوله، لأنّ الله تعالى أمر سيدنا إبراهيم بذبح ولده إسماعيل عليهما السّلام ولم يشأ حصول الذبح، بل شاء فِداء إسماعيل بكبش من الجنّة. وقول المعتزلة "كلّ ما أمر الله به فقد شاء حصوله" يريدون به أنّ الله أمر الكافرين بالإيمان وشاء حصول الإيمان منهم ولم يشأ حصول الكفر منهم، وقد تقدّم الردّ عليهم.

ومن كان مؤمنًا بالقرآن الكريم فليقِفْ عند قوله تعالى: {لا يُسألُ عمَّا يفعَلُ وهم يُسألُون} فلا يقال: كيف يُعذّب العصاة على معاصيهم التي شاء وقوعَها منهم في الآخرة.

ليس عقاب الله تعالى للعصاة الذين فعلوا المعاصيَ بمشيئته تعالى وتخليقه ظلمًا منه عزّ وجلّ لأنّه إنّما عاقبَهم على فِعلِهم لها بإرادتهم التي – وإن كانت مخلوقة لله – فقد قامت بهم فكانوا في أفعالهم مختارين، ولأنّ الرّبّ يفعل في مِلكه ما يريد من غير أن يجب عليه دفع ضرر عن العبد ولا فِعلُ ما هو الأصلح له كما قالت المعتزلة. ومن كان مؤمنًا بالقرآن الكريم فليقف عند قوله تعالى في سورة الأنبياء {لا يُسأل عمّا يفعَلُ وهم يُسألون} فلا يقال على وجه الاعتراض عليه سبحانه:

كيف يعذّب العصاة على معاصيهم التي شاء وقوعَها منهم في الآخرة، فإنّ الاعتراض على الله كفر، بل هو أوّل كفر كفره إبليس، فإنّه اعترض على الله تعالى حين أمره بالسّجود لآدم وقال خلقتني من نارٍ وخلقتَهُ من طين، أي فأنا أفضل منه بزعمه فكيف تأمرني أن أسجد له. وأمّا إذا أراد شخص الاستفهام عن الحكمة ولم يقصد الاعتراض فقال: لماذا شاء الله كفر الكافرين وقد كتب عليهم دخول جهنّم خالدين فيها فلا ضرر عليه في العقيدة ولا إثم.

توحيد الله في الفعل

التوحيد الذي أمرنا الله به هو اعتقاد وحدانية الله في ذاته وفي صفاته وفي فعله، فمعنى كون الله واحدًا في ذاته أنّ ذاته ليس مركّبًا ولا يقبل الانقسام لأنّه منزّه عن الحجم والحدّ، ومعنى كون الله واحدًا في صفاته أنّ صفاتِهِ تعالى لا تشبه صفاتِ غيرِهِ، ومعنى كونه تعالى واحدًا في فعله أنّ الله تعالى هو الخالق الذي يبرزُ الأشياء من العدم إلى الوجود من غير أن يشاركه في ذلك أحد، فلا فاعل على هذا الوجه إلّا الله، وهذا معنى ما قاله الإمام أبو الحسن الأشعريّ: "إنّ التوحيد هو التّفرد النّافي للاشتراك والازدواج في الذات والفعل والصّفة، لأنّه في ذاته غير منقسم وفي نعته لا مثلَ له وفي تدبيره لا شريك له، فهو واحد من هذه الأوجه" اهـ.

والله هو خالق الأسباب والمسبّبات، وقد انتشر في دعاء المسلمين قولهم: "يا مسبّبَ الأسباب" وهو يرجع إلى توحيد الله في الفعل، فالله هو الذي يخلق الأسباب ومُسَبَّباتها، ولا خالق لها سواه عزّ وجلّ.

رُويَ عن الجنيد إمامِ الصّوفيّة العارفين عندما سُئِل عن التّوحيد أنّه قال: "اليقين"، ثم استُفسِرَ عن معناه فقال: "إنّه لا مكوِّنَ لشيءٍ من الأشياء من الأعيان والأعمالِ خالقٌ لها إلا الله تعالى" قال تعالى: {والله خلقكم وما تعملون 96} سورة الصّافات.

ذكر الجنيد البغداديّ إمامُ الصّوفيّة العارفين أنّ التوحيد هو الاعتقاد الجازم أنّه لا مكوِّن لشيء من الأشياء من الأعيان والأعمال خالقٌ لها إلّا الله، بدليل قوله تعالى في سورة الصّافات {واللهُ خلقكم وما تعملون} أي خلق ذواتِكم وأعمالكم، فكلُّ شيء من المخلوقات سواء كان ذاتًا أم صفةً لم يخلقه أحد إلا الله تعالى كما قال ربُّنا عزّ وجلّ {هل من خالقٍ غيرُ الله}. فشهودُ المؤمنِ بقلبه أنّ الله هو خالق كلِّ شيء هو اليقين، فليجعَلِ المؤمنُ هذا عَقْدَ قلبه وليُكثِرْ من شهود هذا المعنى حتى يكون موحّدًا لله تعالى توحيدًا شهوديًا في جميع أفعاله وفي جميع حالاته فتهون عليه المصائب والخوفُ من العباد، فمن جعَلَ قلبه يستشعر بهذا المعنى دائمًا هانت عليه المصائب، وسَهُل عليه ما يتوقّعُه أن يحدُث من الناس، فلا ينسى أنّ الله تعالى هو المتصرّف في كلّ شيء.

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: "إنّ الله صانع كلِّ صانعٍ وصنعته" رواه الحاكم والبيهقيّ من حديث حُذيفة، إذ العباد لا يخلقون شيئًا من أعمالهم وإنّما يكتسبونها، فقد قال الله تبارك وتعالى {اللهُ خالقُ كلِّ شيءٍ} سورة الرّعد، تمدّح تعالى بذلك لأنّه شيء يختصُّ به، وذلك يقتضي العموم والشّمول للأعيان والأعمال والحركات والسّكنات.

معنى هذا الحديث أنّ الله خالقُ كلِّ عاملٍ وعملِهِ، وأمّا العباد فإنّهم لا يخلقون شيئًا من أعمالهم، بل يكتسبونها اكتسابًا وليس الخلق لغير الله تبارك وتعالى. وقد قال تعالى في سورة الرعد {الله خالق كلِّ شيء} فتمدّح تعالى بذلك، فدلَّ على أنّه عزّ وجلّ هو المبرِزُ من العدم إلى الوجود وحده، ولولا ذلك لمَا تمدَّح بذلك، فلا يوجد شيء بغير تخليقه، فالخلق بهذا المعنى شيء يختصّ به ربُّنا عزّ وجلّ.

ولفظة {شيء} من قوله تعالى {الله خالقُ كلِّ شيء} تعني عموم المخلوقات من أعيان وأعمالٍ وسكنات، سواء كانت الأعمال ظاهريّة كحركة اليد أو باطنيّة كالتفكير. فالأفعال أشياء كالأعيان، فوجب أن يكون الله خالقًا لها، فإنّها لو كانت غير مخلوقة لله لكان الله عزّ وجلّ خالقًا لقسم من الأشياء دون جميعها، ولكان قوله {اللهُ خالقُ كلِّ شيءٍ} كذبًا تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا. وفي هذا البيان إبطال لقول المعتزلة القائلين بأنّ العبد يخلق أفعاله بقدرةٍ خلقها الله فيه، فالإنسان جسمه واحد، وأمّا أعماله حركاتُه وسكناتُه تُعَدُّ بالملايين، فلو كان الله خلق الجسم فقط والعبد يخلُق حركاتِهِ وسكناتِهِ لكان مخلوقُ العبد أكثر من مخلوق الله، هذا مآل اعتقاد القدرية، فبئس اعتقادًا.

وقال تعالى: {قل إنّ صلاتي ونُسُكي ومحيايَ ومماتي لله ربّ العالمين 162، لا شريكَ له وبذلك أُمِرْتُ وأنا أوّلُ المسلمين 163} سورة الأنعام. ساق الله الصّلاة والنُّسُكَ والمحيا والممات في مساقٍ واحدٍ وجعلَها مِلكًا له، فكما أنّ الله خالق الحياةِ والموتِ، كذلك الله خالق للأعمال الاختياريّة كالصّلاة والنُّسُك والحركات الاضطراريّة من باب الأولى.

هذه الآية تدلّ على أنّ الله خلقَ أعمال العباد الاختيارية من صلاة ونُسُكٍ وخلقَ أعمالهم الاضطراريّة من محيا وممات. فالقرآن دلّنا على هذا المعنى دلالة واضحة وبيّن لنا أنّ هذا الذي يجب علينا الإيمان به.

فقوله تعالى: {قل} أي يا محمّد أعلِمْ قومك {إنّ صلاتي ونُسُكي} وهو ما يُذبح تقرّبًا إلى الله من الذبيحة كالأضحية {ومحيايَ ومماتي} أي حياتي وموتي {لله ربّ العالمين} مِلك لله وخلق له عزّ وجلّ {لا شريك له} أي أعلِمْهم بأنك لا تشرِك في ذلك كلِّه {وبذلك أمِرْتُ وأنا أولُ المسلمين} أي أنا أول مسلمي هذه الأمة، أي أوّل من جاء بدين التوحيد من بين هؤلاء البشر الذين يعيشون على وجه الأرض في هذا الزمن، لأنه لم يكن في ذلك الوقت من البشر على وجه الأرض مسلم غيرُه، وليس معنى الآية أنّه لم يكن قبله مسلم على الإطلاق.

وإنّما تمتاز الأعمال الاختياريّة أي التي لنا فيها مَيْل بكونها مكتسَبَةً لنا فهي محلُّ التكليف. والكسبُ الذي هو فِعل العبد، وعليه يُثاب أو يؤاخَذُ في الآخرة هو توجيه العبد قصدَهُ وإرادتَه نحو العمل، أي يصرفُ إليه قدرتَهُ فيخلُقُه الله عند ذلك.

تمتاز الأعمال الاختيارية عن الاضطراريّة بأنّ الاختياريّة مكتسبة لنا فهي محلّ التكليف، أي ما يحاسب العبد على فعله، وأمّا غير الاختياريّة فليست مكتسبة لنا. والكسب توجيه العبد قصده وإرادته نحوَ العملِ فيخلُقُه الله عند ذلك، ولأجل ذلك أضيفت الأفعال الاختياريّة إلى العبد، فنحن نقول: العبد يفعل بمعنى يكتسب الفعل لا بمعنى أنّه يخلقه. ولمّا كان العبد كاسبًتا لفعله الاختياريّ باختيار منه أثيبَ على ما كان منها خيرًا واستحقّ العذاب على ما كان منها ذنبًا، فنحن إنّما نُسْألُ عن أعمالنا الاختياريّة. أمّا المصائب التي تصيب المؤمن كالأمراض ونحوِها، فإنّ نفس المرض ليس من الأفعال الاختياريّة، وإنّما الصّبر عليه من الأعمال الاختياريّة.

فالعبد كاسبٌ لعملِهِ واللهُ تعالى خالق لعملِ هذا العبد الذي هو كَسْبٌ له، وهو مِن أغمض المسائل في هذا العِلم، قال الله تعالى: {لها ما كسبَتْ وعليها ما اكتسَبَتْ} 286، سورة البقرة.

العبد يعمَلُ عمله على وجه الكسب لا الخلق، قال الله تعالى في سورة البقرة {لها ما كسبَتْ} أي النفس تنتفع بما عَمِلَت من الخير بمشيئتها وقدرتها الحادثتين بإحداث الله لهما {وعليها ما اكتسبت} أي عليها وبالُ ما عملت من المعاصي بمشيئتها وقدرتِها الحادثتين فتستحقّ العذاب بذلك. ففي هذه الآية إثبات الكسب للعبد، وهو أمرٌ دون الخلق، ويحصُل عندما يوجّه ويعلّق العبد قصدَهُ وإرادته بشيءٍ فيخلق الله ذلك الشيء. والكسب على مفهوم أهلِ السّنة والجماعةِ شيء غامِض من أغمض المسائل في عِلم الكلام.

فليس الإنسان مجبورًا لأنّ الجبر ينافي التّكليف، وهذا هو مذهب الحقّ وهو خارج عن الجَبْر والقدَر أي مذهب الجبريّة والقدريّة.

الإنسان ليس مجبورًا، لأنّه لو كان مجبورًا لم يكن مكلّفًا، لأنّ من كان خاليًا عن الإرادة كيف يكلَّفُ بأداء الواجبات واجتناب المحرمات!؟! والشّرع قد صرّح بأنّ الإنسان مكلّف. وكون الإنسان مختارًا تحت مشيئة الله هو المذهب الحقّ، وهو خارج عن مذهب الجبريّة، فليس فيه نفيُ التكليف عن العبد، وخارجٌ عن مذهب القدريّة فليس فيه نسبة الخلق إلى العبد. والجبرية والقدريّة طائفتان متباينتان تباينًا شديدًا، فالجبريّة تقول: العبد مجبورٌ كالريشة المعلّقة في الهواء لا اختيار له، والقدريّة تقول: العبد يخلق أعمالَ نفسِهِ استقلالًا بقدرةٍ خلقَها الله فيه، وأهل السّنة لا من هؤلاء ولا من هؤلاء، بل هم وسَطٌ بين الاثنين.

ويكفر من يقول: "إن العبد يخلق أعماله كالمعتزلة"، كما قال ابن عبّاس رضي الله عنه: "كلام القدرية كفر"، والقدريّة هم المعتزلة.

يكفر من يقول: "العبد يخلق أعماله" كالمعتزلة، لأنّه كذّب قوله تعالى في سورة الرّعد {قل الله خالق كلِّ شيء}، ونقل الحافظ ابن حجر في تهذيب التهذيب عن ابن عبّاس رضي الله عنهما أنّه قال: "كلام القدريّة كفر"، والقدريّة هم المعتزلة القائلون بأنّ مشيئة العبد تنفذ ولا تنفذ مشيئة الله تعالى، وأنّ العبد هو الذي يخلق فعله وليس الله هو الخالق. وهؤلاء القدريّة يتسترون بقولهم: "بقدرة خلقها الله في العبد"، ولا ينفعُهم قولُهم هذا، وهم قائلون باسقلال العبد في أفعاله، حتى قال متأخروهم:

"إنّ الله كان قادرًا على خلق حركاتِنا وسكناتِنا قبل أن يعطينا القدرة عليها، فلمّا أعطانا القدرة عليها صار عاجزًا عنها"، ذكر هذا إمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك الجويني في "الإرشاد" وأبو سعيد المتولي في الغنية وأبو الحسن شيث بن إبراهيم في كتابه الذي ألّفه في الردّ على المعتزلة وسمّاه "حَزِّ الغلاصم في إفحام المخاصِم"، وقد قال أبو الحسن: المعتزلة جعلَت الله كما يقول المَثَلُ: "أدخلتُه داري فأخرجني منها"، فهل بعد هذا ترددٌ في تكفيرهم!

قال أبو يوسف: "المعتزلة زنادقة".

أبو يوسف هو يعقوب بن إبراهيم الأنصاريُّ أكبر أصحاب الإمام أبو حنيفة عِلْمًا، رضي الله تعالى عنهما، وكان قاضيًا في أيّام هارون الرشيد، قال: "المعتزلة زنادقة"(56) والزّنديق من لا دين له، أي الملحد الذي لا يتمسّك بدين، فالمعتزلة مثل أولئك الزنادقة.

ووصفَهُم أبو منصور التّميميّ في كتابه "الفَرْق بين الفِرق" بأنّهم مشركون. وأبو منصور هو الذي قال فيه ابن حجر الهيتميّ هذه العبارة: "وقال الإمام الكبير إمامّ أصحابِنا أبو منصور البغداديُّ"، وهو ممّن كتب عنه البيهقيُّ في الحديث.

وصف الإمامُ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميميّ البغداديُّ القدريّة في كتابه المشهور "الفرق بين الفرق" بأنّهم مشركون، وأبو منصور قال فيه ابن حجر الهيتميّ: "الإمام الكبير إمامُ أصحابنا" يعني الشافعية والأشعريّة، فهو إمام كبير شافعي المذهب أشعريّ العقيدة، وهو ممّن نقل عنه الحافظ البيهقيّ في علم الحديث.

ولا تغتّر بعدم تكفير بعض المتأخّرين لهم، فقد نَقَل الأستاذ الإمامُ أبو منصورٍ التميميُّ البغداديُّ في كتابه "أصول الدّين" وكذلك في كتابه "تفسير الأسماء والصّفات" تكفيرهم عن الأئمّة. قال في كتابه "تفسير الأسماء والصّفات": "أصحابُنا أجمعوا على تكفير المعتزلة" أي الذين يقولون: العبد يخلُق أفعاله الاختياريّة، وكذلك الذين يقولون: فرضٌ على الله أن يفعل ما هو الأصلح للعباد، وقوله "أصحابُنا" يعني به الأشعريّة والشافعيّة، لأنه أشعريّ شافعيّ، بل هو رأس كبير في الشافعيّة كما قال ابن حجر وهو إمام مقدّم في النقل معروف بذلك بين الفقهاء والأصوليين والمؤرّخين الذين ألّفُوا في الفِرق، فمن أراد مزيد التأكد فليطالع كتبه هذه، فلا يُدافَعُ نقلّه بكلام الباجوريّ وأمثاله ممّن هو من قبلِ عصرِهِ أو بعدَهُ.

لا يُغتَرُّ بعدم تكفير بعض المتأخرين للقدريّة، فإنّه معاكس لكلام أئمّة المذاهب الأربعة، فقد ثبت عن الإمام الشافعيّ رضي الله عنه تكفيره لحفص المنفرد، حيث قال له: "لقد كفرت بالله العظيم" رواه البيهقيّ، كما ثبت عن الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه تكفيرهم كما في "العالم والمتعلّم" وغيرها من رسائله. وكذلك نقل الإمام أبو منصور التميميّ البغداديّ في "أصول الدين" و"تفسير الأسماء والصّفات" إجماع الأئمة على تكفير المعتزلة القائلين بأنّ العبد يخلق أفعاله الاختياريّة، والقائلين بأنّه فرض على الله أن يفعل ما هو الأصلح للعباد، قال علماء أهل السّنة:

لو كان الأمر كذلك لخلق اللهُ العبادَ كلَّهم في الجنّة إذ هو الأصلح لهم، وأبو منصور التميميّ رأس كبير في الشافعية كما ذكر ابن حجر الهيتميّ، إمامٌ معتبَرٌ في النّقل بين الفقهاء والأصوليين والمؤرّخين الذين ألفوا في الفرق، فقد ألّف كتابه "الفرق بين الفرق" وبيّن فيه الفرق الموجودة في الدنيا وبيّن أديانهم وعقائدهم.

فكلامُ الباجوريّ وأمثالِهِ من المتأخرين ممّن هو قبله أو بعده لا يقاوِمُ نقلَ أبي منصور التميميّ، بل الباجوريّ لا شيء بالنسبة لأبي منصور، ولا يسوغ لمنتسِبٍ لمذهبٍ حقٍّ أن يخالِفَ كلام صاحب المذهب وأصحابه الأوائل سواء كان مذهب الشافعيّ رضي الله عنه أو غيرَهُ. وكذلك لا يؤخذ بقول صاحب كتاب "الإقناع بشرح أبي شجاع". والصّواب الذي لا محيد عنه ما قاله الإمام الحافظ البلقيني شيخُ الحافظ ابنِ حجر العسقلانيّ: "إنّ من ثبتت عنه قضيّة معيّنة تقتضي تكفيره لا تصح الصّلاة خَلفَهُ" قال البلقيني:

وهذا معنى قول الشافعي: "أقبل شهادة أهل الأهواء إلا الخطّابيّة"، فعنى الشافعيُّ بقوله "أهلِ الأهواء" من خالفوا أهل السّنة في الاعتقاد، فهؤلاء تقبل شهادة أحدِهم ما لم تثبت عليه قضيّة معينة تقتضي كفره. وليس معنى كلام الشافعيّ تصحيح القدوة بالمعتزلة وغيرهم من مخالفين لأهل السّنة في العقيدة بدون مراعاة هذا الشرط.

وأما كلام بعض المتقدّمين من تَرْك تكفيرهم فمحمول على مثلِ بِشْر المَريسيّ والمأمون العبّاسيّ، فإنّ بِشْرًا كان موافِقَهم في القول بخلق القرآن وكفَّرَهم في القول بخلق الأفعال، فلا يُحكمُ على جميع من انتسَب إلى الاعتزال بحكم واحد، ويُحكم على كلِّ فردٍ منهم بكون ضالًّا.

كلام بعض المتقدّمين من ترك تكفير المعتزلة محمول على مثل بِشْرِ بنِ غياثٍ المريسيّ، فإنّه وافقهم في إطلاق لفظ "القرآن مخلوق" مع عدم إرادة الكلام الذاتيّ الذي هو صفة الله تعالى، ومع عدم إرادة نفي صفة الكلام عن الله عزّ وجلّ، وكان يكفِّرُ المعتزلة لقولهم: "إنّ العبد يخلق فِعلَهُ"، فلا يُحتَجُّ بعدم تكفير بعضِ السلف له ولأمثالِهِ على عدم كفر المعتزلة على الإطلاق.

وكذلك المعتصم العبّاسيّ وافق المعتزلة في قول "القرآن مخلوق" مريدًا اللفظ المنزّل، ولم يوافقهم في سائر عقائدهم. وفي هذه المسألة أيضًا لم يوافقهم فيها على التّمام، لأن المعتزلة تنفي الكلام القائمً بذاتِ الله، وتقول: الله متكلِّم بمعنى خالق الكلام في غيره لذلك تنفي أن يكون القرآن كلامًا قديمًا قائمًا بذات الله ليس حرفًا ولا صوتًا، وكذلك أخو المعتصمِ المأمونُ بنُ الرشيدِ العبّاسيُّ وابنُه الواثق، ولذلك خاطبه الإمام أحمد "يا أمير المؤمنين". فلم يُحفَظ عن المعتصم والمأمون قولُ:

"إن العبد يخلق أعماله الاختياريّة" الذي هو أصل اعتقاد المعتزلة، وهذا القول: "القرآن مخلوق" محظور، لكن من قاله يريد بذلك اللفظ المنزّل فهو في المعنى ليس باطلًا، وإنّما التعبير بذلك ممنوع لأنّه يوهم أنّ صفة الكلام القائمة بذات الله مخلوقة، وأما كون اللفظ المنزل مخلوقًا فلا يمتري في ذلك عاقل، وعليه دلّ قوله تعالى: {إنّه لقولُ رسولٍ كريم} 40، سورة الحاقّة، والرسول الكريم هو جبريل عليه السّلام، والمعنى أنّ القرآن بمعنى اللفظ المنزّل مقروء جبريل، وهو عبارة عن الكلام القائمِ بذات الله الذي هو أزليّ أبديّ كسائر صفات الله، ليس حروفًا مركبة يسبق بعضُها بعضًا ويتأخر بعضُها عن بعض.

وهذا الاعتقاد وسط بين المشبّهة القائلين بأنّ الله متكلِّم بحروف حادثة وبين المعتزلة النافين عنه كلامًا هو صفةٌ قائمة بذات الله أزليّة أبدية.

فبِشر المريسيّ والمأمون والمعتصم العبّاسيّانِ وأمثالهم لم يوافِقُوا المعتزلة في عقائدهم التي وصلت إلى حد الكفر، ولذا لا يقال: كل من انتسَب إلى الاعتزال كافر بلا استثناء، كما لا يقال: إنّ كلّ من انتسب إليهم ليس كافرًا، بل يُحكم على كلّ فردٍ منهم بحسب حاله، فإن وصل إلى حدّ القول بأنّ الله لم يشأ حصول الشّرّ أو بأنّ العبد يخلق فعله حُكِمَ عليه بالكفر، وإن كان اقتصر على مجرّد القول "القرآن مخلوق" أو على نفي رؤية أهل الجنّة لربّهم عزّ وجلّ أو نحوِ ذلك فهو مبتدع فاسق لم يصل إلى حدّ الكفر. وقد بيّن الإمام أبو منصور التميميّ أقسام المعتزلة في كتابه "الفرق بين الفرق" ولذا لا يحكم عليهم بحكم واحد، والحكم الذي يجمعهم أنّهم ضالّون، فإنّ كلّ من خرج عن أهل السّنة في المعتقد يُسَمَّى ضالًّا.


(56) أصول الدين لأبي منصور التميميّ البغداديّ.