يستثنى من الكفر اللفظيّ حالة سَبْق اللسان، أي أن يتكلّم بشيء من ذلك من غير إرادةٍ، بل جرى على لسانه ولم يقصد أن يقوله بالمرّة.

يستثنى من الكفر اللفظيّ خمسٌ حالات لا يكفُرُ فيها قائله:

1 – الحالة الأولى حالة سَبْق اللسان، أي أن يتكلّم بلفظٍ كفريّ من دون قَصْدٍ منه للنّطق به فلا يكفر، وذلك كأنْ يقصد أن يقول: "وما أنا من المشركين" فيسبِقُ لسانُهُ إلى النّطق بما لم يُرِد النّطق به، فيقول: "وما أنا من المسلمين"، فإنّه لا مؤاخذة عليه عندئذٍ.

وقد مَثَّل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم لسبق اللسان برجلٍ فَقَدَ دابّتَهُ في الصّحراء، وعليها طعامه وشرابه فأيس منها فأتى شجرةً فاضطجع في ظلّها فبينما هو كذلك إذ هو بها قائمةً عنده فأخذ بخِطابها ثم أراد أن يقول: "اللهمّ أنت ربّي وأنا عبدك" فقال من شدّة فرحه: "اللهم أنت عبدي وأنا ربُّك". أخرجه مسلم في صحيحه.

وحالةُ غيبوبةِ العقل، أي عدم صَحْو العقل.

2 – الحالة الثانية حالة غيبوبة العقل، فإنّ من غاب عقلُه فنطق في أثناء ذلك بكلامٍ كفريٍّ لا يُكفّر لارتفاع التكليف عنه حينذاك. ويشمل هذا النائم والمجنون ونحوَهما كالوليّ إذا غاب عقلُه بالوَجْد فتكلّم في حال الغيبوبة بما يخالف شرع الله ممّا هو من ألفاظ الكفر، فإنّه لا حرج عليه عندئذٍ، ومع ذلك فإنّ هذا المجذوب والمجنون يُنهَيانِ عن ذلك القول.

وحالة الإكراه، فمن نطق بالكفر بلسانه مُكرَهًا بالقتل ونحوه، وقلبُه مطمئنّ بالإيمان فلا يكفر، قال تعالى: {من كفر بالله من بَعْدِ إيمانِهِ إلّا من أكره وقلبُه مطمئنٌ بالإيمان ولكن من شَرَح بالكفر صدرًا فعليهم غضبٌ من الله} سورة النحل/106.

3 – الحالة الثالثة حالة الإكراه من قادرٍ على تنفيذ تهديده لمن يُصَدِقُه أنّه يفعل ولا يجد طريقةً للخلاص من تنفيذ التّهديد إلّا بالنّطق بما طُلِبَ منه، فمن نطق بالكفر بلسانه مكرَهًا بالقتل ونحوِهِ ممّا يُفضي إلى الموت وقلبه مكمئنٌ بالإيمان لا يكفر. وأمّا إذا أكرِهَ فنطق بسبب ذلك الكفر لكنّ صدرَهُ انشرح به عند النطق فإنّه يكفر كما قال تعالى في سورة النحل {مَن كفر بالله مِن بَعْدِ إيمانه إلّا من أكرِهَ وقلبُه مطمئنٌ بالإيمان ولكن من شَرَحَ بالكفر صدرًا فعليهم غضبٌ من الله}.

وأما غير المكرَه فلا يشترط للحكم عليه بالكفر انشراح الصدر، ولا معرفةُ حُكم ما قاله وأنّه كفر لحديث الترمذيّ وغيرِهِ: "إنّ العبد ليتكلّم بالكلمة لا يرى بها بأسًا يهوي بها في النّار سبعين خريفًا". وبذلك يُعلَمُ فساد ما قاله سيد سابق وبعضٌ آخرون من أهل هذا العصر من أنّ الألفاظ الكفريّة لا تؤثّر إلّا أن يكون المتكلِّم بها شارحًا صدرَهُ بها وناويًا معناها ومعتقدًا له، فإنّهم بقولهم هذا جعلوا كلَّ العباد في حكم المكره على خلاف كتاب الله تعالى الذي جعل للمكره حكمًا خاصًّا لا يتجاوزه إلى غيره.

والعجَبُ أنّ بعض النّاس يورِدُون حديث "إنما الأعمالُ بالنّيّات" في غير محلّه فيَضِلُّون ويُضلّون غيرهم، فإنّهم يوردونه لدفع تكفير من يتكلّم بالكفر عمدًا على وجه المِزاح أو في حال الغضب. فهؤلاء لم يعرفوا معنى هذا الحديث، وإنّما معناه أنّ الأعمال الصالحة لا تكون معترةً إلّا بالنيّة كالصّلاة والصّيام والزكاة والطهارة عن الحدثَيْنِ والحجّ والجهاد، فكلّ هذا لا يكون مقبولًا عند الله إلّا بالنيّة. ليس معناه كما يقول سيد سابق في فقه السنة، فقد فتح للناس بابًا من الكفر واسعًا ووَرَّط به خلقًا كثيرًا.

وكذلك من فَرْطِ الجهل المؤدّي إلى الكفر احتجاج بعض هؤلاء بقول الله تعالى: {لا يُؤاخِذْكُم الله باللّغوِ في أيْمَانِكُم} سورة البقرة/225، ظَنُّوا أنّ هذه الآية معناها أنّ الإنسان لا يكفر إذا لم يقصد بكلام الكفر الكفر، ومعنى هذه الآية أنّ من حَلَ ف بلا إرادة كقول: "لا والله" و"بلى والله" بدون إرادة لا يكتب عليه ذلك، وفرقٌ بين الأيمان التي هي جمع يمين وهو القَسَم وبين التَلفّظ بكلام الكفر، فلا مناسبة بين هذه الآية وبين مسئلةِ من تلفّظ بالكفر وهو لا يقصد بالكفر.

ثم لِيُعْلَمْ أنّ المكره إذا ثبت فلم يُجِبِ الكفّار لِمَا أرادوا منه فهو أحسن، وإذا قتلوه يكون قد فاز بالشهادة، والمعتَبَرُ بالنسبة للنّطق بالكفر عند الإكراه هو القتل وما أفضى إليه، وأمّا مجرّد الضّرب والحبسُ وقطعُ الإصبع وما شابَهَ لا يُعَدُّ إكراهًا على القتل. وتهديدُ الشّخص بقتل أبيه أو أمّه أو ولده ليس إكراهًا له، ولا يُجيز له التّلفظ بالكفر. ثم إنّ الإكراه على الفعل الكفريّ كالإكراه على النطق بالكفر في حُكمِهِ وتفصيلاتِهِ.

حالةُ الحكايةِ لكفر الغير، فلا يكفر الحاكي كُفْرَ غيره على غير وجه الرِّضَى والاستحسانِ، ومستنَدُنا في استثناء مسئلة الحكاية قول الله تعالى {وقالت اليهود عُزَيْرٌ ابنُ اللهِ وقالت النّصارى المسيحُ ابنُ الله} سورة التّوبة/30، {وقالت اليهود يدُ الله مَغْلُولةْ} سورة المائدة/64.

4 – الحالة الرّابعة حالةُ الحكاية لكفر الغير، فلا يكفر الذي ينقُلُ الكلام الكفريَّ الذي قاله غيره مستعمِلًا أداة الحكاية على غير وجه الرّضى والاستحسان، ودليلُنا آياتٌ وأحاديث منها قول الله تعالى في سورة التوبة {وقالت اليهود عزيرٌ ابنُ الله وقالت النّصارى المسيح ابن الله} وقولُه تعالى في سورة المائدة {وقالت اليهود يَدُ الله مغلولة}.

ثم الحكاية المانعة لكفر حاكي الكفر إمّا أن تكون في أوّل الكلمة التي يحكيها عمّن تكلّم بكفر، أو بعد ذِكرِهِ الكلمة عقبَها وقد كان ناويًا أن يأتي بأداة الحكاية قبل أن يقول كلمة الكفر، فلو قال: "المسيح ابن الله قول النصارى" أو قالته النصارى فهي حكاية مانعة للكفر عن الحاكي.

قد تقّدم بيانُ هذا مفصَّلًا.

وحالةُ كونِ الشّخص متأوّلًا باجتهاده في فهم الشّرع، فإنّه لا يكفر المتأوِّلُ إلّا إذا كان تأوُّله في القطعيّات فأخطأ فإنّه لا يُعذر، كتأوّل الذين قالوا بقِدمَ العالم وأزليّته كابن تيمية.

5 – الحالة الخامسة حالة كون الشخص متأوِّلًا باجتهاده في فهم الشّرع، أي أن يفهَمَ شخص آية أو حديثًا على خلاف المعنى الصّحيح من غير أن يعلم أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم قد فسَّر النّصّ الذي تأوّله على خلاف ما فسّرَهُ به، أو أنّ المسلمين جميعهم من أيّام الصحابة فهِمُوا منه خلافَ ما فهِمَه هو، فإنّه لا يكفر المتأوّل في هذه الحال إلّا إذا كان تأوّلُهُ في القطعيّات(7) أي ما كان التأوّل فيه ينقضُ الإيمان بالله أو الإيمان برسوله محمّدٍ صلى الله عليه وسلم الثّابتَيْنِ بالأدلّة القطعيّة، فأخطأ فإنّه لا يُعذَرُ لأنّه عند ذلك يكون قد ناقضَ معنى الشهادتين رَغْمَ تَلَفُّظِهِ بهما، فمن تأوّل فأخطأ بحيث يرجع خطؤُهُ بالإبطال على أصل العقيدة والإيمان بالله فإنّه لا يُعذر، كتأول الذين قالوا من الفلاسفة بقدم العالم وقد وافقَهُم في ذلك أحمد بن عبد الحليم المعروفُ بابن تيمية لعنه الله.

وأمّا مثال من لا يكفر ممّن تأوّل فهو كتأوّل الذين منعوا الزكاة في عهد أبي بكر بأنّ الزكاة وجبت في عهد الرسول لأنّ صلاته كانت عليهم سَكَنًا لهم – أي رحمة وطمأنينة – وطُهرةً، وأنّ ذلك انقطع بموته، فإنّ الصحابة لم يكفّروهم لذلك لأنّ هؤلاء فهموا من قوله تعالى {خذْ مِن أموالِهِم صدقةً تطهِّرُهم وتُزَكِّيهم بها وصَلِّ عليهم إنّ صلاتك سكنٌ لهم} سورة التوبة/103، أنّ المراد من قوله {خذ} أي يا محمّدُ الزكاة لتكونَ إذا دفعوها إليكَ سكنًا لهم، وأنّ هذا لا يحصل بعد وفاته فلا يجب عليهم دَفْعُها لأنه قد مات وهو المأمور بأخذها منهم، ولم يفهموا أنّ الحكيم عامٌّ في حال حياته وبعد موته.

هؤلاء قالوا: الذي كان يصلّي علينا قد مات فلِمَ يأخذُ أبو بكر أموالنا فامتنعوا من دَفْعِها لأجل ذلك، ولم يفهموا من نصوص الشرع ولم يعْلَمُوا أنّ الحكم عامّ في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد موتِهِ.

وإنّما قاتَلَهم أبو بكر كما قاتَلَ المرتّدين الذين اتّبعُوا مُسَيلمة الكذّاب في دعواهِ النّبوّة لأنّه ما كان يُمكِنُه أن يأخذ منهم قهرًا بدون قتالٍ، لأنّهم كانوا ذَوِي قوّةٍ فاضطُرَّ إلى القتال.

قاتَلَ سيدُنا أبو بكرٍ هؤلاء الذين منعوا الزكاة لأنّهم مَنَعُوها بالقوّة وكانوا ذوي شَوْكة فقاتَلَهم رضي الله عنه كما قاتل المرتدين الذين اتّبعوا مسيلمة الكذاب في دعواه النبوة، وسمّيت هذه الحروب حروبَ الردّة لأنها كانت ضِدَّ من ارتدّ عن الإسلام ومن ارتدّ عن دفع الزكاة، وليس لأنّ من مَنَع الزكاة من هؤلاء كان مرتدّا عن الإسلام مثل الذين اتبعوا مسيلمة الكذاب. قال أبو زرعة في نكته: "وقد قاتل الصدّيق رضي الله عنه أهل الردّة وهم ضربان: ضرب ارتدّوا عن الإيمان وضرب ارتدّوا عن أداء الواجب عليهم، وأطلق الناس على الجميع أهلَ الردّة، ونصَّ الشافعيّ على ذلك وقال: هو لسان عربيّ، فالردّة الارتداد عمّا كانوا عليه بالكفر والارتداد بمنع الحقّ، ومن رجع عن شيء جاز أن يقال ارتَدَّ عن كذا".

وكذلك الذين فسَّروا قول الله تعالى {فهل أنتم منتَهُون} سورة المائدة/21 بأنّه تخيير وليس تحريمًا للخمر فشربوها لأنّ عُمَر ما كفّرهم وإنّما قال: "اجلدوهم ثمانين ثمانينَ ثمّ إنْ عادوا فاقتُلوهم" رواه ابن أبي شيبة.

كذلك لم يكفِّر الصحابةُ الذين فسّروا قول الله تعالى في سورة المائدة {فهل أنتم منتهون} بأنّه تخيير بين شرب الخمر وبين تَرْك شُربها، وليس تحريمًا للخمر فشربوها، لأنّ هؤلاء لم يفهموا الآية على وَجْهها فظنُّوا أنّها لا تعني تحريم الخمر، ولم يبلغهم اجتماعُ المسلمين على تحريمها، ولهذا فإنّ سيدنا عمر رضي الله عنه ما كفرهم، وإنما قال: "اجلِدُوهم ثمانين ثمانين ثم إن عادوا" أي إلى القول بأنّ شُربها جائز "فاقتلوهم" أي لأنهم حينئذٍ يكونون قائلين بحلِّها بعد عِلْمِهم بإطباق الأمة على تحريمها فيكونون مرتدين تجري عليهم أحكامهم.

وهذا الحديث الموقوف رواه ابن أبي شيبة. وهكذا في زماننا هذا من كان يعيش بعيدًا من المسلمين أو بعيدًا ممّن يعلَمُ هذا الحكم فلم يَبْلُغه لذلك تحريمُ شرب الخمر لم يُحكم بردّته إذا اعتقد لخطأ في التأويل أنه يجوز ذلك. وأمّا من بلغه تحريمُ المسلمي لِشُرب الخمر فأنكر حرمتها متأوِّلًا الآية فلا عذر له في ذلك.

إنّما كفّروا الآخرين الذين ارتدُّوا عن الإسلام لتصديقهم لمسيلمة الكذّاب الذي ادّعى الرسالة، فمقاتلَتُهم لهؤلاء الذين تأولوا منع الزكاة على هذا الوجه، كان لأخذ الحقّ الواجب عليهم في أموالهم، وذلك كقتال البُغاة فإنّهم لا يقاتَلون لكفرهم بل يقاتَلون لردّهم إلى طاعة الخليفة، كالذين قاتلهم سيدنا عليّ في الوقائع الثلاث: وقعةِ الجمل ووقعة صِفّين مع معاوية، ووقعةِ النَّهروان مع الخوارج، على أنّ من الخوارج صِنْفًا كفّار حقيقةً فأولئك لهم حكمهم الخاصُّ.

لم تكفّر الصّحابةُ الذين قاتَلَهم سيدُنا أبو بكر رضي الله عنه ممَّن تأوّل في منع الزّكاة، وإنما كفَّرتِ الآخرين ممّن حاربوهم في حروب الردّة ممّن ارتدوا عن الإسلام لتصديقهم لمسيلمة الكذّاب الذي ادّعى الرسالة، فهؤلاء الذين اتبعوه مكذّبين لقول الله تعالى {وخاتَمَ النّبيين} وقولِ النبيّ عليه الصلاة والسلام: "وخُتِمَ بيَ النبيّون" أخرجه مسلم في صحيحه، وأمّا البغاة الظالمون الذين تمردوا على الخليفة الراشد عليّ بن أبي طالب في الوقائع الثلاث المشهورة فليس لهم حكمُ المرتدين، والوقائع الثلاث:

وقعةُ الجمل وكانت ضدَّ من نكث بيعته من أهل البصرة، ووقعة صِفّين وكانت ضدَّ معاوية ومن تَبِعَه من أهل الشّام الذين حادُوا عن الحقّ، ووقعة النّهروان وكانت ضِدَّ الخوارج المارقين من الدِّين، وقتالُ سيِّدنا عليّ لهم كان على وَفْقِ ما أمرَهُ به رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال رضي الله عنه: "أُمِرْتُ بقتال النّاكثين والقاسطين والمارقين" رواه النَّسائي في الخصائص، "والناكثون أهل الجمل لأنهم نكثوا بيعته، والقاسطون أهل الشام لأنهم جاروا عن الحقّ في عدم مبايعته، والمارقون أهل النّهروان لثبوت الخبر الصحيح فيهم أنّهم يمرقون من الدين كما يمرق السّهم من الرّميّة".

ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير. فهؤلاء قاتَلَهم سيدنا عليّ ومن معه لرِدّهِم إلى الحقّ لا على أنّهم خارجون من الإسلام ولذا لم يُجروا عليهم أحكام قتالِ الكفّار. فلم يسلبوهم أموالهم ولا تَبِعُوا مُدبِرَهم ولا أجهزوا على جريحهم ولا قتلوا أسراهم، على أنّ من الخوارج فريقًا هم كفّارٌ حقيقةً وسيأتي إن شاء الله زيادةُ بيانٍ لحالِهِم.

قال الحافظ أبو زُرعة العراقيّ في نُكَتِهِ(8): "وقال شيخنا أيضًا – يعني البُلقينيَّ -: ينبغي أن يقال بلا تأويل ليخرُجَ البغاةُ(9) والخوارجُ الذين يستحلُّون دماء أهل العدل وأموالهم ويعتقدون تحريم دمائِهِم على أهل العدل، والذين أنكروا وجوبَ الزكاة عليهم بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتأويل، فإنّ الصحابة رضي الله عنهم لم يكفروهم" اهـ وهذا شاهد من منقول المذهب لمسئلة التأويل بالاجتهاد.

قول العلماء: "بالتأويل والاجتهاد" معناه أنّ الإنسان أراد أن يطلب الحقَّ فأخطأ في فَهْمِ نَصٍّ قرآنيٍّ أو حديثيٍّ، فإن كان خطؤه في القطعيّات فإنه يكفر ولا يعذر، وأما في غير القطعيات فإنه لا يكفر إن كان جاهلًا بالحكم الذي عليه المسلمون قاطبةً.

والاجتهاد هنا غير الاجتهاد الذي يقابل التقليد، إذ هناك مرتبتان: مرتبة الاجتهاد ومرتبة التقليد، فالمرتبة الأولى أي الاجتهاد تكون لمن يحفظ آيات الأحكام وأحاديث الأحكام ويكون قويّ العقل تقيًّا عدلًا وغير ذلك من شروط المجتهد كالإمام الشافعي وأبي حنيفة. أمّا الاجتهاد في هذا الباب فمعناه أنّ الإنسان أراد معرفة الحقّ والوصول إليه فتأوَّل نصًّا تأويلًا شاذًّا جاهلًا كهؤلاء الذين منعوا الزّكاة. فمثل هذا يقال له تأويل ويقال له اجتهاد أيضًا، وهؤلاء لا نكفّرهم لكون اجتهادهم في غير القطعيّ جاهلين.

وما نقله الحافظ أبو زرعة العراقيّ عن الإمام البُلقيني شاهد من منقول المذهب الشافعيّ لمسألة استثناء المتأوِّل أي المجتهدِ الذي أخطأ جاهلًا في غير القطعيات. وكلام البلقيني معناه أنه ينبغي أن يقال عند الكلام على ما يوقع في الكفر: "بلا تأويل" أي على غير وجه التأويل، فإنّ المتأوِّل في غير القطعيات يستثنى من الوقوع في الكفر، ولذا يخرج من الوقوع في الكفر البغاة والخوارج الذين يستحلّون بالتأويل دماء أهل العدل، أي دماء الذين هم في طاعة الخليفة، وأموالهم ويعتقدون متأولين أيضًا تحريم دمائهم على أهل العدل، وكذا يخرج الذين أنكروا وجوب الزكاة عليهم بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتأويل، فإن الصحابة لم يكفّروا هؤلاء البغاة ولا أولئك الخوارج ولا مانعي الزكاة هؤلاء.

وممّا يشهَدُ من المنقول في مسئلة الاجتهاد بالتأوّل وحكاية الكفر قولُ شمس الدّين الرمليّ في شرحه على منهاج الطالبين في أوائل كتابِ الردَّة في شرح قول النوويّ: "الردّةُ قطع الإسلام بنيّةٍ أو قولِ كفرٍ ما نصّه: فلا أثر لسبقِ لسانٍ أو إكراهٍ واجتهادٍ وحكايةِ كفرٍ".

وكذلك يشهد من منقول المذهب الشافعي في مسئلة كونِ المتأوِّلِ جاهلًا في غير القطعيّ لا يكفر، وكذلك حاكي كفر غيره قولُ الإمام شمس الدين محمّد ابنِ شهاب الدين أحمد الرّمليّ في نهاية المحتاج على شرح منهاج الطالبين في كتاب الردّة عند شرح قول الشيخ يحيى النوويّ رحمه الله تعالى: "الردة قطع الإسلام بنيةٍ أو قولِ كفرٍ" قال – أي الرمليُّ – ما نصُّهُ: "فلا أثر لسبق لسانٍ" أي لا يُحكَمُ بالردة في هذه الحال "أو إكراهٍ واجتهادٍ وحكايةِ كفرٍ" اهـ.

وقولُ المحشّي – أي صاحب الحاشية على الشّرح – نورِ الدّين عليٍّ الشّبرامَلّسِيِّ المتوفَّى سنة ألفٍ وسبعٍ وثمانين عند قول الرّمليّ: "واجتهادٍ" ما نصُّه: "أي لا مطلقًا كما هو ظاهر لما سيأتي من نحو كُفْر القائلين بقدَم العالم مع أنّه بالاجتهاد والاستدلال". قال المحشّي الآخرُ على الرَّملي أحمد بن عبد الرزّاق المعروفُ بالمغربيّ الرّشيديّ المتوفّى سنة ألفٍ وستٍّ وتسعين قولُه: "واجتهادٍ" أي في ما لم يقم الدليلُ القاطعُ على خلافه بدليل كفر نحو القائلين بقدم العالم مع أنّه بالاجتهاد".

ومن هنا يُعلَمُ أنّه ليس كلُّ متأوِّلٍ يمنَعُ عنه تأويلُه التكفير، فليجْعَلْ طالبُ العِلم قولَ الرشيديّ المذكور في ما لم يقيم دليلٌ قاطعٌ على ذُكْرٍ، يعني أن يكون مستحضرًا لهذه الكلمة في قلبه لأنها مهمّة، لأنّ التأوّل مع قيام الدّليل القاطع لا يمنَعُ التكفير عن صاحبه.

بيَّنَ المحشّي الشَّبرامَلِّسيُّ قول الرّمليّ: "واجتهادٍ" بأنّ المراد عدم الإطلاق، لأن المتأوّل الذي أخطأ خطأُ ينقض أصول العقيدة أي أصول الإيمان والتوحيد فإنّ تأويله لا يمنع عنه التكفير كهؤلاء الفلاسفة القائلين بأزلية العالم، فقد قالوا ذلك بالاجتهاد والاستدلال، أي أرادوا على زعمهم الوصول إلى الصّواب والحقّ ولكنهم أخطأوا خطأً يؤدّي إلى نقض أصول الإيمان فكفروا، ووافقهم في ذلك ابن سينا والفارابيُّ فكفّرهم المسلمون كما في تشنيف المسامع للزركشيّ رحمه الله تعالى.

وقول المحشّي الآخر لأي المغربيّ الرشيديّ موافق لقول الشبراملّسيّ. ويُضمُّ إلى قول هؤلاء الفلاسفة قول ابن تيمية عن العرش، فإنه قال: إن العرش جنسه قديم لا ابتداء لوجوده، أي لم يسبقه العدم كما أنّ الله لم يسبقه العدم، فساوى بقوله هذا العرش مع الله، وأيُّ كفرٍ وشركٍ هذا!! وقد نقل هذا عنه العالم العلاّمة الثقة جلال الدين الدّوانيُّ في شرح العضُدِيّة. فابن تيمية أراد على زعمه الوصول إلى الحقّ ولكنّه أخكأ في القطعيات أي ما قام الدليل القطعيُّ على خلاف كلامِهِ بحيث خالف أصول الإيمان، فلا يُعذر ولا يمنَعُ تأويلُه هذا عنه التكفير، وإلا لَلَزِمَ ترك تكفير النصارى والبوذيين وما شاكلهم من المشركين لأنهم على حسب زعمهم اجتهدوا ورأوا أن ما هم عليه حقّ فدانوا به، فالذي يعتقد أنّ كلّ متأوّلٍ يُعذَرُ مهما كان تأويله فقد عطَّل الشريعة والعياذ بالله تعالى، ولذا ينبغي أن يَجْعَل طالبُ العلم قول الشبراملّسيّ والرشيديّ على ذُكْرٍ دائمًا لأن التأويل مع قيام الدليل القاطع لا يمنع التكفير عن صاحبه.

ويُفْهَمُ ممّا تقدَّمَ أنّ المراد بالدليل القاطع ما كان قطعيًّا يستقلُّ العقلُ بالعلم به بحيث يكون مخالِفُه ناقضًا لأصل التوحيد كالدليل على حَدَث العالم، فإن من رَدَّ ذلك وزعم أزليّته بالنوع أم بالأفراد فقد كذّب بوحدانية الخالق عزّ وجلّ. وكذلك يراد بالدليل القاطع ما كان قطعيًّا يُعلمُ ثبوتُه للشخص بالنّقل كعِلْمِهِ بفرضيّةِ الصّلوات الخمس بنقل الكافة عن الكافّة، فمن بلغه بهذا الطريق ثبوتُ أمرٍ في الشرع ثم رَدَّه بدعوى التأويل أو الاجتهاد فقد كذّب الرسول وبالوحي أنزل عليه صلى الله عليه وسلم، أي نقَّصَهُ والعياذ بالله.

وقولُنا في الخوارج باستثناء بعضهم من الذين لم يُكَفّروا لثبوت ما يقتضي التكفير في بعضهم كما يؤيّده قول بعض الصّحابة الذين رَوَوْا أحاديث الخوارج.

استثناء بعض الخوارج من حكم التكفير مبنيُّ على أنّ هذا البعض لم يصل خطؤه في التأويل إلى حدّ الكفر، والمفهوم من هذا الاستثناء ثبوتُ ما يقتضي التكفير في البعض الآخر، وهذا التفصيل في الخوارج قولُ بعض الفقهاء، وعليه فإن الخوارج صنفان:

1 – صنف اقتصر ببدعته على التكفير بالذنب متأوّلًا.

2 – وصنفٌ آخرُ تعدّى ذلك إلى الحكم بكفر كلِّ من خالفَهم أو استحلال قتل أطفال المخالفين أو إنكار بعض سور القرآن، فهذا الصّنف الثاني كفّار بلا شكّ كما حكم بذلك أبو منصور التميميّ وغيره، ويؤيّدُه قولُ بعض الصحابة الذين رَوَوْا أحاديث الخوارج، فإنّ في ما رَوَوْهُ أوصافًا أُطلقت على الخوارج تقتضي كفرهم مثلُ هم شرُّ الخلق والخليقة وكلابُ النار وما شابه ذلك.

ومن هذه الأحاديث حديث أبي سعيد الخُدريّ: "يَمْرُقُون من الدّين مروقَ السّهم من الرّميّة ثم لا يعودون إليه" رواه البخاريّ في صحيحه، فهذا الحديث ظاهره يشهّدُ بتكفيرهم لأنّ فيه وَصْفَ الرسول لهم بأنّهم يخرجون من الإسلام خروج السهم من الطريدة، أي كما يصيبُ السهم الطريدة ويخرج منها بسرعة، وكذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لئن أدركتُهُم لأقتلنَّهم قتلَ عادٍ"، وفي لفظ "ثمود" وكلٌّ منهما إنّما هلك بالكفر، رواه البخاري في صحيحه. وكذلك قوله عليه الصلاة والسلام:

"هم شرُّ الخلق والخليقة" أخرجه مسلم في صحيحه، وقوله عليه الصلاة والسلام: "إنّهم أبغض الخلق إلى الله تعالى" رواه مسلم في صحيحه، ولا يوصف بذلك إلا الكفّار. والخوارج هم أول فرقة شذّت في الاعتقاد عن معتقد الصحابة، فقاتلهم سيدنا عليٌّ فأبادهم ولم يبق منهم إلا القليل.

وقد اعتمد بعض الفقهاء على هذه الأحاديث في تكفير الخوارج كلّهم دون تفصيل.

وأمّا ما يُرْوَى عن سيّدنا عليٍّ من أنّه قال: "إخواننا بَغَوْا علينا" فليس فيه حجّةٌ للحكم على جميعهم بالإسلام، لأنه لم يثبت إسنادًا عن عليّ، وقد قطع الحافظ المجتهد ابن جريرٍ الطبريُّ بتكفيرهم وغيرُهُ، وحُمِلَ ذلك على اختلاف أحوال الخوارج بأنّ منهم من وصل إلى حدّ الكفر ومنهم من لم يَصِلْ.

ما يروى عن سيدنا عليّ رضي الله عنه من أنّه قال: "إخواننا بَغَوْا علينا" ليس فيه حجّة للحكم على جميع الخوارج بالإسلام لعدم ثبوت إسناده عن سيّدنا عليّ، بل رواه البيهقي في سننه بإسنادٍ غير ثابت، ثم المشهور المعروف أنّ عليًّا رضي الله عنه قال هذه المقالة في أهل الجمل ل في الخوارج، ويقوّي ذلك ما ورد في ذمّهم من أحاديث إذ يَبْعُد بعد ذلك أن يعبّر سيدنا عليّ فيهم بقول: "إخواننا"، لا سيما أنه قطَعَ الحافظ المجتهد محمّد بن جرير الطبريُّ بتكفيرهم كما حكاه عنه الحافظ ابن حجر العسقلاني في الفتح، وقطع بذلك أيضًا غيرُهُ من الأئمّة كالقاضي عياضٍ والقرطبيّ وذلك لِمَا ورد فيهم من أحاديث.

وهذه المسئلة بعضُهم عبَّر عنها بالاجتهاد وبعضُهم عبّر عنها بالتأويل، فمِمَّنْ عبَّر بالتأويل الحافظُ الفقيه الشّافعيّ سراج الدين البُلقينيّ الذي قال فيه صاحب القاموس: "علاّمة الدّنيا"، وعبَّر بعض شُرّاح منهاج الطالبين بالاجتهاد.

مسألة عدم تكفير من أنكر حكمًا ظاهرًا من أحكام الدين إذا كان ذلك بالتأويل عبّر عنها بعضهم بالاجتهاد كالإمام شمس الدين الرّمليّ، في كتابه "نهاية المحتاج على شرحِ منهاج الطالبين" وبعضهم عبّر عنها بالتأويل كالإمام سراج الدين عُمرَ بنِ رَسْلانَ البلقينيّ، الذي قال فيه صاحبُ القاموس المحيط الفيروزآبادي: "علّامة الدنيا".

وكلتا العبارتان لا بُدّ لهما من قيدٍ ملحوظٍ، ومن هنا يُعْلَمُ أنّه ليس كلُّ متأوّل يمنع عنه تأويلُه التكفير، فلا يظنَّ ظانٌّ أنّ ذلك مطلق لأنّ الإطلاق في ذلك انحلال ومروق من الدّين، ألا ترى أنّ كثيرًا من المنتسبين إلى الإسلام المشتغلين بالفلسفة مرقوا من الدّين باعتقادهم القول بأزلية العالم اجتهادًا منهم، ومع ذلك أجمع المسلمون على تكفيرهم كما ذكر ذلك المحدّث الفقيه بدر الدين الزركشيّ في شرح جَمْع الجوامع، فإنّه قال بعد أن ذكر الفريقين منهم، الفريق القائلَ بأزليّة العالم بمادته وصورته، والفريق القائلَ بأزليّة العالم بمادته، أي بجنسه فقط ما نصُّه: "وقد ضلّلهم المسلمون في ذلك وكفّروهم".

التعبير بالاجتهاد أو بالتأويل لا بُدّ له من قيد ملحوظ، وهو أن لا يكون خطأ المتأوّل يؤدي إلى نقض أصول الإيمان بالله أو برسوله صلى الله عليه وسلم، ولذا فإنه ليس كلُّ متأوّلٍ يمنع عنه تأويلُه التكفير كهؤلاء الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام زورًا كابن سينا والفارابيّ، الذين خرجوا من الإسلام باعتقادهم بأزلية العالم ظنًّا منهم أنّ هذا هو الصواب، ولكنّ المسلمين لم يختلفوا في تكفيرهم كما ذكر ذلك الإمام بدر الدين الزركشيّ في تشنيف المسامع شرح جمع الجوامع، فقد قال فيه: "وقد ضللهم المسلمون في ذلك وكفّروهم".

وكذلك المرجئة القائلون بأنّه لا يضرُّ مع الإيمان ذنبٌ كما لا تنفع مع الكفر حسنة، إنّما قالوا ذلك اجتهادًا وتأويًا لبعض النصوص على غير وجهها فلم يُعذّرُوا.

المرجئة من جُملة الفرق التي ضلَّتْ بالتأويل، فإنّهم قالوا: لا يَضُرُّ مع الإيمان ذنب فكذّبوا ما اتفق عليه المسلمون جميعًا وعُلِمَ بينهم من الدين بالضرورة أنّ فاعل الذنب يستحق العقاب، وقد قالوا ذلك تأويلًا لبعض النصوص على غير وجهها، فإنهم حَمَلوا قول الله تعالى في سورة سبأ {وهل نُجازي إلّا الكفور} على غير معناه فقالوا: إنّ الذنب من المؤمن ليس سببًا للعذاب في الآخرة مهما كان، فحملوا معنى الآية أنْ لا عقوبة في الآخرة إلّا على الكافر، فأخطؤوا التأويل وجانبوا الصّواب وأنكروا المعلوم من الدين بالضرورة فلم يُعذَرُوا وحُكِمَ بكفرهم لمّا تأوَّلُوا القطعيَّ على غير معناه بحيث إنهم كذّبوا معنى الشهادتين. وإنّما معنى الآية على ما يقتضيه السّياق أنّه لا يُجازَى بهذا الجزاءِ الذي هو الخلود في النار إلّا الكَفُور.

وكذلك ضَلَّ فِرقٌ غيرهم وهم منتسبون إلى الإسلام، كان زيغُهم بطريق الاجتهاد بالتأويل، نسأل الله الثبات على الحق.

كذلك ضلَّ فرقٌ غيرُ المرجئة وهم ينتسبون إلى الإسلام لفظًا لكنهم مكذّبون له معنًى، كالمعتزلة القائلين بأن العبد يخلق عمله من الشّر، فقد كان زيغهم بطريق التأويل المؤدّي إلى نقض الإيمان بالله عزّ وجلّ فكفروا بسبب ذلك، نسأل الله أن يثبتنا على الحقّ وأن يُبعِدَ عنّا شُبَهَ أهلِ الضّلال.

(قاعدة)

اللّفظ الذي له معنيانِ أحدُهما نوعٌ من أنواع الكفر والآخَرُ ليس كفرًا، وكان المعنى الذي هو كفرٌ ظاهرًا، لا يُكَفَّر قائله حتى يُعرَفَ منه أيُّ المعنيين أراد، فإن قال: أردتُ المعنى الكفريّ حُكم عليه بالكفر وأجري عليه أحكامُ الردّة، وإلّا فلا يُحكَم عليه بالكفر.

اللفظ الذي له معنيان أحدهما كُفرٌ والآخَرُ ليس كفرًا، وكان المعنى الذي هو كفر ظاهرًا في الكفر، أي أنّ المعنى المتبادر للّفظ الأكثر استعمالًا فيه كفرٌ، ولكنه يحتمل أيضًا معنًى آخر على الأقلّ ليس كفرًا فعندئذٍ لا يكفّر قائله حتى يُعرف أيُّ المعنيين قصَدَ، فإن قصد المعنى الكفريّ حُكِم عليه بالكفر وأجري عليه أحكامُ المرتدين، وإلّا لا. مثال ذلك أنّ كلمة النبيّ تأتي في اللغة بمعنى الأرض المحدودبة المرتفعة، وتأتي بمعنى الإنسان الذي أوحي إليه بالنبوّة، فلو قال شخص:

الصلاة على النبيّ مكروهة، فهذا اللفظ يحتمل معنيين: أحدُهما هو الموافق للمعنى الذي تُستعمل فيه كلمة النبيّ أكثر ما تستعمل وهو الإنسان الذي أوحي إليه، فتكون هذه العبارة ظاهرةً في الكفر، لكنها تحتمل معنًى آخر توافِقُ عليه اللغةُ، وإن كان استعمالُ الكلمة فيه أقلَّ، وهو الأرض المحدودبة المرتفعةُ. فمن قال هذه العبارة يُنظَرُ إلى قصده إن أراد أنّ الصلاة على الأرض المحدودبة مكربوهة لأنّ الشخص لا يخشع في صلاته عليها فكلامه صحيح، وأمّا إن أراد أنّ الصّلاة على النبيّ محمد صلى الله عليه وسلم مكروهة فهو كفرٌ، لأنه تكذيب للشريعة، قال الله تعالى في سورة الأحزاب {إنّ الله وملائكتَهُ يصلُّون على النبيّ يا أيها الذين آمنوا صلُّوا عليه وسلِّموا تسليما}. وكذلك إذا قال قائل: "الخبز خيرٌ من الله"، فإن أراد أنه نعمة من الله فلا يكفر، أمّا إن أراد أنّ هذا أفضل من الله يكفر، لأنّ كلمة "خير" في لغة العرب تأتي بمعنى أفضل وتأتيل بمعنى نعمة، فيُحكَم على القائل بحسب المعنى الذي أراده.

وكذلك إن كان اللفظ له معانٍ كثيرةٌ، وكان كلُّ معانيه كفرًا، وكان معنًى واحدٌ منها غير كُفرٍ، لا يكفّر إلّا أن يُعرَفَ منه إرادةُ المعنى الكفريّ، وهذا هو الذي ذكره بعضُ العلماء الحنفيين في كتبهم.

من تكلم بلفظ له أوجه عديدة تقتضي التكفير ووجه واحد لا يقتضي التكفير يحكمُ المفتي بمقتضى الوجه الواحد إلّا أن يكون المتلفّظ أراد غير ذلك الوجه فلا تنفَعُه فتوى المفتي وتثبت ردّتُه، ومعنى هذا أنّ الذي يتلفّظ بلفظٍ له عدة معانٍ تقتضي التكفير ومعنًى واحدٌ لا يقتضي التكفير لا ]ُحكَمُ بكفره إلّا أن يقول إنّه أراد المعنى الكفريَّ، نقلا صاحب الحضرات عن الذخيرة من كتب الحنفية أن المسئلة إذا كان فيها وجوه توجِبُ التكفير تحسينًا للظن بالمسلم، ثم إن كان نيّة القائل الوجه الذي يمنع التكفير فهو مسلم، وإن كان نيتُه الوجه الذي يوجب التكفير لا تنفعه فتوى المفتي ويُؤمَر بالتوبة والرجوع عن ذلك وبتجديد النكاح بينه وبين امرأته اهـ،

وقد ذُكِرَ لذلك مثال عن الإمام محمد بن الحسن رضي الله عنه وهو أنّه "قيل لرجل صلِّ فقال: لا أصلّي. فإن أراد لا أصلّي لأني قد صلّيت لا يكفر، وإن أراد لا أصلّي لقولك لا يكفر، وكذا إن أراد لا أصلّي أنا متكاسل، وأمّا إن أراد أنّه لا يصلّي لأنّه مستخفّ بالصلاة فإنّه يكفر" ذُكِر هذا في فتاوى قاضيخان.

وأمّا ما يقوله بعض النّاس من أنّه إذا كان في الكلمة تسعةٌ وتسعون قولًا بالتكفير وقولٌ واحدٌ بترك التكفير آخذ بترك التكفير فلا معنى له، ولا يصح نسبة ذلك إلى مالكٍ ولى إلى أبي حنيفة كما نسب سيدُ سابق شِبْهَ ذلك إلى مالكٍ، وهو شائع على ألسنة بعض العصريّين فليتّقوا الله.

ينبغي الحذر ممّا يقول افتراءً وكذبًا بعض المؤلّفين عن مالكٍ وأبي حنيفة رضي الله عنهما أنّه إذا اختلف الناسُ على تسعةٍ وتسعين قولًا بالتكفير وقولٍ واحدٍ بترك التكفير يؤخَذُ بهذا القول الواحد، ويوردون ذلك أحيانًا في الكلمة الصريحة في الكفر، وهذا لا أصل له ولا يثبت عن مالكٍ ولا أبي حنيفة رضي الله عنهما، ولا معنى له صحيحٌ معتبرٌ، لأن العبرة للحكم بالتكفير أو عدمِهِ هي بحسب الدليل، لا باعتبار قلّةِ عدد من يقولُ بالقول كما يزعُمُ هؤلاء، وليس الاحتياط هو الأخذ بقول الأقلِّ ولا الأكثر على الإطلاق، بل الاحتياط هو لزوم جانب السلامة.

وجانبُ السلامة هو الذي يوافق دليل الشّرع لا الذي يخالفه، فهذا القول المِعْوجّ لم يَقُل به أحد من الأئمة، وإنما الذي في عبارات الفقهاء وفي مؤلفاتهم ما تقدّم بيانُهُ من أن من تكلّم بلفظ له أوجه عديدة تقتضي التكفير ووجه واحد لا يقتضي التكفير لا يُحكَمُ على المتكلِّم بالكفر إلّا أن يقول إنّه أراد المعنى الكفريّ.

قال العلماء: أمّا الصّريح أي الذي ليس له إلّا معنًى واحدٌ يقتضي التكفير فيُحكَمُ على قائله بالكفر كقول "أنا الله".

من صدر منه كفرٌ صريحٌ يكفّر ولا يُقبَلُ له تأويل إلّا إذا كان لا يفهم معنى الكلمة التي قالها لضعف إلمامه باللسان الذي قالها به، فعندئذٍ لا يكفر. فمن قال كلمةً كفريةً لا تحتمل إلّا معنى واحدًا بحسب وضع اللغة ولكن هو ظنّ أنّ لها معنًى، آخر غير كفريٍّ فقالها على هذا الوجه الذي ظنّه معنًى لها وهو غير كفريّ لا يكفّر، قاله الملّا علي القارئ في شرح الفقه الأكبر وغيرُه.

والخلاصة أنّ من حصل منه كلمةُ كفرٍ صريحٍ يُنظر إلى فهمه، فإن كان يفهم المعنى الكفريّ كَفَرَ ولو قال: لم أقصده، ولا يُقبَلُ له تأويل. وإن لم يفهم معناها الكفريَّ بل ظنّ أنّ معناها غيرُ ذلك ممّا ليس كفرًا فلا يكفّر ولكن يُنهى عن ذلك القول. وأمّا من حصل منه كلام يحتمل وجهين بحسب وضع اللغة أحدهما كفرٌ والآخَرُ ليس كذلك، فإنّه يُنظر إلى قصد المتكلّم، فإن كان أراد المعنى الكفريّ كَفَرَ وإلّا فلا يكفر كما تقدّم.

حتى لو صدر هذا اللفظ من وليٍّ في حالةى غيبة عقلِهِ يُعَزّرُ ولو لم يكن هو مكلّفًا تلك السّاعة، قال ذلك عزّ الدين بن عبد السّلام، وذلك لأنّ التعزير يؤثّر فيمن غاب عقله كما يؤثر في الصّاحي العقل، وكما يؤثر في البهائم فإنّها إذا جَمَحت فضُربت تَكُفّ عن جُموحها مع أنها ليست بعاقلة، كذلك الوليّ الذي نطق بالكفر في حال الغيبة عندما يُضرَب أو يُصرخ عليه يكفّ للزاجر الطبيعي.

لو صدر لفظ صريح بالكفر من وليٍّ في حالة غَيْبَةِ عَقْلِهِ يُعَزَّرُ كما ذكر الإمام عِزّ الدين بن عبد السّلام، ولو لم يكن مكلَّفًا تلك الساعة، وتعزيره يكون بزجرِهِ وحبسه عن الناس وعزلِهِ عنهم ونحو ذلك. يعزله الخليفة حتى لا ينفتن به بعض الناس ويصرف عليه من بيت المال إن لم يكن له مال أو من تجب نفقتُه عليه من والدٍ أو ولدٍ. ولا يتركُ الناس يختلطون به، لأن هذا من جملة المصالح العامّة.

والتعزير يؤثّر فيمن غاب عقله كما يؤثر في الصّاحي العاقل، وكما يؤثر في البهيمة إذا جَمَحَتْ، أي خرجت عن طوْعِ قائدها، فإذا زُجرَتْ بالانتهار والضّرب كفّت عن جُموحها مع أنها ليست بعاقلة، وكذلك الوليّ الذي صدر منه لفظ الكفر في حالة الغَيْبة، فإذا ضُرِب أو صُرِخ عليه كَفَّ عن التلفّظ بذلك، لأنّه بالكفِّ والانزجار خوفًا من التوبيخ أو العقاب فينقطِعُ عن ذلك، يتأثر.

على أنّ الوليّ لا يَصدُر منه كفرٌ في حال حضور عقله إلّا أن يَسْبِقَ لسانُهُ.

ما يحصل من الكلام الكفريّ من الوليّ حالة غيبة عقلِهِ لا يُكتب عليه، والولي حالة حضور عقلِهِ لا يصدر منه كفر ألبتة لأنه معصوم من ذلك، لأنّ من صار من أحباب الله وأصفيائه لا ينقلب بعد ذلك عدوًّا من أعدائه. ولكن لا يجوز أن يسبِق لسانُهُ بلفظ الكفر فلا يكتَبُ عليه كذلك. وأمّا المعصية الكبيرة التي دون الكفر أو الصغيرةُ فيجوز على الوليّ أن يقع فيهما ولكن لا يستمر على ذلك بل يتوبُ عن قُرْبٍ لشدّة مراقبته لحاله. وقد سُئِلَ الجُنَيد رضي الله عنه: هل يقع الوليُّ في الكبيرة فتلا قولَهُ تعالى {وكان أمرُ الله قدَرًا مَقْدُورًا}، أي، إذا شاء الله له ذلك حَصَلَ منه، وهذا معنى قول المصنّف رحمه الله: لأنّ الوليّ محفوظ من الكفر بخلاف المعصية الكبيرة أو الصغيرة، فإنّ ذلك لا يجوز على الوليّ لكن لا يستمرُّ عليه، بل يتوب عن قُرْبٍ.

وقد يحصل من الوليّ معصية كبيرة قبل موته بقليل لكن لا يموت إلّا قد تاب كطلحة بن عبيد الله والزُّبَيْر بن العوام رضي الله عنهما، فإنهما خَرَجا على أمير المؤمنين عليّ رضي الله عنه بوقوفهما مع الذين قاتلوه في البصرة، فذكَّرَ عليٌّ كُلًّا منهما حديثًا، أمّا الزُّبَير فقال له: ألم يقل لك رسول الله: "إنّك لَتقاتِلَنَّ عليًّا وأنت ظالم له" فقال: "نسيت"، فذهب منصرفًا عن قتاله ثم لَحِقَهُ في طريقه رجلٌ من جيش عليٍّ فقتله، فتاب بتذكير عليٍّ له، فلم يَمُت إلّا تائبًا.

طلحة بن عُبَيد الله والزُّبَير بن العوّام رضي الله عنهما من الصحابة المبشرين بالجنّة، ومع ذلك حصلت منهما معصية كبيرة ثم تابا منها قبل موتهما بقليل، فقد وقفا في المعسكر الذي كان ضدَّ سيدنا عليٍّ رضي الله عنه.

أمّا الزبير فقد ذكّره سيدنا عليّ بقول الرسول له: "إنّك لَتُقاتِلَنَّ عليًّا وأنت ظالم له" فانصرف من ذاك المعسكر تائبًا من تَرْكِ طاعةِ عليٍّ، ثم لحِقَه في طريقه رجل من جيش عليّ، يقال له عمرو بن جرموز، فرماه برمح في موضع يُسَمّى وادي السِّباع فقتله، فلم يمت الزبير رضي الله عنه إلّا تائبًا. وهذا يدل على جواز وقوع الكبيرة من الوليّ ولكنه لا يقيم عليها غافلًا، بل يتوب منها بسرعة لأنّ حاله عدم الاستغراق بالغفلة عن طاعة الله عزّ وجلّ.

وأمّا طلحة فقال له عليّ: ألم يَقُل رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من كنتُ مولاه فعليّ مولاه" فذهب منصرفًا، فضربه مروانُ بن الحكم فقتله، وهو أيضًا تاب وندم عن ذِكر عليّ له هذا الحديث، فكلٌّ منهما ما مات إلّا تائبًا.

كذلك طلحة مات تائبًا من وقوفه في المعسكر الذي كان ضدَّ سيدنا عليّ رضي الله عنه، فقد ذكره سيدنا عليّ بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "من كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه"، أي من كان النبيّ صلى الله عليه وسلم ناصِرَهُ فعليّ ينصرُهُ، أي كما أنّ النبيّ صلى الله عليه وسلم ينصر صاحب الحقّ على وَفق الشرع كذلك عليّ لا ينصر إلا صاحب الحقّ على وفق الشرع، ففَهِمَ طلحة أن الحقّ في جانب عليٍّ رضي الله عنه، فأراد عندما سمع ذلك أن يترك الوقوف مع المعسكر المضادِّ لأمير المؤمنين، فرماه بسهم مروان بن الحكم فقتله، كما رُوِيَ من طُرُقٍ عند ابن سعدٍ وغيرِهِ، وكان مروان في المعسكر المضادِّ لعليّ، فما مات إلا تائبًا رضي الله عنه.

وكِلا الحديثَيْنِ صحيح، بل الحديث الثاني متواتر.

الحديث الأول، "إنّك لتُقاتِلنَّ عليًّا وأنت ظالم له"، رواه الحاكم في المستدرك وقال: حديث صحيح، ووافقه الذهبيّ، وكذلك الثاني "من كنتُ مولاه فعليّ مولاه" فقد رواه الترمذي في سننه وقال: حسن صحيح، بل هو متواتر كما ذكر الحافظ السّيوطيّ في الأزهار المتناثرة والحافظ الزبيدي في "لَقْطِ اللآلئ"، فلا يُنسَبُ إلى طلحة أو الزبير رضي الله عنهما سوء الخاتمة"، ولا الحطّ من منزلهما، فقد شاء الله تعالى أن يكونا من أفضل صحابة الأنبياء، ولذا ما جاءهما الموت إلّا بعد أن خرجا من مخالفة أمير المؤمنين الواجبِ الطّاعة.

وقد ذكر الإمام أبو الحسن الأشعريّ أنّ طلحة والزُّبير مغفورٌ لهما لأجل البشارة التي بشّرها رسول الله بها مع ثمانية آخرين في مجلس واحدٍ، فهذا من الإمام أبي الحسن الأشعريّ إثباتٌ أنهما أثِما.

ذكر الإمام أبو الحسن الأشعري أنّ طلحة والزبير مغفورٌ لهما بسبب البشارة التي بشّرها رسول الله صلى الله عليه وسلم بها مع ثمانية آخرين في مجلس واحد، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبو بكر في الجنّة عمر في الجنّة عثمان بن عفّان في الجنّة علي بن أبي طالب في الجنّة طلحة بن عبيد الله في الجنة الزّبير بن العوَّام في الجنّة، سعد بن أبي وقّاص في الجنّة أبو عبيدة بن الجراح في الجنة عبد الرحمن بن عوف في الجنّة وسعيد بن زيد في الجنّة" وهو حديث صحيح رواه أبو داود والترمذيّ والنّسائي وابن ماجة وغيرهم.

وقول الأشعريّ أنّ طلحة والزّبير مغفور لهما إثبات منه أنهما وقعا في الذنب، ففيه التّصريح إلى ما سبق ذكره من جواز وقوع الوليّ في المعصية الكبيرة إلّا أنّه يتوب منها بسرعة بسبب مداومته مراقبة النفس وتوفيق الله له.

وكذلك قال في حقّ عائشة لأجل أنّها مبشّرة أيضًا، وكانت نَدِمَت نَدَمًا شديدًا من وقوفها في المقاتلين لعليّ، حتى كانت حين تذكُرُ سيرها إلى البصرة ووقوفَها مع المقاتلين لعليٍّ تبكي بكاءً شديدًا يبتلُّ من دموعها خمارُها، وهذا متواتر أيضًا.

وكذا ما حصل من عائشة يدلّ على ما ذُكِرَ قَبْلُ، وقد بكت بكاءً ابتلَّ من دموعها خمارها ندمًا على وقوفها مع المقاتلين لعليٍّ رضي الله عنه. روى ذلك ابن سعد وابن عبد البَرّ وغيرُهما، وهذا أيضًا متواتر.

وقال في غيرهما من مقاتلي عليّ من أهل وقعة الجمل ومن أهل صفّين الذين قاتلوا مع معاوية عليًّا: "مجوَّز غفرانه والعفو عنه"، كما نقل ذلك الإمام أبو بكر ابن فُورك عن أبي الحسن الأشعريّ في كتابه "مجرد مقالات الأشعريّ"، وابن فورك تلميذُ تلميذِ أبي الحسنِ الأشعريّ، وهو أبو الحسن الباهليّ رضي الله عنهم.

كذلك ذكر الإمام أبو الحسن الأشعريّ في حقِّ من قاتل سيدنا عليًّا من أهل وقعة الجمل وأهل صفّين: "إن خطأهم مجوَّز غفرانه والعفو عنه"، أي ويجوز عدم غفرانه فيتعذب مرتكبه بسببه عندئذٍ، وفي هذا دلالة على أنّه إثم محرَّم، لكنّه لا يبلغ درجة الكفر كما تقول الرافضة.

وقول الأشعري نقله عنه الإمام أبو بكر بن فُورك في كتابه "مجرّد مقالت الأشعريّ". وابن فورك تلميذ أبي الحسن الباهليّ، والباهليّ تلميذ الأشعريّ، فابن فورك تلميذُ تلميذِ الأشعريّ رضي الله عنهم, وقد ترجم الحافظ ابن عساكر أبا الحسن الباهليّ في "التبيين" وفيه أنه كان يقول: "أحسن أحوالي أن أفهم كلام أبي الحسن الأشعريّ"، وكان بعض تلاميذه يقول: "أحسن أحوالي أن أفهم كلام أبي الحسن الباهليّ".

وما يظنّ بعض الجهلة من أنّ الوليّ لا يقع في معصية فهو جهل فظيع، فهؤلاء الثلاثة طلحة والزّبير وعائشة من أكابر الأولياء.

ما سبق بيانه يدل على أنّ الوليّ يقع في المعصية التي هي دون الكفر، ومن ظن أنه لا يقع في معصية فهو جهل كبير، حتى قال الشيخ خالد النّقشبنديّ: "من ظنّ أنّ الوليّ لا يقع في معصية فهو لم يعرف الفرق على التّمام بين النبيّ والوليّ"، وهؤلاء الثلاثة طلحة والزبير وعائشة من أكابر الأولياء، ومع ذلك صدر منهم ما صدر، لكنهم أسرعوا بالتوبة كما هو شأن الأولياء، نفعنا الله تعالى بهم وبلّغنا مراتِبَهم.

قال إمام الحرمين الجوينيّ: "اتّفق الأصوليّون على أنّ من نطق بكلمة الردّة – أي الكفر – وزعم أنّه أضمر تورية كفّر ظاهرًا وباطنًا"، وأقرّهم على ذلك، أي فلا ينفعه التأويل البعيد، كالذي يقول – بعاميّة بعض البلاد -: "يلعن رسول الله"، ويقول قصدي برسول الله الصواعقُ.

هذا القول ذكره إمام الحرمين عبد الملك الجوينيّ في كتاب "الإرشاد"، ومعناه من نطق بكلمة الردّة الصّريحة، أي باللفظ الصّريح بالكفر، وزعم أنّه أضمر تورية، أي معنًى بعيدًا لا تحتمله اللغة، غير المعنى المتبادر من الكلمة، فإنه لا يقبل منه تأويله، بل يكون كافرًا ظاهرًا وباطنًا، أي يُحكمُ عليه بحكم الكفّار عندنا، كما أنه يكون خارجًا من الإسلام عند الله تعالى.

مثال ذلك من يقول: "يلعن رسول الله" ويقول قصدي برسول الله الذي ألعَنُه الصواعِقُ، ويقول: "أليس الله يُرسِلها"، أو يقول: "قصدي برسول الله العقرب، فإنّ الله يرسله على من يلدَغُه" فهذا يكفّر ول ينظر إلى تأويله هذا، لأن اللغة لا تحتمل هذا المعنى الذي ادّعى أنذه يقصده مع علمه بذلك، إذ لا يخفى على من مارسَ لسان العرب أنّهم لم يُسَمُّوا الصّاعقة رسولَ الله قطّ، ولا سمَّوْا العقرب بذلك قطُّ. ومِمّن نصَّ على هذا الحكم الذي ذكره الإمام العبدريُّ رحمه الله القاضي عياضٌ في كتابه "الشّفاء".

ومن التورية البعيدة التي لا يحتملها اللفظ قولُ بعض جهلة المتصوّفة:

وما الكلب والخنزيرُ إلّا إلهنا *** وما الله إلّا راهب في كنيستي

ويقولون في تأويله إذا أنكِرَ عليهم: "إلهنا" معناه إلى الأرض، أي الكلب والخنزير مرجِعُهما إلى التراب. وهم في هذا كاذبون كما يدل عليه إيرادُهم الشطر الثاني.

بذكرِ الله تزدادُ الذّنوبُ *** وتنطمِسُ البصائر والقلوبُ

ويؤولونه قائلين: "إنّ المراد الذّكر مع الغفلة"، فهذا التأويل غير مقبول لأن اللفظ المنقول لا يحتمله.

والحذر من هؤلاء الذين يؤولون الكفر الصّريح لمن يفهم معناه، فهذا الحلّاج أصدِرَ عليه حكم الردّة لقوله "أنا الحقّ" يريد أنه الله ونحو ذلك من كلمات الردّة الصريحة في الكفر، فلم يُؤوَّل له، بل أصدَرَ القاضي أبو عمر المالكيّ في بغداد أيام الخليفة المقتدر بالله حكمًا عليه، فقطعت يداه ورجلاه، ثم قطعت رقبته ثم أحرقت جثته ثم ذُرَّ رمادُهُ في دِجْلَة، كما في تاريخ بغداد وكتاب الشفا بتعريف حقوق المصطفى. وهذا التشديد عليه ليرتدع أتباعه، لأنه كان له أتباع عُرِفوا بالحلاجيّة.

وكان الإمام الجنيد رضي الله عنه سيّد الطائفة الصّوفية تَفَرَّس فيه بما آلَ إليه أمره فقال له: "لقد فتحت في الإسلام ثغرةً لا يسدُّها إلّا رأسُك" أورده المناوي في الكواكب الدريّة.

وجهلة المتصوّفة خالفوا سيّد الصّوفيّة الجنيد، فصاروا يهوّنون أمر النّطق بكلمات الكفر ممّن ينتسب إلى التصوّف، فلا يكفّرون أحدًا منهم لقوله "أنا الله" أو "أنا الحقّ" أو قال: "إن الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم جميع ما يعلمه الله، أو قول بعضهم: الله يحُل في الأشخاص"! وأمّا الصوفية الحقيقيون فهم بريئون منهم، فهؤلاء في وادٍ وأولئك في وادٍ آخر، بل قال الإمام الجنيد رضي الله عنه: لو كنتُ حاكمًا لضربت عنق من سمعته يقول "لا موجود إلا الله". ذكره صاحب اليواقيت والجواهر فيه، وهذه الكلمة، أي قولهم "لا موجود إلا الله" أحدثها ملاحدة المتصوّفة الذين يعتقدون وحدة الوجود، ثم بعض العوامّ من المسلمين صاروا يردّدونها من غير فهم لمعناها،

ويظنون أنّ معناها أنّ الله هو المسيطر على كلّ شيء فهؤلاء لا يكفّرون لأنهم لا يفهمون معناها الكفريَّ. وهذه الكلمة كانت في الفلاسفة اليونانيين، فقد كانوا يرَوْن أنّ جملة العالم هو الله بما فيه من ذوي الروح والجماد، فأخذها عنهم بعض جهلة المتصوّفة حتى قال بعض الشاذلية اليشرطية لبعض النّاس الذين حضروا مجالسهم: "أنت الله وهذا الجدار الله" والعياذ بالله تعالى.

وقد عدَّ كثير من الفقهاء كالفقيه الحنفيّ بدر الرشيد، وهو قريب من القرن الثامن الهجريّ أشياء كثيرة فينبغي الاطّلاع عليها، فإنّ من لم يعرف الشّرّ يقع فيه فليُحذَر.

ممّن ذكر أشياء كثيرةً من أمثلة المكفِّرات الفقيه الحنفيّ بدر الرّشيد المتوفّى سنة ثمانٍ وستين وسبعمائة، وذلك في رسالة تُعرَف برسالة البدر الرّشيد في الألفاظ المكفّرات للتحذير من الوقوع فيها، فإنّ من لم يعرف الشّر يقع فيه من غير أن يعرف أنّه شرّ.

فقد ثبت عن أحد الصّحابة أنّه أخذ لسانه وخاطبه: "يا لسان قل خيرًا تغنَمْ، واسكت عن شرٍّ تسلم من قبل أن تندم، إنّي سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: أكثر خطايا ابن آدم من لسانه"، ومن هذه الخطايا الكفر والكبائر.

هذا الحديث رواه الطّبرانيّ في المعجم الكبير بإسناد صحيح من حديث عبد الله بن مسعود، وقال الهيثميّ: "ورجاله رجال الصحيح"، ومعناه أنّ من قال مِن الكلام ما هو خير كذكر الله، وأفضله التهليل، كسَب ثوابًا، وأنّ من أمسك لسانه عما فيه معصية فقد حفِظ نفسه وسَلِمَ، لأنّ من لم يحفظ لسانه فقد عرّض نفسه للهلاك، لأنّ أكثر المهالك سببُها اللسان، فإن مات وهو على هذه الحال فإنّه يندم يوم لا ينفع النّدم.

وفي حديث آخر للرسول صلى الله عليه وسلم: "إنّ العبد ليتكلّم بالكلمة ما يتبيَّنُ فيها يهوي بها في النّار أبعد ممّا بين المشرق والمغرب" رواه البخاريّ ومسلم من حديث أبي هريرة.

معنى حديث الشيخين أنّ الإنسان قد يتكلم بكلمة لا يرى أنّ فيها ذنبًا، ولا يراها ضارّةً له، يستوجب بها النزول في جهنّم أبعدَ ممّا بين المشرق والمغرب، أي فيصِلُ إلى قعرها كما يدلّ على ذلك حديث التّرمذيّ مرفوعًا: "إنّ الرجل ليتكلّم بالكلمة لا يرى بها بأسها يهوي بها في النّار سبعين خريفًا" أي سبعين سنة، وذلك قعر جهنّم الذي لا يصله عصاة المسلمين. وفي هذا الحديث بيان واضح على أنّ الكلمة الكفريّة توقع صاحبها في الكفر من غير فرق بين أن يكون منشرحَ البال أو غير منشرح.

وكذلك عُلِمَ أنّ المسافة التي توصل إلى قعر جهنم هي سبعون سنة من الحديث الذي فيه أنّه بينما كان رسول الله صلى الله عليه مع بعض الصحابة إذ سمعوا وَجْبَةً أي صوتًا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أتدرون ما هذا؟" قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "هذا حجر رُمِيَ به في النّار منذ سبعين خريفًا فهو يهوي في النّار الآن حتى انتهى إلى قعرها" رواه مسلم في صحيحه.


(7) أي فيما ثبت بالأدلة القطعية.

(8) نكت أبي زرعة على 1- المنهاج للنوويّ، يعلّق على قول النووي: الردة قطع الإسلام، 2 – والتنبيه للشيرازي بنيةٍ أو قول كفرٍ قال ينبغي. 3 – والحاوي للقزوينيّ أن يقال بلا تأويل لإخراج المتأولين.

(9) البغاة لديهم تأويل فاسد بسببه استحلوا مقاتلة الإسلام علي، لديهم تأويل حملهم على الخروج عن طاعته وقتاله.